وذلك قولك: قد علمت أن لا يقول ذاك وقد تيقنت أن لا يفعل. كأنه قال:
أنك لا تقول وأنه لا يفعل ونظير ذلك قوله ﷿: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى (١). وقوله ﷿: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا (٢). وقال ﷿: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٣) وزعموا أنها في مصحف " أبى " أنهم لا يقدرون على شيء.
وليست " أن " التي تنصب الأفعال تقع في هذا الموضع لأن (ذا) موضع يقين وإيجاب .. وتقول: كتبت إليه أن لا يقل ذاك وكتبت إليه أن لا يقول ذاك. وكتبت إليه أن لا يقول ذاك. فأما الجزم: فعلى الأمر، وأما النصب فعلى قولك:
لئلا يقول ذاك.
وأما الرفع: فعلى قولك: لأنك لا تقول ذاك تخبره بأن ذا وقع من أمره وأما " ظننت " و" خلت " " وحسبت " و" رأيت " فإن " أن " فيها على وجهين: على أنها تكون (أن) التي تنصب الفعل وتكون (أن) الثقيلة فإذا رفعت قلت: حسبت أن لا يقول وأرى أن سيفعل ذاك. ولا تدخل هذه السين في الفعل هاهنا حتى تكون " أنه " وقال ﷿: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٤) كأنك قلت: قد حسبت أنه لا يقول ذاك وأنما حسنت " أنه " هاهنا. لأنك قد أثبت هذا في ظنك. كما أثبته في علمك وأنك أدخلته
_________________
(١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.
(٢) سورة طه، الآية: ٨٩.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٩.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٧١.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
في ظنك. على أنه ثابت الآن كما كان في العلم. ولولا ذاك لم يحسن " أنك " هاهنا ولا " أنه " فجرى الظن هاهنا مجرى اليقين لأنه نفيه. وإن شئت نصبت فجعلتهن بمنزلة " خشيت " و" خفت " فتقول ظننت أن لا تفعل. ونظير ذلك: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (١)، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (٢)، " فلا " إذا دخلت هاهنا لم تغير الكلام عن حاله وأنما منع " خشيت " أن تكون بمنزلة: " ظننت " و" خلت " و" علمت " إذا أردت الرفع. أنك لا تريد أن تخبر أنك تخشى شيئا قد ثبت عندك ولكنه كقولك:
" أرجو " و" أطمع " و" عسى " فأنت لا توجب إذا ذكرت شيئا من هذه الحروف.
ولذلك ضعف " أرجو أنك تفعل " و" أطمع أنك فاعل ". ولو قال رجل: " أخشى أن لا تفعل يريد أن يخبر أنه يخشى أمرا قد استقر عنده أنه كائن. جاز وليس وجه الكلام. واعلم أنه ضعيف في الكلام أن تقول: قد علمت أن تفعل ذاك، ولا قد علمت أن فعل ذاك حتى تقول: " ستفعل " " أو قد فعل " أو تنفي فتدخل " لا ". وذلك لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما حذفوا من " أنه " فكرهوا أن يدعوا " السين " أو (قد). إذ قدروا على أن تكون عوضا ولا تنقض مما يريدون لو لم يدخلوا " قد " و" السين ".
وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيرا فإنما أجازوه؛ لأنه دعاء. ولا يصلون إلى " قد " هاهنا ولا إلى " السين ". وكذلك لو قلت: (أما أن يغفر الله) جاز لأنه دعاء ولا تصل هنا إلى السين. ومع هذا أنه قد كثر في كلامهم حتى حذفوا فيه "
أنه " و" أنه " لا يحذف في غير هذا الموضع سمعناهم يقولون: (أما إن جزاك الله خيرا) شبهوه (بأن).
فلما جازت " إن " كانت هذه أجوز وتقول: " ما علمت إلا أن تقوم ولا أعلم إلا أن تقوم. وما أعلم إلا أن تأتيه إذا لم ترد أن تخبر أنك قد علمت شيئا البتة ولكن تكلمت على وجه الإشارة. كما تقول أرى من الرأي أن تقوم، فأنت لا تخبر بأن قياما قد ثبت كائنا أو يكون فيما تستقبل البتة فلو أراد غير هذا المعنى لقال: " ما علمت إلا
_________________
(١) سورة القيامة، الآية: ٢٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٠.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
أن سيقومون " وأنما جاز: " قد علمت أن عمرو ذاهب " لأنك قد جئت بعده باسم وخبر كما يكون بعده لو ثقلته وأعملته فلما جئت بالفعل بعد " أن " جئت بشيء كان سيمتنع بعده لو ثقلته فكرهوا أن يجمعوا عليه الحذف وجواز ما لم يكن يجوز بعده مثقلا فجعلوا هذه الحروف عوضا.
قال أبو سعيد: أفعال العلم واليقين والمعرفة وما جرى مجراها من أفعال التحقيق تختص به " أنّ " المشددة الناصبة للأسماء دون " أن " المخففة الناصبة للأفعال. وأنما خصت هذه الأفعال بالمشددة لأن المشددة المفتوحة بمنزلة " إنّ " المكسورة في باب التوكيد والإيجاب، وما اختص بالإيجاب لا يدخل عليه ما ينقض دلالته على الإيجاب، فلم يدخل على " أن " المشددة " رجوت " واشتهيت وبابه. لأن هذه الأفعال يجوز أن يوجد ما بعدها ويجوز ألا يوجد فوقعت على " أنّ " المخففة التي لا توكيد فيها ولا مضارعة لما يوجب التوكيد.
ولا ينكر أن تكون هذه الأفعال المحققة تختص ب ألا يدخل عليه باب " رجوت " و" اشتهيت " كما أن لام " التوكيد " و" السين " و" سوف " لا يجامعها جحد. ألا ترى أنك تقول: والله لزيد قائم ولا تقول: والله لما زيد قائم. تريد: " ما " الجحد وكذلك لا يجوز:
ما سيقوم وليس سيقوم وكذلك أفعال التحقيق منعت من دخولها على المخففة. وخصت المخففة بالأفعال غير المخففة وهي الأفعال التي يجوز أن يكون مفعولها. ويجوز أن لا يكون كقولك: اشتهيت أن لا يخرج زيد لأن زيدا يجوز أن يخرج ويجوز أن لا يخرج، وقولك: رجوت أن يقدم زيد يجوز أن يقدم، ويجوز أن لا يقدم.
واعلم أن من الأفعال ما يكون فيه تأويلان أحدهما: الإيجاب والآخر: غيره فيجيز أن تكون " أنّ " بعدها بالتشديد والتخفيف بتأويل التشديد ورفع الفعل بعده ويجوز أن يكون بعدها (أن) ناصبة للفعل. وذلك " حسبت " و" ظننت " و" خلت " و" رأيت " من رؤية القلب وفيها تأويلان:
أحدهما: تأويل العلم واليقين والمعرفة لأن الظان قد أثبت في ظنه ما ظنه واعتقده عنده أنه حق كما يعتقد العالم فيما علمه أنه حق فيجري لفظ ما بعد هذه الأفعال بالتشديد في هذا التأويل. كما يجري في العلم فيقال: حسبت أن زيدا منطلق " وظننت أنك أخونا " وأن خففت وأنت تنوي الشديدة قلت: " قد حسبت أن لا تقول ذلك "
[ ٣ / ٤٠٦ ]
بالرفع وأرى أن سيفعل لأنك تريد: " أنك لا تقول ذاك وأرى أنه سيفعل ولا تكون السين في الفعل حتى تكون بمنزلة: " أنه " لأن " أن " المخففة لا يليها إلّا الفعل الذي تنصبه والماضي. " والسين وسوف " لا تدخل عليهما عوامل الفعل لأن السين وسوف أنما دخلتا على فعل مستقبل يكن فيه الحال والاستقبال فأخلصتاه للاستقبال وعوامل الأفعال لا تكون للحال إنما تكون للاستقبال فلا مدخل لها على " السين " و" سوف " ومثله: قوله ﷿: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (١).
والتأويل الثاني في هذه الأفعال: أنها أفعال وقعت في القلب واعتقدها صاحبها بغير دليل ولا برهان وإذا وقف على صورتها وعلم أن ذلك الاعتقاد لما كان بغير دليل جوز أن يكون معتقده، يصح وجوز أن لا يصح. وجوز أن يكون وأن لا يكون فصار بمنزلة " خشيت " و" خفت " وخبر عنها الذي يقف على صورتها باللفظ الذي يستعمله في " خفت " و" خشيت " و" رجوت ". وذلك قولك: ظننت أن لا تفعل ونظير ذلك تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢)، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (٣) ودخول " لا " بعد " أن " لا يغير النصب في قولك: ظننت أن لا تفعل ذلك وفي القرآن لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (٤)، وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (٥). وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٦). في قراءة من نصب وهو أكثر من أن يحصى. وقد ذكرنا فيما مضى أن لا يفصل بين العامل والمعمول فيه.
وجعل سيبويه لباب " ظننت " و" خلت " مزية على باب " خشيت " و" خفت " فأجاز تشديد " أن " في باب " ظننت " و" خلت " جوازا مستمرا مستحسنا. ولم يجز في " خشيت " و" خفت " التشديد إلا على ضعف وعلى أنه ليس وجه الكلام. وقال في الفصل بينهما أنك في باب " خشيت " لا تريد أن تخبر أنك تخشى شيئا قد ثبت عندك ولكنه كقولك:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٧١.
(٢) سورة القيامة، الآية: ٢٥.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٠.
(٤) سورة الحديد، الآية: ٢٩.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٦٩.
(٦) سورة المائدة، الآية: ٧١.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
(أرجو) و" أطمع " و(عسى " وأنت لا توجب إذا ذكرت شيئا من هذه الحروف والذي يجوزه أنه قد يستقر في علمه كون شيء يعلم أنه يضره ونفسه كارهة له ونافرة منه.
فذلك النفور والكراهية هو الخوف والخشية.
وضعيف في الكلام أن تقول: " قد علمت أن تفعل " لأن الأصل: علمت أنك ذاك " ولو قلت علمت أن تفعل ذاك " لم يجز. لأن الفعل لا يلي " أنّ " و" إنّ " المشددتين.
فكرهوا أن يجمعوا عليه حذف الاسم والتخفيف وأن يليه ما لم يكن يليه من الفعل. فإذا عوضوا سهل ذلك إذ قد وجد بعض ما يحذف. إذا كان في الكلام عوض منه جاز وإن لم يكن لم يجز نحو قولهم:
وبلد عامية أعماؤه (١)
بمعنى: ورب بلد. ولا يجوز أن تقول: بلد. بمعنى: رب بلد.
وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيرا وتقديره: أما أنه جزاك الله خيرا ومعناه: حقا أنه جزاك الله خيرا كما تقول: أما أنك راحل بمعنى: حقا أنك راحل وقد حذف اسم " أن " المشددة ووليها الفعل فأنما: إن ذلك لأن هذا الكلام دعاء. والأشياء التي تكون عوضا من التخفيف وحذف الاسم لا يصح وقوعها فيه لأن " قد " لا تقع في الدّعاء. لا تقول: قد غفر الله لك وأنت تريد الدعاء فلا يجوز: أما أن قد جزاك الله خيرا وكذلك " السين " و" سوف " لا يصح دخولهما على فعل الدعاء لأنهما يضمران الكلام يقينا واجبا. ولا يجوز دخول " لا " لأنها تقلب معنى الدعاء له إلى الدعاء عليه. فاحتمل لذلك ترك العوض، وأجازوا كسر " أن " في هذا الموضع فقالوا: أما إنّ جزاك الله خيرا. وتقديره: أما إنّه جزاك الله خيرا.
ومعنى " إن " إذ كسرت معنى: " ألا " التي يستفتح بها الكلام. " وجزاك الله خيرا " خبر لاسم أن والدعاء والأمر يكونان خبرين للمبتدأ كقولك:
زيد جزاه الله خيرا- وزيد أضربه.
وإن لم تقدر " إنه وأنه " بطل معنى الكلام وأنما حسن الحذف فيه من غير عوض
_________________
(١) البيت لرؤبة بن العجاج ديوانه ص ١ وهي مطلع قصيدة في وصف المفازة والسراب. انظر معاهد التنصيص: ٨٦، أمالي المرتضي: ١/ ١٥٥، أمالي ابن الشجري: ١/ ٣٦٦.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
للضرورة التي ذكرتها. وأنما استعملوا حذف الاسم في " أن " المكسورة في هذا الموضع خاصة وليس ذلك الحذف في سائر الكلام ولم يعوضوا كأنّ ذلك تقوية لحذف العوض الذي يكون في المفتوحة وأنما جاز في قولهم: ما علمت إلا أن تقوم " أنّ " الناصبة لأنها استعمل العلم فيها على معنى المشورة والرأي الذي لاح فيه فيما أشار عليه فصار بمنزلة الرأي والظن.
ولو أراد العلم الحقيقي لقال: " ما علمت إلا أن سيقومون " على معنى " أنهم سيقومون كما ذكرنا فيما تقدم.