وذلك قولك: هل وجدت فلانا عند فلان؟ فتقول: أو هو ممن يكون عنده ثم؟
أدخلت ألف الاستفهام، وهذه " الواو " لا تدخل على ألف الاستفهام وتدخل عليها الألف.
وإنما هذا الاستفهام مستقبل بالألف ولا تدخل الواو على الألف. كما أن " هل " لا تدخل على " الواو ".
فإنما أراد ألا يجروا الألف مجرى " هل " إذ لم تكن مثلها. والواو تدخل على " هل ".
_________________
(١) انظر ديوان الهذليين: ١/ ٧١، معيار الشعر لابن طباطبا: ٩٨، الدرر اللوامع: ٢/ ١٧٢.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وتقول: ألست صاحبنا؟ أو لست أخانا؟ ومثل ذلك: أما أنت أخانا؟ أو ما أنت صاحبنا؟ وقوله: أو لا تأتينا؟ أو لا تحدثنا؟ إذا أردت التقرير أو غيره ثم أعدت حرفا من هذه الحروف لم يحسن الكلام إلا أن تستقبل الاستفهام.
وإذا قلت: ألست أخانا؟ أو صاحبنا؟ أو جليسنا؟ فإنما تريد أن تقول: ألست في بعض هذه الأحوال؟ وأنما أردت في الأول أن تقول: ألست في هذه الأحوال كلها؟
ولا يجوز أن تريد معنى: ألست صاحبنا؟ أو جليسنا؟ أو أخانا؟ وتكون: لست مع " أو " إذا أردت أن تجعله في هذه الأحوال كلها.
ألا ترى أنك إذا أخبرت فقلت: ألست بشرا. أو ألست عمرا أو ما أنت ببشر ما أنت بعمر لم يجئ إلا على معنى: بل ما أنت بعمرو. و: لا بل لست ببشر.
وإذا أرادوا معنى: أنك لست واحدا منهما. قالوا: لست عمرا ولا بشرا أو قالوا: أو بشرا. كما قال ﷿:- وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (١)، ولو قلت: " أو لا تطع كفورا " انقلب المعنى.
فينبغي لهذا أن يجئ بألف الاستفهام منقطعا من الأول. لأن " أو " هذه نظيرتها في الاستفهام " أم ". وذلك قولك: أما أنت بعمرو أم ما أنت ببشر؟ كأنه قال: لا بل ما أنت ببشر. وذلك أنه أدركه الظن في أنه بشر بعد ما مضى كلامه الأول فاستفهم عنه.
وهذه " الواو " التي دخلت عليها ألف الاستفهام كثيرة في القرآن. كما قال ﷿: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) فهذه الواو بمنزلة الفاء في قوله: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ (٣)؟
وقال ﷿: أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤). وقال ﷿:
_________________
(١) سورة الإنسان، الآية: ٢٤.
(٢) سورة الأعراف، الآيتان: ٩٧، ٩٨.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٩٩.
(٤) سورة الصافات، الآية: ١٦، ١٧.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١).
قال أبو سعيد: ألف الاستفهام تقع من حروف العطف على " الواو " و" الفاء " و" ثم " وتتقدمهن.
فالفاء قول الله ﷿: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (٢).
والواو: قوله ﷿: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (٣).
و" ثم " قوله ﷿: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ (٤).
ولا يتقدم شيء من حروف الاستفهام وأسمائه سوى " الألف " على حرف العطف.
بل حروف العطف تدخل عليهن وتتقدمهن كقولك: " وهل زيد في الدار؟ فهل زيد في الدار؟ فهل أنتم منتهون " (٥)؟ وقال الشاعر:
ليت شعري هل ثم هل أتينهم أو يحولن دون ذاك حمامي (٦)
وأما " أم " وهي من حروف الاستفهام فأنها لا تدخل على حروف العطف ولا تدخل عليها حروف العطف. لأنها وإن كانت للاستفهام فهي للعطف. ولا تكون مبتدأة كما لا تكون حروف العطف مبتدأة ومن ذلك تدخل " أم " على " هل " وعلى الأسماء التي يستفهم بها كما تدخل حروف العطف عليها كقوله:
أم هل كبير بكى لم تقض عبرته (٧)
وقوله:
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به (٨)
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٠.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٨٥.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٠.
(٤) سورة يونس، الآية: ٥١.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٩١.
(٦) البيت عند ابن يعيش: ٨/ ١٥١ منسوب إلى الكميت بن زيد الأسدي.
(٧) صدر بيت لعلقمة بن عبدة. عجزه: أثر الأحبة يوم البن مشكوم انظر الشعر والشعراء: ١٥٩، شرح المفضليات للأنباري: ٥٢٥.
(٨) صدر بيت عجزه:
[ ٣ / ٤٤٦ ]
وقد قال الله ﷿: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ (١).
فإذا دخلت " أم " على الاستفهام فإنما تدخل من حيث كانت عطفا ويصير بمنزلة: " وهل كبير بكى " وكيف ينفع ما تعطي العلوق به ". ومن يجيب المضطر إذا دعاه.
وإنما صارت الألف تدخل على هذه الحروف التي ذكرنا " الفاء " و" الواو " و" ثم " ولم تدخل " هل " عليهن.
لأن ألف الاستفهام قد تدخل على بعض الكلام ولا يكون ما بعدها كلاما تاما.
كقولك لمن قال لك: ضربت زيدا. أزيدنيه؟
ولمن قال: مررت بزيد. أزيدنيه؟
ويقول الرجل: كم غلمانك. أثلاثة أم أربعة؟ فتجعله بدلا من " كم " وحدها وهي بعض الجملة.
ويقول الرجل: مررت بزيد. فيقال: أبزيد؟ وهو بعض الجملة.
وتقول للرجل: أقائما والناس قعود؟ وأمقيما وقد رحل القوم؟
ولا يجوز شيء من ذلك في " هل " ولا يكون " هل " إلا لاستقبال الاستفهام ولا يقتطع بها بعض الكلام.
فلما كان ما في أوله " الواو " و" الفاء " و" ثم " من جملة عطف عليها " بالواو " و" الفاء " و" ثم " صار ما فيه شيء من هذه الحروف بعض الجملة، فاقتطعت بالألف من الجملة ولم يجز اقتطاعها " بهل " لما ذكرناه.
وقد احتج سيبويه في أول أبواب " أو " للفرق بين " هل " و" الألف " فقال: " وذلك أن هل ليست بمنزلة ألف الاستفهام لأنك إذا قلت: هل تضرب زيدا؟ فلا يكون أن يدعى أن الضرب واقع.
_________________
(١) رئمان أنف إذا ما ضن باللبن انظر الخصائص: ٢/ ١٨٤، الهمع: ٢/ ١٣٣، ابن يعيش: ٤/ ١٨، الأشباه والنظائر للسيوطي: ١/ ٣٢٩.
(٢) سورة النمل، الآية: ٦٢.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
قال أبو سعيد: وقد يجوز أن يعارض بقول الله ﷿: وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ * هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (١) أي: لذي عقل- على وجه التنبيه أن في ذلك قسما لذي حجر. ويعارض بقوله ﷿:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (٢).
لأنه أتى عليه حين من الدهر قبل أن ينفخ فيه الروح ولم يكن مذكورا إلى أن نوه الله ﷿ به فصار مذكورا.
وأكثر القول أن الإنسان: آدم. ولم يكم آدم مذكورا وذكر بعض العلماء أن الإنسان يجوز أن يكون: " الناس كلهم ". وكل إنسان يأتي عليه من حال تكونه في الرحم إلى أن يولد حين لا يكون فيه مذكورا.
وقال الفراء: " هل ": يكون جحدا ويكون خبرا. فقوله: ﷿: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " ومثله: فهل " وعظتك "، فهل أعطيتك، مقررة بأنك أعطيته ووعظته.
والجحد أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا؟
قال أبو سعيد: وللمحتج عن سيبويه أن الذي ذكر سيبويه جوازه في الألف ممتنع في " هل " لأن الذي يقول: أتضرب
زيدا؟ لمن قد ضربه يوبخه ويتهدده. ولم يأت مثل ذلك في " هل " وكان الفراء يذهب إلى أن حروف النسق كان ينبغي أن تكون قبل الألف كما كانت قبل " هل " وسائر الحروف.
ولما كانت " الألف " تضارع " الألف " التي تدخل على الفعل الماضي كقولك:
ذهب وأذهبه فلان فلو قلت: وأقدم زيد؟ وأنت تريد ألف الاستفهام. لأشبه قولك: " أقام زيد بمكان كذا وكذا. فلما خشوا هذا جعلوا هذه الحروف بين الألف وبين ما بعدها.
وكان يقول: " أنما خصوا الألف " بذلك لأنها لا تقوم بنفسها فأشبهت ما يتصل بالشيء وهو منه وضارعت " هل " " من " و" ما " فدخلت حروف النسق عليها.
قال أبو سعيد: إذا قال القائل: هل وجدت فلانا عند فلان؟ فقال المجيب: أو هو
_________________
(١) سورة الفجر، الآيات: ١: ٥.
(٢) سورة الإنسان، الآية: ١.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
ممكن يكون عنده؟ فكلام المخاطب عطف على كلام المتكلم. وجاز أن يقول:
" وعمرو " أو " فعمرو " أو " ثم عمرو " وإذا عطف واستفهم كان حروف العطف بعد حرف الاستفهام إذا كان الاستفهام بألف.
وإن كان بغير " ألف " فحرف العطف قبله فالألف قولك أو هو ممن يزورك؟ وأفهو لك صديق؟ و" أثم أقام عندك " أو " فما فعل عندك؟ " أو ثم ما فعل عندك؟ أو يقول: إذا جاءني زيد. فلك أن تقول: أو من ؟ أو " فمن ؟ أو " ثم من ؟ ونحو ذلك.
وإذا قال: ألست صاحبنا؟ أو: ألست أخانا؟ فقد صار الأول تقريرا بدخول ألف الاستفهام وعطفت الثاني عليه. عطفت جملة على جملة وأدخلت فيه ألف الاستفهام فصارت الجملة الثانية كالجملة الأولى.
ورد العامل فيه يصيره في معنى " بل " كأنك قررته على الجملة الثانية. وتركت التقرير الأول. كما تعمل " بل " في ترك الأول وتثبيت الثاني. ومثل ذلك: أما أنت صاحبنا؟
أو ما أنت أخانا؟ أدخل حرف الاستفهام على: " ما " الجحد. وحكمها حكم " ليس ".
ومثل ذلك قوله: أو لا تأتينا أو لا تحدثنا؟ إذا أردت التقرير أو غيره.
" ألا تأتينا " يكون تقريرا، ويكون استدعاء وعرضا. كقولك: ألا ماء أشربه؟ وهو في نحو معنى " هلا ".
وهذا معنى قول سيبويه: " إذا أردت التقرير أو غيره ".
إعادة العامل توجب استئناف الاستفهام واستقباله.
فإن أردت أن يكون الكلام جملة واحدة جئت بحرف العطف ولم تعد العامل فقلت: ألست أخانا أو صاحبنا أو جليسنا؟ فعطفت " أو " اسما على اسم. ولم تعد حرف الاستفهام ولا العامل فصار كقولك: ألست أحد هؤلاء النفر؟ وهو كلام واحد. وجعل " أخانا " و" صاحبنا " و" جليسنا " أحوالا. وجعل كونه أحدها. لا كونا في بعض الصفات التي لهم.
وإذا قال: ألست أخانا؟ أو لست جليسنا؟ أو لست صاحبنا؟ فكل واحدة من هذه الثلاثة مثبتة مفردة له على حياله وجعله في هذه الأحوال كلها يعني: " أخاهم وصاحبهم وجليسهم " ولا يجوز أن تقول: ألست صاحبنا؟ أو لست جليسنا؟ أو لست أخانا؟ وأنت تريد بتكرير: " لست " ما تريد إذا لم تكرر " لست ".
[ ٣ / ٤٤٩ ]
لأنك إذا كررتها فقد جعلت الكلام الثاني منقطعا من الأول. وصارت " أو " بمنزلة " أم " وصار المتكلم إذا قال: ألست صاحبنا؟ أو لست جليسنا؟ معرضا عن الأول معتمدا على الثاني وكذلك لو لم يكن استفهام فأخبرت فقلت:- لست بشرا أو لست عمرا.
وكذلك: ما أنت ببشر وما أنت بعمرو. ولم يجئ إلا على معنى: لا بل ما أنت بعمرو ولو أراد أن يقول: ما أنت لست بواحد منهما لقال: لست عمرا ولا بشرا.
أو قال: لست بشرا أو عمرا. كما قال الله ﷿: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا بمعنى ولا كفورا.
قال: ولو قال: " أو لا يطع كفورا " انقلب المعنى يعني: أنه إذا أعاد " أو لا تطع " يصير إضرابا كأنه ترك النهي عن اتباع الإثم وأضرب عنه ونهى عن طاعة الكفور فقط.
وقوله: " فينبغي لهذا أن يجئ في الاستفهام منقطعا " يعني: أن " أم " لا تقع في النهي. لأنها استفهام. ولكنها تدخل فيما كان خبرا فيكون استفهاما. ويكون دخول " أم " فيه كدخول " أو " في النهي إذا قلت: أو لا كفورا.
وذلك قولك: أما أنت بعمرو؟ أم أنت ببشر؟ تكون " أم " في هذا نظيره " أو " في:
" أو لا يطع ". لأنهما يكونان للإضراب عن الأول. فيصير كأنه قال: " بل لا تطع كفورا " بل ما أنت ببشر.
وقد مضى الكلام في " أم " المنقطعة وشرحها ووجوهها قبل.