وتلك الأسماء التي يجازى بها: من، وما، وأيهم. فإذا جعلتها بمنزلة (الذي) قلت: ما تقول أقول، فتصير (تقول) صلة (ما) حتى تكمل اسما، فكأنك قلت: الذي تقول أقول. وكذلك من يأتيني آتيه، وأيّها تشاء أعطيك، قال
الفرزدق:
_________________
(١) البيت في ديوانه، انظر المعمرين ٢٦؛ والتصريح ١/ ٣٢٦.
(٢) إشارة إلى الآية ٣٦ من سورة الروم.
(٣) سورة هود، من الآية: ١٥.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
ومن يميل أمال السيف ذروته حيث التقى من حفافى رأسه الشّعر (١)
وتقول: آتي من يأتيني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيّها تشاء؛ هذا وجه الكلام وأحسنه، وذلك أنه قبح أن يؤخّر حرف الجزاء، إذا جزم ما بعده؛ فلما قبح ذلك حملوه على (الذي)، ولو جزموه هاهنا لحسن أن تقول: آتيك إن تأتني؛ وإذا قلت: آتي من أتاني، فأنت بالخيار، إن شئت كانت (أتاني) صلة، وإن شئت كانت بمنزلتها في (إن).
فقد يجوز في الشعر: آتي من يأتني، وقال الهذلي:
فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها مطيّعة من يأتها لا يضيرها (٢)
هكذا أنشدناه يونس كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، كما كان: وإني متى أشرف ناظر- على القلب- ولو أريد به حذف (الفاء) جاز، فجعلت ك (إن).
وإذا قلت: أقول مهما تقل، وأكون حيثما تكن، وأكون أين تكن، وآتيك متى تأتني، وتلتبس بها أنى تأتها، لم يجز إلا في الشعر، وكان جزما، من قبل أنهم لم يجعلوا هذه الحروف بمنزلة ما يكون محتاجا إلى الصلة حتى تكمل اسما، ألا ترى أنه لا يقال: لها تصنع قبيح، ولا في الكتاب مهما تقول، إذا أراد أن يجعل القول وصلا، فهذه الحروف بمنزلة (إن)، لا يكون الفعل صلة لها، فعلى هذا فأجز ذا الباب.
قال أبو سعيد: هذه الأسماء التي يجازى بها المذكورة في هذا الباب، إنما يجازى بها إذا كانت مبتدأة في اللفظ، غير واقع عليها عامل خافض ولا غيره.
وهذه الأسماء إن جرت مجرى (إن) في كونها صدورا، إذا جوزي بها فإنها تدخلها الأشياء الخافضة إذا كانت في صلة ما بعدها، أو كانت مبتدأة، وذلك للضرورة المؤدية إلى ذلك فيها دون أن تقول: بمن تمرر أمرر به، وعلى أيهم تنزل أنزل عليه، وفيما تزهد أزهد فيه؛ فالباء في صلة (تمرّ) الذي هو شرط، وفي موضع نصب بها؛ و(على) في صلة (تنزل) وهي في موضع نصب بها؛ و(من) و(ما) و(أيّهم) قد تضمنت الأسماء، وحرف الجزاء، والأفعال التي بعدهن أفعال تتعدى بحروف الجر؛ وحروف الجر لا تكون إلا قبل الأسماء، متصلّا بها، فقادت الضرورة إلى
تقديمها لذلك وتأخير الأفعال العاملة فيها؛ لأن الفعل قد يجوز أن يعمل النصب فيما قبلها، فلم تكن بنا ضرورة إلى تقديم فعل الشرط
_________________
(١) البيت في ديوانه ١/ ٢٠٠، الكتاب ٣/ ٧٠.
(٢) البيت في ديوانه ١/ ١٥٤، الخزانة ٣/ ٦٤٧؛ والكتاب ٣/ ٧٠.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
عليها؛ فإذا أتينا ب (إن) انفصل الاسم من (إن) فوقع حرف الجر على الاسم وهو بعد (إن)، فلم يحتج إلى تقديمه كقولك: إن تمرر بزيد أمرر به، وإن تنزل على زيد أنزل عليه، وإن تزهد في شيء أزهد فيه.
وكذلك إن وقع الشرط باسم مضاف، قدمته وأضفته إلى اسم المجازاة ضرورة كقولك: غلام من تضرب أضرب، وصاحب أيهم تعاشر أعاشر، تنصب (غلام) بيضرب، و(صاحب) بتعاشر؛ ولا بد من تقديمه من حيث كان خافضا لما بعده.
ولو كانت (إن) لم يجز تقديم شيء، عليها لانفصال الاسم منها كقولك:
إن تضرب غلام زيد أضرب.
وكذلك المبتدأ المضاف إلى هذه الأسماء، كان حقه أن يكون فاعل فعل الشرط ويكون مضافا إلى الاسم الذي ليس بمبهم كقولك: إن يأتك غلام زيد، أو غلام خالد، أو غلام غيرهم. فلما أبهمت فيها فصار الاسم المبهم وهو (من) و(أيّهم) و(ما) متضمنا للاسم والحرف، أضفت إليه ضرورة كما أضفته إلى زيد وعمرو، وقدمته، فبطل أن يكون فاعلا، فرفع بالابتداء، كذلك الفاعل إذا قدّم على الفعل رفع بالابتداء كقولك: زيد قام، وعمرو انطلق.
فإذا أوقعت على هذه الأسماء عاملا قبلها من غير ما ذكرنا بطلت المجازاة بها وصارت بمنزلة (الذي) واحتاجت إلى صلة على ما ذكره سيبويه ومثلها، وهذا هو المختار فيها.
وقد يجوز أن يكون قبلها ما يعمل فيها، وتجريه مجرى فعل لا يتعدى، وليس بالمختار وذلك قولك: آتي من أتاني؛ الوجه المختار فيه أن تجعل (من) في موضع نصب ب (آتي) و(أتاني) في صلته، فيكون كقولك: آتي الذي أتاني.
ويجوز أن يكون بمنزلة قولك: أخرج متى أتاني زيد، وأقيم أين أقام زيد، ويكون معناه: أخرج إن أتاني زيد، وأقيم إن أقام زيد؛ ويكون (متى) و(أين) ظرفين لما بعدهما، لا لأخرج وأقيم؛ وكذلك:
آتي من أتاني، كأنه قال: آتي إن أتاني زيد، ولم يذكر (آتي) مفعولا، إلا أنه يعلم أنه يأتي الذي يأتيه كما تقول:
ضربت وضربني زيد، فيعلم أن (ضربت) واقع على زيد؛ وكذلك لو قلت: إن يأتني زيد آت، وحذفت (الهاء)، لكان الوجه أن يكون: آته.
وأما قوله:
[ ٣ / ٢٦٨ ]
من يأتها لا يضيرها (١)
ففي رفع (يضيرها) وجهان:
أحدهما: بإضمار (الفاء) كأنه قال: فلا يضيرها؛ وهذا الوجه لا خلاف في جوازه.
والوجه الآخر: يرتفع على التقديم كأنه قال: لا يضيرها من يأتها.
وقد خالف سيبويه فيما أجازه من التقديم في هذا البيت اثنان:
أحدهما: الذي يرى أن الفعل المرفوع إذا وقع بعد الشرط، لم يجز أن ينوي به التقديم، وإن حسن تقديمه. وقائل هذا محمد بن يزيد، يقول: إن أتيتني أكرمك، لا يجوز أن يكون بتقدير: أكرمك إن أتيتني، وإن كان يحسن أن يقول: أكرمك إن أتيتني.
والمخالف الآخر زعم أنه لا يجوز بتقدير التقديم فيه، لأنا إن قدمناه لم يجز أن يكون (من) فاعلا ليضيرها لأنها قد جزمت (بأنها)، ولا يجوز أن تجزم وهي فاعلة لفعل قبلها؛ وإن لم تكن (من) هي الفاعلة فلا يبين لها فاعل، فلم يجز غيره التقديم من أجل ذلك.
فأما أبو العباس فقد ذكرنا قوله قبل هذا، وصحته أن المرفوع إذا وقع بعد الشرط، فقد وقع في موقعه، فلا ينوي به التقديم الذي ليس بموضعه، كما لا يقال: ضرب غلامه زيدا على نية:
ضرب زيدا غلامه، لأن الغلام وقع في موضعه لأنه فاعل، وحق الفاعل التقديم؛ والجواب عن هذا: أن الشرط على وجهين:
أحدهما: أن يكون المعتمد المقصود تقديم الشرط، واتباع الجواب له كقولك: إن تأتني آتك، وإن تأتني فأنا مكرم لك، فلا يجوز تقديم الجواب على الشرط.
والآخر: أن يكون الاعتماد على فعل وفاعل ومبتدإ؛ وحين يبتدئه المتكلم ويعلقه بشرط كما يعلقه بظرف فيقول: أكرمك إن أتيتني، وأنا مكرمك إن زرتني. كما تقول:
أكرمك يوم الجمعة. فإذا قال: إن أتيتني أكرمك، فليس (أكرمك) بجواب، فيكون تقديمنا له إلى غير موضعه؛ وإنما جعل الفعل الذي القصد فيه التقديم، ويدل على ذلك أن المقسم إذا حلف على شرط وجزاء، جعل جواب القسم
نائبا عن الجزاء، وجعل إعرابه ولفظه على جواب اليمين دون جواب الشرط في المجازاة.
وإن كان واقعا بعد الشرط، وذلك قولك: والله لإن جفوتني لا أزورك، فترفع (لا
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
أزورك) وهو بعد (جفوتني) الذي هو شرط؛ فإن كان (لا أزورك) مجازاة، فينبغي أن يكون مجزوما، وإن كان ينوي به غير المجازاة، وهو واقع موقع الجزاء ما ينوي به غير الجزاء.
وقد ذكر أبو بكر بن الأعرابي عن أبي العباس المبرد أنه قال:
إذا قلت: لإن أتيتني لأكرمنك. وإنما هو: والله لإن أتيتني والله لأكرمنك، وأضمرت، قال: ولا يكون هذا إلا على قسمين.
قال أبو سعيد: وهذا غلط وسهو من أبي العباس لأن الشرط إذا أفرد فليس بخبر، والقسم إنما يقع على خبر، وما يصح فيه التصديق والتكذيب، ألا ترى أن الاستفهام والأمر والنهي لا يصح القسم عليهنّ لأنهن لسن بأخبار، فكيف يصح القسم على الشرط وحده، وأما الذي رد تقديم (لا يضيرها) لأنه لا فاعل معه، فيجوز أن يكون ضمير الفاعل على شرط التفسير، كما يكون في قولك: ضربني وضربت زيدا، ونحو ذلك مما يضمر على شرط التفسير، كأنه قال: لا يضيرها أحد إن أتاها أحد؛ لأنّ معنى من يأتها إن يأتها أحد، فأضمر في يضيرها؛ لأن الكلام الذي بعدها فيه ذكر المضمر الذي أضمر على شرط التفسير، وأما: أقول مهما تقل، وأكون حيثما تكن وأكون أين تكن، وآتيك متى تأتني، وتلتبس بها أنّى تأتها فلا يجوز رفع ما بعدهن من الأفعال لأنهن لا يكن بمنزلة (الذي) كما تكون (من) و(ما) و(أيهم)، فنجعل الفعل بعدهن صلة لها، ونرفع، ألا ترى أنّك تقول: مررت بمن يعجبني، وبما يسرّني، وبأيّهم يوافقني، ولا تقول مررت بمهما يسرني.
فلما لم تكن هذه الحروف بمنزلة الذي بطل رفع الفعل فيهنّ، ووجبت المجازاة وقبح الجزم في فعل الشرط، إذ لا جواب بعده، كما قبح أن تقول: أقول إن تقل وآتيك إن تأتني ولو كان ماضيا لحسن كقولك: أقول إن قلت، وآتيك إن أتيتني لأن الشرط لم يجزم، وهذه الظروف التي يجازي بها لا تتمكن ولا يخبر عنها كما يخبر عن (ما) و(من) و(أيهم) ألا ترى أنك تقول ما تصنع قبيح على أن ما مبتدأ، وتصنع في صلته وقبيح خبره، ولا يجوز مهما تصنع قبيح؛ لأن مهما لا يخبر عنها، وتقول: في الكتاب ما تقول- بمعنى مكتوب عندي ما تقول- فتكون (ما) مبتدأ بمنزلة (الذي)، و(تقول) صلتها، و(في الكتاب) خبر مقدّم، كما يقول: في الدار صنيعك، ولا يجوز على هذا: في الكتاب
مهما تقول، إذا جعلت (تقول) صلة لمهما كما تجعلها صلة لما.
[ ٣ / ٢٧٠ ]