فما يجازى به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيّهم. وما يجزي به من
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
الظروف: أيّ حين، ومتى، وأين، وأنىّ، وحيثما. ومن غيرهما: إن، وإذ ما.
ولا يكون الجزاء في (حيث) و(لا) في (إذ) حتى يضم إلى كل واحدة منهما (ما)، فتصير (إذ) مع (ما) بمنزلة (إنما) وكأنما، وليست (ما) فيهما بلغو، ولكن كل واحد منهما مع (ما) بمنزلة حرف واحد.
فما كان من الجزاء ب (إذ ما) قول العباس بن مرداس:
إذ ما أتيت على الرسول فقل له حقا عليك إذا اطمأنّ المجلس (١)
وقال الآخر، وقالوا: هو لعبد الله بن همام السلولى:
إذ ما تريني اليوم مزجي ظعينتي أضعّف سيرا في البلاد وأفزع
فإنّي من قوم سواكم وإنّما رجالي فهم بالحجاز وأشجع (٢)
سمعناهما ممن يرويهما عن العرب، والمعنى (إما).
ومما جاء من الجزاء ب (أنّي) قول لبيد:
فأصبحت أنّى تأتها تلتبس بها كلا مركبيها بين رجليك شاجر (٣)
وفي (أين) قول ابن همام السلولي:
أين تضرب بنا العداة تجدنا نصرف العيس نحونا للتّلاقي (٤)
وإنما منع (حيث) أن يجازي بها أنك تقول: حيث تكون أكون، ف (تكون) وصل لها، كأنك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون ويبّين هذا أنها في الخبر بمنزلة (إنما) و(كأنما) و(إذا)، أنه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبد الله قائم زيد، وأكون حيث زيد قائم.
ف (حيث) كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا في حروف الجزاء؛ فإذا ضممت إليها (ما)، صارت بمنزلة (إن) وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجيء ب (ما) وصارت بمنزلة (إمّا).
وأما قول النحويين: يجازي بكل شيء يستفهم به، فلا يستقيم، من قبل أنك تجازي ب (إن) وب (حيثما) و(إذ ما)، ولا
يستقيم بهن الاستفهام؛ ولكن القول فيه
_________________
(١) البيت في ديوانه، الخزانة ٣/ ٤٣٦؛ ابن يعيش ٤/ ٩٧؛ الكتاب ١/ ٣٤٢.
(٢) البيت في ديوانه، الخزانة ٩/ ٢٤٩؛ ابن يعيش ٧/ ٤٧؛ الكتاب ٣/ ٥٧.
(٣) البيت في ديوانه ٢٢٠، الخزانة ٧/ ٩١، ٩٣، ١٠/ ٤٥، ٤٦؛ الكتاب ٣/ ٥٨.
(٤) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٤٠/ ١٠٥، ٧/ ٤٥؛ الكتاب ٣/ ٥٨.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
كالقول في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلة؟ والوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلة لما قبله، كما أنه في حروف الاستفهام ليس صلة لما قبله؛ وإذا قلت: حيثما تكن أكن، فليس بصلة لما قبله، كما أنك إذا قلت: أين تكون؟ وأنت تستفهم، فليس الفعل بصلة لما قبله فهذا في الجزاء ليس بصلة لما قبله، كما أن ذلك في الاستفهام ليس بوصل لما قبله.
ويقول: من يضربك؟ في الاستفهام، وفي الجزاء: من يضربك اضربه، فالفعل فيهما غير صلة.
وسألت الخليل عن (مهما) فقال: هي ما أدخلت عليها (ما) لغوا، بمنزلتها مع (متى) إذا قلت: متى تأتني آتك؛ وبمنزلتها مع (إن) إذا قلت: إن ما تأتني آتك؛ وبمنزلتها مع (أين) كما قال الله﵎-: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (١)؛ وبمنزلتها مع (أي) إذا قلت:
أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٢)؛ ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا فيقولوا: ما ما، فأبدلوا (الهاء) من (الألف) التي في (ما) الأولى، وقد يجوز أن تكون (مه) كإن ضمّ إليها (ما).
وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع، فقال: هي متكرهة، وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء؛ لأن معناها على أي حال تكن أكن، وسألته عن (إذا)، ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في (إذا) بمنزلة الفعل في (إذ)، إذا قلت: أتذكر إذ تقول، ف (إذا) فيما يستقبل بمنزلة (إذ) فيما مضى؛ ويبيّن هذا أن (إذا) يجيء وقتا معلوما، ألا ترى أنك لو قلت: آتيك إذا احمّر البسر، كان حسنا، ولو قلت: آتيك إن احمّر البسر، كان قبيحا؛ ف (إن) أبدا مبهمة، وكذلك حروف الجزاء؛ و(إذا) توصل بالفعل، فالفعل في (إذا) بمنزلته في (حين) كأنك قلت:
الحين الذي تأتيني فيه آتيك فيه. قال ذو الرمة:
تصغي إذا شدّها بالرّحل جانحة حتّى إذا ما استوى في غرزها تثب (٣)
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٧٨.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.
(٣) البيت في ديوانه ٤٨؛ الكتاب ٣/ ٦٠.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وقال آخر، ويقال: وضعه النحويون:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثريد (١)
وقد جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها ب (إن)، حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بد لها من جواب. وقال قيس بن الخطيم الأنصاري:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب (٢)
القافية مكسورة، وقال الفرزدق:
ترفع ليّ خندف والله يرفع لي نارا إذا خمدت نيرانهم تقد (٣)
وقال بعض السلوليين:
إذا لم تزل في كلّ دار عرفتها لها واكف من دمع عينك يسجم (٤)
ويروي: يسكب. فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكن الجيد قول كعب بن زهير:
وإذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطا مذعورا (٥)
واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال، وينجزم الجواب بما قبله، وزعم الخليل أنك إذا قلت: إن تأتني آتك، ف (آتك) انجزمت ب (إن تأتني)، كما تنجزم إذا كانت جوابا للأمر حين تقول: ائتني آتك.
وزعم الخليل أن (إن) هي أمّ حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟
فقال: من قبل أني أرى حروف الجزاء قد يتصرفن فيكنّ استفهاما، ومنها ما يفارقه (ما) فلا يكون فيه الجزاء، وهذه على حال واحدة أبدا لا تفارق المجازاة.
واعلم أنه لا يكون جواب الجزاء إلا بفعل أو بالفاء.
فأما الجواب بالفعل فنحو قولك: إن تأتني آتك، وإن تضرب أضرب، ونحو ذلك.
وأما الجواب بالفاء فنحو قولك: إن تأتني فأنا صاحبك. ولا يكون الجواب في
_________________
(١) ابن يعيش ٩/ ٩٢؛ الكتاب ٣/ ٦١؛ لسان العرب ١٢/ ٩ (أدم).
(٢) البيت في ديوانه ٨٨، الكتاب ٣/ ٦١.
(٣) البيت في ديوانه ٢١٦، الخزانة ٣/ ١٦٢؛ الكتاب ١/ ٤٣٤.
(٤) البيت في الكتاب ٣/ ٦٢.
(٥) البيت في ديوانه ٢٩، ابن يعيش ٨/ ٩٣٤؛ الكتاب ٣/ ٦٢.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
هذا الموضع بالواو، ولا بثمّ. ألا ترى أن الرجل يقول: افعل كذا وكذا، فتقول:
فإذن يكون كذا وكذا، ويقول: لم أغث أمس، فتقول: قد أتاك الغوث اليوم؛ ولو أدخلت (الواو) و(ثمّ) في هذا الموضع تريد الجواب لم يجز.
وسألت الخليل عن قول الله﷿-: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (١) فقال هذا كلام معلق بالكلام الأول، كما كانت (الفاء) معلّقة بالكلام الأول، وهذا هاهنا في موضع (قنطوا) كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل قال: ونظير ذلك قول الله﷿-: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (٢) بمنزلة (أم صمتّم)؛ ومما يجعلها بمنزلة (الفاء) أنها لا تجيء مبتدأة، كما أن (الفاء) لا تجيء مبتدأة.
وزعم الخليل أن إدخال (الفاء) على (إذا) قبيح، ولو كان إدخال (الفاء) على (إذا) حسنا، لكان الكلام بغير (الفاء) قبيحا؛ فهذا قد استغنى عن (الفاء) كما استغنت (الفاء) عن غيرها، فصارت (إذا) هاهنا جوابا، كما صارت (الفاء) جوابا.
وسألته عن قوله: إن تأتني أنا كريم، فقال: لا يكون هذا إلا أن يضطّر شاعر، من قبل أنّ (أنا كريم) يكون كلا ما مبتدأ، و(الفاء) و(إذا) لا يكونان إلا معلقتين بما قبلهما، فكرهوا أن يكون هذا جوابا كما صارت (الفاء) جوابا حيث لم يشبه (الفاء)؛ وقد قال الشاعر مضطرا، يشبّهه بما يتكلم به من الفعل قال:
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشرّ بالشرّ عند الله مثلان (٣)
وقال الأسدي:
بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها بني ثعل من ينكع العنز ظالم (٤)
وزعم أنه لا يحسن في الكلام: إن تأتني لأفعلن من قبل أن (لأفعلن) تجيء مبتدأة. ألا ترى أن الرجل يقول: لأفعلن كذا وكذا فلو قلت: " إن أتيتني لأكرمنك، ولئن لم تأتني لأغمّنّك " جاز؛ لأنه في معنى: لئن أتيتني لأكرمنك، ولئن لم تأتني لأغمنك، ولا بدّ من هذه (اللام) مضمرة أو مظهرة لأنها لليمين، كأنك قلت: والله لئن
_________________
(١) سورة الروم، الآية: ٣٦.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٣.
(٣) البيت ورد منسوبا إلى حسان بن ثابت كما نسب لآخرين، الكتاب ٣/ ٦٥، ١١٤.
(٤) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٦٥.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
أتيتني لأكرمنك.
فإن قلت: لئن تفعل لأفعلنّ قبح؛ لأن (لأفعلن) على أول الكلام، وقبح في الكلام أن تعمل (إن) أو شيء من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمها في اللفظ، ثم لا يكون لها جواب تنجزم بما قبله. ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني، ولا تقول:
آتيك إن تأتني، إلا في شعر، لأنك أخّرت (إن) وما عملت فيه، ولم تجعل ل (إن) جوابا ينجزم بما قبله.
فهكذا جرى هذا في كلامهم. ألا ترى. أنه قال﷿-: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١) وقال﷿-: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢). لمّا كانت (إن) العاملة لم يحسن إلا أن يكون لها جواب ينجزم بما قبله. فهذا الذي يشاكلها في كلامهم إذا عملت.
وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي: آتيك. إن أتيتني.
قال زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم (٣)
ولا يحسن: إن تأتني آتيك، من قبل أنّ (إن) هي العاملة، وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي:
يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع (٤)
أي تصرع إن يصرع أخوك، ومثل ذلك قوله:
هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (٥)
أي: المرء ذئب إن يلق الرشا. قال الأصمعي: وهذا قديم أنشدنيه أبو عمرو.
وقال ذو الرمة:
وأنيّ متى أشرف على الجانب الذي به أنت من بين الجوانب ناظر (٦)
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.
(٢) سورة هود، الآية: ٤٧.
(٣) البيت في ديوانه ٥١، ابن يعيش ٨/ ١٥٧؛ الكتاب ٣/ ٦٦.
(٤) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٨/ ١٥٧؛ الكتاب ٢/ ٩٨.
(٥) البيت في الكتاب ٣/ ٦٧.
(٦) البيت في ديوانه ١١٤، الكتاب ١/ ٦٨؛ والمقتضب ٢/ ٧١.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
أي: ناظر متى أشرف. فجاز هذا في الشعر، وشبّهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزما؛ لأن المعنى واحد، كما شبه (الله يشكرها) و(ظالم) ب إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦] جعله بمنزلة: يظلم، ويشكرها الله، كما كان هذا بمنزلة (قنطوا)، وكما قالوا في اضطرار: إن تأتني أنا صاحبك، يريد معنى (الفاء)، فشبّهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه.
وقد يقال: إن أتيتني آتك، وإن لم تأتني أجزك، لأن هذا في موضع الفعل المجزوم؛ فكأنه قال: إن تفعل أفعل؛ ومثل ذلك قول الله- جل وعز-: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها (١).
فكان فعل، وقال الفرزدق:
دسّت رسولا بأنّ القوم إن قدروا عليك يشفوا صدورا ذات توغير (٢)
وقال الأسود بن يعفر:
ألا هل لهذا الأمر من متعلل عن النّاس مهما شاء بالنّاس يفعل (٣)
وقال: إن تأتني فأكرمك، أي: فأنا أكرمك، فلا بد من رفع (فأكرمك) إذا سكت عليه لأنه جواب، وإنما ارتفع لأنه مبني على مبتدأ. ومثل ذلك قول- الله تعالى-: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ (٤)، ومثله قوله- تعالى-: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا (٥) ومثله قوله﷿-: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (٦).
قال أبو سعيد: فرّق سيبويه بين (حيثما) وبين (إذ ما)، فجعل (حيثما) في حيز الظروف التي يجازى بها، فهي اسم مثل: أين، ومتى؛ وجعل (إذ ما) في حيز الحروف، لأنه ذكر ما كان من غير الأسماء والحروف، فذكر (إن) و(إذ ما)، والفرق بينها أن (إذ) لما ضممت إليها (ما) وجوزى بها، خرجت عن معناها، لأنها كانت من قبل دخول (ما) عليها لما مضى من الزمان، وبعد دخولها للمستقبل ك (إن)؛ وقد يركّب الشيآن
_________________
(١) سورة هود، الآية: ١٥.
(٢) البيت في ديوانه ٢١٣، والكتاب ٣/ ٦٩.
(٣) البيت في ديوانه ٥٦، والكتاب ٢/ ٢٤٦.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٢٦.
(٦) سورة الجن، الآية: ١٣.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
فيخرجان عن حكم كل واحد منهما إلى حكم مفرد نحو: لولا، وهلا، وغيرهما.
وجعلها سيبويه حرفا لوقوعها موقع (أن)، ولم يقم دليلا على اسميتها، وما علمنا أحدا من النحويين ذكر (إذ ما) غير سيبويه، إلا أن يكون من بعض أصحابه، ومن يأخذ عنه.
وقد قال بعض النحويين: (إذ ما) هي (إمّا)، عدلوا عن (إما) إليها، لأن (إما) لا تكاد تأتي إلا بدخول (النون) على الفعل الذي بعدها نحو قول الله﷿-: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ (١) ووَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً (٢) وفَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا (٣). وليس في القرآن- فيما اعلم- فعل بعد (إما) إلا ب (النون)؛ فلما احتاج الشاعر إلى (إما) وكانت (النون) تكسر البيت، جعل مكانها (إذ ما) وأما دخول (ما) على (حيث) للمجازاة، فلأن (حيث) اسم للمكان، فكان يلزمها الإيضاح قبل المجازاة بها كقولك: أقمت حيث زيد مقيم، وحيث زيد مقيم أقيم؛ ولو قلت: حيث أقيم أو أقمت لم يجز، فلما أرادوا المجازاة لزمهم إبهامها وإسقاط ما يوضحها، وألزموها (ما) كما ألزموا (ما) إنما، وكأنما، وربما؛ وجعلوا لزوم (ما) دلالة على إبطال مذهبها الأول. ثم جعلوها بمنزلة (أين) في المجازاة ولم تزل عن معناها الأول وقصد المكان بها لزوال (إذ) عن معناها الأول.
وأما قول لبيد:
فأصبحت أنّى تأتها تلتبس بها (٤)
ففي معناه بعض اللبس، والبيت في موضعين فيه اختلاف رواية:
أحدهما: أنىّ تأتها تلتبس بها، وتبتئس بها.
والآخر: تحت رجلك، وتحت رحلك.
ومعناه: أنه يخاطب رجلا قد وقع في معضلة وقصة صعبة يعسر التخلص منها، فنقول: كيف أتيت هذه المعضلة من قدّام أو من خلف تلتبس بها ولا مخلص، وهو جواب الشرط؛ والالتباس بها: الدخول فيها والاختلاط بها، وتبتئس: يصيبك منها بؤس.
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٥٧.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٥٨.
(٣) سورة مريم، الآية: ٢٦.
(٤) صدر بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
كلا مركبيها تحت رجلك شاجر (١)
يعني: مركبها من قدام ومن خلف، وشاجر: داخل تحت الرجل وتحت الرحل، وإذا دخل الشيء تحت شيئين ففرجهما فقد شجرهما، ومركبيها: يعني مركبي المعضلة، وقد بين أن مركبيها من قدام وخلف في البيت الذي بعده.
فإن تتقدم تلن منها مقدما غليظا وإن أخّرت فالكفل فاجر
والكفل: كساء يضعه الرجل على ظهر البعير ثم يركبه يتوقى العرق، وفاجر: مائل.
وقد عاب قوم سيبويه على النحويين حين حكى عنهم أنهم قالوا: يجازى بكل شيء يستفهم به، فقال سيبويه: لا يستقيم هذا، من قبل أنك تجازى بأن وبحيثما وإذ ما، فقال العائب، وهو أبو عمر الجرمي ومن وافقه: لا يكون ما قال سيبويه ردا عليهم لأنهم لم يقولوا:
لا تكون المجازاة إلا بما يستفهم به فيلزمهم هذا، وإنما قالوا: تطلب المجازاة بما يستفهم به، ولا يمنع هذا المجازاة بغيره، كما لو قال قائل: يكون الرفع بأنه الفاعل والنصب بأنه مفعول به، لم يمنع الرفع والنصب بغيرهما.
وعابوا أيضا ما حكى عنهم: يجازى بكل شيء يستفهم به، وليس بينهم خلاف أنه لا يجازى بألف الاستفهام، وبهل.
قال أبو سعيد: أما الأول: فإن الذي حكي عنهم أنهم قالوه هو أن أصل الجزاء الاستفهام، فكل شيء جوزي به إنما هو منقول من الاستفهام فأراهم أنهم يجازون بحيثما وأن، وهما لا يكونان استفهاما، فهذا مخرج هذا.
وأما الثاني: فقد فهم عن سيبويه أنه أراد الأسماء التي يستفهم بها، لأنهم لا يختلفون في الحروف أنها لا يجازى بها، فكان فسر قولهم على ظاهر ما حكي عنهم أن يقال: أنتم تستفهمون ب (كم) ولا يجازى بها، وكذلك (كيف) يستفهم بها ولا يجازى بها.
وأما (مهما تفعل) ففيها وجهان:
أحدهما: ما قاله الخليل، وهو أن أصله (ما) زيدت عليها (ما) أخرى كما تزاد (ما) على (متى) في قولك: متى ما تفعل أفعل؛ ف (ما) الأولى في هذا القول للمجازاة، والثانية زائدة.
والآخر: ما قاله أبو إسحاق الزجاج، أن أصله (مه) في معنى (اسكت) لكلام
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
متكلم به، و(ما) بعدها للمجازاة.
والدليل على (مهما) قد تضمنت معنى (ما) أنه قد يعود إليها الضمير مما بعدها كما يعود إلى (ما)، قال المتنخل الهذلي:
إذا سدته سدت مطواعة ومهما وكلت إليه كفّاة (١)
ف (الهاء) في كفاه عائد إلى (مهما)، كما تعود إلى (ما)، ولا يكون مثل هذا العائد في أين ومتى، لا تقل: أين تكن أكن فيه، ولا متى تأتني آتك فيه وأما كيف، فإن الخليل قال في المجازاة بها: هي مستكرهة، ولم يحتج لذلك، بل قوّى المجازاة بها حين قال: معناها:
على أي حال تكن أكن.
قال أبو سعيد: أحتاج أن أبين أن (كيف) حقيقتها وموضوعها، إنه اسم غير ظرف وإن كان قد يؤدي معناها قولهم (على أي حال)، والدليل على ذلك إذا قلت: كيف هذا الثوب؟ فالجواب أن يقال: خشن أو لين أو طويل أو قصير ونحو ذلك.
وكذلك إذا قال: كيف زيد؟ فالجواب: سمح، أو صعب، أو شجاع أو جبان أو ما أشبه ذلك.
ولو قال: على أي حال زيد؟ لقلت: على حال شدة أو على حال رخاء وهذا ما يقتضيه لفظ السؤال.
ولو كان (كيف) ظرفا، لم يمتنع دخول حروف الجر عليه كدخولها على متى وأين في قولك: إلى متى يكون هذا؛ ومن أين أقبلت؟
فلو قال قائل: كيف زيد؟ فقيل في جوابه: على حال سيئة، أو على حال صفة لجاز، وليس بجوابه على الحقيقة والموضوع، ولكن يجوز ذلك لأن معناها معنى سيئ الحال أو حسن الحال الذي هو الجواب المطابق للسؤال ب (كيف).
وقد اختصت (كيف) بأشياء ليست في نظائرها.
منها أنها اسم ليس بظرف، لا يكون لها عائد، ولا يخبر عنها كمن، وما، وأي، تقول: من ضربته؟ وما أكلته؟ وأيّ أثبته؟ وتقول: من في الدار؟ وما عندك؟ وأيّ خلفك؟
ولا تقل: كيف ضربته؟ و(الهاء) عائدة إلى (كيف)، ولا كيف في الدار؟ كما قلت: من في الدار، على الابتداء أو الخبر.
ومنها أنه لا يكون جوابها إلا نكرة، وجواب أخواتها يكون معارف ونكرات يقول
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢/ ٣٠، الخزانة ٩/ ٢٦؛ ابن يعيش ٧/ ٤٣.
[ ٣ / ٢٦١ ]
القائل: كيف زيد؟ فيقال له: سخي أو بخيل أو شجاع أو جبان، ولا يجوز أن يقال:
السخي، ولا البخيل ولا الشجاع ولا الجبان.
وقد يقال في جواب (من زيد؟): أخوك، وزيد أخوك.
ويقال في جواب (ما طعامك؟): اللحم والخبز، ويقال: لحم وخبز، وقد يقال في جواب (أي الناس زيد؟): أخوك، أو هذا، أو نحوهما من المعارف.
ويقال: رجل بجنبك. ورجل في دارك، أو نحو ذلك من النكرات.
فأما مع المجازاة بها، ففيه قولان: أحدهما: أنه لما كان أخواتها معارف ونكرات، وقصرت هي على أحد الأمرين، ضعفت عن التصريف بها في المجازاة، فالقول الآخر أنها لما لم يخبر عنها، ولا يعود إليها، كما يكون ذلك في: من، وما، وأي، ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة، ولم تكن ضرورة مضطر إليها في المجازاة إذ كانت (على أي حال) تغني عنها كما قد ذكرناه.
وتركوا المجازاة ب (كم) لأن (ما) و(من) تغنيان عنها، لأنهما في المجازاة لقليل ما يقعان عليه وكثيرة، ألا ترى أنك إذا قلت: كما تسر أسر، فمعناه: إن يسر قليلا أسر مثله، وإن يسر كثيرا أسر مثله، وليس المتكلم بعالم كمن يسير، ولا هو مستدع من المخاطب تعريفه مقدار سيره، وإنما وضعت (كم) ليتعرف بها المتكلم مقدار ما يسأل عنه ليقف عليه.
وأما المجازاة ب (إذا) فإن ما منع من المجازاة بها إلا في الشعر، أن الذاكر لها في الكلام كالمعترف بأنها كائنة، كقولك: إذا طلعت الشمس فأتني؛ فالمتكلم معترف بطلوع الشمس، وحق ما يجازى به ألا يدرى أيكون أم لا يكون، كقولك: إن قدم زيد زرته، وإن تمطر اليوم نجلس للحديث، ولا يدري أتمطر اليوم أم لا؛ ولذلك حسن: إذا احمر البسر فأتني، وقبح: إن احمر البسر فائتني، لإحاطة العلم أن احمر البسر كائن.
وإنما جاز المجازاة بها في الشعر لأنها قد شاركت (إن) في الاستقبال، ولأن وقتها غير معلوم، فأشبهت- لجهالة وقتها- ما لا يدري أيكون أم لا. وقد نستعمل (إذا) في الموضع الذي يحسن فيه (إن)، ولا يتبين بينهما فرق للمشابهة التي بينها، وكذلك تستعمل (إن) في موضع (إذا)؛ قد يقول القائل: إن متّ فأخرجوا ثلث مالي للفقراء والمساكين، وقال الله﵎-: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ (١) والموت كائن لا محالة،
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
وقال الشاعر:
كم شامت بي أن هلكت وقائل: لله درّه (١)
وقال آخر:
إذا أنت لم تنزع عن الجهل والخنا أصبت حليما أو أصابك جاهل (٢)
وقد يجوز أن ينزع، ويجوز ألا ينزع، ولا يحيط العلم بأي ذلك يكون.
وقولهم: إن مات زيد كان كذا، أحسن من قولك: إن احمر البسر، لأن الموت وإن كان معلوما أنه كائن فلا يعرف وقته، واحمرار البسر معروف الوقت.
وأما قوله:
إذا لم تزل في كلّ دار (٣)
فإن أبا عمر الجرمي كان يفسره: إذا لم تزل المرأة في كل دار عرفتها لها يسكب واكف من دمع عينيك؛ وخبر (لم تزل المرأة): في كل دار؛ وجواب (إذا): يسكب المضمرة قبل (واكف)، وتفسيره (يسكب) الذي في آخر البيت؛ ومثله في الكلام لو تكلم به: إذا لم يزل زيد قائما عمرو يقم، على معنى: يقم عمرو يقم. وقرب (واكف) من المعرفة لأنه موصول منعوت بقوله: من دمع عينيك.
وقال الأخفش: إذا لم تزل عينك في هذه الدار واكف سجمت، وجعل (لها واكف) خبر (لم تزل) و(تسجم) جواب (إذا) وذكرت: يسكب، ويسجم، لأن البيت يروى على الوجهين.
وقوله: وينجزم الجواب بما قبله، ويجوز أن يكون بجملة ما قبله، وهو (إن) والشرط، ويحتمل أن يكون ب (إن) وحدها؛ والاختيار عندي أن يكون ب (إن) وحدها، وقد مضى ذكر اختياري رفع خبر الابتداء بالابتداء.
وأما قول الخليل: (إن) هي أم حروف الجزاء، فلأنها تدخل على الجزاء. في جميع وجوهه، وليست كذا سائر ما
يجازى به، لأن (من) يجازى بها فيما يعقل، و(ما) فيما لا يعقل، و(أي) فيما يبعض، و(متى) للزمان، و(أين) و(حيثما) للمكان، (وأنى) نحو من ذلك، و(إذ ما) يتكلم بها القليل منهم، وما كل العرب تعرفها.
_________________
(١) البيت ورد منسوبا للنابغة الجعدي في ديوانه ١٩١؛ ابن يعيش ٩/ ٤.
(٢) البيت ورد منسوبا لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٣٠.
(٣) البيت ورد منسوبا إلى رجل من بني سلول، سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
ومما يدل على أن (إن) أم حروف الجزاء، أنها قد يسكت عليها ويحذف الشرط بعدها والجواب، ولا يفعل ذلك بغيرها، يقول القائل: لا آتى الأمير لأنه جائر، فيقال: ائته وإن: وكذلك: لا أصلي خلف فلان لأنه أعمى، فيقال: صل خلفه وإن؛ يراد بذلك: وإن كان جائرا، وإن كان أعمى فصل خلفه، وأنشد بعض النحويين في ذلك:
قالت سليمى ليت لي بعلا يمن يغسل عن جلدي وينسينّي الحزن
وحاجة ليس لها عندي ثمن مستورة قضاؤها منه ومن
قالت بنات العمّ يا سلمى وإن كان عييّا معدما قالت وإن (١)
والذي أحوج إلى إدخال (الفاء) في جواب الجزاء، أن أصل الجواب أن يكون مستقبلا، لأنه شئ مضمون فله إذا فعل الشرط، أو وجد مجزوما ملتبسا بما قبله من الشرط، ف (إن) هي التي تربط أحدهما بالآخر، ثم عرض في الكلام أن يجازى بالابتداء والخبر لنيابتهما عن الجواب، و(إن) لا تعمل فيهما، ولا يقعان موقع فعل مجزوم؛ فآتوا بحرف يقع بعده الابتداء والخبر، وجعلوه مع ما بعده في موضع الجواب، وذلك قولك: إن تزرني فعندي سعة، وإن تأتني فالمنزل لك؛ واختاروا (الفاء) دون (الواو) ودون (ثم) لأن حق الجواب أن يكون عقيب الشرط متصلا؛ لأنه بالشرط يستوجب، ومن أجل وقوعه يقع، و(الفاء) توجب ذلك لأنها في العطف بعد الذي قبله، متصل به؛ وتركوا (الواو) لأنها لا تدل على الترتيب؛ وعدلوا عن (ثم) لأن بينها وبين ما قبلها أكثر من مهلة (الفاء).
وقد حذفت العرب (الفاء) في الجواب في ضرورة الشاعر، وسهل ذلك أن أصل الجواب لا يكون فيه (فاء) على ما ذكرناه، وتقديره: من يفعل الحسنات فالله، ويروى:
فالرحمن، والذي قبله: من يفعل الخير فالرحمن يشكرها؛ وليس في هذه الرواية ضرورة «وينكع العنز ظالما» تقديره: فهو ظالم؛ ويكثر في المجازاة حذف المبتدإ بعد (الفاء) لأنه يجري ذكره في الشرط كقولك: إن تأتني فمحبوب؛ لأن المخاطب قد جرى ذكره في الشرط كقولك: إن تأتني فمحبوب، وإن يزرني زيد فمكرم، تقديره:
فأنت محبوب، لأن المخاطب قد جرى ذكره في (تأتني)، وإن يزرني زيد فهو مكرم، لأنه قد جرى ذكره.
وأما قوله: إن تأتني لأفعلن، ففيه وجهان:
_________________
(١) الأبيات منسوبة إلى رؤبة بن العجاج في ديوانه ١٨٦؛ والخزانة ٣/ ٣٦٠.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
الأول: تقدير (الفاء). إن تأتني فلأفعلن.
والآخر: نية التقديم. كأنه قال: لأفعلن إن تأتني.
وكلاهما غير حسن، أما حذف (الفاء) فقد ذكرناه آنفا، وأما التقديم فإنه لا يحسن مع جزم الشرط ب (إن)، فإذا لم ينجزم بها حسن كقولك: إن أتيتني لأكرمنك، وإن لم تأتني لأغمنك؛ ومن أجل هذا ألزموا الشرط الفعل الماضي في اليمين، كقولك: والله لئن أتيتني لأكرمنّك، وو الله لئن جفوتني لا أزورك، لأن جواب اليمين يغني عن جواب الشرط، ويبطل جزمه، ويصير بمنزلة ما ذكر قبله، كأنه قال: والله لا أزورك؛ وإنما صارت (إن) إذا جزمت اقتضت مجزوما بعدها، لأنها بجزمها ما بعدها يظهر أنها تجزم، وجزمها يتعلق بفعلين، فإذا لم يظهر جزمها في الثاني صارت بمنزلة حرف جازم لا يؤتى بعده بمجزوم؛ ومن أجل ذلك قال الله﵎-: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١) فقال: لنكونن، لأن جزم (تغفر) بلم لا ب (إن)؛ وقال: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢). لما كانت (إن) هي الجازمة ل (تغفر).
وأما قوله:
هذا سراقة للقرآن يدرسه (٣)
فذكر الأصمعي أن هذا البيت قديم، وأن أبا عمرو أنشده إياه، و(الهاء) في (يدرسه) للمصدر تقديره: للقرآن يدرس درسا، وكني عن الدرس.
ولو قلنا: ضربته زيدا على هذا التأويل لجاز تقديره: ضربته الضرب زيدا وكني عنه، لأن الضرب قد دل عليه ضربت، ولا يحسن أن تكون (الهاء) ضمير القرآن، لأن القرآن وإن كانت فيه (اللام)، فقد جعل بمنزلة المفعول، واللام في صلة (يدرس)؛ ولو قلت:
القرآن يدرسه لم يجز أن ينصب القرآن بيدرس، و(الهاء) ضميره.
وكذلك قول الله﷿-: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (٤)، ولا يجوز (يرهبونه) و(الهاء) للرب- جل وعز-، ومثل هذا قول زهير بن جناب:
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.
(٢) سورة هود، الآية: ٤٧.
(٣) صدر بيت سبق تخريجه.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٤.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية (١)
على معنى: قد نلت النيل، وحق الكلام: من كل ما نال الفتى قد نلت، كأنه قال: كل ما نال الفتى قد نلت؛ ومن أجل (الهاء) كان الأصمعي ينكر هذه الرواية، ويروي:
ولكل ما نال الفتى قد نلته
وكان لا يتوهم في (نلته) المصدر.
وأما جعلهم (إذا) في موضع (الفاء) في الجواب، فيمكن أن يكون تشبيها ب (إذا) التي للمفاجأة؛ لأن الشرط يؤدي إلى الجواب، فكأنه هجم عليه وأثاره. وكذلك طريق المفاجأة، ألا ترى أنك إذا قلت: " أصابتهم سيئة فإذا هم يقنطون " (٢) كانت مفاجأة؛ وإصابة السيئة هجمت بهم على القنوط، وإذا دخل حرف الجزاء صار شرطا وجزاء، واكتفى ب (إذا) من (الفاء)، واستقبح ذكر (الفاء) معها في المجازاة.
وقد يجزم الجواب وإن كان الشرط غير مجزوم، وأحسن ذلك أن يكون الشرط ب (كان) لقوة (كان) في باب المجازاة، ووقوعها على كل ماض ومستقبل، وذلك في قول الله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها (٣)، ولولا (كان) لم يقو إلّا الاستقبال، لأن قولك: (إن تأتني آتك) أحسن من (إن أتيتني آتك)، وإنما يجيء في الشعر أكثره.
وقول سيبويه: إن تأتني فأكرمك، (أكرمك) عنده مرفوع، لأنه واقع موقع الابتداء، أي: فأنا أكرمك، وإنما ذهب إلى هذا لأن دخول (الفاء) إنما احتيج إليه بسبب المبتدإ والخبر على ما ذكرته قبيل هذا الفصل، ولولا ذلك لقال: إن تأتني أكرمك، وباقي الباب مستغن عن شرحه بوضوح كلام سيبويه أو شرح نظيره.