اعلم أن ما انتصب في باب (الفاء) فإنه ينتصب على إضمار (أن)، وما لم ينتصب فإنه يشرك الفعل الأول فيما دخل فيه، أو يكون في موضع مبتدإ، أو مبني على مبتدإ، أو موضع اسم مما سوى ذلك. وسأبين ذلك إن شاء الله.
تقول: لا تأتيني فتحدثني، لم ترد أن تدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول:
لا تأتيني ولا تحدثني، ولكنك لمّا حولت المعنى عن ذلك تحوّل إلى الاسم؛ كأنك قلت: ليس يكون منك إتيان فحديث، فلّما أردت ذلك استحال أن تضمّ الفعل إلى الاسم، فأضمروا (أن)، لأن (أن) مع الفعل بمنزلة الاسم؛ فلم نووا أن يكون الأول بمنزلة قولهم: لم يكن إتيان، استحالوا أن يضموا الفعل إليه، فلما أضمروا (أن) حسن، لأنه مع الفعل بمنزلة الاسم.
و(أن) لا تظهرها هنا لأنه لا يقع فيها معان لا تكون في التمثيل، كما لا يقع معنى الاستثناء في (لا يكون) ونحوها إلا أن تضمر؛ ولولا أنك إذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، لم يجز: فأحدثك، كأنك قلت في التمثيل: فحديث؛ وهذا تمثيل ولا يتكلم به بعد (لم آتك)، لأنك لا تقول: لم آتك فحديث، فكذلك لا تقع هذه المعاني في (الفاء) إلا بإضمار (أن)، ولا يجوز إظهار (أن). كما لا يجوز إظهار المضمر في (لا يكون) ونحوها.
فإذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، ولم يجز أن تقول:
فحديث، لأن هذا لو كان جائزا لأظهرت (أن).
ونظير جعلهم لم آتك، ولا آتيك، وما أشبه ذلك بمنزلة الاسم في النية، حتى كأنهم قالوا: لم يك إتيان، إنشاد بعض العرب قول الأحوص اليربوعي:
مشائيم ليسوا مصلحيين عشيرة ولا ناعب إلّا ببين غرابها (١)
ومثله قول الفرزدق:
وما زرت سلمى أن تكون حبيبة إليّ ولا دين بها أنا طالبه (٢)
_________________
(١) البيت في ديوانه؛ وكتب في الكتاب أنه للفرزدق: ١٢٣؛ انظر الخزانة ٤/ ١٥٨؛ الكتاب ١/ ١٦٥، ٣/ ٢٩.
(٢) البيت في ديوانه ١/ ٨٤، الكتاب ٣/ ٢٩.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
جرّه لأنه صار كأنه قال: لأن، ومثله قول زهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (١)
لما كان الأول تستعمل فيه (الباء) ولا تغير المعنى، وكانت مما يلزم الأول، نونّها في الحرف الآخر، حتى كأنهم تكلموا بها في الأول. وكذلك صار (لم آتك) بمنزلة لفظهم (فلم يكن إتيان) لأن المعنى واحد.
واعلم أن ما ينتصب في باب (الفاء) قد ينتصب على غير معنى واحد، وكان ذلك على إضمار (أن) إلا أن المعاني مختلفة، كما أن (يعلم الله) يرتفع كما يرتفع (يذهب زيد)، و(علم الله) ينتصب كما ينتصب (ذهب زيد)، وفيهما معنى اليمين.
والنصب هاهنا في التمثيل كأنك قلت: لم يكن إتيان فأن تحدّث، والمعنى على غير ذلك، كما أن معنى (علم الله لأفعلن) غير معنى (رزق الله)، ف (أن تحدّث) في اللفظ مرفوع ب (يكن)، لأن المعنى: لم يكن إتيان فيكون حديث.
وتقول: ما تأتينا فتحدثنا، فالنصب على وجهين من المعاني:
أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ أو لو أتيتني لّحدثتني.
وأما الآخر: فما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك.
وإن شئت شركت بين الأول والآخر، فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول: ما تأتيني فتحدثني فكأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
فمثل النصب قول الله﵎-: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا (٢)، ومثل الرفع قوله- سبحانه-: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣) أي:
وما يعتذرون.
وإن شئت رفعت على وجه آخر، كأنك قلت: فأنت تحدّثنا، ومثل ذلك قول بعض الحارثيين:
غير أنّا لم تأتنا بيقين فنرجّي ونكثر التأميلا (٤)
وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا، فالنصب فيه كالنصب في الأول؛ وإن شئت رفعت
_________________
(١) البيت في ديوانه ٨٧، ابن يعيش ٢/ ٥٢؛ الكتاب ٢/ ٥١.
(٢) سورة فاطر، الآية: ٣٦.
(٣) سورة المرسلات، الآيتان ٣٥، ٣٦.
(٤) البيت في ديوانه؛ الخزانة ٨/ ٣٨؛ ابن يعيش ٧/ ٣٦؛ الكتاب ٣/ ٣١.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
على: فأنت تحدّثنا الساعة، والرفع فيه يجوز على (ما). وإنما اختير النصب لأن الوجه هاهنا وحدّ الكلام أن تقول: ما أتيتنا فحدثتنا، فلما صرفوه عن هذا ضعف أن يضموا (تفعل) إلى (فعلت)، فحملوه على الاسم، كما لم يجز أن يضموه إلى الاسم في قولهم: ما أنت منا فتنصرنا ونحوه.
وأما الذين رفعوه فحملوه على موضع (أتيتنا)، لأن (أتيتنا) في موضع فعل مرفوع، و(تحدثنا) هاهنا في موضع (حدّثتنا).
وتقول: ما تأتينا فتكلّم إلا بالجميل، فالمعنى: أنك لم تأتنا إلا تكلمت بجميل، ونصبه على إضمار (أن)، كما كان نصب ما قبله على إضمار (أن)، وتمثيله كتمثيل الأول؛ وإن شئت رفعت على الشّركة كأنه قال: وما تكلّم إلا بالجميل. ومثل النصب قول الفرزدق:
وما قام منّا قائم في ندينّا فينطق إلّا بالتي هي أعرف (١)
وتقول: لا تأتينا فتحدّثنا إلا ازددنا فيك رغبة، والنصب هاهنا كالنصب في: ما تأتيني فتحدّثني، إذا أردت معنى: ما تأتيني فتكون محدّثا، وإنما أراد معنى: ما أتيتني فتكون محدثا إلا ازددت فيك رغبة، ومثل ذلك قول اللعين المنقري:
وما حلّ سعدىّ غريببا ببلدة فينسب إلا الزّبرقان له أب (٢)
وتقول: لا يسعني شئ فيعجز عنك، أي: لا يسعني شئ فيكون عاجزا عنك ولا يسعني شئ إلا لم يعجز عنك. هذا معنى الكلام، وإن حملته على الأول قبح المعنى، لأنك لا تريد أن تقول: إن الأشياء لا تسعني ولا تعجز عنك فهذا لا
ينويه أحد وتقول: ما أنت منا فتحدثنا، ولا يكون الفعل محمولا على (ما)، لأن الذي قبل الفعل ليس من الأفعال فلم يشاكله، قال الفرزدق:
ما أنت من قيس فتنبح دونها ولا من تميم في اللها والغلاصم (٣)
وإن شئت رفعت على قوله:
فترجّى وتكثر التّأميلا (٤)
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢/ ٢٩؛ الخزانة ٨/ ٥٤٠.
(٢) البيت في ديوانه؛ الخزانة ٣/ ٢٠٧، ٨/ ٥٤١، ٥٤٣، الكتاب ٣/ ٣٢.
(٣) البيت في ديوانه ٢/ ٣١٣؛ الكتاب ٣/ ٣٣؛ المقتضب ٢/ ١١٧.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
وتقول: ألا ماء فأشربه، وليته عندنا فيحدّثنا، وقال أمية بن أبي الصلت:
ألا رسول لنا منّا فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس مجرانا (١)
لا يكون في هذا إلا النصب لأن الفعل لم تضمه إلى فعل.
وتقول: ألا تقع إلى الماء فتسبح، إذا جعلت الآخر على الأول، كأنك قلت: ألا تسبح؛ وإن شئت نصبته على ما انتصب عليه ما قبله، كأنك قلت: ألا يكون وقوع فأن تسبح. فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به. والمعنى في النصب أنه يقول: إذا وقعت سبحت.
وتقول: ألم تأتنا فتحدثنا، إذا لم يكن على الأول؛ وإن كان على الأول جزمت، ومثل النصب قوله:
ألم تسأل فتخبرك الرّسوم على مرتاج والطّلل القديم (٢)
وإن شئت جزمت على أول الكلام.
وتقول: لا تمددها فتشقّها، إذا لم تحمل الآخر على الأول، وقال الله:
- ﷿-: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ (٣) وتقول: لا تمددها فتشقها. إذا شركت بين الآخر والأول كما شاركت بين الفعلين في (لم).
وتقول: ائتني فأحدثك، وقال أبو النجم:
يا ناق سيري عنقّا فسيحا إلى سليمان فنستريحا (٤)
ولا سبيل هاهنا إلى الجزم، قبل أن هذه الأفعال التي يدخلها الرفع والنصب والجزم وهي الأفعال المضارعة، لا تكون في موضع (افعل) أبدا، لأنها إنما تنتصب وتنجزم بما قبلها، و(افعل) مبنية على الوقف.
فإن أردت أن تجعل هذه الأفعال أمرا أدخلت (اللام) وذلك قولك: ائته فليحدثك، وفيحدثك إذا أردت المجازاة؛ ولو جاز الجزم في:
ائتني فأحدثك ونحوها لقلت: تحدثني، تريد الأمر.
_________________
(١) البيت في ديوانه ٦٤؛ الخزانة ١/ ٢٨٤؛ الكتاب ٣/ ٣٣.
(٢) البيت منسوب للبرج بن مسهر الطائي؛ الكتاب ٣/ ١٢؛ لسان العرب ٢/ ٣٤٤.
(٣) سورة طه، الآية: ٦١.
(٤) البيت في ديوانه؛ ابن يعيش ٧/ ٢٦؛ الكتاب ٣/ ٣٤.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جوابا ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان؛ وإن أردت: فحدثتنا، رفعت.
وتقول: كأنك لم تأتنا فتحدثنا؛ وإن حملته على الأول جزمته.
وقال رجل من بني دارم:
كأنّك لم تذبح لأهلك نعجة فيصبح ملقى بالفناء إهابها (١)
وتقول: ودّ لو تأتيه فتحدثه. والرفع جيد على معنى التمني؛ ومثله قول الله﷿-: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٢). وزعم هارون أنها في بعض المصاحف:
ودوا لو تدهن فيدهنوا.
وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعا، ومعناه: أن لو شتمني لو ثبت عليه. وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع، لأن هذا بمنزلة قوله: ألست قد فعلت فأفعل.
واعلم أنك إن شئت قلت: ائتني فأحدثك، ترفع.
وزعم الخليل: أنك لم ترد أن تجعل الإتيان سببا لحديث، ولكنك كأنك قلت:
ائتني فأنا ممن يحدثك البتة، جئت أو لم تجئ.
قال النابغة الذبياني:
ولا زال قبر بين تبنى وجاسم عليه من الوسميّ جود ووابل
فينبت حوزانا وعوفا منوّرا سأتبعه من خير ما قال قائل (٣)
وذلك أنه لم يرد أن يجعل النبات جوابا لقوله: (ولا زال)، ولا أن يكون متعلقا به، ولكنه دعا ثم أخبر بقصة السحاب، كأنه قال: فذاك ينبت حوزانا ولو نصب هذا البيت- قال الخليل- لجاز، ولكنا قبلناه رفعا وقال:
ألم تسأل الرّبع القواء فينطق وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق (٤)
لم يجعل الأول سببا للآخر، ولكنه يجعله ينطق على كل حال، كأنه قال: فهو مما ينطق، كما قال: ائتني فأحدثك، فجعل نفسه مما يحدثه على كل حال. وزعم
_________________
(١) البيت منسوب لسويد بن الطويلة؛ الكتاب ٣/ ٣٥.
(٢) سورة القلم، الآية: ٩.
(٣) البيت في ديوانه ٩٠، ١٢١؛ الكتاب ٣/ ٣٥؛ المقتضب ٢/ ٢١.
(٤) البيت منسوب لجميل بثينة ديوانه ١٣٧؛ ابن يعيش ٧/ ٣٦؛ الكتاب ٣/ ٣٧.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
يونس: أنه سمع هذا البيت ب (ألم) وإنما كتبت هذا لأن لا يقول إنسان: فلعلّ الشاعر قال: (ألا). وسألت الخليل عن قول الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته تقضّى لبانات ويسأم سائم (١)
فرفعه وقال: لا أعرف فيه غيره، لأن أول الكلام خبر وهو واجب، كأنه قال:
ففي حول تقضىّ لبانات ويسأم سائم. هذا معناه.
واعلم أن (الفاء) لا تضمر فيها (أن) في الواجب، ولا يكون في هذا الباب إلا الرفع، وسنبين لم ذلك. وذلك قوله: إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آتيه فأحدثه، ليس إلا، إن شئت رفعته على أن تشرك بينه وبين الأول، وإن شئت كان منقطعا، لأنك قد أوجبت أن تفعل فلا يكون فيه إلا الرفع، وقال الله﵎-: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ (٢)، فارتفعت لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلمون، ليجعلا كفره سببا لتعليم غيره، ولكنه على كفروا فيتعلمون، أي: فهم يتعلمون؛ ومثله: كُنْ فَيَكُونُ (٣) كأنه قال: إنما أمرنا ذلك فيكون.
وقد يجوز النصب في الواجب في اضطرار الشعر، ونصبه في الاضطرار- من حيث انتصب في غير الواجب- وذلك أنك تجعل (أن) العاملة؛ فمما نصب في الشعر اضطرارا قول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا (٤)
وقال الأعشى، وأنشدناه يونس:
ثمّت لا تجزونننى عند ذاكم ولكن سيجزيني الإله فيعقبا (٥)
وهو ضعيف في الكلام؛ وقال طرفة:
لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها ويأوي إليها المستجير فيعصما (٦)
وكان أبو عمرو يقول: لا تأتنا فنشتمك.
_________________
(١) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٣/ ٦٥؛ الكتاب ٣/ ٣٨؛ المقتضب ١/ ٢٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٣) سورة النحل، الآية: ٤٠.
(٤) البيت منسوب للمغيرة بن ضياء؛ الكتاب ٣/ ٣٩، ٩٢؛ المقتضب ٢/ ٢٤.
(٥) البيت في ديوانه ١٦٧؛ الخزانة ٧/ ٤٢١؛ الكتاب ٣/ ٣٩.
(٦) البيت في ديوانه ١٥٩؛ الكتاب ٣/ ٤٠؛ المقتضب ٢/ ٢٤.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
وسمعت من يقول: ما أتيتني فأحدثك فيما أستقبل، فقلت له:
ما تريديه؟ فقال: أريد أن أقول: ما أتيتني فأنا أحدثك وأكرمك فيما أستقبل.
وقال: هذا مثل: ائتني فأحدثك إن أراد:
ائتني فأنا صاحب هذا.
وسألته عن قول الله﵎-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (١) فقال: هذا واجب، وهو تنبيه، كأنك قلت: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان وكان كذا؛ وإنما خالف الواجب النفي، لأنك تنقض النفي فتقول: ما أتيتني قط فتحدثني إلا بالبشر، فقد نقضت نفي الإتيان إذا نصبت وتغير المعنى يعني أنك تنفي الحديث وتوجب الإتيان، وزعمت أنه قد كان.
وتقول: ما تأتيني فتحدثني، إذا أردت معنى: فكيف تحدثني، فأنت لا تنفي الحديث، ولكنك زعمت أن منه الحديث، وإنما يحول بينك وبينه ترك الإتيان.
وتقول: ائتني فأحدثك، فليس هذا من الأمر الأول في شيء.
وإذا قلت: قد كان عندنا فسوف يأتينا فيحدثنا، لم تزد على أن جئت بواجب كالأول، فلم يحتاجوا إلى (أن) لما ذكرت، ولأن تلك المعاني لا تقع هاهنا؛ ولو كانت (الفاء) و(الواو) و(أو) ينصبن لأدخلت عليها (الواو) و(الفاء) للعطف، ولكنها ك (حتى) في الإضمار والبدل، شبهت بها لما كان النصب فيها الوجه، لأنهم جعلوه الموضع الذي يستعملون فيه إضمار (أن) بعد (الفاء)، كما جعلوه في (حتى)، إنما يضمر إذا أراد معنى الغاية، وك (اللام) فيما كان ليفعل.
قال أبو سعيد: «الكلام في الجواب ب (الفاء) من وجهين:
أحدهما الناصب للفعل.
والآخر إذا أضمر (أن) الناصبة للفعل (المضمرة)، لم لا يجوز إظهارها؟ فأما الناصب فقال سيبويه: الناصب (أن) مضمرة بعد (الفاء).
وقال أبو عمر الجرمي: الواو، والفاء، وأو هي الناصبة بأنفسها.
وقال الفراء: (الفاء) تنصب في جواب الستة، لأنها عطفت ما بعدها على غير شكله لمّا قيل: لا تظلمني فتندم، دخل النّهي على الظلم، ولم يدخل على الندم، فحين
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٦٣.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
عطفت فعلا على فعل لا يشاكله في معناه، ولا يدخل عليه حرف النهي كما دخل على الذي قبله، استحق النصب بالخلاف، كما استحق ذلك الاسم المعطوف على ما لا يشاكله في قولهم: لو تركت والأسد لأكلك، من قبل أن الأفعال فروع الأسماء؛ فإذا كان الخلاف في الأصل يوجب النصب، كان ذلك قائما صحيحا في الفرع.
والخلاف الذي يوجب النصب في الأسماء عندهم أشياء منها:
نصب الظروف بعد الأسماء. كقولك: زيد خلفك، وزيد عندك، لما خالف (خلفك) و(عندك) ما قبلهما انتصبا بالخلاف، وقد تكلمت على هذا فيما مضى.
ومنها ما قاله الفراء وأصحابه: لو تركت والأسد لأكلك، (الأسد) منصوب على الخلاف في (التاء)، لأنه لا يصلح أن يقال: لو تركت وترك الأسد، من قبل أن الأسد لا يقدر عليه فيمسك ويترك؛ ثم قال بعد هذا: فإذا قالت العرب: لو ترك زيد والأسد لأكله، آثروا الرفع لموافقة الأسد زيدا، لأنها ظاهران».
قال أبو سعيد: إن كان مخالفة الثاني للأول؛ لأن الأول مكني والثاني ظاهر، فلا فرق بين (لو تركت والأسد) وبين (ضربت وزيد) و(قمت وزيد) أكّد الضمير أو لم يؤكّد؛ وإن كان الخلاف بين الأول والثاني لأن التّرك في الأول
على غير وجه ترك الثاني، فلا فرق بين الاسمين الظاهرين وبين الاسمين إذا كان أحدهما مضمرا في مخالفة أحدهما للآخر في الترك.
واحتجاج الذي احتج للخلاف بأنه لا يصلح أن يقال: لو تركت وترك الأسد من قبل أن الأسد عليه فيمسك ويترك ركيك جدا، لأن الخلاف إذا كان من أجل أن الأسد لا يقدر عليه، إذا قلنا: لو ترك زيد والأسد، وهذا كلام صدر عن غير تأمّل.
ومما يفسر قول من جعل النصب بالخلاف في الأسماء، وقاس الفعل عليه، العطف الذي يوفق بين الإعرابين، ويخالف بين المعنيين في الأسماء، وذلك قولك: ما مررت بزيد لكن بعمرو، وما قام زيد لكن عمرو وما رأيت زيدا لكن عمرا؛ وما بعد (لكن) يخالف ما قبلها؛ وكذلك (لا) في العطف إذا قلت: جاءني زيد لا عمرو، ومررت بزيد لا عمرو ورأيت زيدا لا عمرا.
وأما أبو عمر الجرمي فقد احتج عليه أبو العباس محمد بن يزيد وغيره بما احتج به سيبويه، وذلك أن سيبويه قال: لو كانت (الفاء) و(الواو) و(أو) ينصبن لأدخلت عليها (الفاء) و(الواو) للعطف؛ فلزم الجرمي مما قال سيبويه أن يقول: ما أنت بصاحبي فأكرمك، وفأحدثك، لأن (الفاء) هي الناصبة.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن وتأكل التمر، لأن (الواو) هي الناصبة؛ كما تقول: أريد أن تأكل السمك وأن تشرب اللبن وأن تدخل الحمام.
ومما يشاكل ذلك أن (واو) القسم لما كانت هي الخافضة مكان (الباء)، جاز أن تدخل عليها حروف العطف فتقول:
والله وو الرحمن وو الله ثم والله لأخرجن.
و(الواو) التي تقع موقع (رب) وتغني عنها هي (واو) عطف، ولا يجوز دخول حرف عطف عليها، فإذا قلت: وبلد أقمت فيه، لم تقل: وو بلد أقمت فيه، وو رجل عاشرته، ولا ثم ورجل صادقته.
واعلم أن (الفاء) - في الأصل- في جميع أماكنها عاطفة.
وقد يتناول العامل الشيئين بإعراب واحد ولفظ واحد على وجهين مختلفين كقولك: لو ترك زيد وعمرو لضربه وكذلك لو ترك زيد والثريد لأكله، ولو ترك أخواك لظلم أحدهما الآخر؛ فلفظ الترك قد وقع عليهما، وهما مختلفان، لأن أحدهما ممنوع منه، ومعنى الترك لهما مختلف لا يظهر في اللفظ، وقد عرف معناه.
والعطف ب (الفاء) على وجهين:
أحدهما عطف ظاهر، والآخر عطف متأول.
فالعطف الظاهر أن تعطف ما بعدها على ما قبلها، فتدخله في إعرابه، وظاهر معناه، ويكون حكمها حكم (ثم) في الإعراب والمعنى، كقولك: زيد يأتيك فيحدثك وأريد أن تأتيني فتحدثني وإن يأتك زيد فيحدثك تحسن إليه. ويجوز مكان ذلك (ثم) والمعنى واحد كقولنا: زيد يأتيك ثم يحدثك، وأريد أن تأتيني ثم تحدثني، وإن يأتك زيد ثم يحدثك تحسن إليه. والمنصوب بعد (الفاء) في هذا الوجه ليس بإضمار (أن)، بل بالناصب الذي نصب ما قبل (الفاء) وعطف عليه، كقولك: إذا آتيك فأسرك، وجئتك لكي أكلمك فأنفعك.
وأما العطف المتأوّل فهو أن يكون ما قبل (الفاء) غير موجب، ويكون معلقا بما بعد (الفاء) شرطا على وجوه مختلفة أحوجت إلى التغيير وإضمار (أن) ليدل على تلك الوجوه؛ فمن ذلك: لا تأتيني فتحدثني.
في (تحدثني) النصب من وجهين، والرفع من وجهين؛ فأما أحد وجهي النصب فأن يكون الإتيان منفيا نفيا. مطلقا، والحديث ممتنع من أجل عدم الإتيان؛ ولو وجد الإتيان لوجد الحديث.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
والوجه الآخر معناه: ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك؛ فالإتيان المنفي هو الإتيان الذي معه الحديث؛ فهذان الوجهان المقصودان في النصب هما منعا عطف (تحدثني) على (تأتيني) في الرفع لأنه إذا قال: لا تأتيني فتحدثني بالرفع، فليس أحدهما شرطا في الآخر؛ ويكون أحد وجهي الرفع أن تعطف (تحدثني) على (تأتيني)، وتكون (لا) مشتملة عليهما جميعا في النفي، فكأنه قال: لا تأتيني ولا تحدثني؛ فهذا عطف فعل على فعل، والنفي قد شملهما.
والوجه الآخر أن يكون الإتيان منفيا والحديث موجبا، ويكون عطف جملة على جملة، كأنه قال: لا تأتيني ثم أنت تحدثني الآن، وليس تعلق أحدهما بالآخر، ولا هو شرط فيه؛ فلما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه لئلا يبطل المعنى المقصود، ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه فجعلوا الأول في تقدير مصدر وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر؛ وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر ليس بظاهر؛ فلذلك قدرت (إن) فعملت ولم تظهر، وكان التغيير والتقدير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود؛ ولو أظهرت (أن) لكان المصدر قد ظهر، ولم يظهر في المعطوف عليه. وجعل التغيير لهما كالمشاكلة بينهما، واكتفى بذلك.
يقوي هذا ما ذكره سيبويه من تقدير ما لا يتكلم به من قولك:
أنا في القوم ليس زيدا، والتقدير: ليس بعضهم زيدا، ولا يتكلم بهذا؛ وقوله: ولا نائب على تقدير: ليسوا بمصلحين، لم يتكلم بذلك. ويقويه أيضا قولهم في الأسماء: إياك والأسد، ولا يظهر الفعل الذي ينصب (إياك والأسد)؛ وهذا التقدير في إضمار (أن) في جميع ما ينصب بجواب (الفاء) واحد، وإن كانت المعاني مختلفة، واختلافها أن جواب
النفي على وجهين مختلفين، والنصب فيهما بإضمار (أن)، وتقدير مصدر للأول يعطف عليه مصدر للثاني.
وجواب الاستفهام والأمر والنهي والتمني على غير المعنى في وجهي النصب في جواب الجحد، لأن قولك: لا تأتيني فأحدثك على معنى: ما تأتيني فكيف تحدثني، أو على معنى: ما لم تأتيني إلا لم تحدثني؛ وهذان المعنيان ليسا في جواب الاستفهام إذا قلت:
هل عندك طعام فآكله، ولا في الجواب الأمر إذا قلت: ائتني فأكرمك؛ واتفاق العامل في ذلك مع اختلاف المعاني كقولك: يعلم الله، ويذهب زيد، لأن قولنا: (يعلم الله) ليس بفعل لله لأن الله﷿- لم يزل عالما، (يذهب زيد) فعل له، فالمعنيان مختلفان، والرفع بهما واحد.
[ ٣ / ٢٣١ ]
وأما قوله: ما أتيتنا فتحدثنا، وجها النصب في (تحدثنا) جيدان، وإن كان الفعل الأول ماضيا والجواب مستقبلا.
وأما الرفع فأحد وجهيه جيد، والآخر ضعيف، وقد أجازه سيبويه على ضعفه. فأما الوجه الجيد فعلى قولك: ما أتيتنا فحدثتنا، فتنفي الإتيان والحديث؛ والجيد في ذلك وحد الكلام أن تعطف الماضي على الماضي. وأما الوجه الضعيف فعلى قولك: ما أتيتنا فأنت تحدثنا الساعة ولكن الذي رفعه جملة على أن (ما) إذا وقع بعدها فعل يعرب، لم يكن إلا مرفوعا، فصار موضع الماضي موضع رفع، فلذلك رفع المستقبل الذي بعده وهو في موضع (حدثتنا) ومعناه معنى: ما كنت تأتينا فتحدثنا، والإتيان والحديث منفيان فيما مضى.
وقوله: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل. ولا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، وكل ما كان من هذا النحو مما فيه حرف الاستثناء إذا نصبت فهو على وجه واحد من وجهي النصب بعد الجحد، كأنك قلت:
ما تأتينا متكلما إلا بالجميل، ولا تأتينا محدثا إلا ازددنا فيك رغبة.
وأما قوله: لا يسعني شيء فيعجز عنك، فليس إلا وجه واحد، كأنك قلت: لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك، ولا يسعني شيء عاجزا عنك؛ ولو حملته على الوجه الآخر من النصب فسد الكلام، ولأن تقديره: لا يسعني شيء فكيف يعجز عنك ذلك الشيء، ومن المحال أن كل ما لا يسعه لا يعجز عن المخاطب؛ والرفع في الوجهين أيضا فاسد؛ لأنه يؤول معناه إلى أنه لا يسعه شيء.
وأما: ما أنت منا فتحدثنا، فلا يكون في «فتحدثنا» الرفع بالعطف على الأول.
لأنه اسم تعطف الفعل عليه، ولكن على الاستئناف، وتقديره: فنحن نحدثك، كما قدّر في البيت (نحن):
فنرجّى ونكثر التأميلا (١)
وقوله: تأتينا فتحدثنا، على تقدير: ألم تأتينا محدثا؛ وكذلك كل موضع يدخل فيه حرف الاستفهام على حرف
الجحد كان تقديره: على ما تأتينا محدثا، ويجوز فيه، وفيما جرى مجراه العطف على اللفظ على مذهب ثم كقولك: لا تمددها فتشققها، وألم تأتنا فتحدثنا.
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
ألم تسأل فتخبرك الرّسوم (١)
وأما قوله:
إلى سليمان فنستريحا (٢)
فالنصب في نستريح لا غير، ولا يجوز الجزم بالعطف على (سيري)، لأن (سيري) ليس بمجزوم لأنه فعل أمر وهو مبني ولا عامل فيه، وقد ذكر ذلك، وإن جزم فعلى مثل قوله:
فاخمشي لك الويل أو يبكي من بكى (٣)
محمول على المعنى.
وقوله: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جوابا، ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان كان معناه قبل دخول الاستفهام: ما أتيتنا فتحدثنا، فتنصبه بجواب الجحد، ثم تدخل ألف الاستفهام على المنصوب ولا يتغير فإن رفعته فعلى معنى: فحدثتنا، وهو مثل قولك: سرت فأدخلها، على معنى: فإذا أنا داخل؛ ومثله قوله: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا كان الوثوب واقعا، لأن تقديره: فإذا أنا واثب عليه كقولك: سرت فأدخلها، إذا كان الدخول واقعا؛ وإذا لم يقع الوثوب فهو بمعنى: لو شتمني لو ثبت عليه، وهو بمنزلة: ما أتيتنا فتحدثنا، إذا لم يكن الحديث واقعا، فالنصب هو المختار.
وقال أبو عمرو: حسبته شتمني فأثب عليه، أي كان منه شتمي فيكون مني الوثوب عليه؛ فلما جاء الثاني على غير مجيء الأول، لأن الأول ماض والثاني غير ماض نصبته، لأنه أشبه النفي وجوابه؛ وإن كنت قد وثبت رفعت؛ لأن معناه: حسبته كان منه شتمي فكان مني وثوب، فيجيء الثاني في معنى الأول؛ وأما:
تقضّى لبانات ويسأم سائم (٤)
فالذي رواه الخليل في البيت الرفع، ولم يعرف غيره.
وفي (كان) ضمير الأمر والشأن كما تقول: كان يقوم زيد، وكان يتكلم العمران، ونحوه.
_________________
(١) صدر بيت سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) جزء من بيت لمتمم بن نويرة، وتمامه: على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي لك الويل حر الوجه أو يبكي من بكى ابن يعيش ٧/ ٦٠؛ الكتاب ٣/ ٩.
(٤) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
قال غيره:
تقضّي لبانات ويسأم سائم
يجعل (تقضّي) مصدرا، وهو اسم (كان) وليس في (كان) ضمير، ويسأم معناه:
وأن يسأم، وهو عطف على (تقضّي) وتقديره: وأن تتقضّى لبانات وأن يسأم سائم.
وإنما قبح إضمار (أن) بعد (الفاء) في الواجب، لأن الذي أحوجنا إلى إضمارها وتقدير الكلام على غير ظاهره، وحمله على غير لفظه، الدلالة على المخالفة بين الأول والثاني على ما بيناه. وإذا كان ذلك في الواجب، لم يقع خلاف بين الأول والثاني يحوجنا إلى ذلك التقدير؟ وذلك قوله:
إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آته فأحدثه، الأول والثاني واجبان على كل حال.
أما قوله: سوف آته فأحدثه، فهما فعلان، قد عطف أحدهما على الآخر، وهما بمعنى واحد. وأما إنه عندنا فيحدثنا، فالثاني منقطع من الأول، وهو موجب مثله، إلا أنه عطف جملة على جملة، ومثله في الانقطاع من الأول قول الله﵎-: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ (١)، استأنف (يتعلمون) وأخبر به، وليس بعطف على ما قبله، كأنه قيل لهم: لا تتعلموا فيأبون فيتعلمون على جهة المخالفة، ومثله قول الله﷿-: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢).
قوله (فيكون) ليس بجواب لكن لأن الكلام الأول وجوابه جميعا من كلام واحد غير منقطع أحدهما من الآخر، ولم يرد الله﷿- أنه يقول للشيء كن فيكون، وكن فيكون منصوب لأن للشيء، والذي قيل للشيء (كن) فحسب، ثم خبّر عنه أنه يكون، فصار (يكون) كلاما منفردا مستأنفا، ودخلت عليه (الفاء) لأنه عطف جملة على جملة.
وأما من قرأ (فيكون) بالنصب، فإنما يعطفه على المنصوب الذي قبله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] معطوف على (نقول). وأما قراءة عبد الله بن عامر اليحصبي: إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ
[آل عمران: ٤٧] فضعيفة؛ لأنه لا منصوب قبله فيعطف عليه، وإنما ينصب مثله في ضرورة الشعر؛ لأنه موجب، وما قبله موجب، وهو مثل:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٢) سورة مريم، الآية: ٣٥، وسورة يس، الآية: ٨٢، وسورة غافر، الآية: ٦٨.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وألحق بالحجاز فأستريحا (١)
ومثل:
يأوي إليها المستجير فيعصما (٢)
ومثل:
ولكن سيجزيني الإله فيعقبا (٣)
ويروى: ليعصما، وليعقبا؛ ولو روي جميع ذلك باللام لكان مستقيما غير خارج من المعنى، ولا داخل في الضرورة، وألحق بالحجاز لأستريحا؛ ومثل (كن فيكون) قول الله﷿-: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (٤).
وقول الشاعر:
فينبت حوذانا (٥)
لأن المرفوع في ذلك ليس بداخل في الكلام الذي قبله، ولا متصل به، وإنما هو بمنزلة (فيكون) بعد (كن)، وسائر في الباب قد أغنى عنه ما ذكرناه، وقد بان بكلام سيبويه.