وذلك قولك: أإن تأتني آتك، ولا تكتفي بمن لأنها حرف جزاء، ومتى مثلها؛ فمن ثمّ أدخلت عليه الألف، تقول: أمتى تشتمني أشتمك وأ من يقل ذاك أزره، وذلك لأنك أدخلت الألف على كلام قد عمل بعضه في بعض فلم تغيرّه،
وإنما الألف بمنزلة الواو والفاء ولا ونحو ذلك لا يغيرّ الكلام عن حاله، وليست كإذ وهل وأشباههما ألا ترى أنها تدخل على المجرور والمنصوب والمرفوع فتدعه على حاله ولا تغيّره عن لفظه المستفهم، ألا ترى أنه يقول: مررت بزيد، فتقول: أزيد، وإن شئت قلت: أزيد تأتيه، وكذلك تقول في الرفع والنصب، وإن شئت أدخلتها على كلام المخبر، ولم تحذف منه شيئا، وذلك إذا قال: مررت بزيد، قلت: أمررت بزيد، ولا يجوز ذلك في هل وأخواتها.
لو قلت: هل مررت بزيد، كنت مستأنفا، ألا ترى أن الألف لغو، فإن قيل: فإن الألف لا بد لها من أن تكون معتمدة على شيء، فإن هذا الكلام معتمد لها، كما يكون صلة للذي إذا قلت: الذي إن تأته يأتك زيد، فهذا كله وصل.
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٨١ ]
فإن قال: الذي إن تأته يأتيك زيد، واجعل يأتيك صلة الذي لم يجد بدا من أن يقول: أنا إن تأتني آتيك؛ لأن أنا لا يكون كلاما حتى يبنى عليه شيء وأما يونس، فيقول: أإن تأتني آتيك، وهذا قبيح يكره في الجزاء.
وإن كان في الاستفهام، وقال الله تعالى-: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (١) ولو كان ليس موضع جزاء قبح (إن) كما تقبح أن تقول: أتذكر إن تأتني آتيك، فلو قلت:
إن أتيتني آتيك على القلب كان حسنا.
قال أبو سعيد: ألف الاستفهام تدخل على الجمل، وتدخل بين العامل والمعمول فيه، ولا تعمل هي شيئا، فأشبهت واو العطف، وفائه التي يكون بعدها المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، والشرط والجزاء، وأشبهت أيضا (لا) التي تدخل على الجمل، وبين العامل والمعمول فيه، وهي لا تعمل شيئا، كقولنا: لا زيد منطلق ولا عمرو شاخص، ومررت برجل لا ذاهب ولا شاخص، وهذا غلام لا شجاع ولا جواد، وقد تقدم ذكر المجازاة بعد (لا).
وتقول: بكم رجلا مررت أثلاثة أم أربعة فلا تمنع الألف خفض ما بعدها بما قبلها، وإذا قال القائل: مررت بزيد، فقيل له: أزيد، فهذا المخفوض محمول على الكلام الأول.
وفصل سيبويه بين ألف الاستفهام وبين هل بما ذكره في الألف مما ليس في هل، وقوله: «ألا ترى أن الألف لغو» يريد دخولها بين العامل والمعمول فيه، كدخول ما، ولا في قول الله- تعالى-: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (٢).
وأما قول سيبويه: «إن هذا الكلام معتمد لها» يعني ما بعد ألف الاستفهام من الشرط والجزاء معتمد لها، كما يعتمد على الابتداء والخبر في قولك: أزيد منطلق، وكما يعتمد الذي في صلتها على الشرط والجزاء، والابتداء والخبر، إلا أن (الذي) يحتاج إلى عائد، لأنها اسم وألف الاستفهام لا تحتاج إلى العائد، ولا يحسن أن تقول: الذي إن
تأته يأتيك زيد، كما لا يحسن أنا إن تأتني آتيك، لأنك إن قدرت الفاء في آتيك، فحذفها قبيح، وإن قدرت تقديمها فجزم تأتيني قبيح وليس بعدها جواب، وحسن هذا وقبحه وهو في الصلة، أو في موضع خبر مبتدإ كحسنه وقبحه لو كان مبتدأ، إذا قلت إن تأتني آتيك
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٣٤.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٥٥.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
ولا فصل بينهما؛ ولهذا قبّح سيبويه ما قاله يونس: أإن تأتني آتيك، لأن يونس أجاز هذا مع ألف الاستفهام، وهو قبيح إذا لم تكن قبله ألف الاستفهام، فقبّحه سيبويه لأن ألف الاستفهام لا تغير المجازاة عن حكمها، كما لا تغير (الذي)، والابتداء حكم المجازاة بعدهما، وقول الله﷿-: أَفَإِنْ مِتَّ [الأنبياء: ٣٤] شاهد لحسن المجازاة بمن وأخواتها بعد ألف الاستفهام، كما أن فتح إن بعد إذ في: أتذكر إذ أن تأتني آتيك، موجب قبح أتذكر إذ من يأتنا نأته، ولو جعلت الفعل بعد أن ماضيا حسن لأنه يصير التقدير: أتذكر إذ آتيك إن أتيتني، فيكون الذي يلي إذ آتيك، وهو كلام وباقي الباب مفهوم.