فإذا سميت رجلا برجلين، فإنّ أقيسه وأجوده أن تقول: هذا رجلان ورأيت رجلين، ومررت برجلين كما تقول: هذا مسلمون، ورأيت مسلمين ومررت بمسلمين.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب مشتمل على أن المسمى بتثنية أو جمع سالم بالواو والنون والألف والتاء، يختار فيه بعد التسمية أن يجري لفظه على ما كان يجري قبل التسمية، فيقال في رجل اسمه (مسلمان) هذا مسلمان أقبل ورأيت مسلمين ومررت بمسلمين.
وفي رجل اسمه (مسلمات) هذا مسلمات قد أقبل ورأيت مسلمات قد أقبل ومررت بمسلمات وعلى هذا جاء (عرفات): قال الله ﷿: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ (١).
ثم قال أمرؤ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال (٢)
قال أبو سعيد: ومن العرب من لا يجري ذلك على حده قبل التسمية فيجري الإعراب في المثنى على النون. ويجعل قبل النون ألفا لازمة ويجعله غير منصرف بمنزلة عثمان ومروان.
فيقول: هذا مسلمان قد جاء ورأيت مسلمان ومررت بمسلمان.
ويقول من يلزمها الياء والنون هذا مسلمين فيجعل الإعراب في النون " ورأيت مسلمينا " و" مررت بمسلمين " فيجعل الإعراب في النون ويجعل قبل النون ياء لازمة.
ومن الناس من لا يرى صرفه وقد أجروا أسماء مواضع على هذين الوجهين نحو " قنسرين " " يبرين " و" فلسطين " " وسيلحين ". فمنهم من يقول هذه فلسطون ويبرين وقنسرون وسيلحون، ورأيت قنسرين ويبرين وفلسطين وسيلحين ومررت بقنسرين
_________________
(١) البقرة: الآية: ١٩٨.
(٢) الكتاب: ٣/ ٢٣٣، شرح المفصل، ١/ ٤٧ - ٩/ ٣٤، والمقتضب: ٣/ ٣٣٣، والخزانة: ١/ ٥٦.
[ ٤ / ٣ ]
ويبرين وفلسطين وسيلحين فيجعل النون مفتوحة على كل مثال ويغير ما قبلها. ومنهم من يجعل الإعراب في النون ويجعل قبلها ياء اللازمة فيقول هذه فلسطين وقشرين وسيلحين ويبرين ورأيت فلسطين ويبرين وسيلحين ومررت بفلسطين ويبرين وسيلحين.
فإن قال قائل: تجيزون في تثنية المثنى أن يجعل الإعراب في النون ويجعل ما قبلها ياء لازمة كما أجزتم ذلك في الجمع. قيل له لا يجوز ذلك. وكلنا نجعل ما قبل النون في التثنية ألفا لازمة؛ لأن له نظيرا في الكلام كقولنا: زعفران وعثمان وضربان.
وما لا يحصى كثرة مما في آخره ألف ونون زائدتان وليس في الكلام في آخر الاسم ياء ونون زائدتان وقبل الياء فتحة، فمن اعتمد ذلك لم يقل: رجلين، ومسلمين إذا سمينا المثنى.
وأما ما في الجمع فقد وجد نظيره في الكلام إذا ألزمنا الإعراب النون وجعلنا قبلها ياء لازمة كقولنا غلسين وهو " فعلين ".
وقد رأينا العرب يعربون النون في سنين فيقولون هذه سنين.
قال الشاعر:
ذراني من نجد فإن سنينه لعين بنا شيبا وشيّبننا مررا (١)
وأما ما كان بالألف والتاء فالذي ذكره أصحابنا التنوين ثم أجازوا ترك التنوين كقولنا هذه قريشيات وعرفات ورأيت قريشيات وعرفات ومررت بعرفات وقريشيات.
وذكر أبو العباس المبرد أن الفتح لا يجوز فيه. لا يجوز عنده أن يقول رأيت عرفات، ومسلمات إذا سميت رجلا.
قال أبو سعيد: ورأيت بعض النحويين من قول ضد هذا يقول إذا حذفت التنوين لم يجز إلا الفتح.
وكلام سيبويه يدل على هذا عندي، ولم يفصح بفتح ولا كسر وذلك أنه قال:
" ومن العرب من لا ينون " أذرعات " ويقول هذه قريشيات كما ترى شبهوها بهاء التأنيث لأن الهاء تجيء للتأنيث ولا تلحق بنات الثلاثة بالأربعة والأربعة بالخمسة ".
قال: " فإن قلت كيف تشبهها بالتاء وبين التاء وبين الحروف المتجول ألف فإن
_________________
(١) ابن يعيش: ٥/ ١١، اللسان (سنه).
[ ٤ / ٤ ]
الحرف الساكن ليس بحاجز حصين فصارت كأنها ليس بينها وبين المتحرك شيء.
فهذا من كلام سيبويه دليل بيّن أن التاء في الجمع بمنزلة الهاء، وأن الألف كالمطّرحة فينبغي أن يكون الفتح أولى بها. وأما قول الأعشى:
تخيّرها أخو عانات شهرا ورجّى أولها عاما فعاما (١)
فأبو العباس محمد بن يزيد لا يفتح " عانات " على ما ذكرت لك من مذهبه والذي يفتح يقول " عانات ".
وروي عن الأصمعي أنه قال: ترك التنوين مع الكسر خطأ وينبغي أن يفتح.