فمن تلك الحروف حسبك وكفيك، وشرعك وأشباهها.
نقول: حسبك ينم الناس، ومثل ذلك: (اتقّي الله أمرؤ وفعل خيرا يثب
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٧٣.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٤.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
عليه) (١)، لأن فيه معنى ليتق الله امرؤ، وليفعل خيرا، وكذلك ما أشبه هذا.
وسألت الخليل عن قول الله﷿- فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢).
فقال هذا كقول زهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (٣)
فإنما جروا هذا لأن الأول قد تدخله الياء، فجاءوا بالثاني وكأنهم قد أثبتوا في الأول (الباء)، وكذلك هذا لما كان الذي قبله يكون جزما، ولا (فاء) فيه. تكلموا بالثاني وكأنهم قد جزموا قبله فعلا توهموا ذلك. وأما قول عمرو بن عمار الطائي:
فقلت له صوّب ولا تجهدنّه فيدنك من أخرى القطاة فتزلق (٤)
فهذا على النهي- كما قال: لا يمددها فتشققها، كأنه قال: لا يدنينّك من أخرى القطاة، ولا تزلقن ومثله من النهي: لا يرينّك هاهنا، ولا أرينّك هاهنا.
وسألته عن: آتي الأمير لا يقطع الّلصّ، فقال: الجزاء هاهنا خطأ، لا يكون الجزاء أبدا حتى يكون الكلام غير واجب، إلا أن يضطرّ شاعر، ولا نعلم هذا جاء في شعر البتّة، وسألته عن قوله: أمّا أنت منطلقا أنطلق معك، فرفع وهو قول أبي عمرو وحدثنا به يونس، وذلك لأنه لا يجازى بأن كأنه قال: لأن صرت منطلقا أنطلق معك وسألته عن قوله: ما تدوم لي أدوم لك، فقال: ليس في هذا جزاء من قبل أن الفعل صلة لما، فصار بمنزلة الذي، وهو بصلته كالمصدر يقع على الخبر، كأنه قال:
أدوم لك دوامك لي، وما دمت بمنزلة الدّوام ويدلك على أن الجزاء لا يكون هاهنا، أنك لا تستطيع أن تستفهم بما يدوم على هذا الحد.
ومثل ذلك: كلما تأتيني آتيك، والإتيان صلة ل (ما)، كأنه قال:
كلّ إتيانك آتيك، وكلما تأتيني، يقع أيضا على الحين كما كان (ما تأتيني) يقع على الحين، ولا يستفهم بكلما، كما لا يستفهم بما تدوم.
وسألته عن قوله: الذي يأتيني فله درهمان، لم جاز دخول الفاء هاهنا والذي
_________________
(١) قول لبعض العرب. انظر التصريح ٢/ ٢٤٣؛ الأشموني ٣/ ٣١١.
(٢) سورة المنافقون، الآية: ١٠.
(٣) البيت في ديوانه ٢٨٧، الخزانة ٣/ ٦٦٥؛ الكتاب ٣/ ١٠١.
(٤) البيت في ديوانه ١٧٤، الكتاب ٣/ ١٠١.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
يأتيني بمنزلة عبد الله- وأنت لا يجوز لك أن تقول: عبد الله فله درهمان؟ فقال: إنما يحسن في الذي لأنه جعل
الآخر جوابا للأول، وجعل الأول به يجب له الدرهمان، فدخلت الفاء هاهنا، كما دخلت في الجزاء، إذا قلت: إن يأتني فله درهمان، وإن شاء قال: الذي يأتيني له درهمان، كما تقول: عبد الله له درهمان، غير أنه إنما أدخل الفاء لتكون العطية مع وقوع الإتيان، فإذا قال: له درهمان، فقد يكون ألا يوجب له ذلك بالإتيان، فإذا أدخل الفاء، فإنما يجعل الإتيان سبب ذلك، فهذا جزاء وإن لم يجزم لأنه صلة، ومثل ذلك قولهم:
كل رجل يأتينا فله درهمان، ولو قال: كل رجل فله درهمان كان محالا.
لأنه لم يجئ بفعل، ولا بعمل يكون له جواب.
ومثل ذلك قول الله- تعالى-: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (١) وقال﵎-: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (٢).
وسألت الخليل عن قول الله- تبارك اسمه-: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها (٣) أين جوابها؟ وعن قوله- جل ثناؤه-: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ (٤)، وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (٥) فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر في كلامها لعلم المخبر لأي شيء وضع هذا الكلام.
وزعم أنه وجد في أشعارها «ربّ» لا جواب لها. من ذلك قول الشماخ:
ودويّة قفر تمشيّ نعامها كمشي النّصارى في خفاف اليرندج (٦)
فهذه القصيدة التي فيها هذا البيت لم يجئ فيها جواب (رب) لعلم المخاطب أنه يريد: قطعتها، أو ما فيه هذا المعنى.
قال أبو سعيد: أما قوله حسبك وكفيك وشرعك: فهي أسماء مبتدأة وأخبارها
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.
(٢) سورة الجمعة، الآية: ٨.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٧١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٥.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ٢٧.
(٦) البيت في ديوانه ٨٣؛ الكتاب ٣/ ١٠٤.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
محذوفة لعلم المخاطب بها، وذلك أنه لا يقال شيء من هذا إلا لمن كان في عمل قد بلغ فيه كفاية، فيقال له هذا ليكنّ ويكتفي بما قد عمله منه، وتقديره حسبك هذا، وحسبك ما قد عملته ونحوه، ومعناه كله معنى (اكتف). وقد حكى
أبو عمرو (شرعك) منصوب إذا نهاه، وفيه معنى المرفوع لأن المرفوع يراد به الكف عن الفعل وقطعه، و(ينم الناس) جواب لأن معناه معنى الأمر، وإن كان مبتدأ، وقوله: اتقى الله أمرؤ، وإن كان لفظه لفظ الخبر، فمعناه الأمر، لأن هذا بقوله الواعظ لمن يسمع كلامه، وليس قصده أن يخبر عن إنسان بأنه قد اتقى الله، ومثله: غفر الله لزيد، ورحمه، لفظه الخبر ومعناه الدعاء، وأما من قرأ:
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١)، والأصل في الجواب أن يكون بغير فاء، والذي يقرأ «وأكون» يعطفه على ما بعد الفاء، ومثاله في الاسم: إن عندك زيدا وعمرو وعمرا، عطفا على موضع (إن)، وعلى المنصوب بعد (إن) وأما استشهاده ببيت زهير، فالخفض في البيت قبيح جدا، لأنه خافض قبله يخفضه، ولا مخفوض يعطف عليه، ولا شيء موضعه خفض، فيعطف على الموضع لأن الباء إذا أتى بها فموضعها نصب، فإذا حذفت ونصب الاسم بعدها، فقد وقع الاسم المنصوب موقعه ولا موضع لغير النصب، ألا ترى أنا إذا قلنا: تعلقت بزيد وعمرا، عطفنا (عمرا) على موضع الباء، ولا يقال تعلقت زيدا وعمرو، ولا يحسن لأن المنصوب ليس في موضع خفض، والخفض في البيت قبيح جدا، والذي في كتاب الله﷿- مستحسن جيد، والذي حملت على الموضع مما لا يحتاج فيه إلى تغيير لفظ العامل، فهو أحسن مما يحتاج فيه إلى تغيير لفظه، فمما لا يحتاج فيه إلى تغيير لفظ العامل قولك: ليس زيد بجبان ولا بخيلا، بخيلا معطوف على موضع الباء، ولا يحتاج في نصب (بخيلا) إلى تغيير (ليس)، وكذلك إذا عطفنا (أكن) على موضع الفاء، لم تغير «لولا أخّرتني» عن لفظه؛ ومما يحتاج إلى تغيير اللفظ قوله:
جيئوا بمثل بني زيد لقومهم أو مثل أسرة (٢)
تجعل مكان جيئوا: أو هاتوا مثل أسرة، وكذلك قوله:
أعنّي بخوار العنان
_________________
(١) سورة المنافقون، الآية: ١٠.
(٢) البيت منسوب لجرير وروايته في ديوانه جئني بمثل بني بدر لقولهم أو مثل أسرة منظور بن سيار
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وأبيض مصقول السّطام (١)
على معنى: أو هات أبيض مصقول السّطام؛ وقوله: آتي الأمير لا يقطع اللصّ، رفع (يقطع) لأن الذي قبله كلام موجب، وإخبار مطلق، وليس قبله شرط ولا أمر ولا نهي ولا استفهام، ولو اضطر شاعر فجزم (يقطع) لجاز
على معنى أن آته لا يقطع اللصّ، وكأنه قد اعتقد أن إتيانه إياه هو سبب لا يقطع اللصّ من أجله، فصار بمنزلة أن آته لا يقطعه. وقوله: أما أنت منطلقا أنطلق معك بالرفع، لأن تقديره: لأن كنت منطلقا أنطلق معك، فكأنه قال: لخروجك أخرج معك، ولمقامك ألزمك، وقد ذكرناه في موضعه قبل هذا الموضع بالبسط والشرح من هذا الكلام.
وقوله: ما تدوم لي أدوم لك، (ما) والفعل بمنزلة المصدر، فقام مقام الوقت كمقدم الحاج، وخفوق النجم، فكأنه قال:
وقت دوامك لي أدوم لك، كما تقول: يوم خروجك ألزمك، ولا يجوز أن تقول:
ما تدم لي أدم لك.
كما تقول: متى تدم لي أدم لك، وأين تكن أكن، لأن (ما) إذا جعلت وما بعدها من الفعل مصدر أبطل فيها الاستفهام لأنها إذا كانت للاستفهام لم يحتج إلى أن يوصل بفعل، وإنما يجازى بما إذا نقلت عن الاستفهام لاستواء الجزاء والاستفهام.
هذا معنى قول سيبويه: إنك لا تستطيع أن تستفهم بما تدوم على هذا الحد، يعني إذا كانت موصولة بتدوم؛ ومثله: كلما تأتيني آتيك: معناه كل وقت إتيان منك لي آتيك، ولا يجوز الاستفهام فيه كما لا يستفهم بما تدوم. ومن أجل هذا المعنى قال الفقهاء: إذا قال الرجل لامرأته: كلما تدخلين هذه الدار فأنت طالق، فدخلتها ثلاث مرات فإنها تطّلق ثلاث تطليقات لكل دخلة تطليقة؛ لأن معناه كل وقت دخلة تدخلين فيه، فوقت كل دخلة غير وقت الدخلة الأخرى؛ وقالوا لو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فدخلتها ثلاث مرات لم يقع إلا تطليقة واحدة، لأنه ليس في ألفاظ هذه الأشياء تكرير أوقات تتعلق من الحكم بكل واحد منها غير ما يتعلق بالآخر، ألا ترى أنه إذا قال: كل
_________________
(١) البيتان منسوبان لكعب بن جعيل التغلبي وتمامهما: أعني بخوار العنان تخاله إذا راح بردي بالمدجج أمردا وأبيض مصقول السطام مهندا وذا حلق من نسج داود مسردا الكتاب ١/ ١٧٠.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
رجل يأتيني فله درهم، فأتاه رجلان، فلكل واحد منهما درهم؛ ولو قال: إن أتاني زيد فله درهم، فأتاه مرتين لم يستحق إلا درهما واحدا؛ وقوله: الذي يأتيني فله درهم، دخلت الفاء.
لتبين أن الدرهم استحقه بالإتيان، ولو قال: الذي يأتيني له درهم جاز أن يكون الدرهم يستحقه بالإتيان، وجاز أن يكون بغيره، كما يقول: زيد له درهم، ولم تذكر سبب استحقاقه للدرهم، ويجوز أن يكون الفعل ماضيا كقولك: الذي أتاني فله درهم، يثبت أن الدرهم استحقه ومثله قول الله﵎-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ (١) وكان أبو الحسن الأخفش يضعف: إن الذي يأتيني فله درهم لدخول (إن) على الذي، ويقول:
الذي إنما تدخل الفاء في خبرها، لأنه يذهب بها وبالفعل الذي بعدها مذهب الشرط، فإذا أدخلت عليها (إن) أبطلت (إن) الشرط والمجازاة، كقولك: من يأتيني آتيه، ثم تقول: إن من يأتيني آتيه، فتبطل المجازاة بدخول (إن) وتصير (من) بمعنى الذي؛ وكان أبو إسحاق الزجاج لا يبطل حكم المجازاة عن الذي بدخول (إنّ) والقول ما قاله أبو إسحاق لأن (الذي) لا تعمل في الشرط والجزاء فتجزم، وإنما يحمل على المجازاة في المعنى لجواز إبهامها، ولأنها توصل بالفعل وما جرى مجراه، فتشبه بالشرط والجزاء، ولم يخرجها (إن) عن ذلك، لأن (إن) لها تغير معنى الابتداء، فقد قال الله﷿-: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (٢) فأدخل الفاء مع دخول (إن) ومثله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ (٣) ومما يدل على صحة ما قلناه أن الحروف لا تكون شروطا مع حروف المجازاة، لا تقول:
إن في الدار زيد أكرمه، ولا متى يوم الجمعة القتال أحضره، وقد قال الله﷿-:
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (٤) فدخلت (الفاء) لمعنى المجازاة و(ما) بمعنى الذي، ومثل ذلك قولهم: كل رجل يأتينا فله درهم، ولو قال: كل رجل فله درهمان كان محالا، والفرق بينهما أن كل رجل مبهم، ويأتينا مشبه بالشرط لأن الفعل يكون شرطا، ويستوجب بيأتينا الدرهمين، وإن لم يكن بعده شيء فلم يأت سبب يستوجب به شيئا.
قال أبو سعيد: لو قال كل رجل فيه شهامة أو فيه نفاذ، أو فيه محبة لنا جاز على
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٩١.
(٢) سورة الجمعة، الآية: ٨.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٩١.
(٤) سورة النحل، الآية: ٥٣.
[ ٣ / ٣١٠ ]
قياس قوله﵎-: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] وما ذكره الخليل من حذف الجواب في قول الله﷿- حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (١)، وقوله﵎-: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (٢) وقد اجتمع النحويون، وجاء التفسير في بعض ما في القرآن من نحو ذلك أنه محذوف الجواب، واختلفوا في بعض. فمما أجمعوا على حذف جوابه قول الله﵎-: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ [البقرة:
١٦٥] ومنه قوله﵎-: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى (٣) فلم يأت لإن استطعت بجواب، وجوابه فيما ذكروه: فافعل، ومنه قوله﷿-: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا (٤) فلم يأت بجواب (لو) وجوابها فيما يقدر: لكان ذلك يفعل بهذا القرآن، ومما اختلفوا فيه قوله﷿-: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (٥) أي جاءوها وقد فتحت أبوابها، أي:
وهذه حالها، وحذفوا جاءوها الثانية لتكرير اللفظ، وأنه غير مشكل، وتقدير الأخرى فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (٦) بمعنى: استسلما وتله صرعه سعد بإتباع أمر الله، وبشره الله﷿- بنبوة ولده، ونحو ذلك مما يليق بقصته؛ والفراء يجعل الواو زائدة، ويقدر «حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها» والواو زائدة في الأخرى «وتله للجبين ناديناه»، والواو فيه زائدة، واستشهد في زيادة الواو بقوله:
حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم أبناءكم شبّوا
وقلبتم ظهر المجنّ لنا إنّ اللّئيم العاجز الخبّ (٧)
أراد قلبتم والواو زائدة:
قال أبو سعيد: وليست له في هذا حجة لأنه موافق للبصريين في حذف الجواب في المواضع التي ذكرناها، وذكروها في كتاب (المعاني) أن الحذف كثير في القرآن وكلام العرب، وإذا كان كذلك جاز أن يكون ما فيه الواو وقد انحذف جوابه كأنه قال: وقلبتم
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٧٣.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٥.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٥.
(٤) سورة الرعد، الآية: ٣١.
(٥) سورة الزمر، الآية: ٧٣.
(٦) سورة الصافات، الآية: ١٠٣.
(٧) البيتان منسوبان للأسود بن يعفر في ديوانه ١٩، الخزانة ٥/ ٤٨٩؛ ابن يعيش ١/ ٦٨.
[ ٣ / ٣١١ ]
ظهر المجن لنا بأن غدركم ولؤمكم، أو نحو ذلك؛ وقد جاء في الشعر حذف الجواب ممن غير (واو) كما في القرآن، قال عبد مناف:
الضّرب شعشعة والطّعن هيقعة ضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا
وللقسيّ أزاميل وغمغمة حس الجنوب تسوق الماء والبردا
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمّالة الشردا (١)
والبيت آخر القصيدة، ولم يأت لحتى إذا بجواب وتقديره:
شلّوا شلا.
وقال آخر:
لو قد حداهنّ أبو الجوديّ برجز مسحنفر الرّويّ
مستويات كنوى البرنيّ (٢)
ولم يأت بجواب (لو)، وجوابها في التقدير: لو حداهن أبو الجودي، يعني الإبل لأسرعن بحدائه ونحو ذلك، وقوله في بيت الشماخ:
ودويّة قفر (٣)
معناه: وربّ دوية قفر، ولم يأت بجواب (رب) والذي في شعره بعد هذا البيت جوابه، وهو قوله بعد البيت:
تركت بها ليلا طويلا وسامرا لدي ملقح من عود مرخ ومنتج (٤)
يعني أنه سار ليلا طويلا بالدوية، فقال: تركته ورائي، وذلك أنه نزل في أول ليلته، واقتدح، وعمل ما عمل، ثم ركب فبعد، وخلف ليلته حيث استعملت الزّندة، وهو أن يحمل الزّند على الزندة، فيلقحها النار، كما يلقح الفحل الناقة ملقحا، والمنتج الموضع الذي تخرج منه النار.