(والمعرفة خمسة أشياء). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن التعريف معلق بمعرفة المخاطب دون المتكلم. وقد يذكر المتكلم ما يعرفه هو ولا يعرفه هو، فيكون منكورا، كقول الرجل لمخاطبه: في دار الرجل بستان، وعندي صديق لي، وهو لا يعرف الرجل بعينه والبستان، ويجوز أن يكون
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٦.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٢٦.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
المتكلم أيضا لا يعرف، كقول الرجل لمخاطبه: أنا في طلب غلام أشتريه، ومنزل أكتريه، ولا يكون قصده شيئا بعينه، فإذا نادى المتكلم شيئا تعرّف بقصده إياه ووقع اليد عليه بعينه، كقولك: يا رجل، ويا غلام وسنقف على ذلك في باب البدل إن شاء الله، وهذه المعارف كلها قد توصف كلها إلّا الإضمار وحده، ولا يوصف إلّا بمعارف، كما أن النكرات لا توصف إلّا بالنكرات، وقد جرت مجرى النعت على المنعوت في بابه إلا نعت المبهم، فإن نعته يخالف نعت غيره، وذلك أنه ينعت بأسماء الأجناس، كقولك:
مررت بهذا الرجل، ودخلت هذا البستان، وجاءني ذلك الرجل، وأولئك القوم، ونحو ذلك، وإنما نعت المبهم بأسماء الأجناس لأن طريق نعته على غير طريق نعت غيره، وذلك أن غير المبهم يحتاج إلى النعت إذا شاركه غيره في لفظه فبان من غيره بذكر شيء يكون فيه تحلّى به دون غيره مما يحلى به، والمبهم إنما دخل وصلة لخروج ما فيه الألف واللام عن العهد إلى الحضور، وذلك أن الألف واللام يدخلان للعهد، كرجل وغلام عهده أو لابساه في
بعض الأمر، فقال أحدهما: ما فعل الرجل أو الثوب أو الفرس.
وقد يكون الشيء بحضرة اثنين لم يكن بينهما فيه عهد، فيريد أحدهما الإخبار عنه معرفا له، فلا يمكنه الإخبار عنه لعدم العهد بينه وبين مخاطبه فيه، فيأتي بأسماء الإشارة فيتوصل بها وينتقل من تعريف العهد إلى تعريف الإشارة مثال هذا، فإن قيل له: أما تقول ابتداء من غير تقدم: البس هذا الثوب، واشتر هذا الغلام، فلا يحتاج المخاطب إلى عهد يعرف به الرجل كاحتياجه إليه في قوله: ما فعل الرجل؟ واشتر الغلام والبس الثوب وقد تكون الإشارة غير متوصل بها إلى ما فيه الألف واللام، كقولك: جاءني هذا، ورأيت هذا، ونظير ذلك قولهم: يا أيها الرجل.
جعلوا (أيها) وصلة إلى نداء الرجل لأنه لو لم يتوصل بها لم يكن نداء ما فيه الألف واللام، ويجوز أن ينادي هذا كما ينادى (زيد)، فإذا جعلته وصلة لما فيه الألف واللام قلت: يا هذا الرجل، وإن لم يجعل وصلة قلت: يا هذا كما تقول: يا زيد، وكما تستغني به إذا قلت: مررت بهذا، والأصل في نعت هذا أن ينعت بالأسماء لما ذكرناه أنه وصلة إلى ذكر الاسم الذي فيه الألف واللام.
وقد يجوز أن ينعت بالصفة التي فيها الألف واللام من حيث جاز أن تنقل الصفة التي فيها الألف واللام من تعريف العهد إلى تعريف الحضرة والإشارة، وذلك أنك تقول:
[ ٢ / ٣٣٩ ]
مررت بالظريف، فتكون الألف واللام في الظريف للعهد.
تقول: مررت بهذا الظريف، فيصير للإشارة، ولولا ما ذكرنا من التوصل بهذا إلى ما فيه الألف واللام لما احتاجت إلى صفة لأنها ليست باسم ثابت لما وقع عليه ثم شركه غيره، فيحتاج إلى فصل بينهما بالنعت، ولما كان طريق نعت هذا والأصل فيه ما ذكرنا، خالف حكمه حكم نعت غير المبهم في أن المبهم لا يوصف بالمضاف ولا يفصل بينه وبين نعته، تقول في غير المبهم: مررت بزيد غلام عمرو وبزيد ذي المال، وتقول: مررت بزيد اليوم الظريف، ولا تقول: مررت بهذا اليوم الرجل.
فأمّا منع النعت المبهم بالمضاف، فلأن المبهم دخل لينقل ما فيه الألف واللام من تعريف العهد إلى تعريف الإشارة والمضاف تعريفه بالمضاف إليه ولا يتغير.
وأمّا منع الفصل بينه وبين النعت، فلأن المبهم لما أحدث تعريفا لنعته صار كجزء في التعريف للألف واللام، ولا يفصل بين الألف واللام وبين ما اتصلا به وأشبه- أيضا- ب (أيها الرجل)، فلا يفصل بينهما وقد قال سيبويه: (أنت لا تقول: مررت بهذين الطويل والقصير، نعتا لهذين)، وهو معنى قوله: تجعله من الاسم الأول، وإنما لم يجز ذلك لما ذكرنا من فساد الفصل بين المبهم ونعته، لأن القصير لم يل الإشارة لفصل الطويل بينه وبين الإشارة.
وحكى أبو بكر مبرمان عن بعض أهل النظر، قال: إنما لم أقل: مررت بهذين:
الطويل والقصير، لأن الإشارة تذهب، وذلك أنك إذا قلت: بهذين الطويلين، فالإشارة واحدة، وإذا عطفت فالمعطوف يذهب بالإشارة، وهذا تعرفه بالقلب إذا قدرت.
قال سيبويه: (اعلم أن العلم الخاص من الأسماء يوصف بثلاثة أشياء).
وذكر الفصل.
قال الشيخ ﵀: قوله: (يوصف بالمضاف إلى مثله) يريد إلى مثله في أنه معرفة، لا في أنه علم، لأن العلم يوصف بالمضاف إلى الضمير وإلى سائر المعارف، كقولك:
مررت بزيد غلامك، وغلام عمرو، وغلام الرجل، وغلام هذا، ونحو ذلك.
ثم قال سيبويه: (والمضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء). وذكره.
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن نعت المعرفة إذا كان أخص من المنعوت لم يجز،
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وإن حق الكلام أن يجعل الأخص هو الذي يبدأ به، فإن اكتفى به المخاطب لم يحتج إلى أن يأتي بنعت وإلّا زدت من المعرفة ما يزداد به المخاطب معرفة، ومن مذهبه: أنهما إذا كانا مستويين في الاختصاص وطريق التعريف، جاز أن يكون أحدهما نعتا للآخر كنعت ما فيه الألف واللام، مثله ما فيه الألف واللام ولم يجز سيبويه نعته بما فيه الألف واللام، لأنه يراه أخص منه، فيرى أن أخاك أخص من الرجل، ومن الطويل والنبيل ونحوه، والحجة له أن ما فيه الألف واللام أبهم المعارف وأقربها من النكرات، لأن منها ما ينعت بالنكرات كقولك: إني لأمر بالرجل عندك فيكرمني، ويقوم لي.
وإني لأمر بالرجل مثلك فيعينني، إذا لم تقصد قصد الرجل بعينه، وعلى هذا حمل قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (١) جعل (غير) نعت الذين، وهي في مذهب الألف واللام الذي لم يقصد به قصد شيء بعينه، ويدل على ذلك أن من المعرفة بالألف واللام ما يستوي في معناه الألف واللام وتركها، وذلك نحو قولك: شربت ماء، وشربت الماء، وأكلت خبزا وأكلت الخبز، وامتنع أن ينعت ما فيه الألف واللام بالمبهم من أجل أن المبهم لما جعل وصلة مقدمة إلى ذكر ما فيه الألف واللام علم أنه لو كان يقع بعد الألف واللام ما يريدونه من البيان ما احتاجوا إلى التوصل إلى الألف واللام بهما، وقد بيّن سيبويه بأن المبهم أخص بمعرفة العين، يعني: المشاهدة ومعرفة القلب له، وما اجتمع له.
هذان أخص والأخص لا يكون نعتا للأعم، فإن قال قائل: فقد جعل سيبويه المبهم نعتا للعلم وللمضاف، كقولك:
مررت بزيد هذا، وبعمرو ذاك، ومررت بصاحبك هذا، وقد اجتمع فيه معرفة العين ومعرفة القلب، ولم تجتمع هاتان المعرفتان في: زيد وصاحبك.
فالجواب إن ذكر هذا وذلك بعد زيد وبعد صاحبك، يذهب به مذهب الحاضر أو المشاهد أو القريب، وبذاك مذهب البعيد أو المنتحي، ولهذا قال سيبويه:
(وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف، لأنك تقرب به شيئا أو تباعده وتشير إليه).
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
[ ٢ / ٣٤١ ]
فإذا قيل: مررت بزيد هذا، وبصاحبك هذا.
فكأنه قال: مررت بزيد الحاضر، ولم يغير هذا تعريف زيد ولا تعريف صاحبك باقترانه معهما.
لأنه لا يتغير زيد عن تعريف العلم، ولا صاحبك عن تعريف الإضافة باقترانهما بهذا.
ووجه آخر في نعت زيد والاسم العلم بهذا على ترتيب سيبويه، أنّا نقول: إن وضع الاسم العلم في أحواله لشيء بيّن به من سائر الأشخاص كوضع هذا في الإشارة لشيء بعينه، فاجتمعا في معنى ما وصفنا والمعرفة في أول أحوالهما، وصار كالمشار إليه في وضع الاسم عليه وحده كوضع الإشارة على المشار إليه، وفصله العلم مكان الاسم له بذكر حال ورودك الاسم على المشار إليه في الغيبة.
وذكر المبرد فيما رد على سيبويه أن ما ذكره سيبويه في الصفات: أن الأخص يوصف بالأعم، وما كان معرفة بالألف واللام، فهو أخص مما أضيف إليه الألف واللام، فلا ينبغي على هذا القياس: رأيت غلام الرجل الظريف، ذلك على البدل. وما ذكره المبرد لا يلزم، لأن سيبويه يقول: إن غلام الرجل أعمّ من الرجل، بل عنده أنّ المضاف إلى ما فيه الألف واللام مثل ما فيه الألف واللام، ولما نعتت العرب بذلك وكثر في كلامهم، علمنا أنه لا فرق بينهما عنده.
قال سيبويه: (وتقول: مررت بأخويك مسلما وكافرا، هذا على من جر وجعلهما صفة).
قال أبو سعيد: في هذه المسألة ثلاثة أوجه: أحدهما: مررت بأخويك مسلما وكافرا.
والثاني: مررت بأخويك مسلم وكافر.
والثالث: مررت بأخويك مسلم وكافر.
أما من نصب فهو الذي كان يقول: مررت برجلين مسلم وكافر، على الصفة.
فصارت الصفة حالا لتعريف الموصفين، وأمّا من جر فهو الذي كان يقول: مررت برجلين مسلم وكافر على البدل. فلما عرف الأول لم يتغير البدل لأن النكرة تبدل من
[ ٢ / ٣٤٢ ]
المعرفة، كما قال تعالى: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ (١) وكما قال الشاعر:
فإلى ابن أمّ أناس أرحل ناقتي عمرو فتبلغ حاجتي أو تزحف
ملك إذا نزل الوفود ببابه عرفوا موارد مزبد لا تنزف (٢)
أبدل ملكا وهو نكرة من عمرو وهو معرفة.
وأمّا الذي يرفع فهو الذي يقول:
مررت برجلين مسلم وكافر، على ما فسرنا قبل.
وكما قال الفرزدق:
فأصبح في حيث التقينا شريدهم طليق ومكتوف اليدين ومزعف (٣)
فشريدهم جماعة منهزمون وطليق، وما بعده على الابتداء المعنى منهم طليق، وما بعده على الابتداء، وبمعنى منهم طليق، ومنهم مكتوف اليدين، ومنهم مزعف بكسر العين على ما رواه حملة الكتاب.
وغيرهم يقول: مزعف بفتح العين، يقال: أزعفه الموت، إذا قاربه، وهو مأخوذ من قولهم: موت زعاف وذعاف، أي: معجل، وكما قال الآخر:
فلا تجعلي ضيفيّ ضيف مقرّب وآخر معزول عن البيت جانب (٤)
على تقدير: منهما ضيف مقرب، ومنهما آخر معدول، ولو لم يرد ذلك لنصب فقال: ضيفا مقربا، كما قال:
وكانت قشير شامتا بصديقها وآخر مزريا عليه وزاريا (٥)
وكما قال:
ترى خلقها نصف قناة قويمة ونصف نقا يرتج أو يتمرمر (٦)
وبعضهم ينصبه على البدل، وإن شئت كان بمنزلة: رأيته قائما، كأنه صار خبرا،
_________________
(١) سورة العلق، الآيتان: ١٥، ١٦.
(٢) البيتان ل (معقر بن حمار): الخزانة ١/ ٧٢، الدرر اللوامع ٢/ ١٦٥.
(٣) ديوان الفرزدق/ ٥٦٢، الخزانة ٢/ ٢٩٩.
(٤) قائل البيت العجير السلولي الخزانة ٢/ ٢٩٨.
(٥) قائل البيت النابغة الجعدي ديوانه ١٧٨، الخزانة ٢/ ٢٩٨.
(٦) قائل البيت ذو الرمة ديوانه ٢٢٦، الخصائص لابن جني ١/ ٣٠١.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
يعني حالا على حد من جعله صفة للنكرة.
ورد أبو العباس نصب نصفا على الحال فقال:
هو خطأ، وذلك أن نصفا ينبغي أن يكون معرفة.
والعلة التي ادعى بها التعريف في بعض، وكلّ من الإضافة وهي في (نصف) لأن معنى قوله في نصف نصفه كما أنه إذا قال: مررت ببعض قائما أو بكل جالسا قائما، فإنما يريد: بعضهم وكلهم.
والذي قاله خطأ. والقول ما قال سيبويه لأن النصف بمنزلة الثلث وسائر الأجزاء إلى العشرة، ويثنى ويجمع كما يفعل بالثلث وما بعده، تقول: المال نصفان، وهذه القوارير إلى أنصافها، وليس هذا في كل ولا في بعض. ومن أوضح ما يبطل قوله، قوله تعالى: فَلَهَا النِّصْفُ (١) ثم قال سيبويه: (واعلم أن المضمر لا يكون موصوفا).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: إنما لم يوصف المضمر لأنك إنما تضمر ما ترى أن المخاطب يعرفه، وإنما الصفة تحلية يفرق بها بين أسماء لوازم مشتركة اللفظ.
وقوله: (ولكن لها أسماء تعطف عليها تعمّ وتؤكّد) فإن معنى قوله: تعطف عليها، أي: يبين بها عمومها وتؤكد، وليس بعطف النسق الذي هو بحروف العطف، ولكن هو على مذهب عطف البيان جاريا مجرى النعت لما قبله، لأن النعت تبيين كما أن العموم تبيين، ولأجل هذا سمى النحويون العموم والتوكيد صفة للمضمر.
وقوله: (وذلك مررت بهم كلهم، أي: لم أدع منهم أحدا، ويجيء توكيدا كقولك: لم يبق منهم مخبّر، وقد بقي منهم).
فإنه يريد أنك إذا قلت: مررت بهم كلهم وأردت: لم أدع منهم أحدا فهو عموم وإن كان قد بقي منهم من لم تمر به ويكون قوله: (كلهم على جهة التنكير لما مرّ به)، فهو توكيد جعل من مرّ به منهم كأنهم الجماعة، (ومنه- أيضا- مررت بهم أجمعين أكتعين، ومررت بهنّ جمع كتع، ومررت به أجمع أكتع، ومررت بهم جميعهم، فهكذا هذا وما أشبهه، ومنه: مررت به نفسه، ومعناه: مررت به بعينه)، فهذه أشياء ذكرها
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
سيبويه مما تجرى على المضمر من العموم والتوكيد. وقد ذكر.
قال سيبويه: (واعلم أن العلم الخاص من الأسماء لا يكون صفة لأنه ليس بتحلية ولكنه يكون معطوفا على الاسم كعطف أجمعين، وهذا قول الخليل، وزعم أنه لذلك، قال: يا أيها الرجل زيد أقبل، قال: لو لم يكن على الرجل كان غير منون، فإنه يعني:
أن الاسم العلم لم يسم بمعنى في المسمى استحق له أن يسمى بذلك الاسم دون غيره، كزيد وعمرو ونحوه لأن زيدا لم يسم به لمعنى فيه مخالف به من سمي ب (عمرو)، وللمبهم مفارق للعلم لأن في المبهم لفظا يوجب التقريب كهذا وهذه وهذان وهاتان، ولفظا يوجب التبعيد كذلك وتلك وأولئك ونحوه).
قال سيبويه: (ومن الصفة أنت الرجل كالرجل). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: يريد أن الصفة قد تأتي على غير وجه البيان لما قبلها، ولكن على المدح وتعريف المخاطب من أمر الموصوف ما لم يعرفه، ويأتي ذلك في صفة الله تعالى على وجه التقرب إليه والثناء عليه، وذكر صفاته كقول القائل:
قد أحسن الله الكريم الرحيم المنعم إليّ، ويأتي في صلاة الآدميين على المدح لهم لمن لعله لا يعرفه بذلك، ولمن يعرفهم به على وجه الإخبار عن نفسه بمعرفة ذلك والتقرب إلى الممدوح كما يقول القائل لأهل بلد:
قد رأيت قاضيكم الفقيه المنصف العفيف، وكنت عند أميركم الشجاع الذاب عن الحريم.
وقد يستعمل في صفات المدح والذم ألفاظ يراد بها المبالغة فيما تضمنه لفظ الموصوف كقولك: أنت الرجل كل الرجل، ومررت بالعالم حق العالم، وبالشجاع جدّ الشجاع، يراد به المبالغة في معنى المنعوت، فإذا قال: يا رجل كل الرجل، فمعناه: الكامل في الرجال، فإذا قال: حق العالم، فمعناه: الكامل في العلم، فكذلك جد الشجاع، وهكذا لو قال: يا للئيم كل اللئيم، أو حق اللئيم، كان مبالغة في صفة اللؤم، قال الشاعر:
هو الفتى كلّ الفتى فاعلموا لا يفسد اللحم لديه الصلول (١)
فأمّا إن قلت: هذا عبد الله كل الرجل، فإنه لا يحسن كحسن ما فيه الألف واللام،
_________________
(١) قائل البيت الحطيئة ديوانه/ ٨٤.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
إذ ليس في لفظ عبد الله معنى يكون الرجل مبالغا فيه، وكما هو جائز مع هذا لأنه لو قال: هذا كل الرجل، لجاز ودل على معنى المبالغة والكمال، والنكرة في المدح كالمعرفة يدل على ذلك أنك تقول:
مررت برجل كل رجل، وجدّ رجل، وهذا عالم حق عالم، فلما فرق بينهما في المدح واللفظ الذي يوجب المدح، كما لا فرق بين قولك: مررت بالعالم الكامل في علمه، وبين قولك:
مررت برجل كامل في علمه.
قال سيبويه: (ومن الصفة قولك: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: يعني أن الرجل معرفة، ومثلك وخير منك نكرة، وقد وصف بهما المعرفة لتقارب معناهما، وذلك أن الرجل في قولك: ما يحسن بالرجل مثلك، وبالرجل خير منك، غير مقصود به إلى رجل بعينه، وإن كان لفظه لفظ المعرفة لأنه أريد به الجنس، ومثلك وخير منك نكرتان غير مقصود بهما إلى شيئين بأعيانهما فاجتمعا في أنهما غير مقصود إليهما بأعيانهما، فحسن نعت أحدهما بالآخر، وكان من حق اللفظ والمساواة أن يكون لفظ النعت معرفة كلفظ المنعوت فامتنع دخول الألف واللام في التعيين، فاحتمل ذلك للضرورة، ولو قال: إني لأمرّ بالرجل نائم فأنبهه، وبالرجل صادق فأسمع منه، على النعت لم يجز لأنه يمكن أن يقول: بالرجل النائم، وبالرجل الصادق.
وما ذكر سيبويه عن الخليل أنه جر على نية الألف واللام في: مثلك وخير منك، إن كان يوجب التعريف لهما ويصير حكمهما حكم ما فيه الألف واللام، فينبغي أن تصف بهما الأسماء الأعلام كما تصف الأعلام بما فيه الألف واللام. وقد منع سيبويه من هذا وقال:
(لا يحسن بعبد الله مثلك، على هذا الحد)، وإن كان نية الألف واللام لا توجب التعريف فلا فائدة في ذكره.
والذي عندي في معنى قول الخليل من نية الألف واللام، أن هذين الاسمين في موضع ما فيه الألف واللام، كأنّا قلنا في موضع مثلك: المماثل لك، وفي موضع خير منك: الفاضل لك، والراجح عليك، ولم يجز أن يوصف العلم بمثلك وخير منك
[ ٢ / ٣٤٦ ]
لاختلاف الأول والثاني، لأن الأول مقصود إليه، والثاني غير مقصود إليه.
قال: (وزعم الخليل أنه إنما جر على نية الألف واللام)، يعني: مثلك، وخير منك، (ولكنه موضع لا تدخله الألف واللام، كما أن (الجماء الغفير) منصوب على نية إلغاء الألف واللام نحو طرا وقاطبة).
فإن نية إلغاء الألف واللام في (الجماء الغفير) أنها في موضع الحال والاسم الذي هي في موضعه لا ألف ولا لام فيه كنحو: طرا وقاطبة.
ومن النحويين من قال: إن الألف واللام فيها وفي (الأوبر) في قول الشاعر:
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (١)
زائدة، وهذا غلط لأنهما لو كانتا لا تأثير لدخولهما وكانتا في نية الطرح لكان الاسم الذي يدخلان عليه باقيا على لفظه من التنوين ومع الصرف.
فيقال: القوم فيهما الجماء الغفير، كما تنون لو لم يكن فيه ألف ولام، ولجاز أن تقول: ولقد نهيتك عن بنات الأوبر، لأن (أوبر) بغير ألف ولام لا ينصرف، وإنما دخول الألف واللام على أوبر وسائر المعارف التي ليس فيها ألف ولام عند الضرورة، لأنها تنكّر ثم تعرّف بالألف واللام، وقد مضى الكلام في مثل هذا، وقد تقدم شرح ما بقي من الباب وفيه قوله:
(ولم يرد في قوله: ما يحسن بالرجل خير منك أن يثبت له شيئا بعينه ثم يعرفه به إذا خاف التباسا).
وقوله: يثبت له يعني المخاطب.
وقوله: تعرّفه الهاء للشيء.
وقوله: به الهاء لخير منك.
_________________
(١) الخصائص لابن جني/ ٣/ ٨٥، مجالس ثعلب/ ٦٢٤. وهو عجز بيت صدره: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا
[ ٢ / ٣٤٧ ]