انتصابه إذا كان ما قبله مبنيّا على الابتداء؛ لأن المعنى واحد في أنه حال وأن ما قبله قد عمل فيه ومنعه الاسم الذي قبله أن يكون محمولا على (إنّ) وذلك قولك إن هذا عبد الله منطلقا. وقال تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً (٢) وقد قرأها بعض الناس: أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً حمل أمتكم على هذه؛ كأنه قال إن هذه كلها أمة واحدة، وتقول إنّ هذا الرجل منطلق، ويجوز في المنطلق ما جاز فيه حين قلت هذا الرجل منطلق، إلا أن الرجل هنا يكون خبرا للمنصوب وصفة له، وهو في تلك الحال يكون صفة لمبتدإ وخبرا له، وكذلك إذا قلت ليت هذا زيد خارجا، ولعل هذا زيد ذاهبا، وكأن هذا بشر منطلقا، إلّا أنّ معنى (إنّ ولكن) واجبتان كمعنى هذا عبد الله منطلقا، وأنت في (ليت) تتمناه في الحال، وفي (كأن) تشبهه إنسانا في حال ذهابه، كما تمنيته إنسانا في حال قيامه، فإذا قلت لعل فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهاب، فلعل وأخواتها قد عملن فيما بعدهن عملين: الرفع والنصب، كما أنك حين قلت ليس هذا عمرا وكان هذا بشرا، عملتا عملين؛ رفعتا ونصبتا، كما قلت ضرب هذا زيدا، فزيد انتصب بضرب، وهذا ارتفع بضرب، ثم قلت: أليس هذا زيدا منطلقا فانتصب المنطلق؛ لأنه حال وقع فيه الأمر فانتصب كما انتصب في (إنّ) وصار بمنزلة
_________________
(١) سورة سبأ، الآية ٤٨.
(٢) سورة الأنبياء، من الآية ٩٢.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
المفعول الذي تعدى إليه فعل الفاعل بعد ما تعدى إلى مفعول قبله، وصار كقولك:
ضرب عبد الله زيدا قائما في التقدير، وليس مثله في المعنى ".
قال أبو سعيد: دخول (إنّ ولكنّ) على هذا عبد الله منطلقا لم يغير النصب الذي تعمله هذا في (منطلقا)؛ لأنهما
ينصبان الاسم ويرفعان الخبر، كما كان الابتداء يرفعهما، وعمل هذا بتأويل الإشارة وللتنبيه غير مختلف.
وأما (ليت ولعل وكأن) فإنهن يجرين مجرى (إنّ ولكنّ) في نصب (منطلقا) على ما كان في الابتداء قبل دخولهن، ويجوز أن يعملن النصب في (منطلقا- قائما) بما فيهن من معاني الأفعال، فإذا قلت ليت هذا زيد قائما جاز أن يكون قائما منتصبا بهذا، وجاز أن يكون منتصبا ب (ليت) كأنك قلت أتمناه في هذه الحال، وإذا قلت لعل هذا زيد منطلقا، كأنك قلت أترجاه منطلقا، وإذا قلت كأن هذا زيد منطلقا، كأنك شبهته في هذه الحال، وقد جعلهن سيبويه يعملن بعملين: نصب الاسم ورفع الخبر ك (ليس وكان) في رفع الاسم ونصب الخبر، فإذا نصبت (ليت ولعل وكأن) الحال بعد عملهن في الاسم كان بمنزلة ما يرفع الفاعل وينصب المفعول من الأفعال، ثم تنصب الحال.
ولو قلت إنّ زيدا أخوك قائما في البيت، أو أتى زيد قائما لم يجز؛ وكذلك (لكنّ) كما لم يجز ذلك في الابتداء، ولو قلت ليت زيدا أخوك قائما، أو ليتني زيد قائما، أو كأني زيد قائما، أو لعلّي زيد قائما جاز لما فيهن من معنى الفعل.
قال: " وتقول إنّ الذي في الدار أخوك قائما، كأنه قال من الذي في الدار فقال إنّ الذي في الدار أخوك قائما، فهو يجري في (إن ولكن) في الحسن والقبح مجراه في الابتداء، وإن قبح في الابتداء أن يذكر المنطلق قبح هاهنا، وإن حسن أن يذكر المنطلق حسن هاهنا، وإن قبح أن يذكر الأخ في الابتداء قبح هاهنا؛ لأن المعنى واحد، وهو من كلام واجب، وأما في (ليت وكأن ولعل) فتجري مجرى الأول، ومن قال إن هذا أخاك منطلق قال إنّ الذي رأيت أخاك ذاهب، ولا يكون الأخ صفة للذي؛ لأن أخاك أخص من الذي، ولا يكون له صفة، من قبل أن زيدا لا يكون صفة لشيء ".
قال أبو سعيد: أما قوله إنّ الذي في الدار أخوك قائما، فعلى هذا الظاهر لا يجوز إذا أردت به أخوة النسب؛ لأنك إذا نصبت قائما ب (أخوك) لم يجز كما لا يجوز زيد أخوك قائما في النسب، وإن نصبت قائما بالظرف على تقدير إن الذي في الدار قائما
[ ٢ / ٤٧٦ ]
أخوك صار قائما في صلة الذي ولم يجز أن تفصل بين الصلة والموصول ب (أخوك) وهو خبر، وإن جعلت أخوك في معنى المؤاخاة والمصادقة وجعلته هو العامل في قائما جاز، وإن حملته على مثل قولك أنا زيد منطلقا في حاجتك، إذا كان قد عهده قائما قبل هذه الحال جاز كما يجوز مثله في الابتداء، وربما جاء في الشعر بما يظهر في لفظه الفصل بين الصلة فيحمله النحويون على غير الفصل، وقد يتخرج على غير الذي قالوه، فمن ذلك قول الأخطل:
إنّ العرارة والنبوح لدارم والمستخفّ أخوهم الأثقالا (١)
على نصب المستخف باسم إنّ وعلى رفعه بالابتداء والاستئناف، فأسهل وجوهه في المعنى أن يكون المستخفّ بمعنى الذي استخف، والأثقال مفعول المستخف، وأخوهم خبره، وفي المستخف ضمير فاعل يعود إلى الألف واللام فيه، وهم في (أخوهم) تعود إلى دارم؛ لأنهم قبيلة، فجعلوا الأثقال خارجا عن الصلة ومنصوبا بفعل مضمر بعد (أخوهم)، كأنه قال: والمستخف أخوهم، ثم أضمر يستخف، وقال بعض النحويين في المستخف ضمير يجعل أخوهم بدلا منه، وكلّ قدر الألف واللام بتقدير الذي، وأخوهم واحد، وأسهل من ذلك عندي أن نجعل الألف واللام في المستخف بتقدير الذين، وهم في أخوهم تعود إلى الألف واللّام، وأخوهم فاعل المستخف والأثقال مفعول به، والمعنى:
وإنّ لدارم القوم الذين يستخف بعضهم الأثقال؛ أي فيهم قبيلة بعضها الأثقال، ومنه قول الكميت:
كذلك تلك وكالناظرات صواحبها ما يرى المسحل (٢)
شبه ناقته بعير آتن، وشبه صواحب ناقته من الإبل بآتن العير، وتقديره كذلك العير ناقته، وهي المشار إليها بتلك، وصواحبها كالناظرات ما يرى المسحل، وما يرى المسحل مفعول الناظرات، وصواحبها مبتدأ، وفصل بين الناظرات وما عملت فيه بصواحبها، ومعنى الناظرات المنتظرات ما يعمل المسحل وهو العير، فيعملن مثله بجعل الموصول قد تم بالناظرات وبجعل ما يرى المسحل خارجا من الصلة، محمولا على فعل دل عليه ما تقدم، و(ما يرى) ليس بمنصوب بالناظرات، ولكنه كأنه قال: وصواحبها كالناظرات، ثم أضمر ينظرن لدلالة الناظرات عليه.
_________________
(١) ديوانه ٥١، واللسان (عرر)، وتاج العروس (نبح).
(٢) البيت في ديوانه ٢/ ٣٥، والخصائص ٢/ ٤٠٤.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
قال: " وسألت الخليل عن قول الأسدي:
إنّ بها أكتل أو رزاما خويربين ينقفان الهاما
فزعم أن خويربين نصب على الشتم كما انتصب (حمالة الحطب) على الشتم و(النازلين بكل معترك) على التعظيم ".
قال أبو سعيد: وقد مضى الكلام في نصب الشتم والتعظيم في بابهما، وقد أنشد سيبويه في هذا الموضع أبياتا فيها ما ينتصب على الشتم، وفيها ما ينتصب على الشتم والتعظيم من النكرات، وأنا أذكر الأبيات وتفسيرها قد
انطوى فيما ذكرته في باب الشتم والتعظيم وقبل هذين البيتين:
ائت الطريق واجتنب أرماما إن بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما لم يدعا لسارح مقاما (١)
أكتل ورزاما لصان كانا يقطعان الطريق ينقفان هام من يمر بهما. وقال الشاعر:
أمن عمل الجراف أمس وظلمه وعدوانه أعتبتمونا براسم
أميري عداء إن حبسنا عليهما بهائم مال أوديا بالبهائم (٢)
أميري عداء لا يصلح بدلهما من الجراف وراسم، وهما الأميران الظالمان العاديان؛ لأن الجراف مجرور بإضافة عمل إليه، وراسم مجرور بالباء، وهي في صلة أعتبتمونا ولا تعلق للجراف به، فدعت الضرورة إلى نصب أميري عداء على الشتم، ومما ينتصب على المدح والتعظيم قول الفرزدق:
ولكنني استبقيت أعراض مازن وأيامها من مستنير ومظلم
أناسا بثغر لا تزال رماحهم شوارع من غير العشيرة في الدم (٣)
ومما ينتصب لأنه عظيم الأمر قول عمرو بن شأس الأسدي:
_________________
(١) الرجز لرجل من بني أسد في الأشموني ٣/ ١٠٧، والمخصص ١٢/ ٢٩٤، والمقتضب ٤/ ٣١٥، واللسان (كتل). وأرمام: جبل في ديار باهلة. وخويربين تثنية خويرب تصغير خارب وهو اللص، والنقف: كسر الهامة حتى تخرج دماغه.
(٢) البيتان في اللسان وتاج العروس (جرف) منسوبان لعبد الرحمن بن جهيم من بني أسد، الكتاب ١/ ٢٣٨.
(٣) في ديوانه ص ٨٢١، والرواية فيه: لأيامها أناس بثغر ما تزال
[ ٢ / ٤٧٨ ]
ولم أر ليلى بعد يوم تعرضت لنا بين أثواب الطراف من الأدم
كلابية وبرية حبترية نأتك وخانت بالمواعيد والذمم
أناسا عدى علقت فيهم وليتني طلبت الهوى في رأس ذي زلق أشم (١)
وقول الآخر:
ضننت بنفسي حقبة ثم أصبحت لبنت عطاء بينها وجميعها
ضبابية مرية حابسية منيخا بنعت الصيدلين وضيعها (٢)
قال: " وكل هذا سمعناه ممن يرويه من العرب نصبا، ومما يدلك على أن هذا ينتصب على التعظيم والمدح أنك لو حملت الكلام على أن تجعله حالا لما بنيته على الاسم الأول كان ضعيفا، وليس هاهنا تعريف ولا تنبيه، ولا أراد أن يوقع شيئا في حال لقبحه ولضعف المعنى ".
لأنه لم يرد أن ليلي في حال ما هي كلابية وبرية حبترية؛ لأنها أنساب لا تتغير، وكذلك قوله ضبابية مرية حابسية، فيحمل ذلك على تعظيم، شأنها بهذه الأشياء الرفيعة الشريفة عندها.
قال: " وزعم يونس أنه سمع رؤبة يقول:
أنا ابن سعد أكرم السعدينا (٣)
بنصبه على الفخر. قال الخليل: إنّ من أفضلهم كان زيدا على إلغاء كان "
كأنه قال: إنّ من أفضلهم زيدا كان؛ أي كان ذلك، وإنما قيل زائدة أنها ليس لها اسم ولا خبر في الكلام المذكور على مثل قول الشاعر:
سراة بني أبي بكر تسامي على كان المسومة العراب (٤)
وعلى مثل ما حكي من كلام بعض العرب ولدت فاطمة بنت الحرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم، ومعناه لم يوجد مثلهم وأدخل الخليل في ذلك قول الفرزدق:
_________________
(١) البيتان في الكتاب ١/ ٢٨٨.
(٢) البيتان في الكتاب ١/ ٢٨٩، والبيت الثاني في اللسان (صدل). ضبابية نسبها إلى الضباب وهم حي من بني عامر، ومرة وحابس حيان منهم.
(٣) ديوانه ٩١، وابن يعيش ١/ ٤٧، والكتاب ١/ ٢٨٩.
(٤) البيت بلا نسبة في ابن يعيش ٧/ ٩٩، والهمع ١/ ١٢٠، والدرر ١/ ٨٩.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وكيف إذا رأيت ديار قوم وجيران لنا كانوا كرام (١)
ورد بذلك أبو العباس محمد بن يزيد وزعم أن (كانوا) لها اسم وخبر واسمها الواو التي فيها وخبرها لنا التي
قبلها، كأنه قال: وجيران كانوا لنا، والأظهر كلام الخليل ولنا من صلة جيران، وكانوا دخولها غير مغير للكلام، كأنه قال: وجيران لنا كرام، وأدخل كانوا وجعل فيها ضمير الجيران، كما يجعل في كان الموحدة ضمير ما جرى ذكره في معنى كان الأمر وخلق، ولا تدخل شيئا من الكلام في اسم لها ولا خبر.
قال سيبويه: " إن من أفضلهم كان رجلا يقبح لأنك لو قلت: إن من خيارهم رجلا ثم سكتّ كان قبيحا حتى تعرفه بشيء أو تقول: رجلا من أمره كذا وكذا، وقال إنّ فيها كان زيد على قولك إنه فيها كان زيد، وإلا فإنه لا يجوز أن يحمل الكلام على إنّ ".
لأنه لا بد لها من اسم، فإذا لم يكن بعدها اسم فلا بد من إضمار الهاء ليكون اسما.
وقال: " إنّ أفضلهم كان زيد وإنّ زيدا ضربت على قوله إنه زيدا ضربت، وأنه كان أفضلهم زيد، وهذا قبيح وفيه ضعف وهو في الشعر جائز، ويجوز أيضا على قوله إن زيدا ضربته وإنّ أفضلهم كأنه زيد فتنصبه على إنّ وفيه قبح، كما كان في إنّ ".
قال أبو سعيد: هذه المسائل كلها فيها حذف ما يقبح حذفه؛ لأن قوله إن أفضلهم كان زيد، إن نصبت أفضلهم بأن فخبر كان محذوف وتقديره إن أفضلهم كأنه زيد، وإن نصبته بخبر كان فالهاء من إن محذوفة، والجملة خبرها، وتقديره أنه وهما جميعا قبيح يجوز في الشعر، وإن زيدا ضربت، إن نصبت زيدا بضربت فالهاء محذوفة من إن، كأنه قال إنه زيدا ضربت، وإن نصبت زيدا ب (إن) فالهاء محذوفة من ضربت، كقولك زيدا ضربت في معنى ضربته، وقد مضى الكلام في حذفها.
قال: " وسألت الخليل عن قوله تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ (٢) فزعم أنها وي مفصولة من كأن، والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم أما بشبه أن يكون ذا عندكم هكذا. والله أعلم. فأما المفسرون فقالوا: ألم تر أن الله. وقال زيد بن عمرو بن نفيل:
سألتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر
_________________
(١) البيت في ديوانه ٨٣٥، والمقتضب ٤/ ١١٦، والكتاب ١/ ٢٨٩.
(٢) سورة القصص، من الآية ٨٢.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وي كأن من لم يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش صعر (١)
قال أبو سعيد: في (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ) ثلاثة أقوال؛ أحدها قول الخليل الذي ذكرناه تكون وي كلمة تندّم يقولها المتندم عند
إظهار ندامته، ويقولها المندم لغيره، والمنبه له، ومعنى «وكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده» (٢) وإن كان لفظه لفظ التشبيه فمعناه التحقيق. قال الشاعر:
وأصبح بطن مكة مقشعرّا كأن الأرض ليس بها هشام (٣)
ومعناه: الأرض ليس بها هشام؛ لأنه مات، وهذا من مراثيه، والقول الثاني قول الفراء: يكون (ويك) موصولة بالكاف، وأن الله منفصلة من الكاف. وذكر الفراء أن معناها في كلام العرب تقرير، كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله تعالى؟ واحتج الفراء على من قال هي (وي) ثم بعدها (كأن)، بأنها كتبت موصولة غير مفصولة. والحجة للخليل في فصل كأن من وي وإن كانت موصولة في الخط أنه كتب في المصحف موصولا بعد ما حقه أن مفصولا كقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (٤) ما بمعنى الذي وحقه أن يكتب مفصولا (أن ما غنمتم) وكتبت في المصحف موصولة (أنما) وكل واحد من مذهب الخليل ومذهب الفراء يتخرج على ما روي عن المفسرين؛ لأن قوله: ألم تر تنبيه على ما قاله الخليل، وأجاز الفراء وغيره أن يكون ويك بمعنى ويلك، وحذفت العرب اللام لكثرتها في الكلام. وأنشد قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم (٥)
قال أبو سعيد: وهذا عندي يبعد؛ لأنه لا يقال ويلك أنّ زيدا قائم بفتح أنّ، وإنما يقال ويلك إنّ زيدا قائم؛ لأن ويلك منقطع مما بعده، والقول الثالث: ما حكاه الفراء عن بعض النحويين أنه يذهب إلى أنها ويك بمعنى ويلك، وجعل (أنّ) مفتوحة بفعل مضمر، كأنه قال ويلك أعلم أن الله، وأنكر الفرّاء هذا وقال ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء: يا
_________________
(١) البيتان نسبا في اللسان إلى زيد بن عمرو بن نفيل، والدرر ٢/ ١٤٠، ونسب إلى أبي الأعور سعيد بن زيد في البيان والتبيين ١/ ١٦٦، وابن يعيش ٤/ ٧٦.
(٢) سورة القصص، من الآية ٨٢.
(٣) البيت في الدرر ١/ ١١١، وشواهد المغني ١٧٤.
(٤) الأنفال، من الآية ٤١.
(٥) البيت في ديوانه ١٢٨، وابن يعيش ٤/ ٧٧، وشواهد المغني ٢٦٩.
[ ٢ / ٤٨١ ]
هذا إنّك قائم؟ وقد يحتمل أن يكون بيت عنترة أن تكون الكاف في (ويك) للخطاب؛ مثل الكاف في رويدك.
قال: " واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، وذلك أن معناه
معنى الابتداء، فيرى أنه قال هم كما قال:
ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
وأما قوله والصابئون فعلى التقديم والتأخير، كأنه ابتداء، والصابئون بعد ما مضى من الخبر وقال الشاعر:
وإلّا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق (١)
كأنه قال: بغاة ما بقينا وأنتم».
قال أبو سعيد: قد ذكر بعض النحويين أن الغلط إنما وقع في أنهم أجمعون؛ لأن لفظ هم يكون للرفع في قولك هم قائمون، وأشباه ذلك، فتوهموا أنهم في تقدير هم أجمعون، وجعل إنك وزيدا في معنى أنت وزيد ذاهبان، والغلط فيه أن ذاهبان خبر الكاف في إنك، وهو منصوب بإن وزيد وهو مرفوع بالابتداء، وخبر إن يرتفع بغير الذي يرتفع به خبر الابتداء، ولو قال إنك ذاهب وزيد، كان من أجود كلام على ما بيناه، وفي مذهب الكوفيين إنك وزيد ذاهبان جائز لا غلط فيه. أما الكسائي فإنه يجيز ذلك فيما ظهر فيه عمل (إنّ) وفيما لم يظهر فيه؛ كقولك: إن زيدا وعمرو قائمان، وإنك وعمرو قائمان، وأما الفراء فإنه يجيز فيما لم يتبين فيه عمل إن كقولك إنيّ وزيد ذاهبان، وإن الذي في الدار وزيد قائمان، ولا يجيزه فيما يتبين فيه عمل إن، لا يجيز إن عمرا وزيد قائمان؛ لأنهم يزعمون أن عمل إن ضعيف، وأنه يعمل في الاسم وحده، وأنه لا يتخطى إلى الخبر، وأن الخبر مرفوع بما كان يرتفع به قبل دخول إنّ، وقد بينا بطلانه.
ومن بطلان ما ادعوه في ضعف عملها أنها تعمل في الاسم، وبينها وبين الظرف خبر أو غير خبر؛ كقوله ﷿: إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ (٢) فهذا يدل على قوة عمل إن والغلط في (ولا سابق شيئا) أن خبر ليس يستعمل كثيرا بالباء، فيتوهم العاطف أنّ في الأول الباء أو يجريه على ما كان يستعمل، كما يجري الاسم على موضع إنّه، كأنها ليست في الكلام، وكذلك تقول: بدا لي أني لست مدرك ما مضى، ولا سابق على ما
_________________
(١) البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه ١٦٥، وابن يعيش ٨/ ٧٠، والإنصاف ١٩٠.
(٢) سورة المائدة، من الآية ٢٢.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
كان يستعمل إذا قالوا لست بمدرك ما مضى، وأما الصابئون، فالذي قال سيبويه على أنه على التقديم والتأخير كأنه قال: إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصّابئون والنّصارى كذلك. وفيه وجه آخر نحو هذا غير خارج عن مذهبه، وهو أنّ يجعل من آمن بالله واليوم
الآخر إلى آخر الآية للصابئين والنصارى خبرا وتضمر مثل الذي ظهر للذين آمنوا والذين هادوا؛ لأنه يجوز أن تقول: زيد وعمرو قائم، تجعل قائم خبرا لأيهما شئت.
وفي رفع الصابئون غير هذين الوجهين، مما كرهنا الإطالة بذكره، وفي قوله:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق (١)
وجهان أحدهما التقديم والتأخير الذي ذكره سيبويه، والثاني أنّا نضمر لأن خبرا محذوفا يدل عليه ما بعده ونجعل بغاة خبر أنتم، كأنه قال: وإلا فاعلموا أنّا بغاة وأنتم بغاة، وحذف خبر الأول اكتفاء بخبر الثاني. وقد حمله بعض أصحابنا على الغلط كأنه شبه (نا) في (أنّا) ب (نا) الذي هو ضمير الرفع في نحو قلنا: وذهبنا. فتوهم (نا) مرفوعا في أنّا لإشباهه (نا) في (قلنا) ولست أحب هذا الوجه.