مما ليست نونه بمنزلة الألف التي في نحو بشرى، وما أشبهها، وذلك كل نون لا يكون في مؤنثها فعلى.
قال أبو سعيد: اعلم أنّا قد ذكرنا في الباب الذي قبله أصل ما يتضمنه هذا الباب بما أغني عن إعادته.
واعلم أن كثيرا من الأسماء التي يكون في آخرها ألف ونون يكون فيها مذهبان:
أحدهما أن تكون النون زائدة مع الألف التي قبلها، والآخر أن تكون النون أصلية، فلا تمنع من الصرف.
وفيها ما لا تكون النون فيه إلا أصلية، وفيها ما لا تكون فيه إلا زائدة، وأنا أسوق
[ ٣ / ٤٨٢ ]
هذه الأسماء فأذكر وجوهها إن شاء الله تعالى.
فمما تكون النون فيه أصلية ولا يمنع من الصرف " طحان "، و" تبان "، و" سمان " لأنه من الطحن، والتبن، والسمن، وهو (فعال) بمنزلة حماد، والنون منه كالدال من (حماد)، ومن ذلك رجل يسمى " مرّان "، النون أصلية وهي فعّال، يقال للرّماح: " مرّان "، وهو مشتق من المرانة وهي اللين. ومن ذلك رجل يسمى " فينان "، وهو فيعال؛ لأن الفينان:
الكثير الشعر، ومن الأشجار: الكثيرة الأغصان، والفنن: الغصن.
ومما يحكم على نونه بالزيادة، ويمنع الصرف: " سعدان "، و" مرجان " و" مروان "؛ لأن هذه أبنية لو جعلت النون فيها غير زائدة صار على مثال " فعلال "، وقد تقدم أنه ليس في كلامهم عند سيبويه (فعلال) إلا مضاعفا. ليس فيه
مثل (سرداح).
ومما يحكم على نونه بالزيادة مما عرف بالاشتقاق " عريان " لأنه من عري يعري.
قال أبو سعيد: إذا كان في آخر الاسم ألف ونون، وقبلها ثلاثة أحرف حكم عليهما بالزيادة، حتى يقوم الدليل من اشتقاق، أو غيره على أن النون أصلية.
ومن أجل هذا حكم الخليل على النون في " رمان " إنها زائدة، وإن لم يعرف اشتقاقه؛ لأن الأكثر كذلك، وإنه لا يعرف لرمن معنى. وبعض النحويين- وقد حكي عن الأخفش- يذهب إلى أن النون في رمان أصلية؛ لأن الألف والنون إنما تكثر زيادتهما في الجموع والمصادر، وإن سمي رجل ب (زعفران)، أو (نومان)، أو (ملكمان)، أو (كفران)، أو (سكران) فالباب في ذلك كله أن لا ينصرف.
وهذه الأسماء أكثر من أن تحصى، والاشتقاق يدل عليه. وما لم يكن له اشتقاق حمل على الزيادة.
ومما يعلم أن النون فيه أصلية (ديوان)؛ لأنك تقول دونت الدواوين والنون فيه لام الفعل، ويقال فيه (ديوان) و(ديوان)، فمن قال: (ديوان) فأصله (دوّان) قلبت إحدى واويه ياء استثقالا لكسرة، والتشديد كما قالوا في قرّاط ودنّار: قيراط، ودينار.
والدليل على أن الأصل التشديد قولهم في الجمع والتصغير: دواوين، ودنانير وقراريط، ودويوين، ودنينير وقريريط.
وأما من قال ديوان فهو فيعال مثل بيطار.
ولو سميت رجلا ب (جنجان) يحكم على النون الأخيرة أنها أصل يجعل بمنزلة خضخاض، وجرجار على التضعيف.
وأما ما تحتمل نونه الزيادة، والأصل، فقوله: دهقان، وشيطان.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
قال الخليل: أخذ من التدهقن، والتشيطن، والنون أصلية، وهو مصروف. وإن أخذ من الدهق، ومن الشيط، فالنون زائدة ولا ينصرف، وقد يجيء أسماء كثيرة يحتمل الاشتقاق فيها وجهين:
منهما: (حسّان) من أخذه من الحسن صرفه، ومن أخذه من الحس لم يصرفه.
وحسان بن ثابت لم يصرف نفسه حين قال:
ما هاج حسّان رسوم المقام ومظعن الحي ومبنى الخيام (١)
فدل على أنه كان يعتقد أن اسمه مأخوذ من الحس.
(وغسان) يحتمل أن يكون من الغسنة وهي الخصلة من الشعر، ويقال فلان في غيسان شبابه، والنون في هذا أصلية، ويحتمل أن يكون من الغس وهو الضعيف.
وزبان يحتمل أن يكون فعالا من الزبن وهو الدفع، ويحتمل أن يكون من الأزب وهو الكثير الشعر وما ورد بعد ذلك فقسه على ما ذكرت لك.
وقد تقدم إن مثل " حبنطى " و" معزى " و" ملقى " و" ذفرى " فيما نون لا ينصرف في المعرفة. وكذلك سرحان وضبعان، فإن صغرت (حبنطى) أو (علقى) انصرف فقلت:
(حبيط)، و(عليق)، ورأيت حبيطيّا وعليقيّا، وإن صغرت أيضا سرحان، وضبعان بعد التسمية به صرفته فقلت: هذا سريحين، وضبيعين؛ لأن اللفظ الذي كان يمنع من الصرف هو الألف، والنون، والألف قد زالت في قولك حبيط وسريحين. وأما معزى فالعرب فيه على مذهبين؛ منهم من يجعل (معزى) مؤنثا لا بالألف ولكن كما يجعل إبل، وغنم مؤنثا.
فمن ذهب هذا المذهب وسمى به رجلا، ثم صغره، لم يصرفه فقال: هذا " معيز " ومررت بمعيز، ورأيت معيزى بغير تنوين في المنصوب، كما تقول رأيت جواري، وهؤلاء جوار ومررت بجوار. ومن العرب من يذكره، وقد ذكر سيبويه عن أبي الخطاب إنه سمعهم يقولون:
ومعزى هدبا يعلو قران الأرض سودانا (٢)
فعلى هذا المذهب إذا سمي به لا ينصرف في التكبير من أجل الألف ويصرفه في التصغير كما يصرف حبيط.
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢٢٦، وشرح الأشموني ٣/ ٢٥٢.
(٢) البيت بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢١٩، وابن يعيش ٥/ ٦٣، ٦/ ١٤٧ واللسان (قرن).
[ ٣ / ٤٨٤ ]