(وذلك قولك: هذا رجل معه رجل قائمين، فهذا ينتصب لأن الهاء التي في معه معرفة، فأشرك بينهما وكأنه قال: معه امرأة قائمين، ومثله: مررت برجل مع امرأة ملتزمين، فله ضمير إضمار في (مع) كما كان له إضمار في معه، إلا أن المضمر في معه علم، وليس له في مع امرأة علم إلا بالنية، ويدلك على أنه مضمر والنية قولك: مررت بقوم مع فلان أجمعون).
قال أبو سعيد: جملة هذا الباب أن يتقدّم اسمان أو أسماء قد أعربت بإعراب مختلف أو إعراب واحد من جهتين مختلفتين، فلا يمكن جمع صفاتها أو تثنيتها بلفظ واحد محمول على الإعراب الأول، فحمل على شيء يجتمعان فيه ممّا يصحّ اجتماعهما على ما أسوقه وأبيّنه إن شاء الله.
_________________
(١) ديوان الأعشى/ ٥٤.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وأما قوله: (هذا رجل)، فرجل مرفوع لأنه خبر مبتدإ، وخبره معه، فرفعاها من جهتين مختلفتين فلا يصحّ أن يكون: قائمان نعتا لهما، لأن قائمان لفظ واحد لا يصلح أن يكون رفعا بنعت الابتداء وخبر المبتدإ، فحمل على: معه رجل، ونصب على الحال، والاسمان اللذان منهما الحال:
أحدهما: الهاء في معه، والآخر: رجل.
وقد تكون الحال من اسمين مختلفي الإعراب، كقولك:
ضرب زيد عمرا قائمين، قال الشاعر عنترة:
متى ما تلقني فردين ترجف روانف إليتيك وتستطارا (١)
وفردين: حال من اسم الفاعل والمفعول في (تلقني)
ومثله:
تعلقت ليلى وهي ذات مؤصد ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم (٢)
فصغيرين: حال من التاء في تعلقت، وهي في موضع رفع، ومن ليلى وهي في موضع نصب، والهاء في معه ورجل تأويلهما تأويل فاعلين أو فاعل ومفعول، لأنك إذا قلت: مع عمرو زيد، فتأويله: اجتمعا أو جامع زيد عمرا، ثم تكون الحال منهما على هذا التأويل أو يحمله على هذا، فيكون على التنبيه فتقدير أتيت لهما قائمين أو الإشارة بمعنى:
أسير إليهما قائمين.
وكذلك: مررت برجل مع امرأة في قولنا: مع امرأة، ضمير مرفوع لرجل في النية لا علم له في اللفظ، كما أنّ في قولنا: معه امرأة فيه ضمير مجرور وهو الهاء، والمعنى: في الاجتماع واحد، ومثل هذا الضمير قولك: مررت بقوم مع فلان أجمعون، في مع فلان:
ضمير مرفوع من قوم، أجمعون توكيد له، والنصب في قائمين كالنصب فيهما لو ابتدأت فقلت: معه امرأة قائمين أو معك أو مع زيد.
(ومما لا تجوز فيه الصفة: فوق الدار رجل، وقد جئتكم برجل آخر)، لأن
_________________
(١) ديوان عنترة/ ١٠٨، الخزانة ٢/ ٢٠٠.
(٢) البيتان للمجنون ديوانه/ ١٨٦، خزانة الأدب ٤/ ٢٣٠.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
إعرابهما مختلف ولا يحسن أن تنصب هذا على الحال كما نصبت قائمين، وإن كان ليس فيه الألف واللام، لأن المنصوب بالحال لا بد له من عامل واحد مقدّر في نصبه، وليس في قولك: في الدار رجل وقد جئتك برجل آخر، شيء يقع عليهما من تنبيه أو إشارة أو اجتماع.
ويقول: (فيما اختلف إعرابه، فلم يمكن اجتماع صفة الاسمين: اصنع ما سرّ أخاك، وأحبّ أبوك الرجلان الصالحان على الابتداء، وتنصبه على المدح والتعظيم كقول الخرنق في قصيدة ":
لا يبعدن قومي الذين هم سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكل معترك والطّيبون معاقد الأزر) (١)
وقال بعض أصحابنا: الرفع أحسن وأكثر في كل شيء كان تعظيما لأنك إذا أثنيت على قوم فإنما تقول: هم كذا.
(وأما الألف واللام فلا تكونان حالا البتة، لو قلت: مررت بزيد القائم، كان قبيحا لا يجوز إذا أردت قائما، وإن شئت نصبته على المدح، وذلك قولك: اصنع ما ساء أباك وكره أخوك الفاسقين الخبيثين، وإن شاء ابتدأ، ولا سبيل إلى الصفة في هذا ولا في قولك: عندي غلام وقد أتيت بجارية فارهين، لأنك لا تستطيع أن تجعل فارهين صفة للأول ولا للآخر ولا سبيل إلى أن يكون بعض الاسم جرا وبعضه رفعا، فلما كان كذلك صار بمنزلة: ما كان معه معرفة من النكرات لأنه لا سبيل إلى وصف هذا، كما أنه لا سبيل إلى وصف ذلك، فجعل نصبا كأنه قال: عندي عبد الله، وقد أتيت بزيد فارهين، جعل الفارهين ينتصبان على: النازلين بكل معترك.
وفرّوا من الإحالة في: عندي غلام، وقد أتيت بجارية إلى النصب، كما فروا إليه في قولهم: فيها قائما رجل).
يريد لما لم يكن صفة غلام وجارية بفارهين لاختلاف إعرابهما، فروا إلى نصب فارهين على المدح، كما هربوا إلى نصب قائما على الحال من قولهم: فيها قائما رجل، لما لم يمكن أن يجعل قائم صفة لرجل لتقدمه عليه.
_________________
(١) البيتان للخرنق بنت هفان، الخزانة ٢/ ٣٠١، الدرر اللوامع ٢/ ١٥٠.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
قال: (واعلم أنه لا يجوز أن تصف المعرفة والنكرة، كما لا يجوز وصف المختلفين، وذلك قولك: هذه ناقة
وفصيلها الراتعان، فهذا محال لأن الراتعين لا يكونان صفة للفصيل ولا للناقة، ولا تستطيع أن تجعل بعضها معرفة وبعضها نكرة، وهذا قول الخليل.
وزعم الخليل أن الجرين والرفعين إذا اختلفا فهما بمنزلة الجر والرفع وذلك قولك: هذا رجل، وفي الدار آخر كريمين، لأنهما لم يرتفعا من وجه آخر وقبّحه بقوله:
هذا لابن إنسانين عندنا كراما، فقال الجر هاهنا مختلف ولم يشرك الآخر فيما جرّ الأول، ومثل ذلك: هذه جارية أخوي ابنين لفلان كراما، لأن أخوي ابنين اسم واحد، والمضاف إليه الآخر منتهاه، ولم يشرك الآخر بشيء من حروف الإشراك فيما جر الاسم الأول، ومثل ذلك: هذا فرس أخو ابنيك العقلاء الحكماء، لأن هذا في المعرفة مثل ذاك النكرة، فلا يكون الكرام والعقلاء صفة للأخوين والابنين، ولا يجوز أن يجرى وصفا لما انجرّ من وجهين، كما لم يجز فيما اختلف إعرابه.
ومما لا تجري الصفة عليه: هذان أخواك، وقد تولى أبواك الرجال الصالحون، إلا أن ترفعه على الابتداء وتنصبه على المدح والتعظيم).
قال أبو سعيد: اختلاف الرفعين والجرين منع من جمع الصفتين، لأن الصفة تتبع الموصوف في الإعراب، فيكون الإعراب الحاصل في الموصوف وفي الصفة متعلقا بالعامل الذي عمل في الموصوف، فلو جمع الصفتان بلفظ واحد فجعلتا للمرفوعين المتقدمين أو المجرورين، صار لفظ الصفتين وهو واحد معلقا برافعين أو جارّين، فلذلك لم يصلح: هذا رجل في الدار آخر كريمان، لأن الرجل رفع بخبر الابتداء، وآخر مرفوع بالابتداء، وهما عاملان مختلفان لا يحمل كريمان عليهما، ورفع كريمين على الابتداء فهما عاملان مختلفان لا يحمل كريمان عليهما، وكذلك تقول: هذا لابن إنسانين عندنا كراما، على المدح ولم تقل: كرام على الصفة، لأن ابن مجرور باللام، وإنسانين مجروران بإضافة ابن إليهما، فهذان عاملان مختلفان، لا يصلح حمل كرام عليهما، وهو لفظ واحد، وكذلك: هذا فرس أخوي ابنيك العقلاء، لو خفضنا العقلاء وجعلناها صفة للأخوين والابنين كان فاسدا، لأن ابنيك من تمام الأخوين، وليس أخواك من تمام أنفسهما، والصفة داخلة فيما دخل فيه الموصوف، فيكون العقلاء من تمام الأخوين من حيث كان صفة للابنين وغير تمام
[ ٢ / ٣٩١ ]
لهما من حيث كان صفة للأخوين فيتناقض.
قال: (وسألت الخليل عن: مررت بزيد وأتاني أخواه أنفسهما، فقال: الرفع على هما صاحباي أنفسهما، والنصب على أعينهما ولا مدح فيه لأنه ليس مما يمدح به.
قال: وتقول: هذا رجل وتلك امرأة منطلقان، وهذا عبد الله وذاك أخوك الصالحان، لأنهما ارتفعا من وجه واحد، وهما اسمان بنيا على مبتدأين.
وانطلق عبد الله، ومضى أخوك الصالحان، لأنهما ارتفعا بفعلين، وذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الحكيمان).
قال أبو سعيد: لا خلاف بين أصحابنا أنّ الفعلين إذا اتفق معناهما جاز أن يوصف فاعلاهما بلفظ واحد، كقولك: مضى زيد وانطلق عمرو الصالحان، وجلس أخوك وقعد أبوك الكريمان، وإذا اختلف معناهما فمذهب الخليل وسيبويه في الفعلين المختلفين والمتفقين واحد، فأجازا: ذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الحكيمان، وكان المبرد والزجاج وكثير من المتأخرين يأبون جواز ذلك إلا في المتفقين.
والحجّة للخليل وسيبويه: أن مذهب عمل الفعل والفاعل مذهب واحد وإن اختلف معنى اللفظين، وممّا يدل على ذلك، أنك تقول: اختلف زيد وعمرو الصالحان، ومعنى اختلف واحد منهما فعل فعلا مخالفا لفعل الآخر، وتقول: فعل زيد وعمرو فعليهما وعملا عمليهما وإن كانا مختلفين لأن اللفظ الواحد من الفعل يجوز أن يقع على مختلفين، وتردّ الفعلان إلى فعل واحد يكون الاسمان فاعليه، فإذا قلت: أذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الصالحان الحكيمان؟ فكأنّا قلنا: فعل أخوك وعمرو هذين الفعلين الصالحان، والذي لا يجيز هذا ويجيز: ذهب زيد وانطلق عمرو الصالحان، يلزمه نحو ما قدرناه، لأن ذهب ارتفع به زيد وحده، وانطلق ارتفع به عمرو وحده، ولا يجوز أن يكون الصالحان يرتفع بالفعلين أو يتعلق بهما، وهو لفظ واحد.
فإن قال قائل: نسقط الفعل الثاني في التقدير ونجعله مؤكدا للأول وكانّا قلنا: ذهب زيد وعمرو الصالحان، قيل له: فإذا رفعتهما بالأول بقي انطلق بلا فاعل، وهذا فاسد في مذهب البصريين، وكان أقيس ممّا قالوه: أن لا يجاز ذلك وتجتمع الصفتان وأحد عاملي الاسم غير الآخر، لأن الصفة إذا حملناها على أحد العاملين لم يجز، لأن الموصوف واحد، وإذا حملناها عليهما لم يجز لأنها ترتفع بشيئين، وإنما جاز: هذا رجل، وتلك
[ ٢ / ٣٩٢ ]
امرأة منطلقان، فتجعل منطلقين نعتا للرجل والمرأة لأنهما خبر مبتدأين مشار إليهما وإن كانت إحدى الإشارتين أقرب من الأخرى كفاعلي الفعلين المختلفين.
قال: (واعلم أنه لا يجوز من عبد الله، وهذا زيد الرجلين الصالحين، رفعت أو نصبت لأنك لا تثني إلا على من أثبته وعلمته، ولا يجوز أن تخلط من تعلم بمن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة، وإنما الصفة علم فيمن قد علمته).
لأن عبد الله لست تعرفه، وإنما تسأل عنه لتعرفه، فإذا نعتّه فسؤالك عنه عن نعته، وزيد تعرفه وتعرف نعته، فإذا ثنيت الصفتين بلفظ واحد، فأنت لا تعرفه من حيث كان نعتا لعبد الله، وتعرفه من حيث كان نعتا لزيد، فيصير لفظ
واحد معروفا مجهولا. والله أعلم.