فيكون ذا بمنزلة الذي، ويكون ما حرف الاستفهام وإجرائهم إيّاه مع ما بمنزلة اسم واحد.
قال سيبويه: " أمّا إجراؤهم ذا بمنزلة الّذي فهو قولهم: ماذا رأيت؟ فتقول:
متاع حسن، قال لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل (٣)
وأمّا إجراؤهم إيّاه مع ما بمنزلة اسم واحد فهو قولك: ماذا رأيت؟ فتقول:
خيرا؛ كأنك قلت: ما رأيت؟ فقال: خيرا.
ومثل ذلك قولهم: ماذا ترى؟ فتقول: خيرا. وقال تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا (٤). فلو كان ذا لغوا لما قالت العرب: عمّا ذا تسأل؟ ولقالوا: عمّ ذا تسأل؟ ولكنّهم جعلوا ما وذا اسما واحدا، كما جعلوا ما وإنّ حرفا واحدا حين قالوا:
إنّما، ومثل ذلك كأنّما، وحيثما في الجزاء.
ولو كان ذا بمنزلة الّذي في هذا الموضع البتّة لكان الوجه في: ماذا رأيت إذا أراد الجواب أن يقول: خير.
وقال الشاعر، وسمعنا بعض العرب يقوله:
دعي ماذا علمت سأتّقيه ولكن بالمغيّب نبّئيني (٥)
ف (الّذي) لا يجوز في هذا الموضع؛ لأنّ ما لا يحسن أن تلغيها.
وقد يجوز أن يقول الرجل: ماذا رأيت؟ فيقول: خير، إذا جعل ما وذا اسما واحدا كأنه قال: ما رأيت؟ فقال: خير، ولم يجبه على: رأيت خيرا.
_________________
(١) سورة الطلاق، من الآية: ١١.
(٢) سورة الطلاق، من الآية: ١١.
(٣) البيت في ديوانه ٢٥٤، الخزانة ٢/ ٢٥٢، ٢٥٣، ٦/ ١٤٥، ١٤٧؛ ابن يعيش ٣/ ١٤٩، ١٥٠، ٤/ ٢٣؛ والكتاب ٢/ ٤١٧.
(٤) سورة النحل، من الآية: ٣٠.
(٥) البيت منسوب لأبي حيّة النميريّ، الخزانة ٦/ ١٤٢؛ الكتاب ٢/ ٤١٨؛ اللسان (أبى).
[ ٣ / ١٨٣ ]
ومثل ذلك قولهم في جواب كيف أصبحت؟ صالح، وفي من رأيت: زيد، كأنه قال: أنا صالح، ومن رأيت زيد.
والنصب في هذا الوجه؛ لأنّه الجواب على كلام المخاطب، وهو أقرب أن تأخذ به. وقال: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: ٢٤]. وقد يجوز أن تقول إذا قلت: من ذا الذي رأيت؟: زيدا؛ لأنّ هاهنا معنى فعل، ويجوز النصب هاهنا كما جاز الرفع في الأول.
قال أبو سعيد: قد اشتمل هذا الباب على الكلام في ماذا، وقد فسّره سيبويه وغيره على الوجهين اللّذين ذكرهما.
فإن قال قائل: هلا جعلتم ذا زائدة وجعلتم ما للاستفهام وبمعنى الذي كما كانت قبل دخول ذا؟ ويكون: «ماذا أنزل ربّكم» بتقدير: ما أنزل ربكم؟ وقوله:
دعي ماذا علمت سأتقيه
بتقدير: دعي ما علمت، كما يقال دعي الذي علمت، فإنّ سيبويه استدلّ على بطلان هذا بشيئين.
أحدهما: أنّ ذا لو كانت زائدة لوجب أن يقال: عمّ ذا تسأل؟ كما يقال: عمّ تسأل؟ فيسقط ألف ما حين دخل عليه حرف الجرّ.
والوجه الآخر: أنّ ذا إذا كانت زائدة ثم قلنا ماذا تصنع؟ كانت ما في موضع نصب، وتكون حقيقة جوابه منصوبا، فلمّا قال:
أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
وهو بدل من ما، علم أنّ ما في موضع رفع، وإذا كانت في موضع رفع فهي مبتدأة وخبرها ذا، ويحاول صلة ذا، والعائد إليها هاء محذوفة كأنه قال: ماذا يحاوله، فإذا قال قائل: ماذا صنعت؟ أو «ماذا أنزل ربّكم» فهو على الوجهين اللذين ذكرهما؛ إن شئت جعلت ما للاستفهام وهي اسم تامّ مرفوع بالابتداء، وخبره ذا وهي بمعنى الذي، وما بعده صلته، وإن شئت جعلت ما وذا جميعا بمنزلة ما وحدها، ويكونان كحرفين ركّبا لمعنى واحد نحو: كأنما، وحيثما في الجزاء، وما جرى مجراهما من الحروف المركبة، ويكون الجواب بالرفع والنصب على ما تقدّر من جعل ما مبتدأ أو منصوبا بالفعل.
فإن قال قائل: كيف يعلم السامع إذا قيل له: «ماذا أنزل ربّكم» ما قدّره المتكلّم من رفع ما أو نصبه حتى يجعل جوابه خيرا أو خير، فإنّ هذا لا يلزم السائل، ولكنه
[ ٣ / ١٨٤ ]
يسأله عمّا يحتمله كلامه، وقد يجوز أن يكون حرف الاستفهام في كلام السائل نصبا، وفي كلام المجيب رفعا على الاستئناف والابتداء والخبر كقولك: ما رأيت؟ فيقول: خير، وما في موضع نصب، وكيف أصبحت؟ فيقول:
صالح، كأنه قال: أنا صالح، والوجه حمل الجواب على ما يوجبه إعراب السؤال. ويجوز أيضا أن يكون لفظ الاستفهام في موضع رفع، ويكون الجواب نصبا محمولا على الفعل الذي في الكلام؛ لأنّ المعنى لا يتغيّر؛ كقولك: زيدا إذا قيل لك من الذي رأيت؟ كأنك قلت: رأيت زيدا.
وأمّا قوله ﷿: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: ٢٤] فالذي عند ذوي التحصيل أنّ أساطير الأولين ليس بجواب لأنّ الّذين قالوا: أساطير الأولين لم يكونوا معترفين بأنّ الله أنزل شيئا، وإنّما تقديره: هذا الذي جاء به محمد أساطير الأولين، وكأنّهم عدلوا عمّا سئلوا عنه. وأمّا قوله:
دعي ماذا علمت سأتقيه
فالحرفان جميعا بمعنى الذي، وعلمت صلة، والعائد هاء محذوفة من علمته، وسبيل ماذا في كونها بمعنى الذي كسبيل ما وحدها إذا كانت بمعنى الذي. فإن قال قائل: هلا جعلتم ما زائدة وجعلتم ذا وحدها بمعنى الذي كما قال الله ﷿: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: ١٧]. تلك: بمعنى التي وبيمينك صلة، وكما قال يزيد بن مفرّغ:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق (١)
هذا بمعنى الذي وتحملين صلته كأنه قال: والذي تحملين طليق، فالجواب أنّ تلك وهذا وما جرى مجراهما من أسماء الإشارة لا يكنّ عند أصحابنا بمعنى الذي وأخواتها، إلا ذا وحدها إذا كان قبلها ما، فلمّا كانت ذا لا تكون بمنزلة الذي حتى يكون قبلها ما لم يجز أن تكون زائدة كان إخراجها من الكلام يبطل المعنى المقصود بذا.
«وما تلك بيمينك» بيمينك عند أصحابنا في موضع الحال، كما تكون في موضع الصّفة إذا قلت: مررت بعصا بيمينك، كأنه قال: مستقرة بيمينك، وكذلك تحملين في موضع الحال، كأنه قال: وهذا حاملته أنت طليق، وتقديره: حاملة له أنت طليق، وأسهل من هذا في التقدير: وهذا محمولا طليق. ومما يشبه ما ذكرناه قول أبي ذؤيب:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل (٢)
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت من ديوانه، الخزانة ٥/ ٤٨٤، ٦/ ١٦٦؛ وتاج العروس (أصل، فيأ).
[ ٣ / ١٨٥ ]
على قول الكوفيين: البيت يوصل كما يوصل الذي، وأكرم أهله صلته، ومذهبهم صلة ما فيه الألف واللام من الأسماء نحو الرجل والغلام كصلة الذي. قال أصحابنا في بيت أبي ذؤيب قولين:
أحدهما: أنه يكون خبرا بعد خبر، البيت مبهما على غير معهود، وأكرم نعتا له كما يقال: إنّي لأمرّ بالرجل غيرك
خير منك.