قال سيبويه: إذا كان اسم الأرض على ثلاثة أحرف خفيفة، وكان مؤنثا، أو كان الغالب عليه المؤنث ك (عمان) فهو بمنزلة (قدر) و(شمس) و(دعد).
وبلغنا عن بعض المفسرين أن قوله: ﵎: " اهبطوا مصر " إنما أراد (مصر) بعينها.
قال أبو سعيد: اعلم أن تسمية الأرضين بمنزلة تسمية الأناسي فما كان منها مؤنثا فسميت باسم، فهي بمنزلة امرأة سميت بذلك الاسم.
وما كان منها مذكرا، فهو بمنزلة رجل سمي بذلك الاسم.
وإنما يجعل مؤنثا، ومذكرا على تأويل ما تؤول فيه. فإن تؤول أنه اسم بلدة، أو بقعة، أو أرض فهو مؤنث. وإن تؤول فيه أنه بلد أو موضع أو مكان فهو مذكر.
وقد يغلب في كلام العرب في بعض ذلك التأنيث حتى لا يستعمل فيه التذكير.
وفي بعضه يغلب التذكير، ويقل فيه استعمال التأنيث.
وفي بعضه يستعمل التأنيث والتذكير. وربما كان التأنيث الأغلب.
فما غلب فيه التأنيث، ولم يستعمل التذكير: (عمان)، كأنه اسم مؤنث ك (سعاد) و(زينب) ومنها (حمص) و(جور) و(ماه)، وهي غير منصرفة، وإن كانت على ثلاثة أحرف؛ لأنه اجتمع فيها التأنيث والتعريف والعجمة.
فعادلت العجمة سكون الأوسط فلم يصرف، وكذلك كل مؤنث من الآدميين إذا سميتها باسم أعجمي على ثلاثة أحرف، وأوسطها ساكن، لم تصرفها في المعرفة، وصرفتها في النكرة، نحو (جان) و(دل) و(خشّ) وما أشبه ذلك، إذا سميت بها امرأة وغيرها من المؤنث. ولم يجز فيها من الصرف ما جاز في هند.
وكذلك إن سميت امرأة ب (حمص) أو (جور) أو (ماه) لم تصرفها، كما لا تصرفها إذا سميت ب (دل) أو (جان)، لأن ذلك كله أعجمي.
ومن أجل ذلك لا يصرف فارس ودمشق لأنهما أعجميتان على أكثر من ثلاثة أحرف.
[ ٤ / ١٣ ]
قال الشاعر:
لحلحلة القتيل ولابن بدر وأهل دمشق أندية تبين (١)
أي جماعة؛ أراد أعجبوا لحلحلة.
ومن ذلك (واسط) التذكير أغلب والصرف؛ لأن اشتقاقه يدل على ذلك؛ لأنه مكان وسط البصرة والكوفة فهو واسط لهما، ولو كان مؤنثا لقيل واسطة.
ومن العرب من يجعلها اسم أرض فلا يصرف كأنه سمي الأرض بلفظ مذكر كامرأة تسميها ب (واسط) وقد كان ينبغي على قياس الأسماء التي تكون صفات في الأصل أن تكون فيه الألف واللام، كما يقال (الحسن) و(الحارث)
وما أشبه ذلك.
ودخلت الألف واللام، لأنها صفات غالبة، ولكن هذا اسم المكان بصفته.
والعرب قد تفعل هذا لأنهم ربما قالوا (العباس) و(عباس) و(الحسن) و(حسن).
قال الشاعر:
ونابغة الجعديّ بالرمل بيته عليه تراب من صفيح موضّع (٢)
وهو النابغة بالألف واللام، على أنه صفة غالبة ولذلك سماه بنابغة الذي هو صفة من باب الصفة الغالبة، ولم يذكر سيبويه " واسطا " آخر غير الذي بين البصرة والكوفة.
قال فيه الأخطل:
عفا واسط من آل رضوى فتبتل فمجتمع الحرّبن فالصّبر أجمل (٣)
ويجوز أن يكون (واسط) بين مكانين آخرين.
ومما يغلب فيه التنكير والصرف: " دابق " قال الراجز.
ودابق وابن مني دابق (٤)
وكذلك " منى " الصرف والتذكير فيه أجود وإن شئت أنثت.
و(هجر) تؤنث وتذكر. قال الفرزدق:
_________________
(١) المقتضب: ٣/ ٣٥٨، واللسان: (حلل).
(٢) البيت لمسكين الدارمي في ديوانه ٤٩، والمقتضب ٣/ ٣٧٣، والخزانة ٢/ ١١٦، واللسان (وضع)
(٣) البيت في ديوانه ١/ ١٤، واللسان (رضي).
(٤) البيت لغيلان بن حريث في الكتاب ٣/ ٢٤٣، واللسان (دبق).
[ ٤ / ١٤ ]
منهنّ أيّام صدى قد عرفت بها أيام فارس والأيام من هجرا (١)
فهذا أنث. وسمعنا من يقول: كجالب التمر إلى هجر يا فتى.
وأما " حجر اليمامة " وهو قصبة اليمامة فيذكر ويصرف.
ومنهم من يؤنث، يجريه مجرى امرأة، سميت ب (عمرو) لأن " حجرا " شيء مذكر سمي به المذكر.
قال سيبويه: " فمن الأرضين ما لا يكون إلا على التأنيث (نحو عمان) و(الزاب) ومنها ما لا يكون إلا على التذكير
نحو فلج.
وما وقع صفة كواسط ثم صار بمنزلة زيد وعمرو وأخرج الألف واللام منه وجعل كنابغة الجعدي "
وأما (قباء) و(حراء) فقد اختلفت فيها العرب، فمنهم من يذكر ويصرف وذلك أنهم جعلوهما اسمين لمكانين، كما جعلوا واسطا بلدا ومكانا.
ومنهم من أنث، ولم يصرف.
وجعلهما اسمين لبقعتين من " الأرض ".
قال الشاعر:
ستعلم أيّنا خير قديما وأعظمنا ببطن حراء نارا (٢)
وكذلك: " أضاخ " فهذا أنث. وقال غيره، فذكر.
وربّ وجه من حراء منحني (٣)
" وقد نسب البيت في الكتاب للعجاج وهو لرؤبة ".
قال: " وسألت الخليل فقلت: أرأيت من قال: هذه قباء يا هذا، كيف ينبغي أن يقول إذا سمي به رجل؟
قال: يصرفه وغير الصرف خطأ لأنه ليس بمؤنث معروف في الكلام، ولكنه
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢٨٣، والكتاب ٣/ ٢٤٣.
(٢) المقتضب ٣/ ٣٥٦، واللسان (حرى).
(٣) اللسان: (حرى).
[ ٤ / ١٥ ]
مشتق " كجلاس "، وليس شيئا قد غلب عليه عندهم التأنيث كسعاد، وزينب ولكنه مشتق يحمله المذكر، ولا ينصرف في المؤنث كهجر، وواسط.
ألا ترى أن العرب قد كفتك ذلك لما جعلوا واسطا للمذكر صرفوه، فلو علموا أنه شيء للمؤنث ك " عناق " لم يصرفوه، أو كان اسما غلب عليه التأنيث لم يصرفوه، ولكنه اسم " كغراب "، ينصرف في المذكر ولا ينصرف في المؤنث، فإذا سميت به الرجل فهو بمنزلة المكان.
قال أبو سعيد: قد قدمت أن الاسم المؤنث الذي إذا سمي به الرجل لم ينصرف مما ليس فيه علم التأنيث على ضربين؛ أحدهما: أن يكون اسما معروفا مؤنثا قبل التسمية ك (عناق) و(عقرب).
والآخر: أن يكون اسما اشتق لتسمية المؤنث المعرفة فقط، ولم يكن قبل ذلك اسما لشيء جاز أن يشتقوه للمذكر. فما اشتقوه للمذكر (قباء) و(حراء).
والدليل على أنه اشتق للمذكر أنهم قد يصرفونه، ولو كان للمؤنث لم يصرفوه بحال؛ لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف.
فمن صرف (حراء) و(قباء) فلأنه اسم مذكر سمي به شيء مذكر، مكان، أو موضع أو ما أشبه ذلك من تقدير التذكير، فصار بمنزلة رجل يسمى ب (جعفر) أو (واقد) أو (نافع) وما أشبه ذلك.
ومن لم يصرف فإن الاسم مذكر والمسمى مؤنث كأنه اسم بقعة، فصار بمنزلة امرأة سميناها ب (نافع) أو (جعفر) فلا يصرف لتأنيث المسمى لا لأن اللفظ كان مؤنثا.
ومن أجل ذلك إذا سمينا رجل ب (قباء) أو (حراء) صرفناه؛ لأن اللفظ مذكر والمسمى به مذكر وإذا سمينا رجلا ب (لسان) على لغة من يقول: هي اللسان لم تصرفه؛ لأنها بمنزلة (عناق) وإن سمي ب (اللسان) على لغة من يقول: هو اللسان صرفه والتأنيث، والتذكير في اللسان- وإن لم يكن فيه علم التأنيث في اللفظ- بمنزلة شيء واحد يسمى بلفظين أحدهما فيه علم التأنيث والآخر لا علم فيه.
كقولهم: اللذاذ، واللذاذة ومعناهما واحد وأحد اللفظين مذكر والآخر مؤنث، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ١٦ ]