اعلم أن القسم توكيد لكلامك، فإذا حلفت على فعل مستقبل غير منفي لزمته اللام، ولزمت اللام النون الخفيفة أو
الثقيلة في آخر الكلمة، وذلك قولك:
_________________
(١) البيت في ديوانه، شرح أشعار الهذليين ٢/ ٦٧٥.
(٢) البيت منسوب إلى أبو الجودي، الخزانة ٣/ ١٧١؛ المقتضب ٢/ ٧٩.
(٣) جزء من بيت سبق تخريجه.
(٤) البيت ورد منسوبا للشماخ في ديوانه ٨٣.
[ ٣ / ٣١٢ ]
والله لأفعلن.
وزعم الخليل أن النون تلزم اللام كلزوم اللام في قولك: إن كان لصالحا، فإن بمنزلة اللام، واللام بمنزلة النون في آخر الكلمة.
واعلم أن من الأفعال أشياء فيها معنى اليمين يجري الفعل بعدها مجراه بعد قولك: والله، وذلك قولهم: أقسم لأفعلنّ، وأقسمت عليك لتفعلنّ، وإن كان الفعل قد وقع، وحلفت عليه لم تزد على اللام، وذلك قولك: والله لفعلت؛ وسمعنا من العرب من يقول: والله لكذبتّ، والله لكذب.
فالنون لا تدخل على فعل قد وقع، وإنما تدخل على غير الواجب؛ وإذا حلفت على فعل منفي لم تغيره عن حاله التي كان عليها قبل أن تحلف، وذلك قولك: والله لا أفعل، وقد يجوز لك وهو من كلام العرب- أن تحذف (لا) وأنت تريدها، وذلك قولك:
والله أفعل ذلك أبدا، تريد: لا أفعل، وقال:
فحالف فلا والله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذّلّ عارف (١)
وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت ولمّا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما أقسمت هاهنا كقولك: والله؛ فقال: وجه الكلام: لتفعلن هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا لأنهم شبهوه بناشدتك الله إذ كان فيه معنى الطلب؛ وسألته عن قوله (لتفعلن) إذا جاءت مبتدأة، ليس قبلها ما يحلف به، فقال: إنما جاءت على نية اليمين، وإن لم يتكلم بالمحلوف به.
واعلم أنك إذا أخبرت عن غيرك أنه أكد على نفسه، أو على غيره، فالفعل يجري مجراه حيث حلفت أنت، وذلك قولك:
أقسم ليفعلن، واستحلفه ليفعلن، وحلف ليفعلن ذلك، وأخذ عليه لا يفعل ذلك أبدا؛ وذلك أنه أعطى من نفسه في هذا الموضع مثل ما أعطيته أنت من نفسك حين حلفت، كأنك قلت حين قلت أقسم ليفعلن، قال والله ليفعلن وحين قلت استحلفه ليفعلن، قال له: والله ليفعلن ومثل ذلك قول الله﷿-: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي
_________________
(١) البيت ورد منسوبا للقيط بن زرارة، في الكتاب ٣/ ١٠٥.
[ ٣ / ٣١٣ ]
إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (١). وسألته لم لم يجز: والله تفعل، يريدون بها معنى ستفعل؟ فقال: من قبل أنهم وضعوا (تفعل) هاهنا محذوفة منها (لا) فإنها تجيء في معنى (لا أفعل) فكرهوا أن تلتبس إحداهما بالأخرى، فقلت فلم ألزمت النون آخر الكلمة؛ فقال: لكي لا يشبه قوله: إنه ليفعل، لأن الرجل إذا قال هذا فإنما يخبر بفعل واقع فيه الفاعل، كما ألزموا اللام: إن كان ليقول، مخافة أن يلتبس بما كان يقول ذاك لأن إن تكون بمنزلة ما.
وسألته عن قوله﷿-: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ (٢). فقال:
(ما) هاهنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على (إن) حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، واللام التي في (ما) كهذه التي في (إن) واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا.
ومثل هذه اللام الأولى (أن) إذا قلت: والله أن فعلت لفعلت، وقال:
فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشّر مظلم (٣)
فأن في (لو) بمنزلة اللام في (ما) فأوقعت هاهنا لامين:
لام للأول ولام للجواب، ولام الجواب هي التي يعتمد عليها القسم، فكذلك اللامان في قوله﷿-: لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (٤).
لام للأول، وأخرى للجواب، ومثل ذلك لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ (٥)، إنما دخلت اللام على نية اليمين. والله أعلم وسألته عن قوله﷿-: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٦) فقال: هي بمعنى لتفعلن، كأنه قال:
لظللن كما يقول:
والله لا فعلت ذاك أبدا، تريد معنى لا أفعل وتقول: لئن فعلت ما فعل تريد معنى
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٨٣.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨١.
(٣) البيت منسوبا للمسيب بن علس، الخزانة ٤/ ٢٢٤؛ ابن يعيش ٩/ ٩٤؛ الكتاب ٣/ ١٠٧.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ٨١.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٨.
(٦) سورة الروم، الآية: ٥١.
[ ٣ / ٣١٤ ]
ما هو فاعل وما يفعل، كما كان لظلوّا مثل لظللن، وكما جاءت سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١) على قوله: أم صمتّم، وكذلك جاء هذا على ما هو فاعل.
قال: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٢). أي ما هم تابعين. وقال﷿-: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (٣) أي ما يمسكها من أحد؛ وأما قوله﷿-:
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٤). فإن (إنّ) حرف توكيد ولها لام كلام اليمين لذلك أدخلوها، كما أدخلوا في إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٥)، ودخلت اللام التي في الفعل على اليمين، كأنه قال: إنّ زيدا لما والله ليفعلنّ، وقد يستقيم في الكلام: إن زيدا ليضرب، وليذهب، ولم يقع ضرب، والأكثر على ألسنتهم- كما خبرتك- في اليمين، فمن ثم ألزموا النون في اليمين لئلا يلتبس بما هو واقع.
قال﷿-: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (٦). قال لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي إنّ المنايا لا تطيش سهامها (٧)
كأنه قال: والله لتأتين، كما قال: لقد علمت لعبد الله خير منك،
قال: أظن لتسبقنّني وأظن لتموتنّ وهو بمنزلة: علمت، وقال ﷿: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٨) ابتداء، ألا ترى أنك لو قلت بدا لهم أيهم أفضل، لحسن كحسنه في (علمت). كأنك قلت: ظهر لهم أهذا أفضل، أم هذا.
قال أبو سعيد: النون دخلت مع اللام في جواب القسم لأن اللام وحدها تدخل
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٣.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٥.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٤١.
(٤) سورة هود، الآية: ١١١.
(٥) سورة الطارق، الآية: ٤.
(٦) سورة النحل، الآية: ١٢٤.
(٧) البيت في ديوانه، الخزانة ٤/ ١٣، ٣٣٢؛ الكتاب ٣/ ١١٠.
(٨) سورة يوسف، الآية: ٣٥.
[ ٣ / ٣١٥ ]
على الفعل المستقبل في خبر (إن)، وليس دخول اللام في خبر إن للقسم، وقد تدخل في خبر إن ومعها القسم، وألزموها النون للفصل بين اللام الداخلة لجواب القسم، والداخلة لغير القسم.
فإذا قلت إن زيدا ليضربن عمرا، فاللام مع النون دخلت للقسم، وتقديره: إن زيدا والله ليضربن عمرا.
وإذا قلت: إن زيدا ليضرب عمرا، فهذه اللام تقديرها أن تكون داخلة على أن وأخرت، وبين هذه اللام وبين التي معها النون فصل من وجهين: أحدهما أن اللام التي معها النون لا تكون إلا للمستقبل، والتي ليس معها النون تكون للحال، وقد يجوز أن يراد بها المستقبل؛ والوجه الآخر من الفصل، أن المفعول به لا يجوز تقديمه على الفعل الذي فيه النون، ويجوز تقديمه على الذي لا نون فيه، لأن نية اللام فيه التقديم، لا يجوز أن تقول: إن زيدا عمرا ليضربن، ويجوز إن زيدا عمرا ليضرب، وقد ذكر هذا في غير موضع، فإن قال قائل إذا أردنا القسم على فعل الحال، فكيف السبيل إليه؟
قيل له: يقع جواب القسم كأن ويكون الفعل المستقبل خبرا له، ويراد به الحال كقولك: والله إن زيدا ينطلق، وإن شئت أدخلت اللام، فقلت: لينطلق والمعنى واحد، وإن شئت قلت: إن زيدا لمنطلق، فيستغنى بدخول اللام على الاسم عن دخولها على الفعل المقسم عليه، والقسم إذا كان الذي يتلقاه فعلا فهو واقع عليه، وإن كان الذي يتلقاه حرفا بعده اسم وخبر، فالذي وقع عليه القسم يؤكد القيام دون زيد، وكل فعل دخلته النون فهو للاستقبال في الأمر والنهي والاستفهام، ولا تدخل على الحال، وحكى أبو إسحاق الزجاج عن أبي العباس المبرد قال: امتنعت النون من دخولها على فعل الحال؛ لأن الحال لا يحلف عليها، ثم رد عليه فقال أبو إسحاق: لو كان امتناعها لأن الحال لا يحلف عليها لكان كل من يحلف عند القاضي لا يجب أن يقبل يمينه لأنه يحلف أنه في حال ليست عليه شيء، ولامتنع قولك: والله لأنت أفضل الناس، وهو في حال فضل؛ وقولك: والله لزيد يصلي بحذائي؛ ولامتنع، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١).
وقد يكتفي بذكر القسم، وما جرى مجراه عن المقسم به، فيقال: أقسم لأفعلن، وأشهد لأفعلن، وتقديره: أقسم بالذي شأني وسبيلي أن أقسم به، ولكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب. قال الشاعر:
_________________
(١) سورة المنافقون، الآية: ١.
[ ٣ / ٣١٦ ]
فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشرّ مظلم (١)
وقال آخر:
وأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد عنك مدفعا (٢)
ومن أجل هذا قال الفقهاء من العراق إذا قال الرجل أقسم أو أقسم بالله أو أحلف بالله، أو أشهد أو أشهد بالله فحنث وجبت عليه كفارة اليمين لأنه إذا قال: أقسم بالله، أو أحلف بالله أو أشهد صرف إلى معنى: أقسم بالله إذا كان الذي يلزم المسلمين إذا أقسموا أو حلفوا أن يحلفوا بالله دون غيره لقول النبي ﷺ:
«من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (٣). فإذا كانت اليمين على فعل ماضي لم تدخل اللام كقولك: والله لكذبت، والله لكذب ولم تدخل النون لأن النون في غير القسم لا تدخل إلا على المستقبل دون الماضي والحال، وإذا دخلت في فعل القسم فهي أيضا للمستقبل، فلم يجز دخولها فيما لم يمكن دخولها عليه، وقال فيه بعض أصحابنا: دخول النون في القسم يفصل بين الحال والاستقبال، وليس في الماضي لبس يزيل دخول النون؛ وإذا كان القسم بفعل منفي لم يدخلوا للقسم حرفا دون حرف النفي الذي كان فيه قبل القسم؛ وأصل دخول حرف القسم الموجب في غير القسم لا يحتاج إلى حرف كقولك: ذهب زيد، وينطلق عمرو، وبكر راحل، وما أشبه ذلك؛ فلما أقسموا عليه أكدوه بما أدخلوا عليه من الحروف الدالة على القسم ليعلم أنه قسم، واحتمل الحروف لتجرده منها قبل القسم، وأما النفي ففيه حروف النفي، وكرهوا دخول حرف آخر واكتفوا بما فيه من حروف النفي غير أنهم اقتصروا من حروف النفي على حرفين لا يتلقى اليمين بغيرهما من حروف الجحد، وجعلوهما مقابلين لحرفي الإيجاب في جواب اليمين، وهما (لا) و(ما) دون (لم) و(لن) فقالوا والله ما زيد منطلقا، وو الله لا ينطلق زيد، وكان (ما) في النفي نظيره (إن) في الإيجاب لأن أكثر دخول (ما) على الأسماء والأخبار، كما أن (أن) تدخل على الأسماء والأخبار، وكان (لا) نظيره (اللام) لأن دخولها على الأفعال في النفي كدخول اللام في الإيجاب؛ ولا يجوز: والله لم يقم زيد، ولا والله لن
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت ورد منسوبا لامرئ القيس في ديوانه ٢٤٢، الخزانة ١٠/ ٨٤، ٨٥؛ ابن يعيش ٩/ ٧.
(٣) صحيح البخاري- كتاب الأيمان والنذور، صحيح مسلم- كتاب المساقات والمزارعة- حديث (٤، ٦).
[ ٣ / ٣١٧ ]
يقوم زيد لأنهم جعلوا (لم يقم) نقيض (قام)، (ولن يقوم) نقيض (سيقوم)، ولا يقع القسم عليهما في الإيجاب. لا تقول: والله قام زيد، ولا: والله سيقوم زيد، فإذا قلت: والله لا يقوم، فهو نفي للمستقبل، كما أنك إذا قلت: والله ليقومنّ، فهو إيجاب للمستقبل، فإن أردت اليمين على نفي فعل في الحال، قلت: والله ما زيد يقوم، وو الله ما زيد قائما، كما تقول إذا أردت ذلك في الإيجاب: والله إن زيدا يقوم، وو الله إن زيدا قائم، وقد كثر في كلامهم حذف (لا) في القسم لكثرة القسم في كلامهم، وزوال اللبس، لأن الموجب في القسم تلزمه اللام والنون، فإذا قالوا: والله أقوم، علم بسقوط اللام والنون منه أنه نفي، وقد قال الله﷿-: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (١) وتقديره: لا تزال تذكر يوسف، وأما أقسمت عليك إلّا فعلت، ولما فعلت، فإن المتكلم إذا قال: أقسمت عليك لتفعلنّ، فهو مخبر عن فعل المخاطب أنه يفعل ومقسم عليه، فإذا لم يفعل فهو كاذب، لأنه لم يوجد خبره على ما أخبر به، وإذا قال: أقسم عليك إلا فعلت، وكما فعلت، فهو طالب منه سائل ولا يلزمه فيه تصديق ولا تكذيب، وللفرق بين المعنيين فرّق بين اللفظيين؛ وإذا ذكرت يمينا قد حلف كان ذلك في لفظها وجهان: أحدهما حكاية لفظ اللافظ في يمينه، والآخر: حمل إخبارك على المعنى لا على اللفظ، ونمثل ذلك بقوله﷿-: قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ (٢) قراءة عبد الله «تقاسموا بالله» من غير (قالوا)، ففي «تقاسموا» وجهان: أحدهما أن يكون ماضيا، والآخر أن يكون أمرا، فإذا كان فعلا ماضيا جاز في (لنبيتنه) الياء والنون حسب ليبيتنه ولنبيتنه، فأما النون فعلى حكاية لفظهم، كأنهم قالوا: في أيمانهم «والله لنبيتنه»، وأما الياء فعلى المعنى لأن المخبر عنهم غائب عنهم مخبر بيمين لهم حلفوا على فعل كان منهم والخبر عن الغائب بالياء، ومثله من الكلام حلف زيد ليقتلن عمرا بالياء لغيبة زيد، ويجوز حلف زيد لأقتلن عمرا على حكاية لفظه في يمينه، وإذا كان (تقاسموا) أمرا ففي لنبيتنه ثلاثة أوجه: النون والياء والتاء والنون على حكاية لفظهم إذا حلفوا، وقالوا: لنبيتنه؛ والياء على حال المخبر عنهم في الغيبة، وأما التاء فعلى حكاية لفظ المحلف لأنه إذا حلفهم قال لهم: احلفوا لنبيتنه، ومثله قولك لصاحبك حلف القوم ليخرجنّ ولتخرجنّ، ولنخرجنّ، ولو حلف واحدا جاز أن يقول:
أحلف لتخرجنّ، وأحلف لأخرجنّ. التاء لإقبال المحلف على المحلف، والألف لحكاية لفظ
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٥.
(٢) سورة النمل، الآية: ٤٩.
[ ٣ / ٣١٨ ]
الحالف؛ وعلى هذا قس جميع ما يرد عليه إن شاء الله.
وقوله﷿-: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (١) لتؤمنن به خبر وهو بمنزلة قولك:
لزيد لتضربنه، وجعلوا اللام الواقعة على (ما) بمنزلة (أن) في:
أن لو التقينا (٢)
وذلك أن (أن) يتلقى بها اليمين الواقعة على (ما)، وإذا جعلت (ما) و(لا) للمجازاة في مثل قوله﷿-: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها (٣) فلا صلة لها، فهي في موضع نصب يأتيكم، والاعتماد في جواب القسم على اللام في قوله:
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ [آل عمران: ٨١]، وقد شرح ذلك قبل هذا الموضع بأتم مما هنا.
وقوله﷿-: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٤) تأويله: ليظلّنّ، لأن المجازاة مبنية على يمين، وقد ذكرنا أنها إذا كانت كذلك فالقسم يعتمد على جواب الشرط، وجواب الشرط إذا كان فعلا، فهو فعل مستقبل، فوجب الاستقبال لأنه مجازاة، ووجبت له اللام لأنها جواب القسم، فصار حق اللفظ ليظلّنّ، ثم نقل إلى لفظ الماضي لأن حروف المجازاة تسوغ نقل لفظ الماضي إلى الاستقبال، وكذلك نقل لفظ الفعل بعد (ما) التي للمضي، وهو في معنى الاستقبال في قولك: لئن فعلت، تريد: ما هو فاعل، وما يفعل كيف كان كظلوّا في معنى ليظلّنّ، وقوله﷿-: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٥) اللام الأولى التي تدخل في اسم (إن) إذا قلت: إن في الدار لزيدا، وفي خبرها إذا قلت: إن زيدا ليقوم، ولا تدخل معها النون واللام الثانية، وهي جواب قسم يقدر بعد اسم (إن)، وقيل خبرها، وذلك في نحو قولك: إن زيدا ليقومن، كأنك قلت: إن زيدا والله ليقومن، ولا تجتمع هاتان اللامان، وإذا فرق بينهما جاز.
و(ما) هي زائدة للتوكيد، وقد تقدم من كلامي أن قولهم: إن زيدا ليضرب وليذهب الأكثر في كلامهم أن يراد به الحال، وقد يراد به المستقبل، وذلك في قوله عز
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٨١.
(٢) جزء من بيت سبق تخريجه.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٢.
(٤) سورة الروم، الآية: ٢.
(٥) سورة هود، الآية: ٥١.
[ ٣ / ٣١٩ ]
وجل: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (١) والحكم متأخر، وقوله: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٢) بدا لهم فعل، والفعل لا يخلو من الفاعل أو معناه عند النحويين أجمعين بدا لهم بدوّ، وقالوا: ليسجننه، إنما أضمر البدو، لأنه مصدر يدل عليه (بدا لهم)، وأضمر (قالوا) كما قال: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ (٣) ومعناه: يقولون سلام عليكم، ولا يكون ليسجننه بدلا من الفاعل لأنه جملة، والفاعل لا يكون جملة، وباقي الباب من كلام سيبويه مفهوم.