قال سيبويه: " اعلم أنّ حتى تنصب على وجهين:
فأحدهما: أن تجعل الدخول غاية لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها،
_________________
(١) البيت منسوب لكثير عزة في ديوانه ٣٠٥، الخزانة ٨/ ٤٧٦؛ ابن يعيش ٩/ ١٣؛ الكتاب ٣/ ١٥.
(٢) البيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
كأنك قلت: سرت إلى أن أدخلها، فالناصب للفعل هاهنا هو الجارّ في الاسم إذا كان غاية. فالفعل إذا كان غاية منصوب، والاسم إذا كان غاية جرّ؛ وهذا قول الخليل.
وأمّا الوجه الآخر: فأن يكون السّير قد كان والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلّمته حتى يأمر لي بشيء.
واعلم أنّ حتى يرفع الفعل بعدها على وجهين:
تقول: سرت حتى أدخلها، تعني أنه كان دخول متصل بالسّير كاتّصاله بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلها، وأدخلها هاهنا على قولك: هو يدخل، وهو يضرب، إذا كنت تخبر أنه في عمله، وأنّ عمله لم ينقطع. فإذا قال: حتى أدخلها فكأنه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول؛ فالدخول متّصل بالسير كاتّصاله بالفاء. فحتّى صارت هاهنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الابتداء؛ لأنها لم تجيء على معنى إلى أن، ولا معنى كي، فخرجت من حروف النصب كما خرجت إذن منها في قولك: إذن أظنّك.
وأمّا الوجه الآخر: فإنّه يكون السّير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع، أي حتى أنّي الآن أدخلها كيفما شئت. ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى مني عاما أوّل شيئا حتى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه، والرفع هاهنا في الوجهين جميعا كالرفع في الاسم. قال الفرزدق:
فيا عجبا حتّى كليت تسبّني كأنّ أباها نهشل أو مجاشع (١)
فحتّى هاهنا بمنزلة إذا، وإنما هي هاهنا كحرف من حروف الابتداء.
ومثل ذلك: شربت حتى يجيء البعير يجرّ بطنه، أي: حتى أنّ البعير ليجيء يجرّ بطنه.
ويدلّك على حتى أنّها حرف من حروف الابتداء أنّك تقول: حتى إنّه يفعل ذاك، كما تقول: فإذا إنّه يفعل ذاك. ومثل ذلك قول حسّان بن ثابت الأنصاري:
_________________
(١) البيت في ديوانه ١/ ٥١٨؛ الخزانة ٩/ ٤٧٥، ٤٧٦؛ ابن يعيش ٨/ ١٨، ٦٢؛ الكتاب ٣/ ١٨؛ المقتضب ٢/ ٤١.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم لا يسألون عن السّواد المقبل (١)
ومثل ذلك: مرض حتى يمرّ به الطائر فيرحمه، وسرت حتى يعلم الله أننّي كالّ.
فالفعل هاهنا منقطع من الأوّل، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه متّصل كاتصاله بالفاء، كأنه قال: كان سير فدخول، كما قال علقمة بن عبدة:
ترادى على دمن الحياض فإن تعف فإنّ المندّى رحلة فركوب (٢)
لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضي، ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضي، ولكنّ الآخر متصل بالأوّل، ولم يقع واحد دون الآخر.
وإذا قلت: لقد ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم، فليس كقولك:
سرت فأدخلها، إذا لم ترد أن تجعل الدخول السّاعة؛ لأنّ السير والدخول جميعا وقعا فيما مضى. وكذلك مرض حتى لا يرجونه، أي حتى إنّه الآن لا يرجونه؛ فهذا ليس متّصلا بالأول واقعا معه فيما مضى.
وليس قولنا كاتصال الفاء يعني أنّ معناه معنى الفاء، ولكنّك أردت أن تخبر أنّه متّصل بالأول، وأنّهما وقعا فيما مضى.
وليس بين حتى في الاتصال وبينه في الانفصال فرق في أنّه بمنزلة حرف الابتداء، وأنّ المعنى واحد إلا أنّ أحد الموضعين الدخول فيه بالسّير متصل، وقد مضى السير والدخول، وإنما اتصاله في أنّه كان فيما مضى، وإلا فإنّه ليس يفارق موضعه الآخر في شيء إذا رفعت ".
قال أبو سعيد: من مذهب سيبويه: أنّ حتى من الحروف الخافضة للأسماء كاللام الخافضة للأسماء، وأنّها إذا نصبت الفعل فإنما تنصبه بإضمار أن كاللام، وقال الكسائي:
حتى لا تخفض، إنّما تخفض بعدها إلى مضمرة ومظهرة، فيقال: أكلت السمكة حتى إلى رأسها؛ فقد حصل بهذا أنّ حتى لا تعمل في الأسماء شيئا إذ كان الخفض بعدها بغيرها.
وقال الفرّاء وأصحابه: حتى من عوامل الأفعال مجراها مجري كي وأن، وليس عملها لازما في الأفعال إذ كان يبطل في: سرت حتى صبّحت القادسيّة، ودفعت حتى وصلت إلى الأمير، ثم لمّا صحبت إلى خفضت الأسماء لنيابتها عن إلى، وأنّها إذا عملت في
_________________
(١) البيت في ديوانه ١٢٣، الخزانة ٢/ ٤١٢؛ الكتاب ٣/ ١٩.
(٢) البيت في ديوانه ١٤، الكتاب ٣/ ١٩؛ والمقتضب ٢/ ٣٩.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
الاسم لم يكن لها معناها حين تعمل في الفعل.
وقال الكسائي في: حتى مطلع تخفضه إلى المضمرة وليس لحتّى فيه عمل.
وقال الفرّاء: حتى هي الخافضة للمطلع لمّا قام مقام إلي.
قال أبو سعيد: اعلم أنّ الحرف الواحد الذي أصل معناه واحد قد يستعمل في مواضع مختلفة، فيغلب عليه اختلاف مواضعه، فيصيّره كالحروف المختلفة حتى يعمل أعمالا مختلفة، وذلك نحو لا أصلها النفي للشيء وإبطاله، ثم استعمل في مواضع مختلفة من نهي يقابل به الأمر، ومن نفي يقابل به حروف الاستفهام، ومن دخول على مبتدإ وخبر وغير ذلك من مواضعه، فعملت أعمالا مختلفة من جزم ونصب ورفع، وأبطل عملها في بعض مواضعها؛ لأنّ تفرّقها في هذه المواضع المختلفة كتفرّق الحروف المختلفة اللّفظ والمعنى.
ومن ذلك اللام المكسورة؛ لفظها واحد ومواضعها مختلفة، فجزمت الفعل وخفضت الاسم، ولا خلاف بين النّحويين فيما ذكرناه، وإنما يختلفون بعد ذلك في حروف تظهر لها أعمال، فلا يحقّقون تلك الأعمال لها، ويطلبون حروفا أخر يدّعون إضمارها لتلك الأعمال، وإبطال عمل هذا الظاهر عنها، وربّما جعلوا بعضها بدلا من شيء آخر، فمن ذلك ما يمكن تصحيحه ويقرب مأخذه، ومنه ما يبعد، وأنا أذكر منه ما أحوجنا إليه هذا الباب واللفظ الذي شرعنا فيه منه، وأذكر نحوه الذي يقتضيه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فممّا يقرب تصحيحه قول سيبويه في حتى: إذا نصبت الفعل أنّها تنصبه بإضمار أن، وذلك أنّ حتى على مذهبه من حروف الجر؛ لأنّ ما بعدها في الاسم مخفوض إذا كانت غاية، وذلك قولك: خرج القوم حتى زيد.
فإن قال قائل من أصحاب الكسائي: هلا أضمرتم بعد حتى إلى، وخفضتم زيدا به، كما حكينا عن الكسائي.
قيل: لا يجوز ذلك لبعده في التقدير، وإبطال معنى حتى، وذلك أنّ موضوع حتى في الأسماء أن يكون الاسم الذي بعدها من جملة ما قبلها، وأنّ حتى اختصّت به من بين الجملة؛ لأنه يستبعد فيه الفعل أكثر من استبعاده في سائر الجملة، كقولنا: قاتل زيد السباع حتى الأسد؛ لأن قتاله للأسد أبعد من قتاله لغيره، وكذلك تقول: استجرأ على الأمير جنده حتى الضعيف الذي لا سلاح له؛ لأنّ استجراء الضعيف الذي لا سلاح له أبعد في النفوس من استجراء غيره من الجند؛ فلو جعلنا مكان حتى إلى فقلنا: استجرأ على الأمير
[ ٣ / ٢٠٩ ]
جنده إلى الضعيف، ما جاز ولا أدّى عن معنى حتى، فإن قدّرناه بقولنا: استجرأ على الأمير جنده حتى انتهى استجراؤهم إلى الضعيف الذي لا سلاح له كان ذلك بزيادة كثيرة، وكانت إلى في صلة انتهى لا في صلة حتى، والذي ذكره الكسائي من إضمار ذكر إلى بعد حتى شيء منكر لا يعرف، وإذا جعلنا الخفض بنفس حتى على مذهب سيبويه فلا يخرج ذلك عن قياس النحو، وعن المتناولات العربية، وذلك أنّ حتى قد يليها المخفوض في حال، ويكون ما بعدها غير مخفوض في حال، ولها نظائر مما تخفض في حال ويبطل خفضها في حال نحو: منذ، ومذ، وخلا، وحاشى في الاستثناء، فظهور الخفض بعدها إذا لم يقم برهان على إضمار حرف خافض يوجب أنّها هي الخافضة، كما أنّ هذه الحروف هي الخافضة، ويدلّ على أنّها هي الخافضة قولهم: حتّام وحتّامه، وإلام وإلامه، وأصلها:
حتى ما، وما للاستفهام ولا تسقط عنها الألف إلا أن يدخل عليها خافض، فعلم بذلك أنّ حتى خافضة. فلمّا كانت خافضة في الاسم إذا كانت غاية، ثم رأيناها تدخل على الفعل في معنى الغاية، جعلنا السّبيل فيهما واحدا، وبقّيناها على خفضها، وأحوجنا ما وجب لها من عمل الخفض أن نجعل ما عملت فيه اسما، ولا يكون الفعل اسما إلا بأن يقرب به أن؛ لأنّها والفعل بمنزلة المصدر، وإذا قدرناه لم يبعد تقديره؛ لأنّا لو قلنا لرجل: أقم حتى يقدم زيد، وقف حتى تطلع الشمس، فحتى هي للغاية، وإذا جئنا ب (إلى) التي هي للغاية كحتى وإن كانت تخالفها في معنى آخر قلنا: أقم إلى أن يقدم زيد، وقف إلى أن تطلع الشّمس؛ فموقع إلى موقع حتّى، ولا يجتمعان؛ لأن إحداهما تغني عن الأخرى.
ويدلّك على أنّ حتى في موضع إلى في هذا الموضع أنّك تقول: أقم إلى قدوم زيد، وأقم حتى قدوم زيد، كما قال ﷿: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وهذا أحد وجهي نصب الفعل بحتّي وهو الغاية، ولم يذكروا بعد حتى أن كما ذكروها بعد إلى؛ لأنّ إلى لا تدخل إلا على الأسماء ولا يبطل الخفض بها ولا يقدّر إلغاؤه فيها.
وحتى يبطل عملها في أحوال؛ فتدخل على الأسماء بمعنى حروف العطف في قولك:
رأيت القوم حتى زيدا، وجاءني القوم حتى زيد، وتدخل على الأفعال فتنصبها على غير وجه الغاية، وتدخل عليها العوامل ولا تعمل شيئا، وتكون كحروف الابتداء نحو: الواو والفاء، فلمّا كانت كذلك ألزموا إلى أن؛ لتظهر اسمية ما دخلت عليه، وقوّة لزومها الخفض، ومن أجل ذلك أيضا حسن ظهور أن بعد اللام المكسورة، ولا يحسن ظهورها بعد حتّى، وقد ذكرنا حسن سقوط أن بعد اللام والفرق بينها وبين غيرها من
[ ٣ / ٢١٠ ]
حروف الجرّ.
والوجه الثاني من وجهي النصب بحتى تكون فيه أيضا حرف خفض؛ لأنّه يحسن فيه أن تقول: حتّامه، وقد مضي الكلام في نحوه.
وأما وجها رفع الفعل بعد حتى فأصلهما وجه واحد في المعنى، وذلك أن يكون ما قبلها موجبا لما بعدها، ولكن ما يوجبه ما قبلها فقد يجوز أن يكون عقيبا له ومتّصلا به، وقد يجوز أن لا يكون متصلا به ولكن يكون موطّأ مسهّلا بالفعل الأول، متى اختاره صاحبه أوقعه، وقد وطيء له ومكّن منه. ومن هذا قوله: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع؛ لأن السّير مكّن له أن يدخلها كيف شاء في المستقبل، وكذلك: رأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء؛ لأن الذي رأى منه العام الأول هو الذي أصاره في عامه إلى الضّعف عن كلامه، وسائره محمول على مثل ما ذكرناه، وحتى في رفع الفعل بمنزلة الواو، والفاء، وإذا، وإنما، وسائر حروف الابتداء التي يرتفع الفعل بعدها، وسبيلها في بطلان عملها عن الفعل كسبيلها في بطلان عملها عن الاسم إذا قيل: رأيت القوم حتى زيدا، وجاءني القوم حتى زيد، ومعناها في الفعل في وجهي النصب الغاية ومعنى كي، وفي وجهي الرفع أن يكون الفعل الذي قبلها يوجب الفعل الذي بعدها ويوطئه.
وأمّا قول سيبويه في الفعل المرفوع فيما مضي إذا قلت: سرت حتى أدخلها، كأنه قال: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء، فإنّما أراد أن يشبّه كون الفعل فيما مضى مع حتى بكونها مع الفاء فيما مضى، ولم يرد أن يوجب أنّ عمل حتى ومعناها كعمل الفاء ومعناها؛ لأنّ الفاء لا يوجب أنّ ما بعدها أوجبه ما قبلها؛ لو قال: خرجت فإذا زيد قائم لم يكن قيام زيد من أجل خروجك.
وحتى هذه التي يرتفع الفعل بعدها يجوز أن يقع بعدها مبتدأ وخبر، وتقع إنّ بعدها مكسورة كقولك: مرض حتى إنّه الآن لا يرجونه، وأنس زيد بالأمير حتى هو يدخل عليه بغير إذن، ووادّ زيد أخاك حتى أهلهما يتوادّون.