أما " أنّ " فهي اسم وما عملت فيه صلة لها كما أن الفعل صلة لأن الخفيفة وتكون " أنّ " اسما.
ألا ترى أنك تقول: قد عرفت أنك منطلق " فأنك " في موضع اسم منصوب كأنك قلت قد عرفت ذاك وبلغني أنك منطلق " فأنك " في موضع اسم مرفوع كأنك قلت بلغني ذاك " فأنّ " الأسماء التي تعمل فيها صلة لها. كما أن الأفعال التي تعمل فيها " أن " صلة لها.
ونظير ذلك في أنه وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد لا في غير ذلك قولك:
" رأيت الضّارب أباه زيد " فالمفعول فيه لم يغيره عن اسم واحد بمنزلة الرجل والفتى فهذا في هذا الموضع شبيه بأنّ إذ كانت مع ما عملت فيه بمنزلة اسم واحد.
فهذا لتعلم أن الشيء يكون كأنه من الحروف الأولى وقد عمل فيه.
وأما " إنّ " فإنما هي بمنزلة الفعل لا يعمل فيها ما يعمل في " أنّ " كما لا يعمل في الفعل ما يعمل في الأسماء. ولا تكون إنّ إلا مبتدأة وذلك قولك: " إنّ زيدا منطلق " " وإنّك ذاهب ".
قال أبو سعيد: " أنّ وما بعدها من اسمها وخبرها منزلتها منزلة اسم واحد في مذهب المصدر كما تكون " أن " المخففة وما بعدها من الفعل الذي ينصبه بمنزلة المصدر. وتقع المشددة فاعلة ومفعولة ومبتدأة ومخفوضة. ويعمل فيها جميع العوامل إلا
_________________
(١) هو بجير بن عنمة اليولاني من طيئ أحد بني يولان بن عمرو بن الغوث بن طيئ شاعر فحل. يقول الآمدي: آراه أخا خالد بن عنمة الشاعر الجاهلي الطائي. (معجم الشعراء الجاهليين ص ٥٠).
[ ٣ / ٣٣٤ ]
أنها لا تقع مبتدأة في اللفظ فأما كونها فاعلة فقولك: بلغني أنك منطلق كأنك قلت: بلغني انطلاقك. وكونها مفعولة: عرفت أنك خارج معناه: عرفت خروجك وكونها مبتدأة قولك: عندي أن زيدا راحل معناه: عندي رحيله. كما تقول: عندي غلامه. وكونها مخفوضة: أيقنت بأنك مقيم أي بإقامتك. ولو قلت: أنك منطلق عرفت لم يجز وإن كان يجوز أن تقول: انطلاقا عرفت. لأن " إنّ " وأنّ " من خبر واحد في الأصل فاختاروا لابتداء اللفظ " إنّ " المكسورة
وجعلوها بمنزلة الفعل المبتدأ به. وجعلوا " أنّ " لما تعلق بشيء قبله مما يحتاج إلى تقديمه عليه وتعليق معناه به. فإن قال قائل: فقد قال الله ﷿:- وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١) و" أن " متعلقة " بتدعوا " تقديره: ولا تدعوا مع الله أحدا لأن المساجد لله. وحذف اللام وقدم فصارت " أن " مقدمة في اللفظ والعامل فيها ما بعدها. فهلا أجزتم: أنّ زيدا منطلق؟ قيل له: في " أن المساجد لله " وجهان: لا يلزم فيهما كليهما ما ألزمت.
أحدهما: أن يقال: " أن المساجد لله " يعمل فيهما ما قبلها وهي على أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ والعامل فيهما " أوحي إلي " (٢).
والوجه الآخر: " ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " فقبلها " لام " مقدرة.
وأما " أن " المخففة فيبتدأ بها اللفظ كقولك: أن تخرج خير لك، كقوله ﷿:
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٣) وأنما جاز ذلك في المخففة ولم يجز في المشددة كما ذكرنا من وقوع " أن " التي هي في معناها في التوكيد ابتداء.
ومن الدليل على أنهما بمعنى واحد تقول: ظننت أنّ زيدا منطلق. فإن أدخلت اللام قلت: ظننت إنّ زيدا لمنطلق. فالمكسورة هي المفتوحة كما أنك إذا قلت: علمت زيدا منطلق: ثم قلت: علمت لزيد منطلق. فالمبتدأ والخبر هما المفعولان في المعنى.
وهذا معنى قول سيبويه في الباب الذي يلي هذا في حسن تقدم " أن " المخففة " لأنها لا تزول من الأسماء والثقيلة تزول " يعني نستعمل مكانها المكسورة.
ومما يمنع من تقديم " أن " المفتوحة في اللفظ في قولك: " أنك منطلق بلغني " أنها إذا تقدمت ارتفعت بالابتداء وكل مبتدأ ليس قبله شئ يتعلق به يجوز دخول " إنّ " المكسورة
_________________
(١) سورة الجن، الآية: ١٨.
(٢) سورة الجن، الآية: ١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
عليه وأن يليها في اللفظ فيلزم في هذا أن يقال: " إنّ أنّ زيدا منطلق بلغني ". وهذا لا يجوز لأنه لا يجوز اجتماعهما في اللفظ.
والمبتدأ الذي قبله ما يتعلق به لا يجوز دخول " إن " المكسورة عليه هو: " لولا " و" لو ما ". تقول: لولا زيد
لأكرمتك. " زيد " مرفوع بالابتداء لما ذكرنا من مذهب البصريين. ولا تقول: " لولا إنّ زيدا بكسر " إن " وتقول: لولا أن زيدا عندي لأتيتك بفتح أن؛ لأن المبتدأ الذي يؤكد " بإن " هو الذي لا يتعلق بشئ قبله في اللفظ.
وقد يكون قبل " إن " المكسورة كلام لا يغير كسرها؛ لأن تأويلها يرجع إلى أنها مبتدأة في اللفظ.
١ - من ذلك (الذي وأخواتها) إذا وصلت كانت " أن " بعدها مكسورة. كقولك:
" مررت بالذي إنّ غلامه خير منك " وقال الله ﷿: في (ما) بمعنى " الذي " وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ (١)؛ لأن الذي وأخواتها إنما تدخل على جمل قد وجب لها لفظ ما. فتدخل على ذلك اللفظ و" الذي " إنما هو اسم من تلك الجملة ويضمر في موضعه من الجملة. ويقدم " الذي " هو مبتدأ أو غير مبتدأ. ويؤتى بالجملة على هيئتها كقولك: " إنّ زيدا منطلق إلى عمرو " فتقدم " عمرا " على " أن " وتصفه " بالذي " وتدخل عليه العامل وتضمره في موضعه من الكلام الذي أخذته من جملته وقدمته فتقول: " مررت بعمرو الذي أنّ زيدا منطلق إليه ".
٢ - ومن ذلك: أن تدخله على جملة في موضع خبر " أن " أو صفة كقولك: " زيد إنّ أباه خير من أبيك " لأن تقديره: أن أبا زيد خير من أبيك وقدمت " زيدا " مبتدأ وجئت بالجملة بأسرها وعلى لفظها وجعلتها خبرا لزيد. وأضمرته في موضعه من الجملة من ذلك.
٣ - وإذا كانت " إن " بعد القول كقولك: قال عمرو أن زيدا قائم " لأن عمرا لفظ مبتدئا فقال: " إن زيدا قائم " فحكيت لفظه ونسبته إليه.
٤ - ومنه: إذا كانت " اللام " في الخبر كقولك: علمت إنّ زيدا لقائم " لأن اللام متصلة بعمل " علمت " فصار كأنه قال: لأن زيدا كما تقول: لزيد منطلق.
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٧٦.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
لأن اللام تبطل عمل ما قبلها فيما بعدها ولا تعمل هي شيئا.
٥ - ومنه القسم: فإنه جملة تؤكد جملة أخرى. على هيئة لفظها. ولو قدمت إنّ على القسم فقلت: إنّ زيدا لقائم والله جاز ولم يكن بينهما فرق فبان إنها تدخل على مبتدأ ليس قبله ما يتعلق به من نحو ما ذكرناه وسبيلها كسبيل " كان " الداخل على المبتدأ والخبر ولم يرد إيقاعها مواقع الأسماء.