فأما الصفة فتقديره: " كل حق له مذكور وغير مذكور "
وأما الحال فعلى معنى: " وكل حق له إن كان مسمى وإن كان غير مسمى ".
كأنه قال: كل حق له كائنا ما كان.
كما تقول: لأضربنه ذهب أو مكث. كأنه قال: لأضربنه ذاهبا أو ماكثا. ولأضربنه إن ذهب أو مكث.
فأما من قال " بالواو " فمعناه: كل حق له من المسمى وغير المسمى.
ومما يقع فيه " الواو " و" أو " بمعنى واحد: ما كان من التخيير بمعنى الإباحة كرجل أنكر على ولده مجالسة ذوي الزيغ والريب وأراد أن يعدل به إلى مجالسة غيرهم فقال له:
" دع مجالسة أهل الريب وجالس الفقهاء والقراء وأصحاب الحديث ".
أو قال له: " جالس الفقهاء والقراء أو أصحاب الحديث " فذلك كله بمعنى واحد.
لأن مفهوم الكلام أنه لا يمكنه مجالسة جميع من ذكره. وإن كانت " بالواو " فأن المراد: أن
[ ٣ / ٤٤٠ ]
لا تجالس أهل الريب والقصد: جالس من شئت من الفقهاء والقراء وأصحاب الحديث.
و" أو " تؤدي هذا المعنى لأنها في التخيير كأنه قال:
جالس إن شئت هؤلاء، وإن شئت فأكثر منهم وإن شئت فأجمع بينهم.
ومما تكون فيه " أم " و" أو " بمعنى واحد وإن كان أصلهما مختلفا قولهم: " اضرب زيد أولا ". و" أضربت زيدا أم لا " وذلك أنك لو اقتصرت على: " أضربت زيدا؟ " لاقتضى السؤال " نعم " أو " لا ". فإن زاد فيه " أو " أو زاد فيه " أم " لم يتغير معناه. وقد ذكرت قبل هذا من اختلاف " بل " و" أم " في أصلهما واتفاقهما فيما يراد من المعنى في: " أم يقولون افتراه ؟ "
قول الشاعر:
" أم كلّ إليّ حبيب؟ "
فيما فيه مقنع، وكذلك اجتماع " بل " و" أو " في قوله:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أم أنت في العين أملح
في معنى: " بل ".
وقول سيبويه وجمع البصريين أن نفي المباح " بأو " يستوعب جميع ما وقعت عليه ولا يخالف معناه معنى " الواو " كقولك: " لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا ". إذا أردت نفي أحد هذه الأشياء كأنك قلت: لا تأكل شيئا من هذه الأشياء.
ونظيره: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (١) أي لا تطع أحدا من هذين. لأن كل واحد منهما كان في الأمر مباحا. فإذا دخل النهي الذي هو ضد الأمر صار كل واحد منهما محظورا.
وإذا كان التخيير على وجه الإباحة فدخل النهي. فإن أبا الحسن بن كيسان:
يجوز أن يكون النهي عن واحد. وجوز أن يكون عن جميع المذكور كقولك: لا تأخذ دينارا أو ثوبا. يجوز أن يكون نهاه عن أخذ أحدهما. ويجوز أن يكون النهي عن أحدهما على مقابلة الأمر لأن الأمر كأن يأخذ أحدهما والنهي نقيضه وضده فيكون نهيا عن أخذ أحدهما. وجاز أن يكون يعني مجيئهما.
_________________
(١) سورة الإنسان، الآية: ٢٤.
[ ٣ / ٤٤١ ]
قال أبو سعيد: والذي عندي أنه إذا دخل نهي أو نفي على ما فيه " أو " فإن النهي والنفي عن الجميع فيما كان مباحا أو تخييرا.
وذلك أنك إذا أمرت وأنت تخيره فقلت: خذ دينارا أو ثوبا. فأنت تأمره بأخذ أحدهما والآخر محظور.
فإذا نهيته فقد حظرت عليه الذي كنت تأمره بأخذه. فصار الجميع محظورا من حيث كان تقدير الآخر: خذ أحدهما. يصير تقدير النهي: " لا تأخذ أحدهما ". فأيهما أخذ فقد عصى لأنه قد أخذ أحدهما وليس يكون هذا على ما قال أبو الحسن بن كيسان إلا على وجه اللغز.
كأنه يقصد بأحدهما في اللفظ واحدا بعينه ويبهمه على السامع كقول القائل " جاءني زيد أو عمرو " وهو يعرف الذي جاء بعينه ولم يعرض للآخر بشئ.
واعلم أن " أو " تدخل بين فعلين بعد استغناء الفعل قبلها ويكون الفعلان بمعنى الحال وفيها معنى المجازاة ولا يكفي الكلام بأحد الفعلين ولا يكون إلا فعلا ماضيا. وذلك قولك: لأضربنه ذهب أو مكث ومعناه: لأضربنه إن ذهب وإن مكث. وموضعه من الإعراب نصب. كأنه قال: لأضربنه ذاهبا أو ماكثا.
ولا يجوز: " لأضربنه ذهب " على معنى: لأضربنه ذاهبا. لأن " ذهب " فعل ماض ولا يكون حالا لمستقبل.
وإنما جاز: " لأضربنه ذهب أو مكث ". لأنه بالتكرير صار فيه معنى: إن ذهب وإن مكث كأنه قال: لأضربنه كائنا ما كان. و" لأضربنه على كل حال ".
ولا يجوز الفعل المستقبل في هذا. لأن الفعل المستقبل يقع موقع الحال ولا يحتاج إلى تكرير، ولا يدل على أنك تريد به المجازاة.
ألا ترى أنك تقول: لأضربن زيدا يضحك. بمعنى: ضاحكا. ولو قلت: لأضربنه يذهب أو يمكث لم يكن فيه دلالة على المجازاة كما دل الماضي بلفظ المضي الذي يقتضيه على المجازاة.
ولو جعلت في أول الفعل ألف الاستفهام جعلت مكان " أو " و" أم "، ولم يخرج عن معنى المجازاة ولزوم الفعل الماضي كقولك: لأضربنه أذهب أم مكث؟
واستدل الخليل على جواز ذلك بقولهم: " لأضربنه أي ذلك كان ".
[ ٣ / ٤٤٢ ]
وهي بدخول ألف الاستفهام في أولها بمنزلة " أو " في المعنى. لأن الكلام في " أو " يقدر كائنا ما كان.
وفي " أم " يقدر: أي ذلك كان. ومعناهما واحد. واحتاجوا في " أم " إلى ألف الاستفهام للتعديل والتسوية.
وقوله: " لأضربنه كائنا ما كان " " كائنا ": نصب على الحال من الهاء في لأضربنه.
وما كان: في موضع رفع " بكائن " وهو فاعله. و" ما " بمعنى: الذي و" كان " صلتها وفيها معنى المجازاة ولذلك كان ماضيا. وضمير الفاعل في " كان " يعود إلى " ما " وبعد " كان " هاء محذوفة تعود إلى الهاء في: لأضربنه وقول الشاعر:
أطال فأملي أو تناهى فأقصرا (١)
إذا كان " بأو " فهو من: أطال يطيل بغير استفهام كقولك: لأضربنه قام أو قعد.
ويجوز: أطال فأملى أم تناهى ؟
ويكون ألف أطال استفهاما دخل على طال يطول والأجود " أو " بغير استفهام.
وهو الكثير في الكلام.
ولذلك قال سيبويه: " لأضربنه ذهب أو مكث أي لأضربنه كائنا ما كان.
فبعدت " أم " هاهنا حيث كان خبرا يقع موقع ما انتصب حالا أو في موقع الصفة.
قال: وأنما فارق هذا سواء و" ما أبالي " لأنك إذا قلت: سواء على أذهبت أم مكثت فهذا الكلام في موضع سواء على هذين. وإذا قلت: ما أبالي أذهبت أم مكثت فهو في موضع ما أبالي واحدا من هذين.
وأنت لا تريد أن تقول في الأول: لأضربن هذين ولا تريد أن تقول: تناهيت هذين. ولكنك أنما تريد أن تقول: إن الأمر يقع على إحدى الحالين.
قال أبو سعيد: يريد أن الذي بعد " سواء " بمنزلة خبر المبتدأ. والذي بعد " وما أبالي " في موضع المفعول لأبالي.
والذي بعد " لأضربنه " إنما أتى بعد تمام الكلام على وجه الشرط للكلام
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
فاختير فيه وكذلك قد: تم ب " تناهيت عنده " وجاء: أطال فأملي، وليس ما بعد " لأضربنه " و" تناهيت عنده " في موضع المفعول كما كان ذلك في: " ما أبالي هذا " وهو على وجه الاختيار.
ولا يجوز أن تقول: لأضربنه أذهب أو مكث. لأنك إذا استفهمت في أوله.
احتجت إلى المعادلة والمعادلة " بأم ".
وإذا لم تدخل ألف الاستفهام في أوله فهي في موضع الحال وتحتاج إلى " أو " وقد ذكرنا أنه لا بد من ذكر الفعلين مع " أو " و" أم " في قولنا: لأضربنه ذهب أو مكث و" ذهب أو مكث " ولا يجوز: لأضربنه أذهب أو مكث؟ لأنك أبطلت المعادلة بإدخال " أو " وإذا لم تكن معادلة لم تحتج إلى الألف.
وليس هذا بمنزلة قولك: ما أدري أقام زيد أو قعد لأنه يجوز أن تقول: ما أدري أقام زيد؟ ويجوز: اعلم أقام زيد " ويكتفي بفعل واحد ولا يحتاج إلى معادلة.
قال أبو ذؤيب:
عصاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها (١)
وأدري من أخوات " اعلم " وقد يجوز أن تقول: قد علمت أزيد في الدار
وقد أتى هذا التفسير على جميع الباب