تقول: ذلك وأن لك عندي ما أحببت. وقال الله ﷿: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
[ ٣ / ٣٤٢ ]
مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١) وقال ﷿: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (٢) وذلك لأنها شركت " ذلك " فيما حمل عليه. كأنه قال: الأمر ذلك وأن الله.
ولو جاءت مبتدأة لجازت بذلك على ذلك قوله ﷿: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ (٣) (فمن) ليس محمولا على ما حمل عليه (ذلك) فكذلك يجوز أن تكون " أن " منقطعة من ذلك قول الأحوص: (٤)
عودت قومي إذا ما الضّيف نبهني عقر العشار على عسري وإيساري (٥)
إنّي إذا خفيت نار لمرملة ألفي بأرفع تل رافعا ناري
ذاك وإنّي على جاري لذو حدب أحنو عليه بما يحنى على الجار
فهذا لا يكون إلا مستأنفا غير محمول على ما حمل عليه " ذاك " فهذا يقوي ابتداء " إنّ " في الأول.
قال أبو سعيد: " اذاك وأن من الأمر كذا وكذا " إنما يتكلم به المتكلم بقصة، ثم يؤكدها ليعطف عليها قصة أخرى زيادة على القصة الأولى في معنى ما قصدت به كقولك للرجل: " أنا أكرم من قصدني من أمثالك وأن لك عندي ما أحببت " تقديره (والأمر ذلك) وهو تقدير لما ذكره أولا وعطف " أن لك عندي ما أحببت " على " ذلك " لأن " ذلك " مصدر هو خبر الابتداء وهو كأنه قال: فالأمر كما ذكرته أولا والأمر أيضا أن لك عندي
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ١٨.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ١٤.
(٣) سورة الحج، الآية: ٦٠.
(٤) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري من بني ضبيعة، شاعر إسلامي من طبقة جميل بن معمر وكان معاصرا لجرير والفرزدق. مات بدمشق ١٠٥ هـ لقب بالأحوص لضيق في مؤخرة عينيه. الشعر والشعراء: ٢٠٤، الأعلام: ٤/ ٤٥٧، والخصائص: ٣/ ١٧٥.
(٥) انظر الأغاني: ٦/ ١١، أمالي القالي: ٣/ ١٢٣، الخزانة: ٤/ ٣٠٤، وهي من بحر البسيط، العشار: جمع عشراء وهي التي أتى عليها من حملها عشرة أشهر. المرملة: الجماعة التي نفد زادها، الحدب: الحنو والعطف.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
ما أحببت. وقوله: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١) كأنه قال: العون لكم من الله لأشياء ذكرها من تأييده ونصره وعونه. وكقوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا (٢) فهذه أشياء قد أعان الله بها المؤمنين ويعينهم أيضا بتوهين الكافرين وذكر هذا تقوية من الله ومعونة لهم. وقوله: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (٣) ذكر الله ﷿ شدة قدمها لهم في الدنيا وذلك قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (٤) فذوقوه عاجلا في الدنيا والأمر أيضا: أن للكافرين عذاب النار بعد ذلك.
وإن استأنفت فكسرت فهو جيد لأنه جملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ومن أوضح ما يدل على جواز الاستئناف قوله ﷿: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ (٥) لأن " من " وما بعدها شرط وجزاء وهي جملة منزلة منزلة المكسورة. وأما ما أنشده من الأبيات فإن " عودت " قد تعدى إلى مفعولين. إلى " قومي " وإلى: عقر العشار. ثم استأنف " أني " في البيت الثاني وقوله في البيت الثالث: " ذاك وأني " " ذاك أمري " وكسر " إني " بعدها فعطف جملة على جملة، قوله: (فهذا لا يكون مستأنفا) يعني إذا كسرت فهي جملة مستأنفة وإذا فتحت فهي من الجملة التي فيها " ذاك " لأنها محمولة على " ذاك " و" ذاك " خبر ابتداء محذوف وقوله: " فهذا يقوي ابتداء " إن " في الأول " يعني بالأول: " إنّ لك ألّا تجوع فيها ولا تعرى " و" أنّك " و" إنّك " بالابتداء والقطع.