وذلك لأنها لا تضاف ولا تصرّف تصرّف غيرها ولا تكون نكرة
قال سيبويه: " وذلك أين، ومتى، وكيف، وحيث، وإذ، وإذا، وقبل وبعد "
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه ذكر في هذا الباب ظروفا وغير ظروف من المبنيات وقد ذكرت جملتها في أول الكتاب وزدت على ما ذكره سيبويه حروفا ذكرها غيره بما يغني عن الشرح في هذا الموضع، إلا أني أسوق كلام سيبويه وأذكر ما يحتاج إلى إبانة
_________________
(١) الرجز للعجاج بن رؤبة في الكتاب ٣/ ٢٨٥، وابن يعيش ٤/ ١٠٦، والخزانة ٣/ ٢١٩، وشرح شذور الذهب ٩٩.
[ ٤ / ٥٣ ]
مراده وشرح يسير لبعض ما لم أذكره هناك.
قال سيبويه: " فهذه الحروف، وأشباهها لما كانت مبهمة وغير متمكنة شبهت بالأصوات وما ليس باسم ولا ظرف.
فإذ التقى في آخر شيء منها حرفان ساكنان حركوا الآخر منهما وإن كان الحرف الذي قبل الأخير متحركا أسكنوه كما قالوا: هل، وبل، وأجل، ونعم، وقالوا:
جير، فحركوه لئلا يسكن حرفان.
فإن قال قائل: لم كسروا جير، وقد فتحوا أين وكيف؟ ففي ذلك جوابان:
أحدهما أن " جير " جاء على قياس اجتماع الساكنين في الأصل وهو موجب للكسر.
والجواب الثاني أن " جير " قد يحلف به، فيقال: جير لأفعلن فيقع موقع الاسم المحلوف به، وهو مفتوح كقولك: الله لأفعلن، فحركوه بحركة للبناء غير حركة الإعراب لو أعرب.
قال: ويدلك على أن " قبل " و" بعد " غير متمكنين أنه لا يكون فيهما مفردين ما يكون فيهما مضافين. لا تقول: هذا قبل كما تقول: هذا قبل القيامة.
اعلم أن " قبل "، و" بعد " يكونان خبرين للجثث وغيرها إذا كانا مضافين كقولك:
زيد قبل عمرو، وبعد عمرو، والقتال قبل يوم الجمعة وبعد يوم الجمعة، فإذا حذفت ما أضفتهما إليه لم يجز أن يكونا خبرين.
لا تقل: زيد قبل، والقتال بعد، وإن لم أر أحدا من أصحابنا اعتل لهذا بشيء يقنع.
وقد حكاه سيبويه ولا أعلم له مخالفا، ورأيت من احتج فقال لأنه لا فائدة فيه؛ لأن الفائدة في التوقيت بما قد أضيف إليه في غير الخبر.
والصلة في ذلك عندي أن " قبل " و" بعد " إذا كانا خبرين فقد حذف من الكلام ما يعمل في الظرف كقولنا: زيد قبل عمرو، فالتقدير فيه استقر قبل عمرو، فإذا حذفنا المضاف إليه فقد حذفنا ما قبله في التقدير وما بعده فصار ذلك إجحافا فاجتنبوه.
قال: وجزمت " لدن " ولم تجعل ك " عند " لأنها لا تقع في جميع مواضع " عند " فضعفت.
وذلك أن " عند " اتسعوا فيها فقالوا: عندي مال وإن كان غائبا، ولا يقولون ذلك في " لدن " فجعلت بمنزلة " قط " إذا أردت ليس إلا. وحسب في البناء مثل قط، إلا أنهم
[ ٤ / ٥٤ ]
بنوه على حركة.
وإذا أردت " قطّ " المشددة، التي هي لما مضي من الدهر كانت مبنية على الضم، لاجتماع الساكنين، ومشبهة بمنذ؛ لأنها في معنى منذ، فإذا قلت ما رأيته قط، فكأنك قلت ما رأيته منذ كنت.
وقولهم " لد " بضم الدال محذوفة من " لدن " والضمة تلك الضمة، والدليل على ذلك أنك إذا أضفت " لدن " إلى مني رددت النون؛ لأن الإضافة قد ترد الأشياء الذاهبة، فتقول:
هذا من لدنك ولا تقول: من لدك، كما تقول: من لد زيد.
قال: وسألت الخليل عن " معكم "، " ومع " لأي شيء نسبتها ولم لم تبن على السكون؟ فقال: لأنها استعملت غير علم كجميع ووقت نكرة، وذلك قولك: جاءا معا ولا تضاف " مع " في هذا الموضع، فلما أعرب معا للموضع المنكور المفرد وجب تحريكه في الإضافة.
قال أبو سعيد: وإنما وجب إفراده في هذا الموضع؛ لأنّا إذا أضفنا، فقلنا: ذهب زيد مع عمرو فقد ذكرنا اجتماعه مع عمرو وأضفنا " مع " إلى غير الأول، وإذا قلنا: ذهبا معا، فليس في الكلام غيرهما تضيف " مع " إليه ولا يجوز أن تضيف " مع " إليهما. كما تقول:
ذهب زيد مع نفسه، ونصب " معا " على الحال في قولك ذهبا معا، كأنك قلت: ذهبا مجتمعين، ويجوز أن يكون على
الظرف كأنه قال: ذهبا في وقت اجتماعهما.
وقد يسكن في الشعر يشبه ب " لدن " وب " هل " وما أشبه ذلك من المسكنات.
قال الشاعر:
وريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما (١)
قال: وأما " منذ " فضمّت، لأنها للغاية، ومع ذا أن من كلامهم أن يتبعوا الضم الضم كما قالوا: ردّ يا فتى.
قال أبو سعيد: إن سأل سائل لم سمّى سيبويه " منذ " غاية؟ وقد فسر أبو العباس المبرد الغاية في قبل وبعد، أنها لما حذف المضاف إليه، وقد كان غاية الاسم واقتصروا على المضاف صار هو المنتهى والغاية.
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ٥٠٦، وابن يعيش ٥/ ١٣٨، وشرح الأشموني ٢/ ٢٦٥.
[ ٤ / ٥٥ ]
ودخل " منذ "، " وحيث " في هذا؛ لأنه كان من حق " حيث " أن يضاف لما بعده في حال. وقد يرفع ما بعده كقولك: ما رأيته منذ يوم الجمعة، ومنذ يوم الجمعة، فإذا رفعت ما بعدها فقد منعتها الإضافة، فوجب بناؤها على الضم للغاية، ثم أجروا الخافضة مجراها، وقد يجوز أن يكون الضم للاتباع، اتبعوا حركة الذال حركة الميم كما قالوا: " ردّ "، وذكر في " عل " ما تقدم مما ذكرناه في أول الكتاب.
قال: وسألت الخليل عن قولهم: مذ عام أول، ومذ عام أول فقال: " أول " هاهنا صفة، وهو أفعل من عامك، ولكنهم ألزموه هاهنا الحذف استخفافا، فجعلوا هذا الحرف بمنزلة أفعل منك.
قال أبو سعيد: اعلم أن " أفعل " إذا جعل نعتا وليس أنثاه فعلاء، فإنه يلزمه منك كقولك: مررت برجل أفضل منك.
وأول نعت لعام، والتقدير فيه أول من عامك، كما تقول: أقدم من عامك، فحذفوا " من "، كما قالوا: زيد أفضل، ويحذفون " من " إلا أنه يكثر في زيد أفضل منك إظهار منك، وإن كان يجوز الحذف، ويكثر في عام أول حذف " من " وإن كان يجوز الإظهار، والدليل على جواز إظهاره أنك تقول: ما رأيتك منذ أول من أمس، وفيه مع هذا حذف آخر، وذلك أنك إذا قلت: ما رأيته منذ عام أول؛ فالمعنى أنه منذ عام أول يلي عامك هذا؛ لأن كل ما مضي من السنين فهو أول لتقدمها، ولولا هذا التقدير لم يكن العام الذي قيل عامنا أولى به من السنين الماضية.
وكذلك قولنا: ما رأيته منذ أول من أمس، يريد من اليوم الذي يليه أمس، والكلام على ظاهره يحتمل أن يكون كل يوم تقدم أمس.
قال سيبويه: " وقد جعلوا " أول " بمنزلة " أفعل " وذلك قول العرب ما تركت له أولا ولا آخرا.
فهذا ليس يقدر فيه " من " وهو بمنزلة قولك: ما رأيت له قديما ولا حديثا، فقد جاز في " أول " أن يكون صفة واسما وعلى أي الوجهين سميت به رجلا فهو لا ينصرف لاجتماع وزن الفعل والتعريف فيه.
قال: وسألته عن قول بعض العرب وهو قليل: مذ عام أول فقال: جعلوه ظرفا في هذا الموضع، وكأنه قال: مذ عام قبل عامك.
[ ٤ / ٥٦ ]
وسألته عن قولهم: زيد أسفل منك فقال: هذا ظرف كقوله ﷿: وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ (١)
كأنه قال: زيد في مكان أسفل من مكانه، ومثل هذا الحذف في " أول " لكثرة استعمالهم إياه قولهم: لا عليك فالحذف في هذا الموضع كهذا.
ومثله: هل لك في ذلك، ومن له في ذلك، ولا يذكروا له حاجة ولا لك حاجة، ونحو هذا أكثر من أن يحصى. وقال الشاعر:
يا ليتها كانت لأهلي إبلا أو هزلت في جدب عام أولا (٢)
" فأولا " يكون على الوصف والظرف؛ لأنه لا ينصرف.
وقد كان الزجاج يجيز أن يكون منع " أول " الصرف كما منع " أمس " الصرف في لغة بني تميم؛ لأنه استعمل في الكلام بغير إضافة، فصار كالمعدول، كأخر وأمس في لغة بني تميم.
قال سيبويه: وسألته عن قوله من دون، ومن تحت، ومن فوق، ومن قبل، ومن بعد، ومن دبر، ومن خلف. فقال: أجروا هذا مجرى الأسماء المتمكنة لأنها تضاف وتستعمل غير ظرف، ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت يشبهها ب " قبل " و" بعد ".
وقال أبو النجم:
أقبّ من تحت عويض من عل (٣)
وقال آخر:
لا يحمل الفارس إلا الملبون المحض من أمامه ومن دون (٤)
وكذلك من أمام، ومن قدام، ومن وراء، ومن قبل ومن دبر، وزعم الخليل أنهن نكرات كقول أبي النجم.
_________________
(١) سورة الأنفال، من الآية ٤٢.
(٢) البيت بلا نسبة في الكتاب ٢٢٩، وابن يعيش ٦/ ٣٤، واللسان (وأل).
(٣) البيت في الكتاب ٣/ ٢٩٠، وشواهد المغني للسيوطي ١٥٤، واللسان (علا).
(٤) البيت بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٩٠، والتصريح ٢/ ٥٢، واللسان (لبن).
[ ٤ / ٥٧ ]
يأتي لها من أيمن وأشمل (١)
وزعم أنهن نكرات إذا لم يضفن إلى معرفة، كما يكون أيمن وأشمل نكرة، وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه، يجعلونه كقولك: من يمنة وشأمة، وكما جعلت ضحوة نكرة وبكرة معرفة.
وإنما ذكر سيبويه الشاهد في قوله: " ومن دون "؛ لأنه لم يضف، وليس فيه دليل على التنكير والتعريف؛ لأنه يحتمل أن يقال: من دون فيكون نكرة، ويحتمل أن يكون من دون بالضم ويكون معرفة، إلا أن الشعر موقوف، ويحتمل أن يقال المحض بالنصب على معنى إلا الملبون المحض، أي المسقى اللبن المحض.
قال: وأما يونس فكان يقول: من قدّام لا يصرفه لاجتماع التأنيث والتعريف فيه.
قال: وهذا مذهب في القياس، إلا أنه ليس يقوله أحد من العرب.
قال: وسألنا العلويين والتميميين فرأيناهم يقولون: من قديديمة، ومن ورّيئة، على حد قولك: من دون، ومن أمام، قال النابغة الجعدي "
لها فرط يكون ولا تراه أماما من معرّسنا ودونا (٢)
وذكر " هيهات " وما فيها، وقد تقدم شرحنا له وكذلك " ذية " وقد بني على فتحة، وقبلها متحرك، وما كان من المبنيات من هذا النحو أسكن آخره إذا كان قبل آخره حركة، فالسبب في حركة آخر " ذية " أنا لو سكناها لوجب أن نجعلها هاء؛ لأن ما كان من المؤنث بالهاء جعلت في الدرج " تاء " وفي الوقف " هاء "، فلو سكناها لوجب أن نجعلها أبدا هاء، فكانت تذهب التاء وهي أصل التأنيث.
ويجوز أن يكون أيضا أن لو تركوها هاء على كل حال لتوهم أنها هاء أصلية.
على أن سيبويه جعلها بمنزلة " عشر " في خمسة عشر، وأنه كشيئين جعلا كشيء واحد ففتح آخره، وإذا خففت ففيها ثلاث لغات ذيت: بالفتح والضم والكسر.
فمن يقول: ذيت فهو بمنزلة حيث وأين.
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٢٩٠، وابن يعيش ٥/ ٤١، والخصائص ٢/ ١٣٠، والخزانة ١/ ١٠٤، واللسان (شمل).
(٢) ديوانه ٢١٠، والكتاب ٣/ ٣٩١، واللسان (دون).
[ ٤ / ٥٨ ]
ومن يضم فهو بمنزلة منذ، ومن يكسر فهو بمنزلة أولاء.
قال: وسألت الخليل عن شتان فقال فتحها كفتحة هيهات، يعني أنها مبنية على الفتح كما بنيت هيهات على الفتح، وقد احتج أصحابنا في ذلك بحجج.
منهم من قال: أن شتان وقع موقع الفعل الماضي، فإذا قالوا شتان ما زيد وعمرو فكأنا قلنا افترقا وتباعدا ومعنى شتّ يشتّ شتّا أي تفرق وتباعد.
وقال بعضهم: " شتّان " مصدر على فعلان، وقد خالف المصادر؛ لأنه ليس في المصادر " فعلان " بتسكين العين وفتح الفاء.
وإنما يجيء في المصادر فعلان أو فعلان أو فعلان، فلما خالف المصادر أشبه باب، " فعال "، وهو مصدر في موضع فعل على غير مصدر ذلك الفعل، كقولنا نزال، وحذار ودراك، ومصدر هذه الأفعال: النزول والحذر والإدراك.
وقال بعضهم: اجتمع في " شتان " خروجه عن وزن المصادر وهو مصدر والتعريف، والدليل على تعريفه أنه لا تدخله الألف واللام، وزيادة الألف والنون في آخره، وأنه ظرف، فبني، وكان حق النون أن تكون ساكنة، وفتح اتباعا للألف والفتحة التي قبلها، وقد مضي نحو هذا.
وقال المازني " شتان " و" سبحان " إذا نكرتهما صرفتهما اسمين كانا أو في موضعهما.