اعلم أن (الواو) ينتصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد (الفاء)، وأنها قد تشرك بين الأول والآخر كما تشرك (الفاء)، وأنها لا يستقبح فيها أن تشرك بين الأول والآخر كما استقبح ذلك في (الفاء)، وأنها يجيء ما بعدها مرتفعا منقطعا من الأول كما جاء ذلك في (الفاء).
واعلم أن (الواو) وإن جرت هذا المجرى، فإن معناها ومعنى (الفاء) مختلفان، ألا ترى الأخطل قال:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم (٦)
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت سبق تخريجه.
(٣) البيت سبق تخريجه.
(٤) سورة الحج، الآية: ٦٣.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) البيت لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ٤٠٤؛ الكتاب ٣/ ٤٢؛ المقتضب ٢/ ٢٦.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
فلو دخلت (الفاء) هاهنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا يجتمعن النهي والإتيان، فصار (تأتي) على إضمار (أن).
ومما يدلك أيضا على أن (الفاء) ليست كالواو فذلك قولك:
مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد فعمرو، تريد أن يعلم بالفاء أنه بعد الأول، وليس (الواو) كذلك.
وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فلو أدخلت (الفاء) هاهنا فسد المعنى، وإن شئت جزمت في النهي في غير هذا الموضع. قال جرير:
فلا تشتم المولى وتبلغ أذانه فإنّك إن تفعل تسفّه وتجهل (١)
ومنعك أن تجزم الأول لأنه إنما أراد أن يقول له: لا تجمع بين اللبن والسمك، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدة، ويشرب اللبن على حدة؛ فإذا جزم فكأنه نهاه أن يأكل السمك على كل حال أو يشرب اللبن على كل حال.
ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة:
ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم الموّدة والإخاء (٢)
كأنه قال: لم أك هكذا ويكون بيني وبينكم. وقال دريد بن الصّمة:
قتلت بعبد الله خير لداته ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا (٣)
وتقول: لا يسعني شيء ويعجز عنك، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في (الفاء)، إلا أن (الواو) لا يكون موضعها في الكلام موضع (الفاء).
وتقول: ائتني وآتيك، إذا أردت ليكن إتيان منك وأن آتيك، تعني إتيان منك وإتيان مني، وإن أردت الأمر أدخلت (اللام)، كما فعلت ذلك في (الفاء) حيث قلت ائتني فلأحدثك. فتقول: ولآتك.
ومن النصب في هذا الباب قول الله﵎-: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (٤)، وقد
قرأ بعضهم: «ويعلم الصابرين».
وقال الله- جل ثناؤه-: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ
_________________
(١) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٤٢.
(٢) البيت في ديوانه ٥٤؛ الكتاب ٣/ ٢٣.
(٣) البيت في ديوانه ١١، الكتاب ٣/ ٤٣.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤٢.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
تَعْلَمُونَ (١). وإن شئت جعلت (وتكتموا) على النهي، وإن شئت جعلته على (الواو).
وقرئ: يا ليتنا ترد ولا تكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (٢) فالرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأوّل، والآخر على قولك:
دعني ولا أعود، أي فإني ممن لا يعود، وإنما يسأل الترك وقد أوجب على نفسه أن لا عودة له البتة، ترك أو لم يترك ولم يرد أن يسأل أن يجتمع له الترك وأن لا يعود. وأما عبد الله بن أبي إسحاق فكان ينصب هذه الآية.
وتقول: زرني وأزورك، أي أنا ممن قد أوجب زيارتك على نفسه. ولم ترد أن تقول: لتجتمع منك من الزيارة وأن أزورك، تعني: لتجتمع منك الزيارة فزيارة منّي، ولكنه أراد أن يقول: زيارتك واجبة على كل حال، فلتكن منك زيارة.
قال الأعشى:
فقلت ادعي وادعو إنّ أندى لصوت أن ينادى داعيان (٣)
ومن النصب أيضا قوله:
للبس عباءة وتقرّ عيني أحبّ إليّ من لبس الشفوف (٤)
لما لم يستقم له أن يحمل (وتقرّ عيني)، وهو فعل على (لبس) وهو اسم، لما ضممته إلى الاسم، وجعلت (أحبّ) لهما ولم ترد قطعة، لم يكن بد " من إضمار (أن).
وسترى مثله مبينا.
وسمعنا من ينشد هذا البيت من العرب، وهو لكعب الغنوي:
وما أنا للشيّء الذي ليس نافعي ويغضب منه صاحبي يقؤول (٥)
والرفع أيضا جائز حسن، كما قال قيس بن زهير بن جذيمة:
فلا يدعني قومي صريحا لحرّة لئن كنت مقتولا ويسلم عامر (٦)
و(يغضب) معطوف على الشيء، ويجوز رفعه على أن يكون داخلا في
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٤٢.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٢٧.
(٣) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٤٥.
(٤) البيت منسوبا لميسون بنت بجدل؛ الخزانة ٨/ ٥٠٣؛ الكتاب ٣/ ٤٥؛ المقتضب ٢/ ٢٧.
(٥) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٧/ ٣٦؛ الكتاب ٣/ ٤٦؛ المقتضب ٢/ ١٩.
(٦) البيت في ديوانه، الخزانة ١١/ ٣٣٠؛ الكتاب ٣/ ٤٦.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
صلة (الذي).
قال أبو سعيد: الناصب بعد (الواو) أن، كما أن الناصب بعد (الفاء) أن، ومعناهما مختلف، كما أن معاني ما بعد الفاء مختلفة، وإن كان الناصب فيها كلها واحدا، ومعنى (الواو) في كل أحوال نصبها: الجمع؛ فإذا قلت:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
فمعناه: لا تجمع بين نهيك عن الشيء، وبين إتيانك إياه، وتقديره:
لا يجتمع نهيك عنه وإتيانك إياه، كأنه قال: لا يكن نهي، عنه وإتيان إياه، وأن تأتيه، وحذف أن في (الواو) كحذفها في (الفاء)؛ ولو حملت (تأتي) على (تنه) فقلت: لا تنه عن خلق وتأت مثله- مجزوما- لاستحال، لأنك إذا قلت: لا تضرب زيدا وتكرم عمرا، فقد نهيته عن ضرب زيد على حدة وإكرام عمرو على حدة، وكل واحد منهما غير معلق بالآخر وكأنه قال: لا تضرب زيدا، ولا تكرم عمرا.
فلو قال: لا تنه عن خلق وتأت مثله، لكان معناه: لا تنه عن خلق ولا تأت مثله، ولو قال هذا لكان قد نهاه أن ينهى عن شئ ونهاه أن يأتي شيئا من الأشياء، هذا محال فرد الأول والثاني في التقدير إلى غير ظاهر الكلام ليدل على أنه يريد لا تجمع بينهما.
وذكر أبو علي عسل بن ذكوان قال: أخبرنا أبو عثمان قال: سمعت الأصمعي يقول: لم أسمعه إلا و(تأتي) بياء مرفوع على القطع.
قال أبو سعيد: ولا يصح هذا إلا بأن تكون (الواو) في معنى الحال، كأنه قال: لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله، أي: وهذه حالك، وهذا في معنى النصب صحيح.
ولو قلت: لا تنه عن خلق فتأتي مثله لأفسدت المعنى، لأنك إذا قلت: لا تضرب زيدا فيشتمك، فمعناه: متى ضربته شتمك؛ فلو قلت: فتأتي مثله، صار معناه: متى نهيت عن خلق أتيت مثله، وهذا غير المقصود؛ وليس مذهب (الواو) في الجواب كمذهب (الفاء)، مذهب (الواو): لا يجتمعن هذا وذاك؛ ومذهب (الفاء) على اختلافه يخالف مذهب (الواو).
ومنع سيبويه جزم الثاني في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، لأن المقصود في كلام الناس والمعتاد ألا يجمع بينهما للضرر الذي يعتقد في الجمع بينهما. ولو أراد مريد أن ينهى عن أكل السمك على كل حال، وعن شرب اللبن على كل حال لقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن؟ وقول الحطيئة:
[ ٣ / ٢٣٨ ]
ألم أك جاركم وتكون بيني وبينكم المّودة والإخاء (١)
أراد: ألم يجتمع لي الجوار والمودة، يؤكد الحرمة بيني وبينهم والوسيلة إليهم.
وقول دريد:
فلم أفخر بذاك وأجزعا (٢)
أي: لم أجمع الفخر والجزع.
وقوله: ائتني وآتيك- على الجواب- فإن أراد أن يأمر في الثاني كما أمر في الأول، أدخل (اللام) فقال: ائتني ولآتيك، لا يجوز حذف (اللام) إلا في الشعر، لأنه لا مجزوم قبله فيعطفه عليه، وقد تقدم الكلام في نحوه.
وأما قول الله﵎-: فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣). وكان عيسى بن عمر يقرأ (ولا تكذب بآيات ربنا ونكون) بالرفع ويجعلهما تمنيين معطوفين على (نرد)، وهذا أحد وجهي الرفع.
الذي قال فيه سيبويه: فأحدهما أن يشرك الآخر الأول ويقول: إن الله- جل وعز- أكذبهم في تمنيهم على مذهب من يقول إن التمني خبر، فلذلك وقع عليه التكذيب.
وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأهما أيضا بالرفع على غير مذهب عبس، ولكن على الاستئناف على تأويل (ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين إن رددنا) والفعلان الآخران خبران غير متمنيين من أجلهما كذبهم، ولم يكن يرى التمني خبرا.
ورفعهما في مذهب أبي عمرو على الوجه الآخر من وجهي الرفع الذي قال فيه سيبويه:
والآخر على قوله: دعني ولا أعود، أي: فإني ممن لا يعود، فإنما يسأل الترك، وقد أوجب على نفسه ألا عودة له
البتة ترك أو لم يترك.
وأما قراءة عبد الله بن أبي إسحاق بنصب الفعلين الآخرين (ولا نكذب ونكون) فتقديره: يا ليتنا يجتمع لنا الرد وترك التكذيب والكون في جملة المؤمنين، وظاهر هذا التقدير يوجب أن الفعلين الآخرين متمنيان على ما ذكرنا من تقدير (الواو)، ولأن التمني إذا وقع لاجتماع هذه الأشياء فهي متمناة؛ ولو كان مكان الواو فاء فقيل: يا ليتنا نرد فلا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) عجز بيت سبق تخريجه.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٢٧.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين لتغير المعنى، وصار جوابا على معنى: متى وقع الرد لم يقع التكذيب.
كقولك لا تضرب زيدا فيؤذيك، ومعناه: متى وقع الضرب أدى إلى الأذى، وتقديره: يا ليتنا يكون لنا رد وترك تكذيب.
وأما قول الشاعر:
للبس عباءة وتقرّ عيني (١)
فلا بد من نصبه، لأن قوله (للبس) مبتدأ، و(تقر) عطف عليه، بمعنى: وأن تقرّ عيني، و(أحب إليّ) خبر لهما، وقد فضلا مجتمعين على (لبس الشفوف). ولو انفرد أحدهما بطل المعنى المراد، لأنه لم يرد: للبس عباءة أحب إليّ من لبس الشفوف، وهي الرقاق من الثياب، ولبس ذلك مما يختاره الناس، فمعناه: للبس عباءة مع قرة العين والسرور أحب إليّ من لبس الناعم، كما تقول: خبز الشعير مع السرور أحب إلىّ من خبز الجواري؛ فلما كان المعنى يضطر إلى ضم (تقر) إلى (لبس) ليكون أحب لهما، اضطر إلى إضمار (أن) والنصب وأما (يغضب منه) فإن الأجود فيه الرفع، وهو في صلة (الذي) عطفا على موضع (لبس)، وتقديره: الذي لا ينفعني ويغضب منه صاحبي، وعطفه على موضع (لا)؛ فهذا وجه ظاهر، قريب المتناول، صحيح المعنى، والنصب متأول ومعناه على ظاهره غير صحيح، لأنا إذا نصبناه قدرناه معطوفا على (الشيء)، وليس الشيء بمصدر ظاهر فيسهل عطفه عليه؛ فإذا عطفناه صار في موضع خفض باللام، واللام في صلة (قؤول)، فيصير التقدير: ما أنا لغضب صاحبي يقؤول، والغضب لا يكون مفعولا للقول؛ وباب جوازه: وما أنا للقول الذي يوجب غضب صاحبي بقؤول.
ورد أبو العباس المبرد (٢) على سيبويه تقديمه النصب على الرفع. والذي عندي أن سيبويه لم يقدم النصب على الرفع.
قال أبو سعيد: والذي عندي أن سيبويه لم يقدم النصب لأن النصب هو المختار عنده، ولكن الباب للنصب دون الرفع، وإنما قدم ما يقتضيه الباب وما القصد إلى
_________________
(١) صدر بيت سبق تخريجه.
(٢) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس المعروف بالمبرد إمام العربية ببغداد في زمانه، وأحد أئمة الأدب مولده بالبصرة ٢١٠ هـ من كتبه الكامل، المذكر والمؤنث، التعازي والمراثي، إعراب القرآن. توفي ٢٨٦ هـ.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
ذكره فيه.
وأما قوله:
ويسلم عامر (١)
فرفعه على أن (الواو) واو حال، كأنه قال: وعامر هذه حاله، وتأويله: وعامر يسلم، لأن (واو) الحال تطلب الأسماء المبتدأة، والنصب في (يسلم) أجود مثل قوله﷿-: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (٢).
لأن معناه: لأن كنت مقتولا مع سلامة عامر.