(وذلك قولك: كلمته فاه إلى فيّ، وبايعته يدا بيد، كأنه قال: بايعته نقدا، وكلمته مشافهة، أي في هذه الحال).
قال أبو سعيد: اختلف الناس في ما نصب فاه، فأصحابنا يقولون: إن الناصب:
كلمته، وإنه لا إضمار فيه، وجعلوه نائبا عن: مشافهة التي معناها: مشافها، وجعلوه من الشاذ المحمول على غيره، لأنه معرفة، وأنه اسم غير صفة، فصار بمنزلة قولك: الجمّاء الغفير، ورجع عوده على بدئه. وقد ذكرنا شرح ذلك.
والكوفيون ينصبون: فاه بإضمار: جاعلا.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٧٦.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٩.
(٣) سورة الحديد، الآيتان: ٢٨، ٢٩.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
كأنه قال: كلمته جاعلا فاه إلى في، ولو كان على ما قالوا من إضمار: جاعل ما كان فيه شذوذ، ولجاز أن يقال: كلمته وجهه إلى وجهي، وعينه إلى عيني، ولم يقل هذا أحد فدلّ على أنه شاذ، كما قال أصحابنا فلذلك لم يقس عليه، وأكثر أصحابنا أجاز تقديم فاه منصوبا لما كان العامل فيه: كلمته، وهو فعل ومعمول، كقولك: قائما ضحك زيد، وضحك زيد قائما.
ولهذا أجاز المازني والمبرد: شحما تفقأت، ولم يجيزا: زيد ثوبا أنظف منك، تريد:
زيد أنظف منك ثوبا، لاختلاف العاملين. ومن أصحابنا من زعم أن مذهب سيبويه يمنع أن يقال: فاه إلى فيّ كلمته، لأن هذا كلام في غير موضعه، وقد منع سيبويه: جاء زيد سرعة قياسا على جاءني زيد مشيا، لأن مشيا بمعنى: ماشيا، ليس بقياس يطرد في نظائره، فإذا منع القياس في هذا كان في تقديم فاه أولى.
والكوفيون يمنعون تقديمه- أيضا- مع قولهم: إن العامل فيه: جاعل، ويلزمهم جوازه لأن جاعلا لا يمنع من العمل فيما قبله.
قال سيبويه: (وبعض العرب يقول: كلمته فوه إلى في، كأنه قال: كلمته وفوه إلى في، أي كلمته، وهذه حاله).
قال أبو سعيد: من رفع فالتقدير: كلمته أي: كلمته وهذه حاله، ومن نصب فليس على تقدير الواو ألا تراك تقول: كلمت زيدا قائما، وكلمت زيدا وهو قائم إذا أتيت بالواو في موضع الحال لم يكن ما بعدها إلا مبتدأ وخبر، فأما بايعته يدا بيد فلا يجوز بايعته يد بيد ولا بايعته ويد بيد، وليس إلا النصب لأنك لو رفعت كان التقدير: بايعته ويده في يدي، وليس هذا هو الغرض بل معنى قولهم: بايعته يدا بيد، أي: بايعته بالنقد والتعجيل سواء كان منه قريبا أو بعيدا، وإذا قال كلمته فوه إلى في فإنما تريد أن تخبر عن قربه منه وأنه مشافهة وليس بينهما أحد، ومثله من المصادر مما تلزمه الإضافة ويجوز فيما بعده الابتداء وأن يكون حالا قولهم: رجع فلان عوده على بدئه، كأنه قال:
أتاني فلان عودا على بدء، غير أنه لا يستعمل مفردا في الكلام وإنما قدرناه مفردا ليبين، ومن قال كلمته فوه إلى في، أجاز الرفع في قوله قال: رجع فلان عوده على بدئه، كأنه قال: أتاني فلان عودا على بدء، غير أنه لا يستعمل مفردا وإنما قدرناه مفردا، والمعنى: رجع فلان وعوده على بدئه، والمعنى لم يتغير.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
قال سيبويه: (ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه الفعل بعت الشاء شاة ودرهما، وقامرته درهما في درهم، وبعت داري ذراعا بدرهم، وبعت البرّ قفيزين بدرهم، وأخذت منه زكاة ماله درهما لكل أربعين درهما، وبينت له حسابه بابا بابا، وتصدقت بمالي درهما).
قال أبو سعيد: هذه هي الأسماء المنصوبة هي حالات جعلت في موضع مسعرا، فإذا قال: بعت الشاء شاة بدرهمين، فالمعنى: بعت الشاء مسعرا على شاة بدرهم، وجعلت الواو في معنى الباء فبطل خفض الدرهم وعطف على شاة، فاقترن الدرهم والشاة فعطفت أحدهما على الآخر، وإن كانت الشاة مثمنا والدرهم ثمنا، وأما قامرته درهما في درهم فالمعنى: قامرته هذا الضرب من القمار، والتقدير: قامرته بادلا درهما في درهم، ثم جعل درهما في موضع الحال، وهكذا بعته داري ذراعا بدرهم، وبعت البر قفيزين بدرهم، على معنى مسعرا بهذا السعر، وأخذت منه زكاة ماله درهما لكل أربعين درهما، فإنه قال:
أخذت زكاة ماله فارضا أو مقدرا هذا الفرض، والتقدير: وبينت له حسابه بابا بابا أي:
مصنفا ومبوبا وتصدقت بمالي درهما درهما، أي مفرقا هذا التفريق فأما صاحب الحال في هذا فإن الذي منه الحال في: بعت الشاء شاة، ودرهما هو الشاء، وأما في قامرته فيجوز أن يكون من الهاء، ويجوز أن يكون منهما
لأنهما بمعنى واحد، ألا تراك تقول: تقامرنا درهما في درهم فتكون الحال من الاثنين، أي: تقامرنا متقامرين هذا الضرب من القمار، وقد يقول القائل: ضربت زيدا قائمين والمعنى: أنهما جميعا قائمان ومن بعت داري من الدار ومن بعت البر من البر، وأما أخذت زكاة ماله فيجوز أن يكون من التاء ويجوز التقدير: فارضا هذا الفرض ويجوز أن يكون من الزكاة فتكون مفروضة هذا الفرض، وأما بينت حسابه بابا بابا فيجوز أن يكون من التاء على معنى: مصنفا ومبوبا، ومن تصدقت بمالي، يجوز أن يكون من المال فيكون مفرقا ومن التاء فيكون مفرقا هذا الضرب من التصريف وقوله (فأما قول الناس:
كان البرقفيزين وكان السمن منوين، فإنما استغنوا هاهنا عن ذكر الدرهم لما في صدورهم من علمه، ولأن الدرهم هو الذي يسعر عليه) قال المفسر: فإنه يريد أنهم قد حذفوا الثمن في هذا لما عرف بعادة الناس في ذلك؛ لأنهم قد اعتادوا الابتياع بثمن بعينه، دراهم أو دنانير فتركوا ذكره اكتفاء بمعرفته، كما يقال لنا: الخبز عشرة، أي: عشرة
[ ٢ / ٢٨٤ ]
أرطال بدرهم، والكرّ بثلاثين، يراد: الكرّ من الحنطة، وبينت حسابه بابا بابا لأن الحذف هناك يغير المعنى، وهذا غير مغيّر لما عرف مكانه.
وقوله: (وزعم الخليل أنه يجوز أن تقول بعت الشاء شاة ودرهم، وإنما تريد:
شاة بدرهم)، فإنه يريد أن شاة بدرهم ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، والتقدير:
شاة منه ودرهم مقرونان، كما يقال: كل رجل وضيعته بمعنى: مع ضيعته وكذلك شاة منه مع درهم، لأن الواو في معنى مع، فصح معنى الكلام بذلك، فلما رفع الدرهم وعطف على الشاة قدّر خبرا.
لا يخرج عن معنى (مع)، وهو ومقرونان ونحوه، وعلى هذا يجوز في قول الخليل:
بعت الدار ذراع ودرهم، وتكون الجملة في موضع الحال، كأنه قال: بعت الدار مسعّرة هذا السعر.
قال: (وزعم الخليل أنه يجوز بعت داري الذراعان بدرهم، وبعت البر القفيزان بدرهم)، ولا يجوز بعت داري الذراعين بدرهم، ولا بعت البرّ القفيزين بدرهم، لأنه في موضع الحال، ولا يجوز أن تكون بالألف واللام.
وقوله: (كلمته فاه إلى فيّ) شاذ لا يقاس عليه، وإنما جعل بمنزلة المصدر الذي يكون حالا وهو معرفة نحو: أرسلها العراك، وفعلت ذاك طاقتي. (وليس كل مصدر في هذا الباب تدخله الألف واللام ويكون معرفة بالإضافة)، فيصير حالا، فالأسماء المعارف أبعد أن تكون حالا من المصادر، ألا ترى أنك تقول: لقيته قائما وقاعدا، ولا تقول: لقيته القائم والقاعد، فلذلك لم يجز أن تقول: بعت البر القفيزين بدرهم ولا بعت الدار الذراعين
بدرهم لأنك تجعله في موضع مسعر وفيه الألف واللام، وإنما جاز:
الذراعان بدرهم، والقفيزان بدرهم لأنه مبتدأ وخبر في موضع الحال، والعائد إلى الأول ضمير محذوف كأنه قال: الذراعان منها والقفيزان منه بدرهم، كما تقول: لقيت زيدا أبوه قائم، فتكون الجملة في موضع الحال ل (زيد). ومثله: بعت الثوب ربح الدرهم درهم، فربح: مبتدأ، ودرهم: خبره، والجملة في موضع الحال، كأنه قال: ربح الدرهم فيه درهم.
وقوله: (قال الخليل: لا يجوز: ربحت الدرهم درهما حتى تقول: ربحت في الدرهم درهما أو الدرهم وكذلك وجدنا العرب تقول قال: (ولا يجوز حذف الجار إلا فيما استعملت العرب حذفه، ألا ترى أنك لا تقول: مررت أخاك، تريد: بأخيك) ولا
[ ٢ / ٢٨٥ ]
رغبت زيدا وأنت تعني: رغبت في زيد، ولا تكلمت زيدا، وأنت تعني: تكلمت في زيد، ولا نزل زيدا، وأنت تعني: نزل علي زيد لأن هذا ليس من صفة الكلام فإنه يريد أنه ليس بمنزلة بايعته يدا بيد، الذي هو من صفة البيع، لأنه يعطي بيد ويأخذ بيد، ولا تقول: كلمته يدا بيد لأنه لا علقة للكلام في ذلك.
وقوله: (قال الخليل: إن شئت جعلت رجعت عودك على بدئك مفعولا، ولا بمنزلة قولك: رجعت المال على زيد، ورددت المال عليك، كأنه قال: ثنيت عودي على بدئي)، فإنه يريد أن قوله رجع زيد عوده على بدئه، يكون عوده بدأ نصبا يرجع على أنه مفعول به، كما تقول: رجعت زيدا، أي: رددته، كما قال تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ (١)، أي: ردك الله، وكذلك إن قدرته على: ثنيت عودي على بدئي فهو مفعول به لأن معناه: عطفت، ولا يكون حينئذ في موضع الحال.