ليس واحد منها أولى به من الآخر، ولا يتوهّم به واحد دون آخر له اسم غيره؛ نحو قولك للأسد: أبو الحارث، وأسامة، وللثعلب: ثعالة، وأبو الحصين، وسمسم، وللذئب: دألان، وأبو جعدة، وللضبع: أمّ عامر (١) وحضاجر (٢)، وجعار (٣)، وجيأل، وأم عنثل، وقتام (٤).
وقد ذكر سيبويه: أم رعم، وأم خثّور، وأم خنّوز، وأم رمال، وأم رشم (٥)، وأم جعور، وأم الهنبر (٦)، وأم نوفل (٧)، ويقال للضّبان: قثم. ومن ذلك للغراب: ابن بريح.
قال أبو سعيد: قد تكلمت العرب بأسماء كثيرة معارف مفردة، ومن الكنى بالآباء
_________________
(١) أم عامر: الضبع.
(٢) الحضجر: العظيم البطن، ثم سمي به الضبع.
(٣) لكثرة جعارها.
(٤) غبار.
(٥) الرشم: سواد في وجه الضبع.
(٦) الهنبر: هي الحمارة الأهلية.
(٧) ذكر الضباع.
[ ٢ / ٤١٩ ]
والأمهات والبنين والبنات لا يتسع كتابنا هذا لاستقصاء ذكرها.
فنذكر شيئا من كلّ باب لنعلم اتساع العرب في هذا النحو.
فمن الكنى بالآباء، قال الأصمعيّ (١): يقال للذئب: أبو جعادة.
وقال أبو عبيدة (٢): يقال للذئب: أبو غسلة، وأبو مزقة (٣). وقال أبو زياد (٤): يقال للذئب: أبو ثمامة. ويقال للأبيض: أبو الجون، وللأسود: أبو البيضاء، ويدعى الأعمى: أبا البصير. وقال الأصمعيّ: يدعى القرد: أبا قيس.
قال: ويقال لطائر فيه ألوان من سواد وبياض يتغيّر في النّهار ألوانا: أبو براقش، وأنشد:
يغدو عليك مرجّلين كأنهم لم يفعلوا
كأبي براقش كلّ لون لونهذا يتخيّل (٥)
ومن الكنى بالأمّهات، يقال للداهية: أم حبوكر، وأم ناز، وأم حشاف، وأم الرّبيق، وأمّ اللهيم.
ويقال للأمر الذي لا منفذ له: أمّ صبّور، وأنشدوا:
أوقعه الله لسوء سعيه في أم صبّور فأودى ونشب (٦)
ومن كنى الخمر: أمّ ليلى (٧)، وأم حنين، وأمّ زنبق، وأمّ الخلّ. قال مرداس بن خذام الكاهليّ:
رميت بأم الخلّ حبة قلبه فلم ينتعش منها ثلاث ليال
_________________
(١) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي أحد أئمة العلم باللغة والشعر ولد وتوفي بالبصرة (١٢٢ - ٢١٦ هـ). نزهة الألباء ١٥، جمهرة أنساب العرب ٢٣٤.
(٢) معمر بن المثنى التيمي ولد وتوفي بالبصرة (١١٠ - ٢٠٩ هـ) وقال عنه الجاحظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه. طبقات النحويين واللغويين ١٩٢، بغية الوعاة ٣٩٥.
(٣) لأن لونه يشبه لون المزقة، والمزقة: الطائفة من اللبن.
(٤) يزيد بن عبد الله كان من سكان بادية العراق ودخل بغداد في أيام المهدي العباسي، خزانة الأدب ٣/ ١١٨.
(٥) البيتان لعقيبة بن هبرة الأسدي وهو شاعر مخضرم توفي سنة ٥٧ هـ، الخزانة ١/ ٣٤٣.
(٦) البيت منسوب لأبي الغريب النصري. اللسان (صبر).
(٧) كنية للخمر السوداء، وليلى: نشوة الخمر.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وأمّ عجلان: طائر أسود أبيض، أصل الذنب من تحته، وربّما كان أحمر، واسمه:
الفتاح.
ومن أسماء البنين: ابن دأية للغراب، وابن جلا: الرجل المنكشف الأمر، ومثله: ابن أجلى، كما قال العجاج:
به ابن أجلى وافق الإصحارا (١).
ويقال: ابن مقرض لدويبّة أكحل اللون له خطيم طويل، وهو أصغر من الفأرة.
ويقال للحمار الأهليّ ابن سنّه، وابن طاب عذق المدينة، ويقال أيضا: عذق ابن حبيق، وابن حمير، الليلة التي لا قمر فيها، وابن سمير الليلة ذات القمر.
ومن أسماء البنات: ابنة الجبل (٢) الصدى، ونبت الأرض الحصاة، ويقال أيضا لنبت يشبه القلّاع: بنت الأرض، ويقال ما كلمته ببنت شفة، أي: بكلمة، وبنات أسفع (٣) المعزى، وكذلك بنات بعرة، ويقال للضأن: بنات خورة (٤) يا هذا.
قال أبو سعيد: الأسماء التي ذكرها سيبويه معارف أعلام للأجناس التي ذكرها، كزيد، وعمرو، وهند، ودعد.
إلّا أن اسم زيد، وهند يختصّ شخصا بعينه دون غيره من الأشخاص، وأسماء الأجناس يختصّ كل اسم منها جنسا، كل شخص من الجنس يقع عليه الاسم الواقع على الجنس.
مثال ذلك: أنّ زيدا أو طلحة في أسماء الناس لا توقعه على كلّ واحد من الناس، وإنّما توقعه على الشخص الذي يسمى بعينه لا يتجاوزه؛ وأسامة يقع على كلّ ما خبّرت عنه من الأسد، وكذلك ثعالة، وسمسم، وأبو الحصين، يقع على كلّ ما خبرت عنه من الثعالب. والفرق بينهما أن الناس تقع أسماؤهم على الشخوص، لكل واحد منهم اسم يختصّ به شخصه دون سائر الأشخاص؛ لأنّ لكل واحد منهم حالا مع الناس ينفرد بها في
_________________
(١) في ديوان العجاج: لاقوا به الحجاج والإصحارا به ابن أجلى وافقا الإسفارا
(٢) الحية لملازمتها له وتقال للداهية أيضا.
(٣) الأسفع اسم الغنم.
(٤) الخورة من الإبل خيرتها.
[ ٢ / ٤٢١ ]
معاملته وأسبابه وما له وعليه، وليست لغيره، فاحتاج إلى اسم يختص شخصه. وكذلك ما يتخذه الناس ويستعملونه فيألفونه من الخيل والكلاب والغنم، وربّما خصّوها بأسماء تعرف بكل اسم منها شخص بعينه لما يخصّونه به من الاستعمال والاستحسان، نحو أسماء خيل العرب: كأعوج، والوجيه، ولاحق، وقيد، وجلّاب، والكلاب نحو: ضمران، وكسّاب، وغير ذلك مما يخصّونه بالألقاب.
وما لا يألفه الناس لا يخصّون كلّ واحد منها بشيء دون غيره يحتاجون من أجله إلى تسميته، فصارت التسمية للجنس بأسره، فيصير الجنس في حكم اللفظ كالشخص، فيجري أسامة وسائر ما ذكره من الأسماء المفردة مجرى زيد، وعمرو وطلحة، ويجري ما كان مضافا نحو، أبي الحصين، وأبي الحارث، وابن عرس، وابن بريح، كعبد الله، وأبي جعفر، وما أشبه ذلك، وما كان منه له اسم وكنية نحو: أسامة، وأبي الحارث، وثعلة، وأبى الحصين، ودألان، وأبي جعدة، كرجل له اسم وكنية وهو إنسان اسمه طلحة وكنيته أبو محمد، واسمه زيد وكنيته أبو سعيد. وإن كانت مؤنثة لها اسم وكنية، فهي كامرأة لها اسم وكنية، وذلك نحو الضبع اسمها حضاجر، وجعار، وجيأل، وقتام وكنيتها: أمّ عامر، وأم خنّور، وأم زعم، وأم رمال، وهي كامرأة اسمها هند وكنيتها أم أحمد، وقد يكون في هذه الأجناس ما يعرف له اسم مفرد ولا يعرف له كنية، ومنه ما تعرف كنيته، ولا يعرف له اسم علم. ومنه ما يكون اسمه علما مضافا، ولا يعرف له غير ذلك. فأمّا ما يعرف له اسم مفرد علم ولا تعرف له كنية فنحو: قثم: ذكر الضبع، ولا كنية له.
وأما ما له كنية، ولا اسم له علم، فنحو: أبي براقش، وأما المضاف فنحو: ابن عرس، وابن مقرض. وفي هذه الأشياء ما له اسم جنس واسم علم، كأسد، وليث، وثعلب، وذئب.
هذه أسماء أجناسها؛ كرجل، وفرس، ولها أعلام نحو: أسامة، وثعالة، وسمسم، ودألان، وهي كزيد وعمرو وطلحة في أسماء الناس، ومنها ما لا يعرف له اسم غير العلم نحو: ابن مقرض، وحمار قبّان، وأبي براقش، وإن كان لشيء منها اسم فليس بالمعروف الكثير، وإنما ذكرت هذه الأشياء ليعلم اتساع العرب في تسمية ذلك، وعلى مقدار ملابستهم لجنس من هذه الأجناس، وكثرة إخبارهم عنه، يكثر تصرفهم في تسميته وافتنانهم فيها، كالأسد، والذئب، والثعلب، والضبع، فإن لها عندهم آثارا يكثر بها
[ ٢ / ٤٢٢ ]
إخبارهم عنها، فيتفننون في أسمائها وكناها وأسماء أجناسها، ولأن إقامتهم في البوادي وكونهم في البراري، قد
تقع أعينهم على طائر غريب ووحشي ظريف، يرون من دوابّ الأرض وهوامها وأجناسها ما لا اسم له عندهم، فيكنونه بأسماء يشتقونها من خلقته، أو من فعله، أو من بعض ما يشبهه أو غير ذلك؛ ويضيفونه إلى شيء على ذلك المنهاج، أو يلقبونه، كفعلهم بمن يلقب من الناس. فيجري ذلك مجرى الأسماء الأعلام والألقاب في الإخبار عنه، ويكون ذلك لجنسه لا لواحد بعينه، ولولا أن ذلك من غير ما قصدنا إليه لمثلت منه ما يكون كالعيان. وفى الفراش وغيره من الحيوان مما لم يسمعوه كثير، وفى هذه الخلق من العجائب ما لا يحاط به. ولقد حدثنا أبو محمد السكري عن خفيف السمرقندي حاجب المعتضد بالله، أنه كثر الفراش على الشمع المسرج بحضرة المعتضد في بعض الليالي، فأمر بجمعه وتمييزه، فجمع فكان مكّوكا (١)؛ وميّز فكان اثنتين وسبعين لونا.
وكذلك صارما يكنى بالآباء والأمهات معارف؛ لأنهم ذهبوا به مذهب كنى الرجال والنساء، وكذلك ما يضاف إلى شيء غير معروف باستحباب تلك الإضافة واستحقاقها، كنحو ابن عرس، وابن أوبر، وابن قترة (٢)، وابن آوى، وحمار قبّان؛ لأن المضاف إليه من ذلك لا يعرف باستحقاق إضافة ما أضيف إليه، فجرى مجرى ألقاب الناس المضافة، نحو ثابت قطنة، وقيس قفّة.
وأما ما نعرف باستحقاق إضافة ما أضيف إليه، فنحو ابن لبون، وابن مخاض، وبنت لبون، وبنت مخاض، وابن ماء، وذلك أن الناقة إذا ولدت ولدا ثم حمل عليها بعد ولادتها فليست تصير مخاضا إلّا بعد سنة أو نحو ذلك، والمخاض الحامل المقرب، فولدها الأول إن كان ذكرا هو ابن مخاض، وإن كانت أنثى فهي بنت مخاض، وإن ولدت وصار لها لبن صارت لبونا، فأضيف الولد إليها بإضافة معروفة الاستحقاق والاستحباب، وإن نكّرت مخاض ولبون، فما أضيف إليها نكرة نحو: ابن مخاض، وابن لبون، وإن عرّفتهما بإدخال الألف واللام، فما أضيف إليهما معرفة نحو: ابن اللبون، وابن المخاض. وكذلك
_________________
(١) المكوك: كأس يشرب به وهو مكيال يساوي نصف رطل أو صاعا ونصف أو عشرين مدّا بمد النبي ﷺ.
(٢) حية خبيثة تميل إلى الصغر، وابن قترة إبليس لعنه الله.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
ابن ماء: طائر، نسب إلى الماء بلزومه له. فإن نكّرت الماء تنكّر فقلت: ابن ماء، وإن عرّفته تعرّف فقلت: ابن الماء. وأنا أسوق شواهد بعض ذلك في كلام سيبويه إن شاء الله.
وإنما علم أن العرب ذهبت في هذه الأسماء مذاهب الأعلام والألقاب المعارف، أنّا رأينا ما كان منها فيها ما يمنع من صرف المعرفة لا يصرف، كأسامة وثعالة؛ لأن فيهما التأنيث والتعريف. وكذلك جعار وجيأل، وكذلك دألان،
لأن فيه الألف والنون الزائدتين والتعريف. وكذلك قثم لا ينصرف لأنه معدول عن قاثم وهو معرفة مثل: عمر. وما لم يكن فيه ما يمنع الصرف، فإنه لا تدخله الألف واللام، كابن عرس وابن بريح، لا يقال:
ابن العرس، ولا ابن البريح، كما لا تدخل الألف واللام على زيد وعمرو ومكّة وبغداد.
قال: " وإنما منع الأسد وما أشبهه أن يكون له اسم معناه معنى زيد، أن الأسد وما أشبهها ليست بأشياء ثابتة مقيمة مع الناس، فيحتاجوا إلى أسماء يعرفون بها بعضها مع بعض، ولا تحفظ جلاها كحفظ ما يثبت مع الناس ويقتنونه ويتّخذونه. ألا تراهم قد اختصّوا الخيل والإبل والغنم والكلاب وما يثبت معهم واتخذوه بأسماء كزيد وعمرو ".
قال: " ومنه- يعنى من المعارف- أبو جنادب (١) وهو شيء يشبه الجندب غير أنه أعظم منه، وهو ضرب من الجنادب، كما أنّ بنات أوبر ضرب من الكمأة، وهو معرفة. ومن ذلك ابن قترة، وهو ضرب من الحيّات، فكأنهم إذا قالوا: هذا ابن قترة، فقد قالوا: هذه الحيّة، التي من أمرها كذا وكذا، وإذا قالوا: بنات أوبر فكأنهم قالوا:
هذا الضرب الذي من أمره كذا وكذا من الكمأة، وإذا قالوا: هذا أبو جنادب فكأنهم قالوا: هذا الضرب الذي سمعت به أو رأيته ".
قال أبو سعيد: كأنّ تلقيب هذه الأشياء وتسميتها بهذه الأسماء المعارف في مذهب سيبويه، دلالة على الاسم وبعض صفاته وخواصه، ألا تراه قال: فكأنهم إذا قالوا: هذا ابن قترة فقد قالوا: هذا الحية الذي من أمره كذا وكذا، وكذلك هذا الضرب الذي من أمره كذا وكذا من الكمأة، وهذا مذهب حسن.
_________________
(١) الضخم الغليظ.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وكان أبو العباس محمد بن يزيد (١) يذهب إلى أن ابن أوبر نكرة، ويستدل على ذلك بإدخال الألف واللام عليه في بيت قاله بعض الشعراء وهو:
ولقد جنيتكم أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (٢)
والقول عندي ما قاله سيبويه، وهذا البيت اضطرّ شاعره إلى إدخال الألف واللام كما أدخل أبو النجم في قوله:
باعد أمّ العمر من أسيرها (٣)
وكقول الآخر:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله (٤)
وقد قال الأصمعي: أدخلوا الألف واللام مضطرين؛ لأنه قد عرف من كلامهم أنّهم لا يدخلون عليه الألف واللام، وقد قال الشاعر:
ومن جنى الأرض ما يأتي الرّعاء به من ابن أوبر والمغرود والفقعة (٥)
فابن أوبر بمنزلة المغرود والفقعة في التعريف، ولو كان نكرة لكان الأحسن أن يجعله عديل المغرود والفقعة، ويقول من ابن الأوبر بتليين الهمزة. وقد تقدم من قولنا: إن الباب في مثل هذا يكون معرفة إلّا ما استثناه منه.
قال أبو سعيد: وقد تقدم في أقسام هذه الأسماء المعارف أن منها ما يختص باسم معرفة لا يتجاوز إلى غيره، ولا يكون له نكرة تقع على كل واحد من نوعه، وتعرّف بالألف واللام، كرجل وفرس وأسد، فذكر سيبويه من هذا النحو: ابن آوى، وابن عرس، وأم حبين، وأمّ أبرص، وبعض العرب يقول: أبو بريص وحمار قبّان. قال: كأنهم قالوا في
_________________
(١) هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المعروف بالمبرد كان إمام العربية في بغداد، كان يخالف سيبويه في بعض آرائه، كان على رأس نحاة البصرة في زمانه، قدم إلى بغداد في شيخوخته وتوفي بها سنة ٢٨٥ هـ، تاريخ بغداد ٣/ ٣٨٠، أخبار النحويين البصريين ص ٩٦.
(٢) البيت بلا نسبة في سر صناعة الإعراب ٣٦٦، أوضح المسالك ٨١، اللسان (وبر).
(٣) البيت في اللسان (وبر).
(٤) البيت لابن ميادة في ديوانه ١٩٢، واللسان (وسع).
(٥) بدون نسبة في اللسان (فقع).
[ ٢ / ٤٢٥ ]
كل واحد من هذه الأشياء هذا الضرب الذي يعرف بصورة كذا، فاختصت العرب لكل ضرب من هذه الضّروب اسما على معنى الذي تعرفها به لا تدخله النكرة، وتركوا في هذه الأشياء الاسم الذي تدخله المعاني المعرّفة والمنكرة، ويدخله التعجب، وتوصف به الأسماء المبهمة؛ يعني لم يجعلوا لهذه الأشياء اسما ينكّر، كرجل وأسد، وتدخله الألف واللام كالرجل، والأسد، ويدخله التعجب كقولك: هذا الرجل، وهذا الأسد، إذا كنت ترفع من شأنه، ووصف الأسماء المبهمة نحو قولك: هذا الرجل قائم.
قال: (فكأنّ هذا اسم جامع لمعان) يعنى: رجل وأسد؛ لأنه يتصرف في ضروب من المعاني، وابن عرس يراد به معنى واحد، كما أريد بأبي الحارث ويزيد معنى واحد واستغني به، وفيما ذكر من هذه الأسماء المعارف ابن مطر، وهو معرفة، وهو دويبة حمراء تظهر غبّ (١) المطر، وجمعه بنات مطر، وأما ابن ماء: فطائر طويل العنق يتنكّر
إذا نكّرت الماء، ويتعرّف إذا عرّفته، قال ذو الرمة في تنكيره:
وردت اعتسافا والثريّا كأنّها على قمة الرأس ابن ماء محلّق
محلّق نكرة وهو نعت ابن ماء، وقال أبو الهندي:
مقدّمة قزّا كأنّ رقابها رقاب بنات الماء أفزعها الرّعد (٢)
يصف أباريق خمر يشبّه رقابها برقاب هذه الطير، وعرّفها بإدخال الألف واللام على الماء، وقد تقدم القول بأنّ ابن لبون وابن مخاض نكرتان، وأنهما يتعرفان بإدخال الألف واللام. قال جرير:
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس (٣)
وقال الفرزدق:
وجدنا نهشلا فضلت فقيما كفضل ابن المخاض على الفصيل (٤)
قال: (وقد زعموا أن بعض العرب يقول: هذا ابن عرس مقبل، فرفعه على وجهين، فوجه مثل: هذا زيد مقبل، ووجه على أنه جعل ما بعده نكرة فصار مضافا
_________________
(١) الغب بالكسر: عاقبة الشيء.
(٢) البيت في شرح ابن يعيش ١/ ٣٥.
(٣) البيت في شرح ابن يعيش ١/ ٣٥، وفي اللسان (لبن).
(٤) ديوانه: ٦٥٢، وشرح ابن يعيش ١/ ٣٥.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
إلى نكرة، بمنزلة قولك: هذا ابن رجل منطلق. ونظير ذلك هذا قيس قفّة آخر منطلق، وقيس قفّة لقب، والألقاب والكنى بمنزلة الأسماء، نحو زيد وعمرو، ولكنه أراد في قيس قفة ما أراد في قوله: هذا عنمان آخر، فلم يكن له بد من أن يجعل ما بعده نكرة؛ لأنه لا يكون الاسم نكرة وهو مضاف إلى معرفة، وعلى هذا الحدّ تقول:
هذا زيد منطلق، كأنك قلت: هذا رجل منطلق، فإنما أدلت النكرة على هذا العلم الذي إنما وضع للمعرفة، ولها جيء به: فالمعرفة هنا الأولى)
يريد أنّ ابن عرس- وإن كان موضوعا للتعريف في الأصل- فقد يجوز أن ينكّر كما ينكّر زيد وعمرو، وإن كان موضوعهما معرفة. فإذا قلنا: هذا ابن عرس مقبل، فيكون على وجهين: أحدهما، أن يكون ابن عرس على تعريفه، وترفع مقبل على ما ترفعه عليه لو قلت: هذا عبد الله مقبل، وقد مضت وجوه الرفع فيه. والوجه الآخر، أن تجعل ابن
عرس نكرة، ومقبل نعت له.
قال سيبويه: بعد ذكره ابن لبون، وابن مخاض، وابن ماء، وأنّهنّ نكرات قال:
(وكذلك ابن أفعل إذا كان ليس باسم لشيء) يعنى أن ابن أفعل- وإن كان لا ينصرف- فهو نكرة إذا لم يجعل علما لشيء كابن أحقب، وهو الحمار وهو نكرة. وتدخل عليه الألف واللام فيصير معرفة كقولك: مررت بابن الأحقب، وحكى عن ناس قالوا: كل ابن أفعل معرفة لأنه لا ينصرف. فقال سيبويه: " هذا خطأ لأن أفعل لا ينصرف وهو نكرة، ألا ترى أنك تقول: هذا أحمر قمدّ (١)، فترفعه إذا جعلته صفة للأحمر، ولو كان معرفة كان نصبا، فالمضاف إليه بمنزلته) يريد أن منع الصرف في أفعل لا يوجب له التعريف كما لم يوجب ذلك في أحمر وأنشد لذي الرمّة:
كأنّا على أولاد أحقب لاحها ورمي السّفا أنفاسها بسهام
جنوب ذوت عنها التّناهي وأنزلت بها يوم ذبّاب السّبيب صيام (٢)
الشاهد من البيتين: أن صيام الذي في آخر البيت الثاني صفة لأولاد، فأولاد أحقب نكرة، فعلم أن أحقب نكرة؛ لأن المضاف إليه نكرة.
_________________
(١) القمد هو الشديد الغليظ.
(٢) البيت في ديوانه ٢/ ١٠٧٢، اللسان (سهم).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
ومعنى البيت: كأنا على حمير قد لاحها أي: عطّشها. جنوب ذوت عنها التناهي:
حفّت عن الجنوب، والتناهي: غدران الماء والمستنقعات، وأنزلت الجنوب بهذه الحمير يوم ذبّاب السبيب: يوم حرّ احتاجت فيه إلى تحريك أذنابها. والسبيب في هذا الموضع:
أذنابها. وصيام: قيام. ورمي السفا عطف على جنوب، كأنه قال: لاحها جنوب ورمي السفا، كقولك: قام وزيد عمرو، ومعنى أنفاسها: أنوفها لأنها مواضع الأنفاس. والسفي:
شوك البهمي، وصار ما يصيب أنوفها من ذلك بمنزلة السهام، وإنما يريد أنّ هذه الحمير أسرع ما تكون في هذه الحال، كأنا عليها من السّرعة والانزعاج.