يضاف إليها أسماء الدهر، وذلك قولك: هذا يوم يقوم زيد، وآتيك يوم يقول ذاك. وقال الله﷿-: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (١) وهذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٢). وجاز هذا في الأزمنة واطرد فيها، كما جاز للفعل أن يكون صفة، وتوسعوا كذلك في الدهر لكثرته في كلامهم.
فلم يخرجوا الفعل من هذا كما لم يخرجوا الأسماء من ألف الوصل نحو (ابن) وإنما أصله للفعل وتصريفه.
_________________
(١) سورة المرسلات، الآية: ٣٥.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٩.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولك: ما رأيته منذ كان عندي ومنذ جاءني، ومنه أيضا «آية».
قال الأعشى:
بأية تقدمون الخيل شعثا كأنّ على سنابكها مداما (١)
وقال زيد بن عمرو بن الصعق:
ألا من مبلغ عنّي تميما بآية ما تحبّون الطّعاما (٢)
ف (ما) لغو.
ومما يضاف أيضا إلى الفعل قوله: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون. المعنى لا أفعل بسلامتك، و(ذو) مضافة إلى الفعل كإضافة ما قبله كأنه قال: لا أفعل بذي سلامتك.
ف (ذو) هاهنا الأمر الذي يسلمك، وصاحب سلامتك.
ولا يضاف إلى الفعل غير هذا، كما أن (لدن) لا تنصب إلا في (غدوة).
واطردت الأفعال في (أية) اطراد الأسماء في (أتقول) إذا قلت:
أتقول زيدا منطلقا شبّهت ب (تظن).
وسألته عن قوله في الأزمنة: كان ذاك زمن زيد أمير.
فقال: لما كانت في معنى (إذ) أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعض، كما يدخلون (إذ) على ما قد عمل بعضه في بعض ولا يغيرونه، فشبهوا هذا بذلك، ولا يجوز (هذا) في الأزمنة حتى تكون بمنزلة (إذ) فإن قلت: يكون هذا يوم زيد أمير كان خطأ.
حدثنا بذلك يونس عن العرب. لأنك لا تقول: يكون هذا إذا زيد أمير.
قال أبو سعيد: أما إضافة أسماء الدهر إلى الأفعال فلأن الأفعال بمنزلة أسماء الدهر إذ كان في لفظها ما يدل على المضي كقولك:
ذهب وانطلق، وأشبه ذلك.
ومن لفظها ما يدل على الاستقبال والحال كقولك: يذهب وينطلق، فانقسم لفظه
_________________
(١) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٢/ ١٨؛ الكتاب ٣/ ١١٨.
(٢) البيت في ديوانه، الخزانة ٦/ ٥١٢؛ الكتاب ٣/ ١١٨.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
إلى ماض وغير ماض، فصار الفعل الماضي بمنزلة (أمس) والحال ك (اليوم) والآن والمستقبل ك (غد) وسهل إضافته إلى الفعل لأنه أبين من إضافته إلى مصدره لأن لفظ الفعل يدل على تحصيل زمانه، ولفظ المصدر لا يدل على ذلك، ثم جعل الزمان الماضي كله ب (إذ) والمستقبل كله ب (إذا)، وألزموا (إذ) الإضافة إلى فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر كقولك في إضافتها إلى الفعل والفاعل:
جئتك إذ خرج زيد، وخرجت إذ يلي زيد بغداد؛ وإضافتها إلى المبتدإ والخبر، كقولك: دخلت البصرة إذ عمرو أميرها، وخرجت منها إذ عمرو معزول، وأما (إذا) فألزموها إضافتها إلى الفعل والفاعل دون المبتدإ والخبر لأن
فيها معنى المجازاة، ولا تكون المجازاة إلا بالفعل والفاعل فقالوا: آتيك إذا ولى زيد، وأقصدك إذا يخرج زيد، ولا تقول:
آتيك إذا زيد أمير، وإنما لم يجز إلا بالفعل لأنك إذا قلت:
آتيك إذا ولى زيد، ففيها معنى إن ولى زيد أتيتك ومن أجل ذلك جاز أن يكون اللفظ ماضيا، والمعنى مستقبلا، ثم أتبعوا أسماء الزمان في إضافتها معانيها مما كان منها يراد به المضي أضافوه إلى الفعل والفاعل، والمبتدأ أو الخبر، وما أرادوا به الاستقبال أضافوه إلى الفعل والفاعل.
وأجروها في الإضافة مجرى (إذ) وإذا تقول: كان ذاك زمن زيد أمير، لأن معناها معنى (إذ)، ولو قلت يكون ذاك زمن زيد أمير لم يجز لأن معناها معنى (إذا)، وإنما تقول:
يكون ذلك زمن يتآمر زيد.
ومما يتفرع من هذا الباب أنك تقول: آتيك إذا قام زيد، ولا يجوز آتيك يوم قام زيد، وزمن قام أخوك لأن آتيك للمستقبل، وقام للماضي فلا يستقيم اجتماعهما، وإنما جاز آتيك إذا أقام زيد لأن إذا لما تضمنته من معنى المجازاة نقلت المستقبل إلى لفظ الماضي، و(إذا) وإن كان فيها معنى المجازاة فهي اسم، و(إن) حرف.
واستدل الرياشي (١) على ذلك بأنك تقول: القتال إذا جاء زيد، كما تقول: القتال يوم الجمعة، ولا تقول: القتال إن جاء زيد وأما قولهم:
ما رأيته منذ كان عندي، ومنذ جاءني، فإن (منذ) يحتمل أن تكون اسما وحرفا، فإن كان اسما فهو كإضافة أسماء الزمان إلى الفعل، (منذ) من أسماء الزمان؛ وإن كان حرفا
_________________
(١) الرياشي: أبو الفضل العباس بن الفرح بن علي بن عبد الله البصري لغوي، راوية من أهل البصرة له مؤلفات في الخيل والإبل وكلام العرب.
[ ٣ / ٣٣١ ]
فهو حرف جر مختص به الزمان، وعمله فيما بعده كعمل الاسم المضاف فجاز إدخاله على الفعل إذا كان في معناه وعمله كزمان مضاف إلى فعل إذا أذن.
وأما (آية) فمعناها علامة، ومنزلتها منزلة الوقت، لأن أصل الوقت هو فعل وجد فجعل وقتا لفعل آخر في كونه معه، أو كونه قبله أو بعده، فإذا جعلت قيام زيد علامة لفعل يحدث بعده أو لفعل قد حدث قبله، أو فعل يحدث معه فقد صيّرته كالتأريخ لما قبله وبعد ومعه؛ ألا ترى لو أن قائلا قال لآخر: علامة خروجي إذا أذن المؤذن علم المخاطب
بوجود الأذان خروجه، كما أنه إذا قال: خروجي يوم الجمعة علم خروجه بوجود يوم الجمعة، والشاهد في قوله:
بأية تقدمون الخيل شعثا (١)
وأما قوله:
بآية ما تحبون (٢)
- فالشاهد فيه إذا جعلت (ما) لغوا. وليس بلازم جعلها لغوا لأنه يحتمل أن تجعل (ما) و(تحبون) مصدرا كأنه قال:
بآية محبتكم الطعام
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
بأية ما قالت غداة لقيتها بمدفع أكنان أهذا المشهّر (٣)
وأما قول الشاعر:
ما لك عندي غير سهم وحجر وغير كيداء شديدة الوتر
جادت بكفي كان من أرمي البشر (٤)
فإن ب (كفي) مضاف إلى محذوف تقديره: بكفي رجل، وكان من أرمي البشر، نعته؛ وحذف المنعوت، وأقيم النعت مقامه كقوله:
لو قلت ما في قومها لم تيثم
_________________
(١) صدر بيت سبق تخريجه.
(٢) جزء من عجز بيت سبق تخريجه.
(٣) البيت في ديوانه ٩٣.
(٤) لم نستدل على قائله.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
يفضلها في حسب وميسم (١)
بمعنى أحد يفضلهما.
وأما قولهم: اذهب بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون، فمعنى هذا الكلام دعاء كأنه قال في المعنى: والله يسلمك، وتقدير سيبويه في هذا ونحوه من المضاف أن الفعل يقام مقام
مصدره في الإضافة، كأنه قال:
بذي سلامتك، وهو قول أبي العباس محمد بن يزيد، وشرحه في يَوْمَ يَقُومُ (٢).
وهذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٣) وهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٤) قامت الأفعال مقام مصادرها؛ وكذلك قوله: اذهب بذي تسلم، قام الفعل مقام مصدره، وكذلك في قوله﷿-: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (٥) موضع إيمانكم بالله.
لأنه بيان للتجارة، وبدل منها في التقدير.
وقال: (ذو) لا تقع مفردة أبدا فجازت إضافتها إلى ما لا يضاف إليه غيرها ووقعت على الفعل خاصة، وأخوات (ذو) ينفردن نحو: (أب) و(أخ) و(حم) و(هن) و(فم)، لأن (فوك) إذا أفرد صار (فما).
ووجه آخر في (ذي تسلم) كأنه قال: في زمان ذي تسلم، و(ذي) نعت لزمان.
والنعت هو المنعوت، فأضيف إلى الفعل لأنه في المعنى زمان، كأنه قال: اليوم تسلم.
ووجه آخر أن تكون (ذي) بمعنى (الذي) وخولف بين لفظها في هذا المثال وبين لفظها في سائر المواضع فإن تستعمل في هذا المثال ب (الياء) وفي غيره ب (الواو) في الرفع والنصب والجر، وهذه اللغة كثيرة في طيئ.
قال قيس الطائي: (٦)
_________________
(١) البيت ورد منسوبا لحكيم بن ربيعة، كما نسبا إلى حميد الأرقط، الخزانة ٥/ ٦٢؛ الكتاب ٢/ ٣٤٥.
(٢) سورة المطففين، الآية: ٦.
(٣) سورة المائدة، الآية: ١١٩.
(٤) سورة المرسلات، الآية: ٣٥.
(٥) سورة الصف، الآية: ١٠، ١١.
(٦) البيت في ديوانه، الخزانة ٧/ ٤٣٨؛ ابن يعيش ٣/ ١٤٨.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وإن لم تغير بعض ما صنعتم لأنتحيا للعظم ذو أنا عارقه
ف (ذو) هنا في موضع خفض.
وقال بجير بن غنمة:
إنّ منّا ذو نلوذ به إذ توارى الأعزّ بالأكمة (١)
وهذا في موضع نصب، وكلاهما بمضي (الذي) ومعناه: اذهب بالزمان الذي تسلم فيه، وقد أتى الشرح على جميع الباب.