فأما ما يرتفع بينهما فقولك: إن تأتني تسألني أعطك وإن تأتني تمشي أمش معك، وذلك لأنك أردت أن تقول: إن تأتني سائلا يكن ذلك، وإن تأتني ماشيا فعلت، وقال زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ولا يغنها يوما من الذمّ يذمم (٢)
إنما أراد: من لا يزل مستحملا يكن من أمره كذا وكذا، ولو رفع يغنها جاز وكان حسنا، كأنه قال: من لا يزل لا يغني نفسه ومما جاء أيضا مرتفعا قول الحطيئة:
متى تأته تغشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد (٣)
وسألت الخليل عن قوله:
متى تأتنا المم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا (٤)
قال: تلمم بدل من الفعل الأول، ونظيره من الأسماء:
مررت برجل عبد الله، فأراد أن يفسّر الإتيان بالإلمام، كما فسّر الاسم الأول
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت في ديوانه ٣٢، الكتاب ٣/ ٨٥؛ المقتضب ٢/ ٦٥.
(٣) البيت منسوب للأعشى في ديوانه ٥١، ابن يعيش ٢/ ٦٦؛ الكتاب ٣/ ٨٦.
(٤) البيت منسوب للحطيئة، ابن يعيش ٧/ ٥٣؛ الكتاب ٣/ ٨٦.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
بالآخر.
ومثله قوله:
إن يبخلوا أو يجبنوا أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجّلي ن كأنهم لم يفعلوا (١)
فقوله يغدوا عليك بدل من لا يحفلوا إن غدوّهم مرجلين.
يفسر أنهم لم يحفلوا.
وسألته هل يكون إن تأتنا تسألنا نعطك فقال: هذا يجوز على غير أن يكون مثل الأول؛ لأن الأول الفعل الآخر تفسير له وهو هو، والسؤال لا يكون الإتيان، ولكنه يجوز على الغلط والنسيان ثم يتدارك كلامه.
ونظير ذلك من الأسماء مررت برجل حمار كأنه نسى ثم تدارك كلامه.
وسألته عن قول الله- تعالى-: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ (٢). فقال: هذا كالأول؛ لأن مضاعفة العذاب هو لقيّ الآثام.
ومثل ذلك من الكلام إن تأتنا نحسن إليك نعطك ونحملك تفسر الإحسان بشيء هو هو، وتجعل الآخر بدلا من الأول.
فلو قلت: إن تأتني آتك أقل ذاك كان غير جائز، لأن القول ليس بالإتيان إلا أن تجيزه على ما جاز عليه تسألنا.
وأمّا ما ينجزم بين المجزومين فقولنا: إن تأتني ثم تسألني أعطك، وإن تأتني فتسألني أعطك، وإن تأتني وتسألني أعطك، وذاك لأن هذه الحروف يشركن الآخر فيما دخل فيه الأول، وكذلك أو وما أشبههن.
ويجوز في ذا الفعل الرفع، وإنما كان الرفع في قوله: (متى تأته تعشو) لأنه في موضع عاش، كأنه قال: متى تأته عاشيا ولو قلت: متى تأته وعاشيا كان محالا. وإنما أمرهن أن يشركن بين الأول والآخر.
وسألت الخليل عن قوله: إن تأتني فتحدثني أحدّثك، وإن تأتني وتحدثني أحدثك؛ فقال: هذا يجوز والجزم الوجه.
_________________
(١) البيت منسوب لبعض بني أسد، ابن يعيش ١/ ٣٦.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٨، ٦٩.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
ووجه نصبه على أنه حمل الآخر على الاسم كأنه أراد أن يقول: إن يكن إتيان فحديث أحدّثك.
فقال: إن يكن إتيان فحديث أحدّثك، فلما قبح أن يرد الفعل على الاسم نوى (أن) لأن الفعل معها اسم.
وإنما كان الجزم الوجه، لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراده من الحديث، فلما أراد ذلك كان يحمل على الذي عمل فيما يليه أولى، وكرهوا أن يتخطوا به إلى باب آخر إذا كان يريد شيئا واحدا. وسألته عن قول زهير:
ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة فيثبتها في مستوى الأرض تزلق (١)
فقال النصب هذا جيد لأنه أراد هاهنا من المعنى ما أراد في قوله:
ما تأتينا إلا لم تحدّثنا فكأنه قال: من لا يقدم إلا لم يثبت زلق.
ولا يكون أبدا إذا قلت: إن تأتني فأحدثك الفعل الآخر إلا رفعا، وإنما منعه أن يكون مثل ما انتصب من المجزومين. أن هذا منقطع من الأول، ألا ترى أنك إذا قلت:
إن يكن إتيان فحديث أحدّثك، فالحديث متصل بالأول شريك له، وإذا قلت:
إن يكن إتيان فحديث ثم سكتّ وجعلته جوابا لم يشرك الأول، وكان مرتفعا بالابتداء.
وتقول: إن تأتني آتك فأحدثك. هذا الوجه وإن شئت ابتدأت، وكذلك (الواو، وثمّ)، وإن شئت نصبت بالواو والفاء، كما نصبت ما كان بين المجزومين.
واعلم أن (ثمّ) لا تنصب بها كما تنصب بالواو والفاء، ولم يجعلوها بمنزلة ما يضمر بعده (أن) وليس يدخلها من المعاني ما يدخل في الفاء، وليس معناها معنى الواو، ولكنها تشرك، ويبتدأ بها.
واعلم أن (ثم) إذا أدخلت على الفعل الذي بين المجزومين لم يكن إلا جزما، لأنه ليس مما ينصب ولا يحسن الابتداء به لأن ما قبله لم ينقطع، وكذلك الفاء والواو، وإذا لم ترد بهن النصب فإذا انقضى الكلام ثم جئت (بثم)؛ فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت، وكذلك الفاء والواو، قال الله﵎-: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢٥، الكتاب ٣/ ٨٩؛ المقتضب ٢/ ٢٣، ٦٧.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١) وقال: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٢) إلا أنه قد يجوز النصب بالواو والفاء وقد بلغنا أن بعضهم قرأ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣) ويقول: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك، وإن تأتني فأنا آتيك، وأحسن إليك.
وقال الله- تعالى-: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (٤). والرفع هاهنا وجه الكلام، وهو الجيد لأن الكلام الذي بعد الفاء جرى مجراه في غير الجزاء، فجرى الفعل هاهنا كما كان يجري في غير الجزاء.
وقد بلغنا أن بعض القراء قرأ: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٥) وذلك لأنه حمل الفعل على موضع الكلام، لأن هذا الكلام في موضع يكون جوابا، لأن أصل الجزاء الفعل، وفيه تعمل حروف الجزاء، ولكنهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره.
ومثل الجزم هاهنا النصب في قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٦)
حمل الآخر على موضع الكلام وموضعه موضع نصب، كما كان موضع ذلك موضع جزم.
وتقول: إن تأتني فلن أؤذيك وأستقبلك بالجميل، فالرفع هاهنا الوجه إذ لم يكن محمولا على (أن) كما كان الرفع الوجه في قوله:- تعالى-: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ (٧) وفي قوله: فهو خير لك وأكرمك.
ومثل ذلك إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك، فالرفع الوجه إذا لم تحمله على (لم) كما كان ذلك في (لن).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١١١.
(٢) سورة محمد، الآية: ٣٨.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧١.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٨٦.
(٦) البيت ورد منسوبا لعقيبة الأسدي أو عبد الله بن الزبير، في ابن يعيش ٢/ ١٠٩.
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٧١.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
وأحسن الكلام (أن تقول: إن تأتني لا آتك، كما أن أحسن الكلام إن أتيتني لم آتك) وذلك أن لم أفعل نفي فعل،
وهو مجزوم بلم ولا أفعل نفي أفعل، وهو مجزوم بالجزاء، فإذا قلت: إن تفعل، فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل لأنه نظيره من الفعل.
وإذا قلت: إن فعلت فأحسن الكلام أن تقول: فعلت لأنه مثله، فكما ضعف فعلت مع أفعل، وأفعل مع فعلت قبح لم أفعل مع يفعل، لأن لم أفعل نفي فعلت، وقبح لا فعلت مع فعل لأنها نفي أفعل.
واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف، وهو نحو من قوله:
وألحق بالحجاز فاستريحا (١)
فهذا يجوز، وليس بحد الكلام، ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا.
لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، وإن كان معناه كمعنى ما قبله إذا قلت وأعطيك، وإنما هو في المعنى كقوله: أفعل إن شاء الله، يوجب الاستثناء، قال الأعشى فيما جاز من النصب:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا (٢)
قال أبو سعيد: ما يقع بين فعلي الشرط والجزاء المجزومين من الفعل عل قسمين:
أحدهما مخالف لمعنى فعل الشرط والآخر معناه وتأويله معنى فعل الشرط، فإذا كان معناه وتأويله مخالفا لفعل الشرط لم يجز فيه غير الرفع، وموقعه موقع الحال، وكذلك ارتفع لأنه يحسن في موضعه الاسم كقولك: إن تأتني تضحك أحسن إليك، وإن تأتنا تسألنا نعطك، لأن تقديره إن تأتني ضاحكا، وإن تأتنا سائلا، وليس تضحك في معنى تأتنا ولا في تأويله، وكذلك السؤال ليس في معنى الإتيان، وإذا كان الفعل الواقع بين الشرط والجواب في معنى فعل الشرط وتأويله جاز فيه الرفع والجزم، أما الرفع فعلى تقدير
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
(٢) البيت في ديوانه ٨٨، الكتاب ٣/ ٩٢؛ المقتضب ٢/ ٢٢.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
الحال، والجزم على البدل، وذلك قولك: إن تأتني تمشي أمش معك، وإن تأتني تسرع أحسن إليك، وتأويله ماشيا ومسرعا. وقوله:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه (١)
في معنى مستحملا، وهو خبر لا يزال، وليس بحال، وموضوع الشاهد منه: أنّ (يستحمل) في موضع اسم كالحال، وهو الذي أوجب رفعه، ومثله مما جعل في موضع الحال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره (٢)
في تقدير عاشيا إلى ضوء ناره، وأما الجزم فعل البدل من الفعل الأول.
وإنما يبدل الفعل من الفعل إذا كان في معناه وتأويله، وليس في بدل الفعل من الفعل ما يقع في وجوه بدل الاسم من الاسم من التبعيض والاشتمال لأن الفعل لا يجمع، فيكون له بعض فيبدل من جميعه، ولا يقع فيه ما يقع في الاسم من الاشتمال، وقد يقع فيه من بدل الغلط ما يقع في الاسم، لأن ذلك إنما هو سبق اللسان إلى لفظ المراد غيره فيتلافى، فمن البدل إن تأتنا تمشي نمش معك، وإن تأتنا تسرع أحسن إليك لأن تقديره:
إن تمش نمش معك، وإن تسرع أحسن إليك، ومن الشاهد لذلك قوله.
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا .. تجد (٣)
لأن الإلمام بالقوم إتيان لهم. وأما قوله:
تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا (٤)
ففي (تأججا) ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يجعل الألف للتثنية، وهي للحطب والنار، وذكّرت لتذكير الحطب، والثاني: أن يكون للحطب، والثالث: أن تجعل النار في تأويل الشهاب، ومعناه معناه.
وقوله: إن تبخلوا جواب الشرط فيه لا يحفلوا، ويغدوا بدل من لا يحفلوا، ولا يجوز أن يكون بدلا من يحفلوا وحدها دون (لا) لفساد المعنى، لأنك إذا جعلت يغدوا في موضع لا يحفلوا، فالمعنى صحيح، وتقديره إن يبخلوا أو يجبنوا، أو يغدروا يعدوا عليك مرجّلين، وغدوهم مرجلين هو ترك الحفل بذلك، وقلّة المبالاة؛ وإذا جعلته بدلا من يحفلوا وحدها، فتقديره أن يقع بعد (لا)، فيكون تقديره: إن يغدروا لا يغدروا مرجلين،
_________________
(١) صدر بيت سبق تخريجه.
(٢) صدر بيت سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
وهذا خلاف ما يراد من معنى ذلك، وهذان البيتان أنشدهما الأصمعي عن أبي عمرو لبعض بني أسد. وبدل الغلط في الفعل أن يقول القائل: إن تأتنا تسألنا نعطك، كأنه أراد إن تسألنا نعطك، فسبقه لسانه إلى تأتنا، وألغاه، وجعل تسألنا مكانه، كما تقول: مررت برجل حمار.
ومما أبدل من الفعل لأنه في تأويل الذي قبله قول الله﷿-: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ (١) يضاعف بدل من يلق، ومعنى يلق أثاما: يلق عقوبة آثامه، وهو إثمه، ولقيه إياها أن تصيبه وتناله، والذي يضاعف له العذاب يناله ذلك العذاب، وما لا يجوز بدله من الشرط يجوز عطفه عليه بحروف العطف، لأنه قد يعطف الفعل على ما يخالف معناه، وليس العطف كالبدل، وذلك قولك: إن تأتني فتسألني أعطك، وإن تأتني وتسألني أعطك، وإن تأتني ثم تسألني أعطك، لأن هذه الحروف للاشتراك، فيشركن الآخر فيما دخل فيه الأوّل، وكذلك، أو كقولك: إن تأتني أو تسألني أعطك، ولا يجوز فيما عطفته الرفع، لأن حروف العطف قد أشركت بين الفعل الثاني الذي دخلت عليه وبين الأول في الجزم، فلا سبيل للرفع فيه، وإنما كان يرتفع قبل دخول حروف العطف على معنى الحال في قوله:
متى تأته تعشو (٢)
على معنى عاشيا، ولو قلت: متى تأته وعاشيا كان مخلا، لأنه ليس في (متى تأته) منصوب تعطف عليه عاشيا، إلا الهاء في (تأته)، ولو عطفت عليه صار عاشيا، كأنه إنسان آخر غير الهاء يقع الإتيان بهما، فكأنك قلت: متى تأتهما؛ وليس الأمر كذلك، لأن عاشيا هو الفاعل المضمر في تأته، وإذا قلت:
إن تأتني فتحدثني أحدثك، الوجه في تحدثني الجزم عطفا على تأتني، وقد أجاز الخليل نصبه على وجه ليس بالمختار، إن تأتني فتحدثني أحدثك، والذي ضعّف النصب في هذا أنه متى نصب لم يخرج عن معنى المجزوم فاختاروا المجزوم لأن عامله عامل المجزوم الذي قبله، فيجتمع فيه تطابق اللفظيين، وظهور العامل فيهما، وإذا نصب فهو على تأويل بعيد المتناول، لا تحوج إليه إلا ضرورة التأويل في النصب، أن يردّ (إن تأتني) إلى تقدير:
إن يكن منك إتيان، ويردّ (تحدثني) إلى حديث، ويعطفه بالفاء، ويقدر حديث بأن
_________________
(١) سورة الفرقان، الآيتان: ٦٨، ٦٩.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٩١ ]
تحدثني، كأنه قال: إن يكن منك أن تأتيني فتحدثني، وقبح هذا كقبح: أنت تأتيني فتحدثني؛ والوجه: أنت تأتيني
فتحدثني على ترك المتناول البعيد من غير حاجة إليه، وتأويل النصب أنت يكون منك إتيان فحديث كما قال:
وألحق بالحجاز فاستريحا (١)
فإذا أدخلت لا حسن النصب، وصار فيه تأويل: ما تأتيني محدثا، كأنه قال: ما تأتني إلا لم تحدثني، والذي حسّن النصب فيه حرف النفي، وذلك قوله:
ومن لا يقدّم رجله مطمئنة فيثبتها (٢)
نصب (فيثبتها)، كما ينصب لا تأتينا فتحدثنا، بمعنى لا تأتينا إلا لم تحدثنا، ومثله:
ومن لا يقدم إلا لم يثبت زلق، وإذا قلت: إن تأتني فأحدّثك، فلا يجوز بعد الفاء إلا الرفع، لأن الشرط في الأصل جملة مبناها على فعل وفاعل، والجواب جملة أخرى ثانية مبناها على مبتدإ وخبر، وفعل وفاعل، وإنما ربط إحداهما بالأخرى.
(إن) ولا حاجة إلى الفاء إذا كانت جملة الجواب فعلا وفاعلا، ثم أدخلت الفاء ليليها الاسم لما احتيج إلى الجواب بالابتداء والخبر، ثم جعل مكان الاسم الفعل، فارتفع لوقوعه موقع الاسم، وليس الجواب بالفاء المرفوع مثل ما انتصب بين المجزومين، الذي تقديره تقدير مصدر معطوف على مصدر فعل الشرط، كما قدّر بقولنا إن يكن إتيان فحديث أحدثك، فالحديث متصل بالأول شريك له معطوف عليه؛ ولو قلت: إن يكن إتيان فحديث، وسكت واكتفيت صار قولك. فحديث هو الجواب، وليس بمعطوف على شيء، بل يقدّر بعد الفاء مبتدأ وخبر مبتدأ، كأنك قلت: إن يكن إتيان فعندي حديث، أو فأمري حديث، كما تقول: إن تأتني فمكرم مخبوّ، أي فأنت، وكما قيل: " المرء مقتول بما قتل به إن خنجرا فخنجرا " (٣)، وقد مضى نحوه.
وإذا عطفت فعلا على الجواب المجزوم، فلك فيه ثلاثة أوجه:
الجزم والرفع والنصب، فالجزم والرفع جيدان مختاران، والنصب دونهما، تقول: إن
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
(٢) البيت ورد منسوبا لكعب بن زهير، في الكتاب ٣/ ٨٩؛ المقتضب ٢/ ٢٣؛ ٦٧.
(٣) هذا جزء من حديث نبوي تمامه: " المرء مقتول بما قتل به، إن سيفا فسيف، وإن خنجرا فخنجر " وقيل إنه أثر من آثار العرب. انظر شرح التسهيل لابن مالك ١/ ٣٦٤، وشواهد التصحيح والتوضيح ٧١، شرح قطرالندى وبل الصدى لابن هشام ١٩٢.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
تأتني آآتك فأحدثك تجزمه بالعطف على آآتك، ومثله قول الله﷿-: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (١) ويجوز آتك فأحدثك، ومثله قرأه من قرأ بالرفع (يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ)، ورفعه بالقطع من الأول، والاستئناف لما بعده.
وذكر سيبويه أن النصب ضعيف، وحكى أنه بلغه أن بعضهم قرأ: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وسبب ضعفه أن جواب الشرط خبر موجب، وسبيله أن يعطف عليه، أو يستأنف، كما يعمل بالخبر المبتدأ إذا قلت آتيك فأحدثك، والنصب في الخبر المبتدإ الذي ليس بجواب أقبح منه في جواب الشرط، إذا قلت: آتيك فأحدثك، فهو قبيح، ومثله:
ألحق بالحجاز فاستريحا (٢)
وإذا قلت إن تأتني أأتك فأحدثك، فالنصب ضعيف وهو على ضعفه أحسن منه في قوله: آتيك فأحدّثك لأن الخبر المبتدأ واجب أن يفعله على كل حال، وجواب الشرط ليس بواجب أن يفعله، إلا أن يوجد الشرط، والشرط قد يوجد وقد لا يوجد.
فأشبه الاستفهام، ونحوه وشبهه سيبويه.
بقولك: أفعل إن شاء الله، لأن أفعل في موضوعه، وأصله إخبار حقه الوفاء به، إذا كان مطلقا، فإذا قرنه ب- إن شاء الله- الذي هو شرط سقط عن قائله الوفاء به، وقوى بذلك النصب بعد جواب الشرط إذا كان تعليقه بالشرط يخرجه عن الإخبار المجرد، وجعل سيبويه إن شاء الله استثناء، وإن كان لفظه لفظ الشروط على تسمية الفقهاء، ذلك لأنهم يسمّون إن شاء الله- بعد الإيمان- استثناء، وإنما سموه استثناء لأنه يسقط لزوم ما يعتقده الحالف، فصار بمنزلة الاستثناء الذي يسقط ما يوجبه اللفظ الذي قبله.
ومعنى قوله:
لا يزل يرى مصارع مظلوم (٣)
يعني: مصارع
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
(٢) عجز بيت سبق تخريجه.
(٣) البيت منسوب للأعشى سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
وتدفن منه الصالحات (١)
يعني إذا أحسن لم يشهد إحسانه، ولم يذكر لأنه لا يعرف.
قال أبو سعيد: فصّل سيبويه بين حكم ثم في نصب الفعل، وحكم الفاء والواو، وأجاز بعد الفاء والواو النصب على إضمار (أن) على التفسير الذي فسرناه، ولم يجز النصب في ثم، والذي يجوز في (ثم) العطف على لفظ الفعل الذي قبلها، واستئناف ما بعدها على مذهب عطف جملة في الموضوع الذي تقع فيه الجمل، ويجوز في الفاء والواو هذان الوجهان، ووجه ثالث، وهو تقدير (أن) في الفعل الذي بعدهما، وتقدير ما قبلهما مصدرا معطوفا عليه، فمن ذلك أنك تقول: إن تأتني فتحدثني آتك، وإن تأتني وتحدثني آتك، ولا يجوز إن تأتني، ثم تحدثني أأتك. وتقول: إن تأتني أأتك ثم أحدثك بالجزم عطفا على أأتك، ويجوز ثم أحدثك بالرفع على الاستئناف فعطف جملة على جملة كأنه قال: ثم أنا أحدثك، ولا يجوز أن تقول: ثم أحدثك على معنى إن يكن إتيان ثم حديث، كما جاز آآتك فأحدثك، وآآتيك أحدثك، ومما يكون بعد (ثم) فيه مستأنفا قول الله﵎-: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (٢) فاستأنف لا ينصرون بعد ثم، ثم قال- جل ثناؤه-: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣) فجزم يكونوا بالعطف على يستبدل، وإنما جاز في الفاء والواو ما لم يجز في ثم لأنهما جعلتا جوابا بالمعنى يختص به كل واحدة منهما ليس في ثم، فالفاء تكون جوابا، لأن فيها معنى اتصال ما بعدها بما قبلها، والواو فيها معنى الاجتماع، وليس في ثم معنى الاتصال، ولا معنى اجتماع، وقد ذكرنا حال الفاء والواو، ومعناهما في مواضعهما، فإذا اكتفيت بالفاء في جواب الشرط، أوليتها اسما وخبرا، ثم عطفت عليه فعلا، فالوجه فيه الرفع، كقولك: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك، لأن أكرمك لما عطفته على ما بعد الفاء صار كأنه واقع بعد الفاء، فارتفع ومثله في القرآن: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (٤) وهذا وجه الكلام والمختار فيه، ولذلك اختار من
_________________
(١) البيت منسوب للأعشى سبق تخريجه.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١١١.
(٣) سورة محمد، الآية: ٣٨.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧١.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
اختار في القراءة: فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١)، فيجوز الجزم فيه عطفا على موضع الفاء، وهو أيضا جيد قوي والأول أقوى منه ومن هذا الوجه قراءة من قرأ: وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ وحمل الكلام على موضع الفاء، لأن موضع الفاء موضع الجواب، والأصل فعل الشرط، الفعل والفاء داخلة عليه، ويجوز أيضا فيه النصب، وهو
ضعيف وقد ذكرناه، وقوله إن تأتني فلن أوذيك، واستقبلك بالجميل استقبلك رفع عطف على موضع لن كأنه قال إن تأتني فاستقبلك بالجميل، ولا يجوز نصبه بالعطف على أوذيك لفساد المعنى، لأنه يصير في التقدير، فلن أوذيك، ولن أستقبلك بالجميل، وهو تقضي لن أوذيك، ويجوز فيه الجزم على موضع الفاء، كما جاز (ويذرهم).
وقوله: إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك إن أردت ولم أحسن إليك فالجزم في أحسن لا غير، وإن جعلت أحسن جواب الشرط لم تنف الإحسان، فإن أجود ذلك أن تجعله ماضيا فتقول: لم آتك وأحسنت إليك، لأن موضع (لم) موضع فعل ماض، فتعطفه عليه كأنه قال: إن أتيتني قعدت عنك وأحسنت إليك، وإن كان مستقبلا، فإن سيبويه قال: الرفع الوجه، وإنما اختار الرفع لأنا إن جزمناه على موضع لم لم يحسن أن يكون الشرط فعلا ماضيا والجواب مجزوما، لأنه لا يحسن أن تقول:
إن أتيتني أحسن إليك، وإذا قال:
إن أتيتني أحسن إليك كان حسنا فقوله:
أحسن إليك إن سببه كان رفعا على أن تقدر في موضع (لم) فعلا مستقبلا لك على تقدير أحسن إليك إن أتيتني، وقوله: لم آتك وأحسن إليك يجوز، وأحسن إليك إن شئت كان رفعا على أن تقدر في موضع (لم) فعلا مستقبلا مرفوعا، وأحسن عطف عليه، وإن شئت كان قطعا واستئنافا، وقد ذكرنا أن أحسن الكلام في الشرط والجواب أن يتشاكلا في المعنى أو في الجزم.
قال أبو سعيد: ومنزلة (لم) والفعل المجزوم بعدها منزلة فعل ماض، وحكمه كحكمه فإذا قلت: إن أتيتني فالجواب المختار لم آتك، لأنه بمنزلة: إن أتيتني فعدت عنك، وهما فعلان ماضيان، وإن قال: إن تأتني فالجواب لا آتك لأن لا آتك للمستقبل، ولا يحسن أن يقول:
إن تأتني لم آتك، كما لا يحسن أن تقول: إن تأتني فلم آتك، ولا إن أتيتني فلم آتك، كما
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٦.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
لا يحسن إن تأتني قعدت عنك لأن الأول مجزوم والثاني ماض، ولا يجوز أن تقول: إن تأتني فلم آتك، ولا إن أتيتني فلم آتك، لأن (لم) تصير الفعل بمعنى المضيّ، والفاء تمنع أن يكون الجواب بفعل ماض، سواء كان الشرط ماضيا أو مستقبلا، ألا ترى أنك تقول: إن تأتني فقعدت عنك، ويجوز أن يكون بعد الفاء من الفعل ما كان دعاء، كقولك: إن أحسنت إليّ فجزاك الله خيرا، وإن أسأت فلعنك الله، لأن معنى الدعاء في غير الشرط والجواب
الاستقبال، فإن كان لفظه ماضيا، لا يحسن إن تأتني لن آتيك بإسقاط الفاء لأن (لن) وما بعدها جملة كما لا يحسن إن يأتني زيد يشكرك حتى تدخل الفاء، وإنما جاز إسقاط الفاء لأنها لا تمنع عمل ما قبلها فيما بعدها وباقي الباب من كلامه مفهوم.