(وذلك قولك: أمّا سمنا فسمين، وأمّا علما فعالم، وأمّا نبلا فنبيل.
وزعم الخليل أنه بمنزلة قولك: أنت الرجل علما ودينا، وأنت الرجل فقها وأدبا، أي: أنت الرجل الكامل في هذه الحال، وعمل فيه ما قبله وما بعده، ولم يحسن في هذا الوجه الألف واللام، كما لم يحسن فيما كان حالا، وكان في موضع فاعل حالا).
قال أبو سعيد: يعني المصدر، وكذلك هذا، فانتصب المصدر؛ لأنه حال مصير فيها.
(ومن ذلك قولك: أمّا علما فلا علم عنده، وأما علما فلا علم، وتضمر له لأنك إنما تعني رجلا.
وقد يرفع هذا في لغة بني تميم، والنصب في لغتها أحسن، فإذا دخلت الألف واللام رفعت؛ لأنه يمتنع من أن يكون حالا).
قال أبو سعيد: هذا الباب فيه صعوبة، ونقل كلام النحويين من البصريين والكوفيين؛ ولذلك قال الزجّاج: هذا الباب لم يفهمه أحد إلا الخليل وسيبويه، ومعناه: أن رجلا يدّعي أو يدّعى له أشياء فيعترف له ببعضها فيدخل " أمّا " على ذلك، كأنّ قائلا قال: أنا عالم، وأنا ديّن، وأنا شريف، فأنكر السامع بعض ما قال، وعرف بعضا فقال:
[ ٢ / ٢٧٠ ]
مهما تذكر فأنت الرجل لعلم، وحذف ونصب، وكذا إذا قال: هذا الفرس سمين جواد، قيل له مهما تذكر فهو سمين من أجل سمن أو لسمن فيه.
ورأيت ثعلبا ذكر هذا الباب من كلام سيبويه، فساق كلامه ثم اعترض بسؤالات من غير إنكار فقال: من أين قال ما قاله؟ ولم يرد عليّ ذا شيئا يحصّل، وحكى الفراء أشياء لم ينصرها.
وأنا أسوق ما قاله، وما قاله الكسائي والأحمر وذلك شيء يسير نزر، ثم اختار أبو العباس ثعلب بعد ذلك نحو
مذهب البصريين الذي يرتّبونه ويتكلّمون عليه فقال:
القياس وكلام العرب أن تكون أمّا جزاء حذفت الأفعال معها وبقيت الأسماء فعرّبت بما يكون بعد الفاء؛ لأن العرب تكتفي بما ظهر ممّا ترك فإذا جاءوا بما يدلّ على أنه جزاء أعملوا الأوائل بحقّ الجزاء فقالوا: أما العقل فعاقل؛ كقولك: إن ذكرت العقل فهو عاقل، فجاز حذف ما بعد فاء الخبر ونصبت الأوّل بتعليقه بلفظ الجرّ الأول، فإذا ظهر له ما يعمل فيه اكتفوا باللفظ الظاهر من هذا المعنى، وإدخالهم اليمين وإنّ وأخواتها دليل على استئناف الفاء بالجزاء، فإذا كان الجزاءان قد تباينا في الإعراب علمت أن الأوّل قد أعمل وأن الثاني قد أهمل وجاء الجزاء على بابه، فهذا القياس في ذلك، هذا كلام ثعلب.
قال أبو سعيد: وأنا أسوق من ذلك ما ينساق عليه كلام سيبويه وأذكر ما فيه خلاف بين النحويين البصريين منه ومذهب الكوفيين.
وأمّا الأصل الذي يسوق عليه سيبويه كلامه في ذلك: أنّ " أمّا " في الأصل قد نابت عن شرط الجزاء والفاء وما بعدها جواب، والشّرط الذي نابت عنه " أمّا " يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن تحذف جميعه وتقدّم اسم ما بعد الفاء من اسم أو ظرف أو شرط فيكون تقديم ذلك على الفاء، والمراد أن يكون بعدها عوض من المحذوف، وأما الاسم فقولك: أمّا زيد فضربت، وأما زيدا فلا تضرب، وأما زيد فخارج، والتقدير: مهما يكن من شيء فزيد خارج، فلمّا حذفت الشرط وما يتصل به قدّمت اسما من الجواب فكان عوضا منه، ولو كان بعد الفاء اسمان لم يجز إلا تقديم واحد منهما كقولك: أمّا زيد طعامه فلا تأكل، لا يجوز تقديم الطعام مع تقديم زيد، لأنّ الأصل أن لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها، وإنّما يقدّم اسم واحد ليكون عوضا مما حذف، وإذا استغنت " أمّا " بذلك الاسم
[ ٢ / ٢٧١ ]
عادت الفاء إلى حكمها، فلم يجز تقديم ما بعدها عليها، ولو قلت: أمّا طعام زيد فلا تأكل ولم تقدّم زيدا جاز، وحقّه أن تقدم ما تقديره أنّه يلي الفاء.
وأما تقديم الظرف الذي حقّه أن يكون بعد الفاء؛ فقولك: أمّا يوم الجمعة فلا تخرج فيه، وتقديره: مهما يكن من شيء فيوم الجمعة لا تخرج فيه.
وأما الشرط فقولك: أمّا إن جاءك زيد فأكرمه؛ لأنّ التقدير: مهما يكن من شيء فإن جاءك زيد فأكرمه، قال الله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (١) والتقدير: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح وريحان أي: فله روح وريحان، فهذا تمثيل ما تقدم مما بعد الفاء.
وأمّا ما يكون قبل الفاء جزاء من الشّرط المحذوف بعضه المبقيّ بعضه فقولك: أمّا علما فلا علم عند زيد؛ فالعلم منصوب بما دلّ عليه " أمّا " وتقديره: مهما يذكر زيد علما، أي: من أجل علم وبعلم فلا علم عنده.
ولا يجوز أن يكون العامل في " علما " ما بعد الفاء؛ لأنه لا يعمل فيها قبله. ألا ترى أنك لو قلت: " لا علم عند زيد، لم يحسن أن تقول: عند زيد لا علم، وأصحابنا في ذلك مختلفون على مذهبين:
فالمازني يجيز: أمّا زيدا فأنا ضارب، ولا يجيز: أمّا زيدا فأنا رجل ضارب، وذلك أنك لو نزعت أمّا والفاء فقلت: أنا ضارب زيدا لجاز تقديم زيد على أنا؛ ولقلت: زيدا أنا ضارب، ولا يجوز: زيدا أنا رجل ضارب؛ لأن ضاربا نعت لرجل، وضارب في موضعه فلا يجوز تقديمه على ما قبل المنعوت، كما لا يجوز أن تقدّم ما عمل فيه النعت على المنعوت، وهذا أصل البصريين، وسيمر بك في موضعه.
وكان المازنيّ يقول: إن الذي يجوز فيه تقديمه على الفاء هو الذي يجوز أن يلي الفاء ويقدّم عليها، وما لم يجز أن يلي الفاء لم يجز تقديمه على الفاء، فلا يجوز أن يقال:
مهما يكن من شيء فزيدا أنا رجل، وعلى هذا القياس أيضا لا يجوز: أمّا زيدا فإنّي ضارب؛ لأنّك لا تقول: زيدا إنّي ضارب؛ لأن خبر إنّ لا يعمل فيما قبله، وأجاز أن
_________________
(١) الآيتان ٨٨، ٨٩ من سورة الواقعة، وبداية الآية ٨٨ جاءت مكتوبة في الأصل هكذا: " وأمّ " وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
تقول: أمّا اليوم فإنك راجل على أن تنصب اليوم بما في أمّا من معنى مهما، كأنه قال:
مهما يكن من شيء فإنك راجل.
وكان أبو العبّاس المبرّد يجيز تقديم ذلك، وذكر أنّ " أمّا " موضوعة على التقديم إليها ما بعد الفاء، وردّ على المازنيّ ما قاله.
وذكر أن جواز ذلك مذهب سيبويه؛ لأن سيبويه قال: أجهد رأيك أنّك ذاهب، فنصب جهدا على الظرف، كأنّه قال: في جهد رأيك ذهابك والناصب لجهد استقرّ، وقال: لا يكون إلا ظرفا، وقال: أمّا جهد رأي فإنّك ذاهب فكسر إنّ لما أدخل أمّا وقال: لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول.
قال أبو سعيد: وتفسير ذلك أن قولك: أجهد رأيك أنك ذاهب، لا يجوز أن تنصب " جهد رأيك " بما بعد أنّ، وهو ذاهب؛ لأن خبر أنّ لا يعمل فيما قبل أنّ، فاضطرّ إلى أن يجعل أنّ وما بعدها مصدرا في موضع ابتداء، ويجعل أجهد رأيك ظرفا له، كما تقول: خلفك زيد على تقدير استقرار، وأمّا جهد رأيك فإنك ذاهب فقال: فيه نصبت جهد
بالفعل لا بالظرف، فقوله بالفعل يعني: بذاهب في مفهوم اللفظ.
والظاهر من هذا الكلام أن سيبويه نصب ما قبل الفاء بخبر " إنّ " الذي لا يجوز تقديمه على " أنّ " في غير " أمّا ".
قال أبو سعيد: يحتمل عندي أن يكون سيبويه ما أراد بهذا الذي قاله أبو العباس، وإنما أراد أن يفصل بين قولك: جهد رأيي أنك ذاهب وبين أمّا جهد رأيي فإنك ذاهب، بأن جهد رأى في الأول هو ظرف ب " أنّ "؛ وما بعدها خبر لها لأنّها في معنى المصدر، ولا طريق إلى نصبه غير الظرف وإذا أدخل " أمّا " فإنه يجوز أن ينصب بما في " أمّا " من معنى فعل الشرط المحذوف، ولا يكون على ما قال أبو العباس.
وأما الفرّاء فأجاز نصب بعض ذلك بما بعد الفاء ولم يجز تقديم بعض فيما أجاز تقديمه، أمّا عبد الله فإني ضاربه، فقال بالرفع والنصب، وقال: إنما جاز النّصب لأن الفاء كأنها لحدوثها أحدثت " أنّ " لأنها من حروف الاستئناف وما بعد الفاء مستأنف، ولو ألغيت " أمّا " و" الفاء " لم يجز ذلك، فقولك: " عبد الله إنّي ضارب " خطأ، ومثل ذلك " ليت " و" لعل " و" كأنّ ".
ويشبه أن يكون مذهب الفراء في ذلك أن هذه الحروف كأنها جلبت من أجل الفاء
[ ٢ / ٢٧٣ ]
لأنّ الفاء تدخل على كلام مستأنف، وهذه الحروف تدخل على مبتدإ وخبر فلم يجعله مما قال الفراء؛ فكذلك قولك: أمّا عبد الله فلأضربنّه، وجه الكلام الرفع لمكان اللام لأنّه لا ينصب ما بعدها ما قبلها، فهذا احتجاج لاختياره الرفع فمفهوم كلامه أنّ النصب يجوز، وليس بالوجه.
ومما أجاز: أمّا عبد الله فما أعرفني به، أو ما أزورني له، رفعت ونصبت وخلقة التعجّب أن لا يقع ما بعده على ما قبله، لو حذفت " أمّا " و" الفاء " لا تقول: " عبد الله ما أضربني له " إلا أنّ النصب جاز حين دخلت " أمّا " و" الفاء " كما جاز في " أنّ " و" ليت " و" لعلّ ".
قال أبو سعيد ": لأن التعجّب في الأصل خبر عن فعل إذا قلت: ما أظرف زيدا وما أضربه، فمعناه: زيد ظريف جدّا وضارب جدّا ضربا كثيرا، ولو جئت بهذا اللفظ نصبت به ما قبله.
وقال الفرّاء إنه سمع الكسائي أنشد من هذا البيت:
" أما قريشا فأنا أفضلها "
أي: أنا منها، وأنا أفضلها، والرفع في هذا أقوى، وكذلك: أمّا عبد الله فإنّي أفضل منه.
قال أبو سعيد: وكأنّ هذا محمول على معناه، لأنّ قوله: إنّي أفضلها: أنا أفضلها.
من فضلت أفضل، وكذا معنى: فإني أفضل منه، أي: أنا أفضله.
قال الفرّاء: ومما لا يجوز فيه إلا الرفع: أمّا القميص فأن تلبس خير لك، قال:
وذلك أنّ " أن " التي مع تلبس لم تكتسبهما الفاء إنما هي بمعنى اسم، كأنّك قلت: أن تلبس القميص خير لك.
قال أبو سعيد: يعني أنه لا سبيل إلى إسقاط " أن " في التقدير، فلم يصلح أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لأنها وما بعدها بمنزلة اسم.
ومما لا يجوز عنده إلا رفعه: أمّا عبده فما أعطيته قليلا ولا كثيرا؛ لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، أما عبد الله فما أظرفه لا يجوز إلا بالرفع، والفصل بين هذا وبين أما عبد الله فما أعرفني به بالرفع والنصب أنّ العائد إلى عبد الله وهو الهاء في به وموضعه نصب بوقوع المعرفة عليه لا بالتعجّب، والمعنى: فأنا أعرفه، والهاء في ما أظرفه، وإن كانت في
[ ٢ / ٢٧٤ ]
اللفظ منصوبة فهي مرفوعة في المعنى؛ لأنّ معنى ما أظرف زيدا: زيد ظريف جدّا؛ فهو مرفوع بالمعنى.
وفصل الفراء بين: أمّا زيدا فقد ضربت زيدا، وأمّا زيدا فقد ضربته، فقوّى النصب في إعادته زيدا مظهرا على إعادته مكنيّا؛ لأنك إذا أعدته ظاهرا فكأنك لم تقصد قصد الكلام الأوّل، وإذا أعدته مكنيّا فقد قصدت الأوّل فصار بمنزلة: زيد ضربته.
وأجاز: أما زيدا فقد قام زيد، ولم يجز: أمّا زيدا فقد قام، لأنّه إذا قال: فقد قام زيد فقد اعتمد في الأوّل أن تعمل فيه الجملة الأولى المقدّرة، وتقديره: مهما تذكر زيدا فقد قام زيد، وإذا قال: فقد قام فهو محتاج إلى الأول فصار بمنزلة قولك: زيد قد قام.
وكان هشام بن معاوية (١) يجيز: فيك لأرغبنّ، وعليك لأنزلنّ، أو منك لآخذنّ؛ فهذه الحروف في صلة ما بعد اللام.
ولا يجوز بإجماع الكوفيين: زيدا لأضربنّ، ولا طعامك لآكلنّ.
وفصل هشام بين هذا وبين ما أجازه في الحروف أنّ الحروف لا يبين الإعراب فيها؛ ولأنّ الظروف يجوز فيها من التقديم ما لا يجوز في غيرها.
وينبغي على مذهب الفرّاء أن يجوز: أمّا زيدا فلأضربنّ، وقد أجازه في أمّا.
قال أبو سعيد: وعندي أنه حمله على مذهب " أنّ " في اختصاص أمّا بتقديمها ما بعد الفاء عليها.
عدنا إلى كلام سيبويه في ترجمة للباب.
فقوله: باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور ظاهرا يوجب أن قوله: أمّا سمنا فسمين وكذلك
علما ونبلا أنّ سمنا وعلما ونبلا تنتصب على الحال، وكذلك أنت الرجل علما ودينا وفقها وأدبا.
وقال في هذا الباب: إنّ هذا مذهب بني تميم دون أهل الحجاز، وذلك أنّ بني تميم إذا أدخلوا الألف واللام على المصدر، يعني: سمنا وعلما لم يجروه مجرى الأوّل؛ فدلّ هذا عنده على أن الحجازيين يذهبون في نصبه أنه مفعول له، والمفعول له يكون نكرة
_________________
(١) هو هشام بن معاوية الضرير النحوي صاحب الكسائي له مؤلفات كثيرة منها الحدود، القياس توفي ٢٠٩ هـ معجم الأدباء ١٩: ٢٩٢ بغية الوعاة ٢: ٣٢٨.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
ومعرفة، تقول: فعلته مخافة الشّرّ، ومخافة، وأن بني تميم يذهبون به مذهب الحال لأن الحال لا تكون إلا نكرة، فإذا قالوا: أما العلم فإنك عالم به، رفعوا العلم بالابتداء وكان التقدير:
مهما يكن من شيء فالعلم أنا عالم، ويقدّرون أمّا النبل فهو نبيل، أي نبيل به حتّى يكون فيه، أي: في الجملة ما يعود إلى الأوّل.
وأما إذا قالوا: أمّا العلم فأنا عالم به، فإن جعلت الأوّل غير الثاني نصبت الأوّل، فالتقدير: أما العلم فأنا عالم بزيد، ونصبته على المصدر كأنّك قلت: مهما يكن من شيء فأنا عالم بزيد العلم، ثمّ قدمت العلم منصوبا على المصدر.
وقوله: إن العلم الأوّل غير العلم الثاني، فإنه يريد أنّ الإنسان قد يقول: فلان عالم بالفقه أو بالنّحو، فتكون منزلة الفقه من العلوم وإن كان عالما بمنزلة زيد في قولك:
هو عالم بزيد علما، والعلم غير زيد، جاز أن يقول: هو عالم بالفقه علما، والعلم غير الفقه، ويكون المعنى فيه بعلمه وعلاجه فيصير قوله: أمّا العلم فأنا عالم بالفقه، أي: أعلمه علما، كما تقول: أعلم زيدا علما، وقوله بعد ذكره: أمّا سمنا فسمين، وعمل ما قبله فيما بعده فإنه يعني بما قبله: ما تتضمنه الجملة التي تدلّ عليها أمّا، كأنه قال: مهما يذكر زيد سمنا فهو سمين، لأنه قد عمل في سمين فنصبه.
وقوله: وعلى هذا الباب فأجر جميع ما أجريته نكرة حالا إذا أدخلت فيه الألف واللام فإنه يريد أن يكون مفعولا له إذا أدخلت الألف واللام فيه على مذهب أهل الحجاز، وإذا رفعته على مذهب بني تميم بالابتداء أو نصبته على مذهب الحجازيين.
فأمّا إنشاده:
ألا ليت شعري هل إلى أمّ معقل سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا (١)
فإنّ الصبر منصوب بما قبله من التقدير كأنّه قال: مهما ترم الصبر أو تذكر الصبر فلا صبر، وليس بعده ما يعمل فيه.
وبنو تميم يقولون: أمّا الصبر عنها فلا صبر؛ كما قالوا: أمّا العلم فعالم على إضمار الهاء كأنه قال: فهو عالم به.
_________________
(١) ينسب إلى ابن ميادة: خزانة الأدب ١: ٤٥٢؛ مغني اللبيب ٥: ٥٩٢؛ الأغاني ٢: ٢١٨، ٢٨٤؛ شرح أبيات سيبويه ١: ١٨٠.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وعلى مذهب الحجازيين يكون الصبر مفعولا، كأنّه قال: مهما تذكر الشيء للصبر عنها فلا صبرا وحذفت اللام ونصبت.
وأمّا احتجاج سيبويه لمذهب بني تميم في إضمار العائد وحذفه في قولك: أما العلم فعالم على تقدير: " عالم به "، وقوله تعالى: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (١) في موضع النعت ليوم، فلا بدّ في هذه الجملة من عائد إلى اليوم.
فمذهب سيبويه والفراء أن العائد هو فيه.
وكان الكسائي يجعل العائد هاء، كأنه قال: لا تجزيه، وقال الهاء تحذف من صلة الذي، فإذا اتصلت بحرف جرّ لم تحذف من الصلة، تقول: زيدا الذي ضربت، تريد:
الذي ضربته، ولا تقول: زيدا الذي تكلمت اليوم، ولا تقول: الذي نزلت، تريد عليه، وتكلّمت فيه، والفصل بين الظرف وغيره أنهم قد أجازوا: تكلمت اليوم، تريد: تكلمت فيه.
ولم يجيزوا: تكلمت زيدا، تريد في زيد، فعلمنا أنّ حذف حرف الجرّ مع ظروف الزمان والمكان جائز وإن لم يجز في غيرها.
وأنشد سيبويه قول عبد الرحمن بن حسان:
ألا ياليل ويحك نبّئينا فأمّا الجود منك فليس جود (٢)
فهذا تقوية للغة بني تميم، أي: ليس لنا منك جود؛ فالجود: مبتدأ ولا بدّ من عائد إليه مما بعده، وتقديره: فأما الجود فليس لنا جود به، أو من أجله أو غيره من التقدير.
وقوله: (وممّا ينتصب من الصفات حالا كما انتصب المصدر الذي يوضع موضعه، ولا يكون إلا حالا).
وقوله: (أمّا صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف، وأمّا ظاهرا فليس بظاهر، وأمّا عالما فليس بعالم فهذا نصب؛ لأنه جعله كائنا في حال علم وخارجا من حال الظهور ومصاف، والرفع لا يجوز هاهنا؛ لأنك قد أضمرت صاحب الصفة).
فإنه يريد أنّ صديقا مصافيا حال وقد أضمرت الذي منه الحال، وكأن التقدير: أمّا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٤٨.
(٢) البيت لعبد الرحمن بن حسان: ديوانه: ٢١؛ وبلا نسبة في الدرر ٢: ٦٤؛ همع الهوامع ١: ١١٦.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف.
وقال المبرّد: العامل في " صديق مصاف " التقدير الذي دلّت عليه " أمّا " كأنه قال:
مهما يذكر زيد صديقا مصافيا فليس بصديق، وليس يعمل فيه قولك: بصديق، لأنّ ما بعد الباء عنده لا يعمل فيما قبلها.
وغيره من أصحابنا أجاز فأعمل ما بعد الباء فيما قبلها؛ لأن الباء ههنا زائدة ودخولها كخروجها.
واعلم أنّ قولك: " بزيد " أن الباء حرف فلا يتقدّم معمولها إذ ليست للحروف قوّة الفعل كما لا تقول: راكبا مررت بزيد؛ لأنّ ما في صلة الباء لا يتقدّم عليها.
ومن أجاز إعمال ما بعد الباء في " أمّا " فرّق بين الباء التي تدخل للجحد التي تعدّي الفعل بالزيادة التي ذكر.
واعلم أنّ قولك: أمّا صديقا مصافيا، مفارق لقولك: أمّا العلم فعالم؛ لأنه لمّا لم يضمر شيئا هو العلم رفعت بالابتداء، وأنت قد أضمرت زيدا في قولك: أمّا صديقا مصافيا، وإنما طرحت زيدا بعد أن عرف وجرى ذكره؛ فلذلك أضمرته، وإذا قلت: أمّا الصديق المصافي فليس بصديق مصاف، فليس إلا الرفع، لأنه لما كان بالألف واللام لم يكن حالا فرفعته بالابتداء.
ومعنى قول سيبويه: لأنك قد أضمرت صاحب الصفة، أي: أضمرت زيدا الذي هو صديق، ويعني بالصفة الحال، والصفة ههنا هي الموصوف الذي هو زيد، وليست بمنزلة المصدر الذي هو غيره نحو العلم.
والحجازيون لا يقولون: أمّا الصديق المصافي فليس بصديق بنصب الصديق، كما قالوا: أمّا النبل فنبيل؛ لأن الصديق ليس بمصدر فيكون مفعولا له كالنّبل الذي هو مصدر نصب لأنه مفعول له، ويكون جوابا لمن قال: لمه؟ ألا تراك تقول: صاحبك صاحب النبل والشّرف وصاحبك الصديق المصافي، يعني للصديق.
وقول سيبويه: (وإذا قلت: وأمّا الضرب فضارب فهذا ينتصب على وجهين:
على أن يكون الضرب مفعولا كقولك: أمّا عبد الله فأنا ضارب فيكون مصدرا مؤكّدا، وقد يجوز نصب الضرب من وجه ثالث وهو المفعول له في لغة أهل الحجاز).
قال أبو سعيد: والصواب عندي في هذا الباب وما ذكرنا من خلاف النحويين ألّا
[ ٢ / ٢٧٨ ]
تقدّم ما بعد الفاء على الفاء إلى جانب " أمّا " إلا ما يجوز تقديمه حتى تلي الفاء.
ومن أجاز تقديم بعضه من أجل ما قد منعوا بعضا فأجاز الكسائي والفراء: أما زيدا فإنّي ضارب، وزيد منصوب بضارب، ولم يجيزوا: أما القميص فأن تلبس خير لك، والقميص منصوب بليس؛ لأنّ ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها.
ولم يجز المبرّد: أمّا درهما فعندى عشرون؛ لأن درهما منصوب بعشرين، ولا يعمل عشرون فيما قبلها، وإذا لم يكن حضور " أمّا " يجوز تقديم ما لا يجوز تقديمه من هذه الأشياء التي يجيزونها وجب أن يمنعوا: أمّا زيدا فإنّي ضارب، على أن تنصب زيدا بضارب؛ لأنّه لا يجوز: زيدا إنّي ضارب، فينبغي أن لا يجوّز " أمّا " فإن جاز من أجل " أمّا " وجب جواز الباقي لحضورها، ويجوز عندي: أمّا اليوم فإنّي قائم، وأمّا خلفك فإني جالس، تنصب اليوم وخلفك بمعنى: " أمّا "؛ لأنّ معناهما: مهما يكن من شيء.
والظروف تعمل المعاني فيها. ألا ترى أنك تقول: زيد غلامك اليوم، وزيد أخو عمرو في السفر، بمعنى: زيد يملكه اليوم، ويؤاخيه في السفر، وتقديمه أيضا جائز على هذا المعنى، تقول: زيد اليوم غلامك، وزيد في السفر أخو عمرو، ولو قلت زيد أخ عمرا تريد: يؤاخي عمرا لم يجز؛ لأنّ عمرا ونحوه لا يعمل فيه إلا الفعل، أو ما جرى مجراه من الأسماء.