قال سيبويه: " وذلك اللام، في قولك: جئتك لتفعل. وحتى، وذلك قولك: تكلّم حتى أجيبك، فإنّما انتصب هذا بأن، وأن هاهنا مضمرة؛ ولو لم تضمرها لكان الكلام محالا؛ لأنّ اللام وحتى إنّما يعملان في الأسماء فيجرّان، وليسا من الحروف التي تضاف إلى الأفعال، فإذا أضمرت أن حسن الكلام؛ لأنّ أن وتفعل بمنزلة اسم
[ ٣ / ١٩٣ ]
واحد، كما أنّ الذي وصلته بمنزلة اسم واحد؛ فإذا قلت: هو الذي فعل، فكأنك قلت: هو الفاعل، وإذا قلت: أخشى أن تفعل، فكأنك قلت: أخشى فعلك. أفلا ترى أنّ أن تفعل بمنزلة الفعل، فلمّا أضمرت أن كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما؛ لأنهما لا يعملان إلا في الأسماء ولا يضافان إلا إليها، وأن تفعل بمنزلة الفعل.
وبعض العرب يجعل كي بمنزلة حتّى، وذلك أنهم يقولون: كيمه؟ في الاستفهام، فيعملونها في الأسماء كما قالوا: حتّامه؟ وحتّى متي؟ ولمه؟
فمن قال: كيمه فإنّه يضمر أن بعدها، وأمّا من أدخل عليها اللام ولم يكن من كلامه كيمه فلأنّها عنده بمنزلة أن، ويدخل عليها اللام كما يدخل على أن. ومن قال: كيمه جعلها بمنزلة اللام.
واعلم أنّ أن لا تظهر بعد حتى وكي، كما لا يظهر الفعل بعد أمّا في قولك: أمّا أنت منطلقا، وقد ذكر حالها فيما مضى. واكتفوا عن إظهار أن بعدهما بعلم المخاطب أنّ هذين الحرفين لا يضافان إلى فعل، وأنّهما ليسا ممّا يعمل في الفعل، وأن الفعل لا يحسن بعدهما إلا أن يحمل على (أن)، ف (أن) هاهنا بمنزلة الفعل في أمّا، وما كان بمنزلة أمّا ممّا لا يظهر بعده الفعل، فصار عندهم بدلا من اللفظ ب (أن).
وأمّا اللام في قولك: جئتك لتفعل فبمنزلة إن في قولك: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ؛ وإن شئت أظهرت الفعل هنا، وإن شئت خزلته وأضمرته، وكذلك أن بعد اللام إن شئت أظهرته وإن شئت أضمرته.
واعلم أنّ اللام قد تجيء في موضع لا يجوز فيها الإظهار، وذلك: ما كان ليفعل، فصارت أن هاهنا بمنزلة الفعل في قولك: إيّاك وزيدا، وكأنك إذا مثّلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل، أي ما كان زيد لهذا الفعل. فهذا بمنزلته، ودخل فيه معنى نفي كان سيفعل، فإذا قال هذا قلت: ما كان ليفعل، كما كان لن يفعل نفيا لسيفعل، وصارت بدلا من اللفظ بأن كما كانت ألف الاستفهام بدلا من واو القسم في قولك: الله لتفعلنّ، فلم يذكروا إلا أحد الحرفين إذ كان نفيا لما معه حرف لم يعمل فيه شيئا فكأنه قد ذكر أن. كما أنه إذا قال: سقيا له، فكأنه قال: سقاه الله ".
قال أبو سعيد: قال الكوفيّون في جئت لأكرمك: اللام هي الناصبة لأكرمك، وهي بمنزلة أن، وليست هي لام
الخفض التي تعمل في الأسماء، ولكنّها لام تفيد الشّرط
[ ٣ / ١٩٤ ]
وتشتمل على معنى كي، فإذا أتت كي مع اللام فالنصب للام، وكي مؤكّدة لها، وإذا انفردت كي فالعمل لها، وإن جاءت أن مظهرة بعد كي فهو جائز عند الكوفيين، وصحيح عندهم أن يقال: جئت لكي أن أكرمك، ولا موضع ل " أن " لأنّها تؤكد اللام كما أكّدتها كي، واحتجّوا بقول الشاعر:
أردت لكي ما أن تطير بقربتي فتتركها شنّا ببيداء بلقع (١)
وأجازوا ظهورها بعد حتى كظهورها بعد كي، والنصب عندهم ب (حتى) كالنصب بأن وكي ولا ضمير بعدها.
وقالوا: إن قيل لأسيرنّ حتى أن أصبح بالقادسيّة؛ فهو جائز، والنصب ب (حتّى)، وأن توكيد ل " حتى " كما كانت توكيدا لكي.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب قولا خالف فيه أصحابه ولم يوافق البصريين، قال: في جئت لأكرمك، وسرت حتى أصبح بالقادسية، وقصدتك كي أكرمك. إنّ المستقبل منصوب بكي ولام كي وحتّى لقيامهنّ مقام أن.
ومما احتجّ به الكوفيون أنّهم قالوا: لو كانت اللام الداخلة على الفعل هي اللام الخافضة لجاز أن تقول: أمرت بتكرم، على معنى أمرت بأن تكرم؛ فالجواب عن هذا أنّ حروف الجرّ لا تتساوى في ذلك، واللام تدخل على المصادر التي هي أعراض الفاعلين في أفعالهم، وهي شاملة يحسن أن تسأل عن كل فعل، فيقال: لم فعلت؛ لأن لكلّ فاعل غرضا في فعله، وباللام يخبر عنه ويسأل عنه، وحتّى وكي في ذلك المعنى. ألا ترى أنك تقول: مدحت الأمير ليعطيني، وكي يعطيني، وحتى يعطيني، ومعناها كلّها واحد، وقد يخفّف ما يكثر في كلامهم ويحذف منه أكثر الخبر، وممّا يحذف ما لم يكثر، وهم يحتجّون في الحذف والتّخفيف بالكثرة، كحذف لام الأمر وتاء المخاطب في أمر المواجه عندهم نحو: قم واذهب، والأصل لتقم ولتذهب، وأيش عندك، والأصل أي شيء عندك، ولم يكثر غير اللام في ذلك فيخفّف، وعلى أنّ هشام بن معاوية حكى عن الكسائي عن العرب: لا بدّ من يتبعها، بمعنى لا بدّ من أن يتبعها.
وأما ما ذكره الشاعر من ظهور أن بعد كي فضرورة يجوز أن يكون الشاعر ذهب بها مذهب بدل أن من كيما؛ لأنّهما بمعنى واحد، كما يبدل الفعل من الفعل إذا كان في معناه، وعلى أنّ البيت غير معروف ولا معروف قائله.
_________________
(١) البيت في الخزانة ١/ ١٦، ٨/ ٤٨١، ٤٨٤؛ ابن يعيش ٧/ ١٩، ٩/ ١٦.
[ ٣ / ١٩٥ ]
وزعم الكوفيون أنّ (مه) في (كيمه) و(حتّامه) ليست مخفوضة ولكنها منصوبة على مذهب المصدر، كقول القائل: أقوم كي تقوم، سمعه المخاطب ولم يفهم يقوم فقال:
كيمه، يريد كي ماذا، والتقدير: كي يفعل ماذا، فموضع مه نصب على جهة المصدر والتشبيه به، وليس لكي في مه عمل جرّ.
قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه؛ لأنّ سقوط الألف من ما في الاستفهام إنما يكون إذا كانت ما في موضع خفض واتصل بها الخافض، وإذا كانت ما استفهاما وقعت صدر الكلام ولم تسقط منها الألف كقولك: وما تصنع، ولا يجوز وم تصنع؟ ولو كان على ما قاله الكوفيون لجاز أن تقول أن مه، ولن مه، وإذن مه، إذا لم يفهم المستفهم ما بعد هذه الحروف من الفعل؛ لأنه إنما يسأله عن مصدر، والمصدر في الأفعال بعد أن وإذن ولن، وبعد كي وحتّى واحد، ولام الجحد عند سيبويه بمنزلة لام كي في إضمار أن بعدها، وبينهما فصل في إظهار أن بعدهما، فاستحسن ظهورها بعد لام كي ولم يجز ظهورها بعد لام الجحد؛ وإنما قبح ظهورها بعد لام الحجد لأنها نقيض فعل ليس تقديره تقدير اسم، ولا لفظه لفظ اسم، وهو السين وسوف، فإذا قلنا: ما كان زيد ليخرج فهو قبل الحجد: كان زيد سوف يخرج، أو سيخرج، فإذا قلنا ما كان زيد لأن يخرج بإظهار أن فكأنّا جعلنا مقابل سوف يخرج وسيخرج اسما، فكرهوا إظهار أن لذلك.
ووجه آخر: وهو أنّ تقديره عندهم: ما كان زيد مقدّرا الآن يخرج، أو مستعدّا، أو هامّا، أو عازما، أو نحو ذلك من التقديرات التي توجب المستقبل من الفعل، وأن توجب الاستقبال، فاستغني بما تضمّن الكلام من تقدير الاستقبال من ذكر أن، وأمثّل هذا بما يكشفه؛ يقول القائل: عبد الله عمّي، فيقال له: ما كان عبد الله عمّك، ويقول القائل:
عبد الله يصوم ويصلّي، فيقال: ما كان عبد الله يصوم ويصلّي، بغير لام، ويقول القائل:
عبد الله يهمّ أن يقوم، ويريد أن يقوم، فيقال له: ما كان عبد الله ليقوم، ومنه قوله ﷿: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣]. وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]. كأنّ قائلا قال: هل الله يريد أن يعذّبهم؟ وهل الله يريد أن يضلّ قوما بعد إذ هداهم؟ فجعلت اللام علما لهذا المعنى.
وقد فرّع أصحابنا على هذا مسائل؛ يقال: لم تركت زيدا وكان سيعطيك، ولو لم تلزمه كان أن يسعفك، ونحوه: كان عبد الله على أن يأتيك، وكان يقدّر أن يكرمك مكان لن يكرمك، كلّ هذا جيد بالغ مقيس، وبنيت هذه المسائل على تقدير ما كان
[ ٣ / ١٩٦ ]
يقال لزيد ويخبر به عنه في تلك الحال.
وقال الكوفيون: لام الجحد هي العاملة بنفسها، وأجازوا تقديم المفعول كقولك:
ما كنت زيدا لأضرب، وأنشدوا:
لقد عذلتني أمّ ولم أكن مقالتها ما كنت حيّا لأسمعا (١)
وهذا يحمل على إضمار فعل كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، وبيّن ما أضمر بقوله لأسمعا، كما قال:
وإنّى امرؤ من عصبة خندفيّة أبت للأعادي أن تديخ رقابها (٢)
فاللام في الأعادي لا تكون في صلة تديخ، فيقدّر فعل قبله تقديره: أبت أن تديخ رقابها للأعادي. وباقي الباب مفهوم، أو ممّا ذكر تفسيره في غير هذا الباب.