قال سيبويه: (اعلم أنّ أهل الحجاز يقولون إذا قال الرجل رأيت زيدا: من زيدا؟
وإذا قال مررت بزيد قالوا: من زيد؟ وإذا قال: هذا عبد الله قالوا: من عبد الله؟
وأمّا بنو تميم فيرفعون على كلّ حال، وهو أقيس القولين.
فأمّا أهل الحجاز فإنّهم حملوه على أنّهم حكوا ما تكلّم به المسؤول، كما قال
[ ٣ / ١٧٧ ]
بعض العرب: دعنا من تمرتان، على الحكاية لقوله: ما عنده تمرتان. وسمعت عربيا يقول لرجل سأله فقال: أليس قرشيّا؟ فقال: ليس بقرشيا، حكاية لقوله. فجاز هذا في الاسم الذي يكون غالبا على هذا الوجه، ولا يجوز في غير الاسم الغالب كما جاز فيه، وذلك أنّه الأكثر في كلامهم، وهو العلم الأوّل الذي به يتعارفون. وإنما يحتاج إلى الصفة إذا خاف الالتباس من الأسماء الغالبة. وإنّما حكى مبادرة للمسؤول، وتوكيدا عليه أنّه ليس يسأله عن غير هذا الذي تكلّم به.
وإذا قال: رأيت أخا زيد لم يجز: من أخا زيد؟ إلا على قول من قال: دعنا من تمرتان، وليس بقرشيا، والوجه الرفع لأنه ليس باسم غالب.
وقال يونس: إذا قال رجل: رأيت زيدا وعمرا، أو زيدا وأخاه، أو زيدا أخا عمرو، فالرفع يردّه إلى القياس والأصل إذا جاوز الواحد، كما يردّ ما زيد إلا منطلق إلى الأصل. وأمّا ناس فإنّهم قاسوه فقالوا: تقول: من أخو زيد وعمرو، ومن عمرا وأخا زيد؛ يتبع الكلام بعضه بعضا، وهذا حسن.
فإذا قالوا من عمرا؟ ومن أخو زيد؟؛ رفعوا أخا زيد؛ لأنه قد انقطع الأول من الثاني الذي مع الأخ، فكأنك قلت: من أخو زيد؟ كما أنك تقول: تبّا له، وويلا له، وتبّ له، وويل له.
وسألت يونس عن: رأيت زيد بن عمرو فقال: أقول من زيد بن عمرو؟؛ لأنّ أصل هذا أجري كالواحد، ومن نوّن زيدا جعل (ابن) صفة منفصلة ورفع في قول يونس. فإذا قال: رأيت زيدا فقلت: أيّ زيد؟ فليس إلا الرفع، تجريه على القياس.
وإنما جازت الحكاية في من لأنّهم ل (من) أكثر استعمالا، وهم يغيّرون الأكثر في كلامهم عن حال نظائره. وإن أدخلت الواو والفاء في من فقلت: ومن أو فمن، لم يكن فيما بعده إلا الرفع).
قال أبو سعيد: مسائل الباب وتفريعها على قول أهل الحجاز؛ لأنّ بني تميم على منهاج القياس في غير هذا الباب، ولا خلاف بينهم أنّ مستفهما لو ابتدأ الاستفهام على غير كلام سمعه لقال: من زيد؟ ومن مبتدأ وزيد خبره، أو زيد مبتدأ ومن خبره، وإذا قال قائل: رأيت زيدا فقيل له: من زيد؟ فهو كالسؤال له في الابتداء؛ من مبتدأ وزيد خبره، أو زيد مبتدأ ومن خبره، فهذا القياس. ويدلّ على ذلك أيضا أنّهم لا يختلفون أنّه إذا قال:
رأيت زيدا قلت: أيّ زيد؟ فأيّ كمن، وأيّ زيد: مبتدأ وخبر.
[ ٣ / ١٧٨ ]
وأمّا أهل الحجاز فإنّهم يحكون كلام المتكلّم في الاسم العلم؛ إذا قال قائل: رأيت زيدا، قالو: من زيدا؟ وإذا قالوا:
مررت بزيد، قالوا: من زيد؟ وإنما حكوا لفظه لئلا يتوهّم المسؤول أنّه سئل عن غير الذي ذكره من الزّيدين، وحرصوا لحكاية لفظه على التّبيين له أنه مسؤول عن الذي ذكره، وموضع المنصوب والمخفوض في من زيدا، ومن زيد، رفع على خبر من أو الابتداء، كما أنّ قولهم: دعنا من تمرتان، تمرتان في موضع خفض؛ كأنه قال: دعنا من لفظك تمرتان، فناب تمرتان عن ذلك، وكذلك قول من قال:
لست بقرشيّا، في موضع خفض بالباء. وإنما يختار أهل الحجاز الحكاية بالأسماء الأعلام دون غيرها؛ لأن أكثر ما يخبر عن الناس بالأسماء الأعلام في مكاتباتهم ومعاملاتهم، وفيما ينسب إليهم من مناقب أو مثالب، والاسم العلم إذا ذكر فكأنه شامل على تعريف جميع ما فيه من صفاته المعروفة، وإنّما ينعت إذا زاحمه غيره في لفظه بما يبينه عن غيره. وقد ذكر نحو هذا في ذكر الأسماء الأعلام.
وإذا لم يكن الاسم علما أجري على القياس، ورفع على الابتداء والخبر. وإذا عطف على الاسم العلم أو نعت بغير اسم أبيه فالرفع على القياس؛ لأن السائل إذا أطال بالعطف أو بالنعت محتذيا على كلام المتكلم، فحكايته لإطالته تغنيه عن حكايته لإعرابه، ويكون أولى؛ لأنّ الإطالة بالعطف والنعت لا تخرج اللفظ عن قياسه كما تخرجه الحكاية، وذلك إذا قال القائل: رأيت زيدا وعمرا، ورأيت زيدا أخا عمرو فالباب أن يقول السائل: من زيد وعمرو؟ ومن زيد أخو عمرو؟
وقد حكى سيبويه في العطف عن غير يونس الحكاية إذا كان الذي يلي (من) الاسم العلم، واستحسنه؛ لأنّ المعطوف غير المعطوف عليه، فالسؤال وقع بالاسم مفردا، ثم عطف شيء آخر عليه قد وقع به سؤال، وليس كذلك النّعت؛ لأنّ النعت والمنعوت كشيء واحد. وإذا قال: رأيت زيد بن عمرو جاز أن يقول: من زيد بن عمرو؛ لأنّ زيدا قد بني مع ابن فجعلا كشيء واحد، فصارا كشيء مضاف، فإذا قال: جاءني عبد الله، أو رأيت عبد الله، أو مررت بعبد الله جازت الحكاية في هذه الوجوه، فتقول: من عبد الله، أو مررت بعبد الله؟ ومن عبد الله، وكذلك جاءني زيد بن عمرو، ومررت بزيد بن عمرو، ورأيت زيد بن عمرو. وردّ إلى القياس ورفع؛ لأنهما لم يجعلا كشيء واحد، وصار بمنزلة قولك: رأيت زيدا أخا عمرو.
وإنما جازت الحكاية بمن ولم تجز بأيّ لعلتين:
إحداهما: أنّ السؤال ب (من) عمّا يعقل أكثر من السؤال بأيّ، وتغييرهم لما يكثر
[ ٣ / ١٧٩ ]
التصرّف فيه- بالوجوه- أكثر من التغيير والتصرّف فيما يقلّ.
والعلة الأخرى: أنّ أيّا معربة، فإذا سألوا بها فلا بدّ من رفعها، فإذا رفعوا أيّا في قولهم: أيّ زيد؟ على ما يوجبه
القياس أتبعوه لفظ الاسم العلم على ما يوجبه القياس.
وإذا أدخلوا في أول السّؤال الفاء والواو لم يكن فيما بعده إلا الرفع، وذلك قولك إذا قال القائل: رأيت زيدا، ومن زيد؟ أو فمن زيد؛ لأنّك لمّا أدخلت حرف العطف علم المسؤول أنّك تعطف على كلامه وتنحو نحوه، فاستغنيت عن الحكاية.
وقد أجاز سيبويه الحكاية في غير الأسماء الأعلام على غير وجه الاختيار؛ إذا قال القائل: رأيت أخا زيد، جاز من أخا زيد؟ كما جاز دعنا من تمرتان، وليس بكلام مختار في لغة أهل الحجاز كما يختارون الحكاية في الأعلام، وباقي الباب مفهوم.
وذكر أبو العباس المبرّد في كتابه المعروف بالمقتضب فقال: " كان يونس يجري الحكاية في جميع المعارف، ويرى بابها وباب الأعلام واحدا " والذي حكاه سيبويه عن يونس في الباب إذا قال القائل: رأيت زيد أو عمرا، أو رأيت زيدا وأخاه، أو زيدا أخا عمرو؛ فالرفع يردّه إلى القياس. وما أدري من أين لأبي العباس هذه الحكاية عن يونس، والله أعلم.