(وذلك قولك: هذا عبد الله حقّا، وهذا عبد الله الحقّ لا الباطل، وهذا زيد غير ما تقول.
وزعم الخليل أنّ قوله: " هذا القول لا قولك "، إنّما نصبه كنصب " غير ما تقول "؛ لأنّ " لا قولك " في ذلك المعنّى. ألا ترى أنّك تقول: هذا القول لا ما تقول، فهذا في موضع نصب، فإذا قلت لا قولك فهو في موضع لا ما تقول).
قال أبو سعيد: حقّا وما بعده مصادر، والناصب لها فعل قبلها يؤكد الجملة، وذلك الفعل أحقّ أو ما جرى مجراه، وذلك أنك إذا قلت هذا عبد الله جاز أن يكون كلامك قد جرى على يقين منك وتحقيق، وجاز أن يكون على شكّ، ويجوز أن يكون حقّا معرفة ونكرة لأنه ليس بحال، وإذا قلت: الحقّ لا الباطل؛ فالباطل عطف على الحق بلا كما
[ ٢ / ٢٦٥ ]
تقول: رأيت زيدا لا عمرا، وإذا قلت: هذا زيد حقّا لا باطلا، وإن شئت: هذا زيد أقول غير ما تقول، إذ قد عرف أن قول المخاطب باطل فكأنه قال: أقول الحقّ، وإذا قال: هذا القول لا قولك فكأنه قال: هذا القول لا أقول قولك إذ كان باطلا.
(ومثله في الاستفهام: أجدّك لا تفعل كذا وكذا؟ وأصله من الجدّ، كأنه قال:
أجدّا، غير أنه لا يستعمل إلا مضافا).
حتى يعلم من صاحب الجد، ولا يجوز أن تترك الإضافة في قولك: هذا القول لا قولك، أو غير قولك لم يكن ما نفيته بلفظ على البطلان، ولو نعتّه بشيء يدلّ على أنه باطل لجاز لو قلت: هذا القول غير قولك باطلا، أو قيل: كذب ضعيف أو نحو ذلك ممّا يدلّ على قوّة ضده وصحته لجاز وكان فيه توكيد، والمبتغى من ذلك أن تحصل الفائدة للتوكيد.
(ومن ذلك أيضا: قولك: قد قعد البتّة، ولا يستعمل إلا معرفة بالألف واللام، كما أن جهدك وأجدّك لا يستعملان إلا معرفة بالإضافة) كما لزم بعض ما مضى من المصادر التعريف، كقولك: سبحان الله، ولبيك وسعديك، وعمرك الله وقعدك.
(وأمّا الحقّ والباطل فيكونان معرفة بالألف واللام ونكرة؛ لأنهما لم ينزلا منزلة ما لم يتمكّن من المصادر).
وفي نسخة الزجّاج: منزلة ما لم يتمكن من المضاف كسبحان وسعديك.
فقال الزجاج: إذا قلت: " هذا زيد حقّا "، " وهذا زيد غير " قيل: باطل، لم يجز تقديم حقّا، لا تقول حقّا هذا زيد؛ فإن ذكرت بعض هذا الكلام فوسّطته وقلت: زيد حقّا أخوك، وزيد قائما أخوك، وطولت بالفرق بين " زيد حقا أخوك وزيد قائما أخوك " على الحال، فقيل له أنت لا تجيز: زيد قائما أخوك إذا أردت به الصّداقة لا غير؛ لأنه غير متمكّن فلم أجزت: زيد حقا أخوك؟ فقال: إنما امتنعت تقديم الحال لأنّ العامل فيه أخوك وليس بعامل قويّ، فإذا قلت: " حقّا " فالعامل فيه أحقّ وهو فعل مضمر، فإذا ذكرت بعض الكلام فعلم أنّي فيه: إما متيقّن وإما شاك جاز أن
أضمر اللّفظ الذي يدلّ على أحد المتوهمين منّي.
قال أبو سعيد: لم يذكر سيبويه بطلان تقديم حقّا، بل قد قال في الاستفهام: أجدّك لا تفعل كذا وكذا؟ كأنه قال: أحقّا لا تفعل كذا، فقد تقدّم " أحقّا " و" أجدّك " على الجملة
[ ٢ / ٢٦٦ ]
التي بعدها، ولم يورد الزجّاج هذا على نفسه، ولعل المجيب عنه يقول: إن ألف الاستفهام لمّا كانت طالبة للفعل وفي الجملة تقدير فعل قدّم، وفي ذلك نظر والله الموفق.