اعلم أن كل " فعل " إذا كان اسما، معروفا في الكلام، أو صفة، فهو مصروف، فالاسم المعروف في الكلام على ضربين، أحدهما: أن يكون واحدا من جنس، أو جمعا لواحد من جنس، فالاسم الذي لواحد نحو: " صرد "، و" جعل "،
و" خزز "، و" سبد "، اسم طائر وما أشبه ذلك، والجمع نحو " ثقب "، و" حفر "، و" ظلم " وما أشبه ذلك إذا أردت جمع الثّقبة، والحفرة والظّلمة، والصفات نحو هذا رجل حطم، كما قال الحطم القيسي:
قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم (١)
وختع، وسكع، والختع: الدليل والسكع: الذي يتسكع في الأمر وإنما صرفت
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٢٢٣ والمقتضب ١/ ٥٥ - ٣/ ٣٢٣، شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢/ ٢٥٣، وابن يعيش ٦/ ١١٣.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
هذه الأسماء، لأنها ليست كالاسم الذي يشبه الفعل الذي في أوله زيادة، وليست في آخرها زيادة تأنيث وليس بفعل، ولا نظير له في الأسماء، فصار ما كان منه اسما ولم يكن جمعا ك " حجر " ونحوه، وما كان منه جمعا بمنزلة " كسر " و" إبر "، وما كان منه صفة بمنزلة قولك: هذا رجل عمل إذا أردت كثير العمل، وبمنزلة رجل جنب، ورجل سلك إذا كان خفيفا في عمله.
فأما " عمر " و" زفر " فإنهم منعهم من صرفها وأشباههما أنهما ليسا كشيء واحد مما ذكرنا، وإنما هما محدودان عن البناء الذي هو أولى بهما، وهو بناؤهما في الأصل، فلما خالفا بناءهما في الأصل تركوا صرفهما، وذلك نحو: " عامر " و" زافر "، ولا يجيء " عمر " وأشباهه محدودا عن البناء الذي هو أولى به، إلا وذلك البناء معرفة.
كذلك جرى هذا الكلام، فإن قلت: عمر آخر، صرفته؛ لأنه نكرة، فتحول عن موضع " عامر " معرفة.
وإن حقرته صرفته؛ لأن " فعيلا " يقع في كلامهم محدودا عن " فويعل " وأشباهه، كما لم يقع " فعل " نكرة محدودا عن " عامر " فصار تحقيره كتحقير " عمرو " كما صارت نكرته كصرد وأشباهه " هذا قول الخليل ".
قال أبو سعيد: اعلم أن عدل " فعل " عن " فاعل " و" فعال " عن " فاعلة " معنى مفهوم في كلامهم، يريدون به التوكيد والمبالغة، وذلك قولهم في النداء: يا فسق ويا فساق للأنثى، ويا خبث، ويا خباث، ويا غدر، ويا غدار يؤكدون فيها الخبث، والفسق، والغدر، وهي أسماء معارف بالنداء، وكذلك يعدلون في الأسماء الأعلام فيقولون: " عمر "، و" زفر " و" قثم "، وجشم، وما أشبه ذلك للمذكر.
و" حذام "، و" قطام "، و" رقاش "، وما أشبه ذلك للمؤنث، فوقع العدل عن هذه الأسماء الأعلام وهي معارف كما وقع في النداء، فإذا نكرته، فزال التعريف انصرف؛ لأنه لم يبق إلا العدل.
وإن صغّرته زال عن لفظ العدل وساوى تصغير " عمرو " فساوى ما ليس بمعدول.
وقد كان يجوز أن يصغر " عامر " على " عمير " بإسقاط الزائد من غير عدل، فأبطل التصغير مذهب العدل، ولم يكن
المصغر معدولا عن مصغر فيجتمع فيه في حال التصغير العدل والتعريف.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وسمى سيبويه " المعدول " " محدودا "؛ لأن المحدود عن الشيء هو الممنوع والمعدول عنه في نحو معناه.
وإنما قال: " هذا قول الخليل " يريد أن الخليل شرحه، وذكره على الترتيب الذي جاء به، ولم يرد أن له مخالفا خالفه.
قال: " وسألته عن " جمع " و" كتع " فقال: هما معرفة بمنزلة كلهم، وهما معدولتان عن جمع " جمعاء "، وجمع " كتعاء "، وهما مصروفان في النكرة ".
قال أبو سعيد: اعلم أن فعل الممنوع الصرف على ثلاثة أوجه وكلهن معدول، والعدل فيهن مختلف، وعللهن ملتبسة، تحوج إلى زيادة في الشرح، والله المعين.
فأولها باب " عمر " وقد ذكرناه.
والثاني " جمع " و" كتع " وهما معرفتان، معدولتان، على غير معنى عدل عمر وبابه، لأن " عمر " معدول عن " عامر " الذي هو معرفة، والأصل فيه باب النداء إذا قلت: " يا فسق " و" يا غدر " وهو كالمطرد في النداء إذا أردت به المبالغة.
وأما " جمع " فإنك تقول أكلت الرغيف أجمع ووقفت على الأمر أجمع، ورأيت الزيدين أجمعين، ووقفت على القصّة جمعاء وعلى القصص جمع، ورأيت الهندات جمع، وإن زدت في التوكيد واتبعت قلت رأيت الهندات جمع كتع. وكان الأصل أن تقول " جمعا كتعا "؛ لأن ما كان مذكره على أفعل ومؤنثه على فعلاء فباب جمعه أن يكون على فعل، كقولنا أحمر وحمراء وحمر وأشهب وشهباء وشهب، غير أنهم عدلوا عن " جمع وكتع " إلى " جمع وكتع "؛ لأن هذا لا يستعمل إلا معرفة، وباب أحمر وحمراء يستعمل معرفة ونكرة.
فشبّهوه في جمعهم إياه على " فعل " بباب الأفضل والفضلى والأطول والطولى، وجمع المؤنث فيه الفضل والطّول، ولا يستعمل إلا بالألف واللام معرفة، فلما كان جمع وكتع معرفتين بغير الألف واللام صار كالفضل والطّول واجتمع فيه علتان: العدل عن فعل الذي هو القياس في جمع جمعاء وكتعاء والثانية التعريف.
وأما " فعل " الثالث فهو أخر، وهي غير مصروفة في النكرة والذي منعها من الصرف في النكرة العدل والصفة، والذي يذكره النحويون أنها معدولة عن الألف واللام.
فقول القائل: كيف يعدل عن الألف واللام وهي نكرة وما فيه الألف واللام معرفة
[ ٣ / ٤٩٠ ]
لا اعتبار له، وشرح ذلك: أن " أخر " جمع " أخرى " أنثى " آخر " تقول: مررت بزيد ورجل آخر، فلا ينصرف؛ لأن
المعنى وبرجل آخر منه، كما تقول: مررت بزيد ورجل أفضل منه، وباب أفضل منه تلزم فيه " من " وإن حذفت في بعض الأحوال فهي مقدرة ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، تقول: مررت برجل أفضل منك، وبرجلين أفضل منكما، وبرجال أفضل منكم. وبنسوة أفضل منكن، فإذا دخلت عليه الألف واللام سقطت من، وثني، وجمع وفصل بين المذكر والمؤنث.
تقول: مررت بالرجل الأفضل، وبالمرأة الفضلى، وبالرجلين الأفضلين، والمرأتين الفضليين والرجال الأفضلين، والأفاضل والنسوة الفضليات، والفضل.
و" آخر " يستغنى فيه عن " من " وإن كان من باب أفضل منك؛ وذلك أنه لا يؤتى به مبتدأ، لا تقول: مررت برجل آخر، كما تقول: مررت برجل أفضل منك، وإنما يؤتى ب " آخر " بعد اسم قبله.
كقولك: مررت بزيد ورجل آخر، فعلم بذلك أنه آخر من الاسم الأول، وأطرحت " من " فلم تذكر فأشبهت ما فيه الألف واللام من " الأفعل " كالأفضل والأكرم، فثني، وجمع، وأنث، فصار في هذا الموضع بمنزلة ما فيه الألف واللام في التعريف، وجرى في الصفة مجرى أفضل منك، وإن سميت رجلا ب " صغر " و" كبر " و" فضل " من قولهم الصغرى والكبرى، والفضلى صرفته؛ لأن هذا لم يعدل عن شيء ولم يخرج عن بابه.
وإنما نزعت الألف واللام من الصغر والكبر وهما في بابهما فسمي بذلك كما يسمى الشيء ببعض الاسم لو سمينا ب " جعف " من " جعفر " أو " حار " من " حارث " لصرفناه ولم يدخل ذلك في العدل. وقد ذكر التّوّزي عن أبي عبيدة أنه قال: " لكع " و" لكعة " فعلى هذه الحكاية ينصرف لكع إذا سمينا به ويصير بمنزلة حطم وحطمة.
قال سيبويه: فإن حقرت " أخر " اسم رجل صرفته كما صرف " عمر "، إذ حقّر " وينبغي على قياس قول سيبويه إذا سمينا رجلا بأخر وهو لا يصرفه، ثم نكرناه ألا نصرفه أيضا؛ لأنه منع الصرف منكورا قبل التسمية فترده إلى حالة منكورا إذا نكرناه بعد التسمية كما فعل بأحمر إذا سمي به نكرة.
قال: " وسألته عن " أحاد " و" مثنى " و" ثلاث " و" رباع " فقال: هو بمنزلة (أخر)
[ ٣ / ٤٩١ ]
إنما حده واحدا واحدا فجاء محدودا عن وجهه فترك صرفه، قلت: أفتصرفه في النكرة؟ قال: لا، لأنه نكرة توصف به نكرة ".
قال أبو سعيد: اعلم أن أحاد وثناء قد عدل لفظه ومعناه، وذلك أنك إذا قلت:
مررت بواحد أو اثنين، أو ثلاثة فإنما تريد تلك العدة بعينها، لا أقل منها، ولا أكثر، فإذا قلت: جاءني قوم أحاد، أو ثناء، أو ثلاث، أو رباع، فإنما تريد أنهم جاءوني واحدا واحدا، أو اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، والمانع
من الصرف فيه أربعة أقاويل:
منهم من قال: إنه صفة، ومعدول فاجتمعت علتان منعتاه الصرف، ومنهم من قال: إنه عدل في اللفظ والمعنى، فصار كأن فيه عدلين وهما علتان، فأما عدل اللفظ فمن " واحد " إلى " أحاد " ومن (اثنين) إلى " ثناء ".
وأما عدل المعنى فتغيير العدة المحصورة بلفظ الاثنين والثلاثة إلى أكثر من ذلك مما لا يحصى.
وقول ثالث: إنه عدل وإن عدله وقع من غير جهة العدل؛ لأن باب العدل أن يكون للمعارف وهذا للنكرات.
وقول رابع: إنه معدول وإنه جمع لأنه بالعدل قد صار أكثر من العدة الأولى، وفي ذلك لغتان " فعال " و" مفعل " كقولك: " أحاد وموحد " و" ثناء ومثنى " و" ثلاث ومثلث " و" رباع ومربع ".
وقد ذكر الزجاج أن القياس لا يمنع أن يبنى منه إلى العشرة على هذين البناءين فقال خماس ومخمس، وتساع، ومتسع وعشار، ومعشر. وبعض النحويين يقول إنها معرفة واستدل أصحابنا على تنكيره بقوله: ﷿: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (١) فوصف أجنحة وهي نكرة بمثنى وثلاث ورباع.
وقال ساعدة بن جؤيّة:
وعاودني ديني فبتّ كأنّما خلال ضلوع الصّدر شرع ممدّد (٢)
_________________
(١) سورة فاطر، من الآية ١.
(٢) البيت في الخزانة ٦/ ٨٧.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
ثم قال:
ولكنّما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغّى الناس مثنى وموحد (١)
فوصف ذئابا بمثنى وموحد.
قال سيبويه: " وإذا صغرت " ثناء " أو " أحاد " صرفته، كما صرفت " عمر " و" أخر " إذا حقرتهما ".
وقولنا: " قال " و" قيل " وإن كان أصله " قول " و" قول " لا يدخل في العدل وإنما هو من باب التخفيف كقولنا في علم: علم وفي ظرف: ظرف، تخفيفا، وليس من باب العدل؛ لأن في العدل توكيد معنى أو نقله من لفظ إلى لفظ أو تغيير قياس فيه لمعنى يدعو إليه على ما ذكرناه من وجوه العدل. وليس " عمر " بمحذوف من " عامر " كما أن " ميت " محذوف من ميّت، لأن " عمر " قد غيرنا اللفظ فيه، وضممنا أوله، ولم يغير في " ميت " أكثر من أن حذفت الياء المتحركة منه، ومخالفة بناء " عمر " لعامر كمخالفة مثنى لاثنين.
قال: " وإذا سميت رجلا ب " ضرب "، ثم خففته، فأسكنت الواو صرفته؛ لأنك قد أخرجته إلى مثال ما ينصرف، كما صرفت " قيل " وصار تخفيفك ل " ضرب " كتحقيرك إياه؛ لأنك تخرجه إلى مثال الأسماء، ولو تركت صرف هذه الأشياء في التخفيف للعدل لما صرفت اسم " هار " لأنه محذوف من هاير ".
وقد خالفه أبو العباس محمد بن يزيد في تخفيف " ضرب " فقال: إذا خففنا " ضرب " قبل التسمية فقلنا: " ضرب " ثم سمينا به مخففا، فإنه ينصرف، وإن سميناه ب " ضرب " ثم خففناه لم ينصرف؛ لأننا ننوي " ضرب " في التسمية.
وفرّق بين " ضرب " إذا خففناه بعد التسمية وبين " قيل " وذلك أن قيل لم يستعمل فيه قول، وإنما يبنى على التخفيف، والتخفيف فيه لازم، وليس بلازم في ضرب.
وقال المحتج عن سيبويه: إن المانع من صرف " ضرب " اللفظ الذي ليس في الأسماء نظيره، فإذا زال اللفظ إلى ما له نظير انصرف، كما ينصرف إذا حقرته.
واستدل سيبويه أنه ليس الحذف في كل حال للعدل بأن " هار " مخفف عن " هائر " محذوف الهمزة وليس بمعدول، ولا ممنوع الصرف فاعرفه إن شاء الله.
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٢٢٥، والمقتضب ٣/ ٣٨١، وابن يعيش ١/ ٦٢.
[ ٣ / ٤٩٣ ]