(وذلك قولك: أقائما وقد قعد الناس، وأقاعدا وقد سار الركب، وكذلك إن أردت هذا المعنى ولم تستفهم تقول: قاعدا قد علم الله وقد سار الركب، وقائما قد علم الله وقد قعد الناس).
قال أبو سعيد: هذا الباب مثل ما مضى في الباب الذي قبله من قولك: أقياما والناس قعود، وأطربا وأنت قنّسريّ، غير أنّ الباب الأوّل بمصدر وهذا باسم الفاعل، وقدّره سيبويه أن العامل فيه مثل الفعل الذي يعمل في المصدر، فقال: وكأنّه يقوله أتقوم قائما، وأتقعد قاعدا، ولكنّه حذفه استغناء، وهذا ينكره بعض الناس لأنّ لفظ الفعل لا يكاد يعمل في اسم الفاعل الذي من لفظه، وإذا جاء ذلك صرف إلى أنّه مصدر لاسم الفاعل كقولهم: قائما تريد قياما، هكذا قال أبو العبّاس المبرّد، ويلزمه على قوله إذا كان
_________________
(١) شرح أبيات سيبويه للنحاس ١٧٥؛ وهو بلا نسبة في اللسان (سمع- حقا).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
العامل في قائما أيقوم، وفي قاعدا أيقعد أن يكون قائما في معنى قياما، وقاعدا في معنى قعودا.
والقول عندي ما قاله سيبويه؛ لأنّه قد تكون الحال توكيدا كما يكون المصدر توكيدا، وإن كان الفعل قد دلّ عليه قول الله ﷿ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (١).
ولا يجوز إضمار الفعل الدالّ على الحال إلّا أن تكون الحال المشاهدة تدل عليه، ولا يجوز أن يقول إنسان- مبتدئا من غير حال تدل-: " قائما يا زيد " كما تقول: يجوز " قياما يا زيد " لأنّ المصدر مأخوذ من لفظ الفعل فهو دال على فعل معيّن دون غيره.
وإذا قال قائما يا زيد، لم يدلّ على فعل محصور لأنّه يجوز أن يقول: اثبت قائما، وتكلم قائما، واضحك قائما، وما أشبه ذلك مما لا يحصر، وإنّما جاز أن يقول: أقائما وقد قعد النّاس، لما شوهد منه من القيام والتعمّل له.
قال سيبويه: " (ومثل ذلك قوله: عائذا بالله من شرّها؛ كأنه رأى شيئا يتّقى فصار عند نفسه في حال استعاذة حتّى صار بمنزلة الذي رآه في حال قيام وقعود
فقال: عائذا بالله؛ كأنه قال: أعوذ بالله عائذا).
وإذا ذكرت شيئا من هذا الباب فالفعل متّصل في حال ذكرك إيّاه وأنت تعمل في تثبيته كما كان ذلك في الباب الذي قبله.
(وقال الشاعر، وهو عبد الله بن الحارث السهمي، من الصحابة:
ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني (٢)
كما قال في المصدر عياذا بك، ومثله:
أراك جمعت مسألة وحرصا وعند الحقّ زحّارا أنانا) (٣)
قال أبو سعيد: زحّارا فعّال من زحر يزحر زحرا، وأنان في معنى: أنين، كما يقال:
نهيق ونهاق في باب الأصوات، لأن الزحير صوت.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٧٩.
(٢) البيت ينسب إلى: عبد الله بن الحارث السهمي: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤٧٥؛ شرح المفصل ١: ١٢٣؛ تاج العروس واللسان (عوذ).
(٣) البيت ينسب إلى: المغيرة بن حبناء: تهذيب إصلاح المنطق ٢٨٠؛ تاج العروس واللسان (زحر).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
قال سيبويه: (كأنه قال: زحيرا، وأنينا، والأولى عندي أن نجعل أنانا مصدرا للفعل الذي يعمل في زحّار، أو لزحّار نفسه فيكون التقدير: تزحر أنينا، لأنّ يزحر ويئنّ يتقاربان؛ فهو مثل قولك: تبسّمت وميض البرق، وإنما اخترت هذا لأنّه لا واو في قولك زحّارا أنانا).