فما كان من الأسماء أفعل فنحو " أفكل " و" أزمل " و" أيدع " وأربع لا ينصرف في المعرفة؛ لأن المعارف أثقل وينصرف في النكرة؛ لأنه يجتمع فيها في المعرفة وزن الفعل والتعريف، فإذا نكر ففيه وزن الفعل فقط.
وقولنا: " المعرفة " في هذا الموضع وما يأتي في غيره أن يسمى به شيء بعينه من رجل، أو امرأة، أو بلد أو
موضع، أو غير ذلك من الحيوان، كما يسمى الواحد بذلك لتعريف شخصه.
فأما ما أشبه الأفعال سوى أفعل فمثل " اليرمع " و" اليعمل " وهو جماع اليعملة واليعملة الناقة السريعة، ويقال لها أيضا: " اليعملات " وليس بصفة حقيقية ومثل " أكلب ".
وذلك أن " اليرمع " مثل " يذهب " و" أكلب " مثل " أدخل " ألا ترى أن العرب لا تصرف " أعصر "، ولغة بعض العرب يعصر لا يصرفونه أيضا، وتصرف ذلك في النكرة؛ لأنه ليس بصفة.
وإنما انصرف في النكرة؛ لأن الذي يبقى فيه علة واحدة وهي وزن الفعل، فإن قال قائل فأكلب جمع فلم لا يكون علة ثانية؟
قيل له: إذا سمينا بأكلب وبغيره من الجمع شيئا فقد زال الجمع وصار اسما لذلك الشيء، على أن ألفاظ الجمع لا يعتد بالجمع فيها إذا كان يمكن أن تكسر كقولنا:
أنعام، وأناعيم، وأرهط، وأراهيط، وسنقف على ذلك.
قال: " واعلم أن هذه الياء والألف لا تقع واحدة منهما في أول الحرف رابعة إلا وهي زائدة، ألا ترى أنه ليس من اسم مثل " أفكل " يصرف، وإن لم يكن له فعل ينصرف، ومما يدلك على أنها زائدة كثرة دخولها في بنات الثلاثة، وكذلك الياء أيضا،
[ ٣ / ٤٥٨ ]
وإن لم تقل هذا دخل عليك أن تصرف أفكل، وأن تجعل الشيء إذا جاء بمنزلة الرجازة والربابة، وليس له فعل، بمنزلة القمطرة، والهدملة ".
قال أبو سعيد: اعلم أن ما لا ينصرف يحتاج معه إلى معرفة التصريف؛ لأنه قد يرد في أول الحرف الذي جاء زائدا منع الصرف وإن كان أصليّا لم يمنع، ولذلك ذكر " أفكل " وهو الرعدة وجعل الهمزة فيه زائدة، فصار على أفعل، فكأن قائلا قال: ولم لا تكون الهمزة أصلية فيصير على " فعلل " مثل درهم فينصرف في المعرفة، وإذا كان أفعل لم ينصرف.
فقال سيبويه: الدليل على أن الهمزة زائدة أنه ليس من اسم مثل " أفكل " يصرف. يعني اسما في أوله همزة وبعدها ثلاثة أحرف أصلية لم يوجد ذلك في كلام العرب.
ثم قال: ويدلك على أنها زائدة كثرة دخولها في بنات الثلاثة.
يعني أن الهمزة يكثر دخولها في بنات الثلاثة، فما عرف اشتقاقه وعلم أنها فيه زائدة كقولنا: " أحمر " وأشهب، وأصفر، وأقهب وما لا يحصى كثرة، وأصله من صفرة، وحمرة، وشهبة، وقهبة فتحمل ما لا يعرف اشتقاقه على
ما عرف اشتقاقه، لاتفاقهما في الهمزة أولا.
ثم قال: وإن لم تقل هذا- يعني إن لم تقل في أفكل إن الهمزة زائدة وفرقت بينه وبين أحمر بأن أحمر وقد عرف اشتقاقه وأفكل لا يعرف له اشتقاق تسقط فيه الهمزة دخل عليه حرفا زائدا كالألف في الرّجازة وهي شيء يعدل به البعير، والرّبابة التي تجمع فيها القداح وأن تجعلها بمنزلة القمطرة والهدملة وهذا فاسد.
وإذا جاء على " فعلل " وكانت اللامان من جنس واحد لم يدغم أحدهما في الآخر كقولنا: قردد، ومهدد، وجلبب، وما أشبه ذلك فلذلك حمل " أكلل " وأيقق " على فعلل.
ولو جاء وسمي به رجل صرف وحمل على فعلل.
وأما (أول) فهو أفعل يدلك على ذلك هو أول منك ومررت بأول منك، والأولى.
قال أبو سعيد: استدل على أن أول أفعل بما لا يكون إلا في أفعل وذلك منك.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
تقول: هو أفضل منك، وأنبل منك، وأقل منك، وأقدم منك، فأول منك بمنزلة أقدم منك، والأولى، والأول بمنزلة الفضلى والأفضل والأجل، والجلى. وأما خير منك وشر منك فإنما كثرا، والأصل فيهما أخير منك وأشر منك، وإنما حذفت الهمزة منهما لكثرتهما في الكلام.
وإذا سميت رجلا " بألبب " فهو غير مصروف والمعنى عليه، لأنه من اللّب وهو أفعل ولو لم يكن المعنى على هذا لكان " فعلل "، والعرب تقول " قد علمت ذاك بناقة ألببه ".
يعنون لبّه " يعني أن الاشتقاق قد بين أن الهمزة زائدة وترك الإدغام شاذ.
ومن الناس من يقول: ألبه يجعله جمع لب، كذا حكاه الفراء وأصحابنا حكوا بنات ألببه بمعنى أعقله.
قال: " ومما يترك صرفه؛ لأنه يشبه الفعل ولا يجعل الحرف الأول منه زائدا إلا بثبت نحو تنضب، وإنما جعلت التاء زائدة؛ لأنه ليس في الكلام شيء على أربعة أحرف، ليس أوله زائدة، يكون على هذا المثال لأنه ليس في الكلام فعلل ".
قال أبو سعيد: مما يعرف به الزائد الخروج عن الأمثلة المعروفة التي ليس فيها زائد، وليس في الكلام فعلل (مثل جعفر) وكذلك التاء في ترتب وترتب، وكذلك التّدرأ والتّدرأ بالفتح والضم، والتّنفّل كل ذلك إذا سميت به رجلا أو غيره، وصار معرفة، لم ينصرف لاجتماع وزن الفعل، والتعريف. وقد عرف بعض ذلك بالاشتقاق، يقال: هذا أمر ترتب وترتب وهو الرتب، ويقال فلان ذو تدرأ أي ذو دفع لخصمه أو قرنه وهو مأخوذ من درأته أي دفعته.
قال: " وكذلك رجل يسمّى تألب لأنه تفعل ويدلك على ذلك أنه يقال للحمار ألب يألب وهو طرده طريدته وهو
نفعل وإنما قيل دألب من ذلك ".
قال أبو سعيد: النّألب المعروف هو شجر تتخذ منه القسي، الواحدة نألبة، فيجوز أن تكون مشتقة من " ألب "؛ لأن القوس تطرد السهام، وتسوقها إلى المرمى، قال الشاعر:
ألم تعلمي أنّ الأحاديث في غد وبعد غد يألبن ألب الطّرائد (١)
ورأيت فيما علّقه أبو بكر مبرمان، مفسر كتاب سيبويه أن التألب: الشجر، وولد
_________________
(١) البيت في اللسان: (ألب).
[ ٣ / ٤٦٠ ]
الحمار، مثل التولب، فأما التولب فمعروف وأما التألب فغير معروف في ولد الحمار.
قال: (وأما مما جاء نحو " تولب " " ونهشل " فهو عندنا من نفس الحرف (مصروف) حتى يجيء أمر يبينه، وكذلك فعلت به العرب؛ لأن حال التاء والنون في الزيادة ليست كحال الألف والياء؛ لأنها لم تكثرا في الكلام زائدتين،- يعني التاء والنون- ككثرتهما يعني الياء والألف، فيحكم على كل تاء ونون في أول الكلمة أنها أصلية، حتى يقوم الدليل على زيادتها كما قام على زيادة التاء في " تنضرب " وغيره.
وإن لم تفعل هذا لم تصرف نهشلا، والعرب تصرفه، وهذا قول العرب والخليل ويونس.
وإذا سميت رجلا ب (إثمد) لم تصرفه، وكذلك (إصبع) وأبلم لأن (إثمد) شبيه (اضرب)، و(إصبع) شبيه (اعلم) و(أبلم) شبيه (اقتل)، وقد قدّمنا أن الهمزة محكوم عليها بالزيادة على ما ذكرت ثم قال:
وإنما صارت هذه الأسماء بهذه المنزلة، يعني غير مصروفة؛ لأن الأصل فيما كان في أوله هذه الزوائد الفعل، فإذا صارت في الاسم ثقل، فإذا عرّف ازداد ثقلا.
ألا ترى أن أكثر ما لا ينصرف في المعرفة قد ينصرف في النكرة؟
وإنما صار " أفعل " في الصفات أكثر لمضارعة الصفة الفعل وقد ذكر ذلك في الكتاب.
قال: " وإذا سميت رجلا بفعل في أوله الزيادة لم تصرفه، نحو: يزيد ويشكر، وتغلب، ويعمر، وهذا النحو أحرى أن لا تصرفه، وإنما أقصى أمره أن يكون كتنضب، ويرمع، وجميع ما ذكرنا في هذا الباب ينصرف في النكرة، فإن قلت ما بالك تصرف يزيد في النكرة، وإنما منعك من صرف أحمر في النكرة وهو اسم أنه ضارع الفعل؟
فأحمر، إذا كان صفة بمنزلة الفعل قبل أن يكون اسما فإذا صار اسما ثم جعلته نكرة فإنما صيرته إلى حاله إذ كان صفة.
قال أبو سعيد: هذه المسألة وما جرى مجراها يختلف فيها النحويون، وقال سيبويه والخليل ومن وافقهما، منهم أبو عثمان المازني: إن (أفعل) إذا كان صفة، ثم سمينا به رجلا أو غيره ثم نكرناه، لم ينصرف.
[ ٣ / ٤٦١ ]
وقال الأخفش وأبو العباس المبرد إذا سمينا به، ثم نكرناه انصرف.
وحقيقة ذلك أن ذلك وما جرى مجراه من قبل أن يسمى به غير مصروف لاجتماع علتين، وهما وزن الفعل، والصفة، فإذا سمينا به رجلا فقد زالت الصفة، وصار علما لذلك الرجل سواء أكان أبيض، أو أسود، وعلى أي لون كان.
فلا تصرفه، لاجتماع علتين: وزن الفعل، والتعريف. فإذا نكرناه وهو اسم زال عنه التعريف، وقد كان زالت عنه الصفة بالتسمية، ففيه علة واحدة وهي وزن الفعل، فلذلك قال الأخفش: إنه ينصرف وذلك قولك مررت بأحمر وأحمر آخر.
وأما سيبويه فإنه عنده وإن سمي به في حكم الصفة.
واحتج في ذلك بأنا إذا نكرناه فإنما يرجع إلى تنكير كان له وهو صفة، فكأنه يرجع إلى الحال الأولى التي كان لا ينصرف فيها. وذكر أن المازني سأل الأخفش فقال له:
لم صرفته؟ قال: لأنه صار اسما وزالت عنه الصفة فبقي فيه وزن الفعل فقط. فقال له المازني: ألست تقول: نسوة أربع فتخفض الأربع وتنونه وهو صفة على وزن الفعل؟
فقال: بلى. قال: فلم صرفته، وقد اجتمعت فيه علتان: وزن الفعل والصفة؟
قال: لأن أربعا اسم في الأصل ولا أحكم له حكم الصفة، وإن وصفت به. فقال له المازني: فاحكم للأحمر بحكم الصفة وإن سميت به لأن الأصل فيه صفة فلم يأت الأخفش بمقنع.
وأما " يزيد "، و" تغلب " و" يشكر " و" يعمر "، فإذا نكر انصرف لأنه في حال التنكير، فيه وزن الفعل فقط، ولم يكن له قبل التسمية حال لا ينصرف فيها، فيرد إليها.
وإنما كان فعلا فسمي به، فصار اسما معرفة والاسمية والتعريف وفعاله، فمنع الصرف لأجلهما فلما زال أحدهما انصرف.
قال: " وإذا سميت رجلا بإضرب، أو أقتل، أو إذهب لم تصرفه وقطعت ألف الوصل ".
وكذلك كل فعل فيه ألف وصل، فإذا سميت به قطعت الألف، فقلت مررت " بإضرب "، وقام " إضرب "، ورأيت " إضرب ".
وإنما منع الصرف لوزن الفعل، والتعريف، وقطع الألف؛ لأن موضع الأسماء والألقاب على لفظ لا تتغير حروفه، فإذا جعلنا ألفه وصلا فهي تسقط إذا كان قبلها
[ ٣ / ٤٦٢ ]
كلام، وتثبت إذا كانت مبتدأة فتخرج بذلك عن موضع الأسماء.
فإن قال قائل: فأنتم إذا سميتم بما فيه ألف وصل من الأسماء لم تغيروها عن الوصل؟
قيل له: ما كان فيه ألف وصل في الأسماء فهو قليل في الأسماء، كاسم، وابن، وغير ذلك مما يقصر عدده عن عشرة أسماء وذلك لخفتها، فخرجت عن منهاج الأسماء.
وكذلك مصادر الأفعال التي في أوائل ماضيها ألف وصل كقولنا:
انطلاق، واستخراج، واحميرار، وهو مصدر انطلق واستخرج واحمار.
فهذه الأسماء التي فيها ألفات الوصل ليس الأصل فيها ذلك، وإذا سمينا بها لم تقطع ألفاتها؛ لأنها لم تزل عن الاسمية فكأنها مبقاة على حالها.
قال: " وليس لك أن تغير البناء في ضرب، وضورب " وإن لم يكن في الأسماء مثلها، فإنك لا تغير البناء؛ لأنك إن غيرت البناء بطل التعريف به، وتغير اللفظ. ونحن قد نسمي بالحروف، وبالأسماء العجمية، وما ليس له في كلام العرب نظير، وليس كذلك " اضرب " وسائر ما فيه ألف الوصل من الأفعال إذا سميت به؛ لأن قطعنا الألف لا يغير اللفظ تغييرا يخرجه عن مفهوم التسمية، لأنا قد نثبت الألف في الابتداء، غير أن " ضرب " و" ضورب " إذا سمي بهما لا ينصرفان.
وإن سمي بامرئ لم يغير عن حاله في ألف وصل. والعرب تقول: مررت بامرئ، وهذا امرؤ، ورأيت امرأ.
وأما ألف الوصل فلأنه اسم سمي به، فلم ينقل عن الاسمية. وأما الصرف فلأنه وإن كان على مثال " اضرب " فإن ما قبل آخره يتغير بتغيير آخره، وذلك ليس بموجود في الأفعال فأخرجه ذلك عن شبه الفعل ومنعه أن يكون اسما لا ينصرف ويقطع ألفه على العلة التي ذكرتها لك.
وقد تقدم القول أن " تتفل " غير منصرف إذا سمي به وكذلك تتفل؛ لأنهما من أوزان الفعل جميعا، وقد يقال " تتفل " بضم التاء والفاء، فمن قال ذلك لزمه إذا سمي به أن يصرف، لأنّ " نفعل " لا نظير له في الأفعال.
ومثل ذلك " نرجس " إذا سمي به لم ينصرف؛ لأنه على وزن " نفعل ".
وفي الناس من يقول: نرجس بكسر النون والجيم، فمن قال ذلك صرفه إذا سمي به.
قال: " واعلم أن كل اسم أوله زيادة، ولم يكن على بناء الفعل فإنه مصروف
[ ٣ / ٤٦٣ ]
وذلك نحو إصليت وأسلوب وينبوت. وكذلك هذا المثال إذا اشتققته من الفعل وذلك نحو يضروب وإضريب وتضريب؛ لأنه ليس بفعل ولا اسم على مثال الفعل وليس بمنزلة عمر ".
ألا ترى أنك تصرف يربوعا، فلو كان يضروب بمنزلة يضرب أو تضرب، أو نضرب لم تصرف يربوعا؛ لأنه كان يصير بمنزلة ما ليس فيه واو كيربع، أو تربع.
قال: " ولو سميت رجلا (هراق) لم تصرف؛ لأن هذه الهاء بمنزلة الألف زائدة ".
يريد أن " هراق " بمنزلة أراق والهاء بدل من الألف وأراق بمنزلة أقام.
" وكذلك " هرق " بمنزلة أقم ".
والهاء بدل من الألف كما قالوا: إياك وهيّاك.
لأنك لو سميت " بهرق " أو " أقم " لقلت: هذا هريق قد جاء وأقيم قد جاء، فترد البناء، وسنقف على شرح ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
" فإذا سميت رجلا " بتفاعل " نحو تضارب، ثم حقرته قلت " تضيرب " ولم تصرفه؛ لأنه يصير بمنزلة " تغلب " و" يخرج " إلى ما لا ينصرف في جميع اللغات ".
وكذلك " أجادل " اسم رجل إنما هو أجيدل في التحقير.
قال أبو سعيد: قد كنت ذكرت أن فيما ينصرف ما إذا حقرته لم ينصرف، وهذا من ذلك؛ لأن " تضارب " تفاعل، وهو ينصرف إذا كان اسم رجل؛ لأنه لا نظير له في الفعل فإذا حقرته حذفت الألف، وأدخلت ياء التصغير فيصير " تضيرب "، فهو بمنزلة " تضرب " إذا حقرته.
وقد ذكر أن الفعل الذي في أوله الزوائد فالتحقير لا يغير الصرف فيه. وأما أجادل اسم رجل فإنه لا ينصرف؛ لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، وستقف على ذلك إن شاء الله. فإذا حذفت الألف فصار " أجيدل " كالفعل المحقر فلم ينصرف أيضا.