(فانتصب لأنه موقوع له، ولأنه تفسير لما قبله؛ وليس بصفة لما قبله ولا منه فانتصب كما انتصب " الدّرهم " في
قولك: عشرون درهما.
وذلك قولك: فعلت ذلك حذار الشرّ، وفعلت ذاك مخافة فلان، وادخار فلان،
_________________
(١) البيت لمزاحم العقيلي: شرح أبيات سيبويه ١: ٣٢؛ تاج العروس (عطف).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قال الشاعر وهو حاتم:
وأغفر عوراء الكريم ادّخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما (١)
وقال النابغة:
وحلّت بيوتي في يفاع ممنّع يخال به راعي الحمولة طائرا
حذارا على أن لا تصاب مقادتي ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا (٢)
وقال الحارث بن هشام:
فصفحت عنهم والأحبة فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مفسد (٣)
وقال العجّاج:
يركب كلّ عاقر جمهور مخافة وزعل المحبور
والهول من تهوّل الهبور (٤)
وفعلت ذاك أجل كذا وكذا، فهذا كله ينتصب؛ لأنه مفعول له كأنه قيل له: لم فعلت كذا وكذا فقال: لكذا وكذا لمّا طرح اللام عمل فيه كما عمل في " دأب بكار " ما قبله حين طرحت مثل وكان حالا تعني دأب بكار).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ المصدر المفعول له إنّما هو السبب الذي له يقع ما قبله وهو جواب لقائل قال له: لم فعلت كذا؟ فيقول: لكذا وكذا، كرجل قال لرجل: لم خرجت من منزلك؟ فقال: لابتغاء رزق الله، أو قال له: لم تركت السوق؟ فقال للخوف من زيد ولحذار الشرّ.
_________________
(١) البيت لحاتم الطائي: ديوانه ٢٥؛ خزانة الأدب ٣: ١٥، ١٢٢؛ شرح المفصل ٢: ٥٤.
(٢) البيتان للنابغة الذبياني: الديوان ٦٩؛ شرح المفصل ٢: ٥٤؛ شرح قطر الندى: ١٧٢.
(٣) البيت للحارث بن هشام: شرح أبيات سيبويه ١: ٣٦؛ شرح المفصل ٢: ٥٤.
(٤) البيت للعجاج: ديوانه: ٢٨؛ خزانة الأدب ٣: ١١٤، ١١٦. والهبور: جمع هبر، بالفتح، وهو ما اطمأن من الأرض وحوله مرتفع، وفي رواية أخرى: القبور.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وبعض النحويين يقدّره ب " لولا " ومعناه: لولا حذار الشرّ ما تركت السوق، ولولا ابتغاء رزق الله ما خرجت من البيت، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن تفعل الفعل تجذب به فعلا آخر، كقولك: احتملتك لاجتذاب مودّتك، ولاستدامة مسالمتك، فهو معنى تجذبه باحتماله.
والوجه الآخر: أن تدفع بالفعل الأول معنى حاصلا، وتجذب به معنى آخر كقولك: فعلت ذاك حذار شرّ زيد؛ كأنّ الحذار معنى حاصل تزيله بفعل ذلك الشيء، وتجذب ضده من الأمر.
ويجوز أن يكون هذا المصدر معرفة ونكرة؛ لأنه ليس بحال فيحتاج فيه إلى لزوم النكرة.
فأما المعرفة: فقولك ذلك لابتغاء الخير وللخوف من زيد.
وأمّا النكرة: فقولك لابتغاء الخير، ولخوف من زيد، ويجوز حذف اللام ونصب الذي بعدها كقولك: قلته ابتغاء الخير، وحذارا من شرّ، والناصب للمصدر الفعل المذكور لا غير، والدليل على ذلك: أن قائلا لو قال: فعلت هذا الفعل لزيد لكانت اللام في صلة الفعل المذكور لا غير، ولم تكن بنا حاجة إلى طلب فعل آخر، فإذا ألقيت اللام وهي في موضع نصب بالفعل وصل الفعل إليه فنصبه، وتدخل " من " في معنى اللام لأنه يجوز أن تقول: خرجت من أجل ابتغاء الخير، واحتملت من أجل خوف الشّر، ومعناهما واحد، وعلى ذلك قوله ﷿: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (١) أي لحذر الموت، أو من أجل حذر الموت.
ولو قال قائل: فعلت هذا لزيد، أو من أجل زيد لم يجز حذف اللام، ونصب زيد؛ لأنه يقع في ذلك لبس، وإنما جاز في المصادر لزوال اللبس، ولأنه جواب لم، ولا يحسن أن تقول: لم خرجت؟ فيقول: لزيد؛ لأن موضعه على شيء يطلب حدوثه وليس زيد من ذلك.
وقد أنكر النحويون أن يقام " حذار الشرّ " و" ابتغاء الخير " مقام الفاعل فلم يجيزوا أن يقال: سير بزيد حذار الشّرّ، ولا سير به ابتغاء الرّزق.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وقد أجازوا: سير بزيد يوم الجمعة، وسير به فرسخان، والفصل بينهما أن الظروف قد توسعت فيها العرب، فأقاموها مقام الفاعلين والمفعولين فقالوا: ليلك نائم ونهارك بطّال، قال الله ﷿: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (١) فلمّا كان ذلك في الظروف أقاموها مقام الفاعل على السعة ولم يتّسع في المفعول له هذا الاتساع فيخرج عن بابه بإقامته مقام الفاعل.
قال سيبويه: (وحسن في هذا الألف واللام؛ يعني المفعول له؛ لأنه ليس بحال فيكون في موضع فاعل، ولا يشبّه بما مضى من المصادر في الأمر والنهي وغيرهما؛ لأنه ليس موضع ابتداء ولا موضعا يبنى على مبتدإ، فمن ثمّ خالف باب " رحمة الله عليه "). يعني خالف باب " رحمة الله عليه " وسائر المصادر التي يجوز فيها الرفع والنصب مما تقدّم ذكره فلم يجز في المفعول له غير النصب.
يعني أن المصادر التي تنصب في أوّل الكلام قد ترفع- أيضا- بالابتداء وبخبر الابتداء، نحو: صبر جميل، وطاعة، وقول معروف.