وذلك قولك: على أيّ دابة أحمل أركبه، وبمن تؤخذ أو خذ به، هذا قول يونس والخليل جميعا.
فحروف الجر لم تغيّرها عن الاستفهام ألا ترى أنك تقول:
بمن تمرّ، وعلى أيّها أركب، فلو غيرّتها عن الجزاء غيرتها عن الاستفهام، وقال ابن همّام:
لمّا تمكّن دنياهم أطاعهم في أيّ نحو يميلوا دينه يمل (٣)
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
(٢) سورة الواقعة، الآيتان: ٩٠، ٩١.
(٣) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٨٠؛ ولسان العرب ٣/ ٤١٤ (مكن).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
وذلك لأن الفعل إنما يصل إلى الاسم بالباء ونحوها، فالفعل مع الباء بمنزلة فعل ليس قبله حرف جر، ولا بعده، فصار الفعل الذي يصل بإضافة كالفعل الذي لا يصل بإضافة؛ لأن الفعل يصل بالجر إلى الاسم كما يصل غيره رافعا وناصبا فالجر هاهنا نظير الرفع والنصب في غيره.
فإن قلت: بمن تمرّ به أمرّ، وعلى من تنزل عليه أنزل، وبما تأتيني به آتيك، رفعت لأن الفعل إنما أوصلته إلى الهاء بالباء الثانية، والباء الأولى للفعل الآخر، فتغيّر عن حال الجزاء، كما تغير عن حال الاستفهام، فصارت بمنزلة (الذي) لأنك أدخلت الباء للفعل خبرا وصلت الفعل الذي يلي الأسماء بالباء الثانية إلى الهاء، فصارت الأولى ك (كان) و(إنّ) وعملت الباء فيما بعدها عمل كان وإنّ فيما بعدهما.
وقد يجوز أن تقول: بمن تمر أمر، وعلى من تنزل أنزل، إذا أردت معنى عليه وبه وليس بحدّ الكلام وفيه ضعف،
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو بعض الأعراب:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما على من يتّكل (١)
ويقول: غلام من تضرب أضربه، لأن ما يضاف إلى من بمنزلة من، ألا ترى أنك تقول: أبو أيّهم رأيته. وتقول: بغلام من تؤخذ أوخذ به، كأنك قلت: بمن تؤخّذ أؤخذ به، وحسن الاستفهام هاهنا يقوّي الجزاء، تقول: غلام من تضرب، وبغلام من مررت، ألا ترى أن كينونة الفعل غير واصل ثانية.
ويقول: بمن تمرر أمرر به، وبمن تؤخذ أوخذ به، فحدّ الكلام أن تثبت الباء في الآخر، لأنه فعل لا يصل إلا بحرف إضافة يدلك على ذلك أنك لو قلت:
من تضرب أنزل لم يجز حتى تقول: عليه، إلا في شعر.
فإن قلت: بمن تمرر أمرر، وبمن تؤخذ أؤخذ، فهذا أمثل، وليس بحد الكلام، وإنما كان في هذا أمثل، لأنه قد ذكر الباء في الفعل الأول فعلم أن الآخر مثله لأنه ذلك الفعل.
قال أبو سعيد:
قد تقدم أن الاسم الذي يجازى به إذا عمل فيه ما قبله بطلت المجازاة، إلا يكون
_________________
(١) البيت في الخزانة ٤/ ٢٥٢؛ الكتاب ٣/ ٨١.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
العامل حرف جر في صلة فعل الشرط، أو اسما مضافا قد نصبه فعل الشرط أو مبتدأ مضافا؛ فإذا قلت:
على أي دابّة أحمل أركبه، فعلى في صلة أحمل الذي هو شرط، فلذلك لم تبطل المجازاة، واركبه الجواب وكذلك بمن تؤخذ أوخذ، الباء في بمن في صلة تؤخذ، والحجة في جواز تقدّمها في المجازاة إذا كان العامل فيها ما بعدها كالحجة في جواز تقدمها في الاستفهام إذا كان العامل لا يجوز فيها ما بعدها.
كقولك: بمن تمر، ولو قدمت العامل فيهما لم يجز، لا يجوز تمرّ بمن في الاستفهام، ولا تؤخذ بمن أوخذ به، وعلى هذا تقول في الاستفهام على أنها أركب وقوله:
في أيّ نحو يميلوا دينه يمل (١)
يميلوا هو الواقع على (في) فإذا قلت: بمن تمرّ به أمرّ، وعلى أيّهم تنزل عليه أنزل، فقد جعلت ما بعد ما وأيهم صلة لهما، فأوجب ذلك أن يكونا بمنزلة الذي، لأنهما في الاستفهام والمجازاة لا يحتاجان إلى صلة، وتقديره بالذي تمرّ به أمّر، وتمرّ فيه صلة الذي، والعائد إلى الذي الهاء الذي في به بعد تمرّ، والباء الواقعة على الذي في صلة أمرّ.
وتقديره أمرّ بالذي تمرّ به، وكذلك أنزل على الذي تنزل عليه، وآتيك بالذي تأتيني به، وقد يكتفون بأحد حرفي الجر، ويحذفون الآخر، وإن كان منويا، وذلك في الذي في المجازاة، كقولهم في معنى: الذي بمن تمر أمر تقديره بمنّ تمر به أمر، واكتفوا بالباء الأولى والثانية منوية لأن الهاء في به المنوية هي العائدة إلى من، وكذلك التقدير على من تنزل عليه أنزل، وحذف عليه والهاء فيها هي العائدة إلى من، ومثله في الاكتفاء بأحد الحرفين في كلامهم إنهم يقولون:
مررت ومرّ بي زيد، ونزلت ونزل عليّ زيد تقديره مررت بزيد. ومرّ بي، ونزلت على زيد، ونزل عليّ فسوغت الثانية حذف الأولى، ودلت عليه، وقد يقول القائل: في أي شيء تصرّفني اتصرّف، وإلى أين وجّهتني توجّهت، والمعنى انصرف فيه، وتوجهت إليه، وعلى هذا قول ابن همام:
في أيّ نحو يميلوا دينه يمل
وأنشد سيبويه في ذلك:
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
إنّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما على من يتّكل (١)
وفيه وجهان: أحدهما يعتمل على من يتكل عليه، معناه إنه يحترف ويعمل بيديه على محتاج إليه، أو عيال له يتكل عليه إن لم يصب مالا يعولهم به، وينفق عليهم منه، فكرمه يحمله على أن يعمل بيديه حتى ينفق عليهم منه، والآخر ما ذكره الزجاج، وذلك أنه جعل عليه معنى عنده، وجعل الذي يعتمل على نفسه إذا لم يجد عند من يتكل عليه شيئا ينفقه على نفسه أو عياله، اعتمل حتى ينفق، والمعتمل في هذا غير المتكل عليه، وفي القول الأول هو المتكل عليه، والقول الأول أوضح وأقرب، وغير سيبويه يذهب إلى أن الكلام قد تم عند قوله: إن لم يجد يوما.
وقوله: على من يتكل كلام مستأنف على جهة الاستفهام، وليس في هذا الكلام محذوف يقدّر، وقول سيبويه أولى، لأن الظاهر كلام واحد، ولا يفرد بعضه عن بعض إلا بدلالة، وأصل الكلام فيه. ألا يحذف الحرف الذي يقتضيه أحد الفعلين لذكره في الآخر، لأن لكل واحد من الفعلين حكم نفسه وباقي الباب مفهوم.