قال سيبويه: اعلم أنّ إذن إذا كانت جوابا وكانت مبتدأة عملت في الفعل عمل أرى في الاسم إذا كانت مبتدأة. وذلك قولك: إذن أجيئك، وإذن آتيك.
ومن ذلك أيضا قولك: إذن والله أجيئك. والقسم هاهنا بمنزلته في أرى إذا قلت: أري والله زيدا فاعلا.
ولا تفصل بين شيء ممّا ينصب الفعل وبين الفعل سوى (إذن)؛ لأنّ إذن أشبهت أري، وهي في الأفعال بمنزلتها في الاسم، وهي تلغي وتقدّم وتؤخّر، فلمّا تصرّفت هذا التّصرف اجترءوا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين.
ولم يفصلوا بين أن وأخواتها وبين الفعل كراهة أن يشبّهوها بما يعمل في الأسماء، نحو: ضربت وقتلت؛ لأنّها لا تصرّف تصرّف الأفعال، ولا تكون إلا في أوّل الكلام لازمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك؛ لأنّه حرف جامد.
واعلم أن إذن إذا كانت بين الفاء والواو وبين الفعل فإنك فيها بالخيار: إن شئت أعملتها كإعمال أري وحسبت إذا كانت واحدة منهما بين اسمين؛ وذلك قولك زيدا حسبت أخاك. وإن شئت ألغيت إذن كإلغائك حسبت إذا قلت: زيد حسبت أخوك.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
فأمّا الاستعمال فقولك: فإذن آتيك، وإذن أكرمك.
وبلغنا أنّ هذا الحرف في بعض المصاحف وإذن لا يلبثوا خلفك إلا قليلا وسمعنا بعض العرب قرأها فقال: وإذن لا يلبثوا.
وأمّا الإلغاء فقولك: فإذن لا أجيئك. وقال تعالى: فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [النساء: ٥٣].
واعلم أنّ إذن إذا كانت بين الفعل وبين شيء الفعل معتمد عليه فإنّها ملغاة لا تنصب البتّة، كما لا تنصب أري إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك: كان أري زيد ذاهبا، وكما لا تعمل في قولك: إنّي أري ذاهب. فإذن لا تصل في هذا الموضع إلى أن تنصب، فهذا تفسير الخليل. وذلك قولك: أنا إذن آتيك، هي هاهنا بمنزلة أري حيث لا تكون إلا ملغاة.
ومن ذلك أيضا: إن تأتني إذن آتك؛ لأن الفعل هاهنا معتمد على ما قبل إذن.
وليس هذا كقول ابن عنمة الضبي:
اردد حمارك لا تنزع سويّته إذن يرد وقيد العير مكروب (١)
من قبل أنّ هذا منقطع من الكلام الأوّل وليس معتمدا على ما قبله؛ لأنّ ما قبله مستغن.
ومن ذلك أيضا: والله إذن لا أفعل، من قبل أنّ أفعل معتمد على اليمين، وإذن لغو.
وليس الكلام هنا بمنزلته إذا كانت إذن في أوّله؛ لأنّ اليمين هاهنا الغالبة. ألا تري أنك تقول إذا كانت مبتدأة: إذن والله لا أفعل؛ لأنّ الكلام على إذن وو الله لا يعمل شيئا.
ولو قلت: والله إذن أفعل، تريد أن تخبر أنّك فاعل، لم يجز، كما لا يجوز:
والله أذهب، إذا أخبرت أنّك فاعل. فقبح هذا يدلّك على أنّ الكلام معتمد على اليمين، وقال كثير عزّة:
_________________
(١) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٧/ ١٦؛ الكتاب ٣/ ١٤؛ تاج العروس (كرب، أذن، سوى)؛ واللسان (أذن)؛ والمقتضب ٢/ ١٠.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلها (١)
وتقول: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، إذا جعلت الكلام على أوله، ولم تقطعه، وعطفته على الأول. وإن جعلته مستقبلا نصبت، وإن شئت رفعته على قول من ألغي.
وهذا قول يونس، وهو حسن؛ لأنّك إذا قطعته من الأول فهو بمنزلة قولك: فإذن أفعل، إذا كنت مجيبا رجلا.
وتقول: إذن عبد الله يقول ذاك، لا يكون إلا هذا؛ من قبل أنّ إذن الآن بمنزلة إنّما وهل. كأنّك قلت: إنّما عبد الله يقول ذاك. ولو جعلت إذن هاهنا بمنزلة كي وأن لم يحسن؛ من قبل أنه لا يجوز لك أن تقول: كي زيد يقول ذاك، ولا أن زيد يقول ذاك. فلمّا قبح ذلك جعلت بمنزلة هل وكأنّما وأشبههما.
وزعم عيسى بن عمر أنّ ناسا من العرب يقولون: إذن أفعل ذاك، في الجواب.
فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدنّ ذا ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل.
وتقول إذا حدّثت بالحديث: إذن أظنّه فاعلا، وإذن إخالك؛ وذلك لأنك تخبر أنّك تلك السّاعة في حال ظنّ وخيلة، فخرجت من باب أن وكي؛ لأنّ الفعل بعدهما غير واقع، وليس في حال حديثك فعل ثابت. ولمّا لم يجز ذا في أخواتها التي تشبّه بها جعلت بمنزلة إنّما.
ولو قلت: إذن أظنّك، تريد أن تخبره أنّ ظنّك سيقع لنصبت، وكذلك إذا يضربك، إذا أخبرت أنّه في حال ضرب لم ينقطع.
وقد ذكر لي بعضهم أنّ الخليل قال: أن مضمرة بعد إذن. ولو كانت مما يضمر بعده أن لكانت بمنزلة اللام وحتّى،
ولأضمرتها إذا قلت: عبد الله إذن يأتيك، فكان ينبغي أن تنصب إذن يأتيك؛ لأن المعنى واحد، ولم يغيرّ فيه المعنى الذي كان في قوله:
إذن يأتيك عبد الله، كما يتغيّر المعنى في حتى في الرفع والنصب فهذا ما رووا، وأمّا ما سمعت منه فالأوّل.
قال أبو سعيد: إذن إذا وقف عليها فعامّة النّحويّين المتقدمين يرون الوقف عليها بالألف، وليست باسم منصوب منوّن، ولا بفعل لحقته النون الخفيفة وقبلها فتحة، وإنّما
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢٦٨، الخزانة ٨/ ٤٧٣، ٤٧٤، ١١/ ٣٤٠؛ ابن يعيش ٩/ ١٣، ٢٢.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
فعلوا ذلك؛ لأنّها قد تصرّفت فأعملت وألغيت، ووقعت لما لم يأت، ولما هو في الحال، وتقدمت وتوسّطت وتأخّرت، فلما كثر تصرّفها وانفتح ما قبل نونها ضارعوا بها التنوين والنون الخفيفة في الفعل إذا انفتح ما قبلها.
وذكر أبو بكر مبرمان عن عسل بن ذكوان قال: الناس إذا وقفوا على إذن وقفوا بألف، والمازني لا يري ذا، ويقول: هي حرف بمنزلة أن ولن، تقف عليها كما تقف عليهما، ويقول هي بالأدوات أشبه منها بالأسماء لأنها تعمل عمل الأدوات.
وأبو العباس المبرّد يحكي الوقف عليها بالألف، ويرى أن لو وقفوا عليها بالنون كان جيدا على الأصل في مثلها من الحروف.
وقد اختلف القول في نصب إذن، فقال سيبويه: هي الناصبة العاملة، وذكر أنّ ذلك الذي سمعه هو من الخليل، وذكر عن غيره عن الخليل أنّ أن بعدها مضمرة، واحتجّ عليه بما ذكره في آخر الباب.
وكان أبو إسحاق الزّجّاج يذهب إلى أنّ أن بعد إذن مضمرة، ويستدلّ على ذلك أنّ إذن لا تعمل شيئا أنها متى كانت للحال لم تعمل.
قال أبو سعيد: وهذا لا يبطل عملها لأنّا قد رأينا ما يعمل في حال ويبطل عمله في أخرى، كقولنا: ما زيد قائما، في لغة أهل الحجاز، فإذا تقدم الخبر أو دخل حرف الاستثناء بطل عملها، وقد دخل في إذن أشدّ من ذلك؛ لأنّها إذا وقعت على الحال فليس ذلك في شيء من نواصب الفعل، وهي في نفسها قد تلغى، وكان ذلك من أقوي أسباب الإلغاء، وتقديم خبر ما ودخول الاستثناء ليس مما يعدم في ليس، وقد أبطل عمل ما المشبّهة بليس.
قال أبو سعيد: وإنّما جاز إلغاء إذن لأنّها جواب يكفي من بعض كلام المتكلم، كما يكفي لا ونعم من كلامه، يقول القائل: إن تزرني أزرك، فيجاب: إذن أزورك، والمعنى: إن تزرني أزرك، فنابت إذن عن الشّرط، وكفت من ذكره،
كما يقول: أزيد في الدار؟ فيقال له: نعم أولا، وتكفي نعم من قوله: زيد في الدار، ولا من قوله: ما زيد في الدار، فلمّا كانت إذن جوابا قويت في الابتداء؛ لأن الجواب لا يتقدّمه كلام، ولمّا وسّطت وأخرّت زايلها مذهب الجواب فبطل عملها، وإنّما جاز في الفاء والواو الإعمال والإلغاء لأنّهما للعطف، وقد يجوز عطف جملة على جملة ليس بينهما علقة كقولك: قام زيد ببغداد، وخرج عمرو من البصرة إلى الصّين، وليس بين الجملتين تعلّق، ويجوز أن يكون عطف شيء ليس بجملة على ما قبله، فإذا أعملت إذن وقبلها واو أو فاء فهما لعطف
[ ٣ / ٢٠٥ ]
جملة على جملة، أوّل الجملة الثانية إذن، فوجب أن تكون عاملة لأنّها ابتداء، كقولك:
إن تأتني آتك وإذن أكرمك، استأنفت إذن أكرمك فجعلته أول الجملة الثانية، وإذا جعلت أكرمك معطوفة على آتك صارت من الجملة الأولى؛ لأنّها داخلة في جواب إن تأتني بالعطف على آتك فجزمته؛ لأنّ إذن صارت غير مبتدأة فلم تعمل.
ويجوز رفعه بإلغاء إذن على أنه داخل في الجملة الأولى في التقدير، كأنّه قال: إن تأتي آتك فقال: وأكرمك إذن، وتكون أكرمك في جملة الجواب الأول، كأنه قال: إن تأتني آتك فقال له: وأكرمك إذن، وتقدّم إذن على هذه النية، وسنرى رفع الفعل المرفوع بعد المجزوم في جواب الشّرط.
وأمّا الرفع في قول كثير: (إذن لا أقيلها)؛ فلأنّ الكلام مبني على يمين، وهو جواب لئن، وتقديره: والله لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها لا أقيلها، وعبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك، وقد تقدّم قبل هذا بيت فيه ذكر ما يعود هذا الضّمير إليه، وللنحويين فيه كلام وهو:
وإنّ ابن ليلى فاه لي بمقالة ولو سرت فيها كنت ممّن ينيلها (١)
الضّمير في قوله: عاد لي بمثلها، أراد: بمثل المقالة المذكورة في هذا البيت، والمعنى: ممن ينيلهوها، والعائد إلى من هو ضمير المذكّر المنصوب المحذوف، وضمير المؤنث للمقالة، وفي ينيلها ضمير فاعل لابن ليلى، والمعنى: ينيله ابن ليلى إياها، ومعنى لو سرت فيها: لو سرت في طلبها، وما قدّر في ينيلهوها على مذهب سيبويه في اتصال ضمير الغائب بضمير غائب مثله على نحو قول الشاعر:
قد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهما ها يقرع العظم نابها (٢)
فإن قيل: كيف ينيله المقالة؟ فإن المعنى: ينيله المقولة، هي فيه كقولنا: الخلق في معنى المخلوق، وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه، وممّا مرّ من شرحنا.