قال أبو سعيد: هذا الباب يذكر فيه من سمي بفعل لا ضمير فيه ولا زيادة في أوله،
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وله نظير من الأسماء، فأبو عمرو ويونس والخليل يرون صرف ذلك وعيسى بن عمر لا يرى صرف ذلك في المعرفة.
وذلك كرجل سميته بضرب، أو ضارب أو ضارب يا زيد، وأنت تأمر، ولم تجعل فيه ضميرا، وكذلك لو سميته بدحرج، وهذا قول سيبويه، واحتج له بأنهم سمعوا العرب يصرفون الرجل يسمى بكعسب وهو " فعل " من الكعسبة وهو العدو الشديد.
وكان عيسى بن عمر لا يصرف ذلك ويحتج بإنشاد العرب بيت سحيم:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا متى ألق العمامة تعرفوني (١)
فلم يصرفوا " جلا " وقد سمي به أباه؛ لأنه فعل ماضي.
وتأويل سيبويه أن في " جلا " ضميرا من أجله لم يصرفه، والفعل إذا كان فيه ضمير أو كان معه فاعل ظاهر ثم
سمي به حكى ولم يغير كما قال:
بني شاب قرناها تصرّ وتحلب
ولهذا موضع يشرح فيه إن شاء الله تعالى.
فإن سميت رجلا بفعل لا نظير له من الأسماء كقولك ضرّب وضرّب مشددا وضرب لم تصرفه؛ لأنه لا يشبه الأسماء، وقد جاء في الأسماء المعارف أسماء على " فعّل " كلها غير مصروف، فمن ذلك خضّم وهو اسم العنبر بن عمرو بن تميم. وشلم وهو اسم بيت المقدس وعثّر وبذّر موضعان، قال الشاعر وهو زهير:
ليت بعثّر يصطاد الرّجال إذا ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا (٢)
وقال كثير:
سقى الله أمواها عرفت مكانها جرابا وملكوما وبذّر والغمرا (٣)
فإن قال قائل: لم منعتم صرف ذلك وقد رأينا في الأسماء بقّم (٤) وهو اسم جنس؟
قيل له " بقّم " ليس باسم عربي وإنما تكلمت به العجم، ووافى من كلامها ما كان
_________________
(١) البيت في الكتاب: ٣/ ٢٠٧، والخزانة: ١/ ١٢٣، ٢/ ٣١٢، وابن يعيش: ١/ ٦٢، ٤/ ١٠٥.
(٢) البيت في اللسان (عثر).
(٣) الخزانة: ١/ ٣٨٥، وابن يعيش: ١/ ٦١، واللسان: (بذر).
(٤) شجر يصبغ به، اللسان (بقم).
[ ٣ / ٤٧٠ ]
من الفعل لا نظير له في الأسماء، فأجري حكمه على حكم الفعل الذي لا نظير له فينصرف في النكرة. وذكر الأخفش أنه جاء مثل " ضرب " أسماء معرفة، والمعارف غير معول عليها في الأبنية؛ لأنه يجوز أن يسمى الرجل بالفعل وبالحرف وبما لا نظير له في كلام العرب. وذكر الأخفش أن دئل اسم دابة تشبه ابن عرس وأنشد فيه:
جاؤوا بجيش لو قيس معرسه ما كان إلا كمعرس الدّئل (١)
وقال بعض أصحابنا يجوز أن يكون هذا الراوي لم يضبط وأن المحفوظ دؤل بالفتح.
قال أبو سعيد: وقلت أنا يجوز أن يكون دئل سمي بالفعل، وقد رأينا في أسماء الأجناس ما سمي بالفعل كطائر يقال له تبشّر وآخر يقال له: تنوّط، وهذان بناءان للفعل كأنهما سميا بفعل يفعلانه وهو التنويط يقال ناط ينوط ونوّط ينوّط وذلك أنه يعلق عشه ضربا من التعليق المحكم الذي يتعجب منه.
ودئل لم يسم فاعله من دأل يدأل وهو مشي فيه بشيء من نشاط، فيجوز أن تكون هذه الدابة لها مثل هذا المشي.
قال: وإن سميت رجلا بضربوا فيمن قال: أكلوني البراغيث.
قلت: ضربون، تلحق النون كما تلحقها في " أولى " إذا سميت بها رجلا.
قال أبو سعيد: الواو تدخل في أواخر الأفعال ضميرا، وعلامة للجمع في أواخرها.
فإن دخلت ضميرا، ثم سمي بالفعل الذي هي فيه رجل لم يتغير لأنه فعل، وفاعل، تقول في رجل سميته ب (ضربوا) والواو ضمير: هذا ضربوا، ورأيت ضربوا، ومررت بضربوا، وإن كانت الواو علامة للجمع فسميت به رجلا أدخلت مع الواو نونا فقلت:
هذا ضربون، ورأيت ضربين، ومررت بضربين.
هذا هو الوجه المختار، وهو أن تجريه مجرى مسلمين في الرفع بالواو، وفي النصب، والجر بالياء وتفتح النون على كل حال، وتحذفها إذا أضفت كقولك هذا ضربو بلدك ورأيت ضربي بلدك ومررت بضربي بلدك.
وفيه وجه آخر، وهو أن تجعل الإعراب في النون وتجعل ما قبل ياء على كل حال
_________________
(١) اللسان: (دال).
[ ٣ / ٤٧١ ]
فتقول: هذا ضربين ورأيت ضربينا ومررت بضربين، وإنما دخلت النون على ضربوا فيمن قال أكلوني البراغيث؛ لأن الواو في أكلوني علامة للجمع، وليست بضمير فاحتجت إلى أن تأتي بالنون معها، وذلك أنا لو سمينا رجلا بضرب، لقلنا: هذا ضرب، ورأيت ضربا، ومررت بضرب، فتجري عليه من الحركات والتنوين ما تجريه على الاسم الذي أصله اسم، فإذا كان في الاسم علامة الجمع التي هي الواو وجب أن تكون معها النون؛ لأن النون عوض من الحركة والتنوين وقد وجبت الحركة والتنوين بالتسمية في الواحد وهذا من أجود علة فيه.
وعلة أخرى: أن هذه الواو كانت في الأصل معها نون، وإنما سقطت النون في الماضي؛ لأنه مبني على الفتح، والنون في مثل هذا الفعل إنما تدخل علامة للرفع، فإذا كان الفعل منصوبا أو مجزوما أو مبنيا سقطت النون، فإذا سمينا به رجعت النون، ولا تسقط من الاسم إلا بأن يضاف فيقال: هذا ضربو بلدك ورأيت ضربي بلدك، فالإضافة في الاسم كالنصب، والجزم، والبناء في الفعل وذلك كله يسقط النون.
وإن سميته بضربا في قول من قال: فأما أخواك، رددت النون، وكان الاختيار أن يحكى لفظ التثنية، فتقول: هذا ضربان ورأيت ضربين، ومررت بضربين.
ويجوز أن يجعل الإعراب في النون، فيكون ما قبلها ألفا على كل حال وتجري مجرى عثمان، فتقول: هذا ضربان، ورأيت ضربان ومررت بضربان.
والكلام في نونه كالكلام في لحاق النون في ضربوا، وقد تكلم الزجاج وغيره، فيما يلحقه الواو، والنون، على غير وجه الجمع، وهو أن تسمي الرجل باسم تزاد فيه الواو، والنون، مختلفا لتسمية المسمى بما لم تتكلم به العرب، كقولهم: حمدون، وعيدون، ونمرون وزيدون.
فإذا جعل ذلك اسما مع الواو والنون، كان فيه وجهان أحدهما أن تجعل الإعراب في النون، وتلزمه الواو على كل حال فيقال: هذا حمدون، وعبدون، ورأيت حمدونا وعبدونا، ومررت بحمدون وعبدون، فيصير بمنزلة زينون وعرجون.
ويلزم الإعراب النون والواو لازمة قبل النون.
ويجوز أن يجعل بمنزلة الجمع فيقال: هذا عبدون، وحمدون ورأيت عبدين، وحمدين في هذا الوجه.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
فإن سماه بعبدين، وحمدين بالياء كان فيه وجهان: أحدهما أن تعرب النون وقبلها ياء لازمة فتقول: هذا حمدين ومررت بحمدين، ورأيت حمدينا.
ويجوز أن تجعله كالجمع السالم بالواو مرة ومرة بالياء.
ولا يجوز أن تجعله كزيتون وعرجون؛ لأنه لا يجوز أن تكون معرفة على وجهين مختلفين كما لا يجوز أن يقال في زيتون زيتين.
وإذا كانت الواو في الأصل للجمع، كان فيه حكاية الجمع، فيكون مرة بالواو، ومرة بالياء، ويجوز أن يكون الإعراب في النون ويكون ما قبلها ياء على كل حال كقولك هذه سنين وهذا مسلمين ولا يجوز مسلمون ولا سنون.
فإن سميت رجلا يضربن، ويضربن لم تصرف؛ لأنه ليس له نظير في الأسماء، فامتنع هذا من حيث امتنع " ضرب " تقول: جاءني ضربن، ويضربن، ومررت بضربن ويضربن.
فإذا سميت بضربت قلت: هذه ضربه، إذا وقفت عليه تقف بالهاء، ولا تصرفه إذا وصلت تقول: هذا ضربة فاعلم، ورأيت ضربة، ومررت بضربة.
قال أبو سعيد: واعلم أن الفعل إذا اعتل اعتلالا لازما، يخرجه إلى مثال الاسم، وإن كان ما اعتل منه ليس على مثاله، فإنه ينصرف كقولنا " قيل "، " وردّ "، والأصل فيه قول وردد.
فقيل، وردّ منصرفان في التسمية. وقول وردد لا ينصرفان، ولو سميت رجلا بضرب فإنه لا ينصرف، فإن خففناه فقلنا (ضرب) كما قيل في (عصر) " عصر " فإنه لا ينصرف أيضا؛ لأن هذا التخفيف ليس بلازم، ولو كان أصل التسمية وقع بالتخفيف صرفته، ولم يجز أن تقول فيه (ضرب) البتة.
ونظير هذا أن " جيأل " اسم الضبع لا ينصرف إذا سمينا بها رجلا.
فإن خففنا الهمزة، فقلنا: (جيل) لم ينصرف أيضا، وذلك أن جيأل على أربعة أحرف مؤنث، فإذا خففنا الهمزة فصار على ثلاثة أحرف فالنية نية الهمزة؛ لأن سقوطها ليس بلازم فكأنها أربعة وما كان سقوطها لازما لم يجر هذا المجرى.
قالوا في تصغير " سماء " " سمية " والهاء تلحق ذوات الثلاثة " وسماء " على أربعة أحرف، فكان حقها أن تلحق الهاء، كما لا تلحق في تصغير " عقرب " " وعناق إذا قلت: " عقيرب " و" عنيق " ولكنه يعرض في التصغير ثلاث ياءات، فيلزم سقوط واحدة منها فتصير كتصغير
[ ٣ / ٤٧٣ ]
الثلاثي من المؤنث، فتلحقها هاء التأنيث.
وكان الأصل في تصغير سماء أن تقول: سميّي بثلاث ياءات، كما تقول: عنييق، ثم تسقط واحدة منها، فتصير سميّ كتصغير الثلاثي من المؤنث، فتلحقها الهاء، كما تقول في رجل: رجيلة وفي يد: يدية، فاعرف في ذلك إن شاء الله تعالى.
وقال سيبويه: وقد ذكر التسمية (يضرب): فإنما كففت في الفعل يعني النون، لأنك حين ثنيت، وكانت الفتحة لازمة للواحد حذفت أيضا في الاثنين النون، ووافق الفتح في ذاك النصب في اللفظ.
يعني أن سقوط النون مما كان مبنيا على الفتح كسقوطها في المنصوب من الفعل، وقد ذكرنا نحو ذلك.
ثم قال: " وكان حذف النون نظير الفتحة كما كانت الكسرة في هيهات نظير الفتحة في هيهات ".
قال أبو سعيد: يريد أن الفتح الذي أوجبه البناء في الفعل الماضي كالفتح الذي يوجبه الإعراب في المستقبل، يشتركان جميعا في إسقاط نون الجمع في فعلوا، ولن يفعلوا، فإذا سمي بهما عادت النون، وذلك مثل الفتحة في هيهات، والكسرة في هيهات، وهما مبنيات أحدهما جمع وهو هيهات، والآخر واحد وهو هيهات، وجعلوا التاء في هيهات مكسورة وإن كانت مبنية؛ لأنه جمع والتي في " هيهات " مفتوحة لأنها واحدة.
وكان حق الجمع أيضا أن تكون تاؤه مفتوحة؛ لأن الذي أوجب بناءهما معنى واحد، وهو الإشارة، والإشارة توجب بناء المشار إليه كقولنا: هذا وهؤلاء.
وتقول في المكان: ثمّ، ولما بعد كثيرا: هيهات، فكأنه قال: ذاك بعد، ولكن لما جعل جمعا بالألف والتاء كان ما يجب فيه من الفتح يجعل كسرا، كما أن الفتح الذي يجب بالنصب فيما كان جمعه بالألف والتاء يجعل كسرا، كقولك: رأيت مسلمات، وصالحات، وتقول في الواحد: رأيت مسلمة وصالحة، فجعل الجمع وإن كان مبنيا مكسور التاء إذ كان جمعا في موضع يوجب البناء فيه الفتح كما كان ذلك في المعرب.
وإنما وجب الفتح في " هيهات " وجميع ما في آخرها هاء التأنيث إذا بني نحو ذيت، وثمّت، وربّت؛ لأن هاء التأنيث بمنزلة شيء ضم إلى شيء، فبنيا على الفتح نحو خمسة عشر وما أشبه ذلك.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
وفي فتح " هيهات " وجه آخر، وهو أن يكون اتبع فتحة الألف والفتحة التي قبلها كما قال سيبويه في ترخيم أسحار أسحار، ويحمل على هذا فتح نون أيهان في معنى أيهات.
" وهيهات " إذا جعلناه جمعا فهو عندي على أحد وجهين: أحدهما أن يكون جمع " هيها " والعرب تقول: " هيها " في معنى " هيهات ".
وتسقط الألف في " هيها "، لاجتماع الساكنين: ألف " هيها " والألف التي مع التاء، كما تقول هذان ورأيت هذين، فتسقط الألف التي في ذا لاجتماع الساكنين.
والوجه الآخر أن يكون جمعا لهيهات المفتوحة فتحذف هاء التأنيث كما تحذفها في مسلمة إذا قلت مسلمات ثم تحذف الألف التي قبلها لالتقاء الساكنين.
وفي هيهات لغات، وقد جمعها أبو الحسن اللحياني في كتاب نوادره، أخبرنا بذلك أبو محمد عبد الله بن الفضل الوراق، قال أخبرني أبو عمرو أحمد بن علي بن عبد الله الطوسي، قال: أخبرني أبي، قال: قرأت على أبي الحسن اللحياني يقال: " هيهات " " هيهات " بالنصب والكسر وأيهات أيهات وأيهات أيهات.
قال الكسائي من نصبها وقف عليهما بالهاء، وإن ضمها بالتاء، ومن خفض وقف بالتاء.
ويقال أيهات أيها .. فتلقى التاء.
قال الشاعر:
ومن دوني الإبعاد والقفر كلّه وكتمان أيها ما أشدّ وأبعدا (١)
ويقال أيضا: أيهات أيهان يجعل مكان التاء نون.
قال الشاعر:
أيهات منك الحياة أيهانا (٢)
وحكي هيهات منك الشام أي بعيد منك الشام
_________________
(١) البيت بلا نسبة في اللسان: (هيه).
(٢) شطر بيت بلا نسبة في ابن يعيش: ٤/ ٦٧، واللسان: (هيه).
[ ٣ / ٤٧٥ ]
قال الشاعر:
هيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خلّ بالعقيق نواصله (١)
وأنشد أبو زياد:
إحدى بني عائذ الله استمرّ بها صرف من الدّهر حتّى ينفخ الصّور
هيهات مسكنها من حيث مسكننا إذا تضمّتها دعمان فالدّور (٢)
وقال:
هيهات من عبلة ما هيهاتا هيهات إلا ظعنا قد فاتا (٣)
وقال في الخفض:
هيهات من مصبحها هيهات هيهات حجر من صنيعات (٤)
انتهى إلى هذا الموضع كلام اللحياني.
قال المفسر: وأما إنشاده:
هيهات من عبلة ما هيهاتا
فلا يكون ذلك من لغة من يقف على " هيهاة " بالهاء، ولا على لغة من يجمع؛ لأن الذي يقف بالهاء، لا يلحقه ألفا، عوضا من التنوين، في حال النصب، ولا يجعله في قافية تائية منصوبة، ولا يقول رأيت ثمرتا إذا وقف، ولا (يجعله) أيضا في قافية.
والذي يجمعه يلزمه أنه يكسر التاء.
وهذا عندي شاذ يحمل على لغة من يقف على التاء في المؤنث فيقول هذه ثمرت وحجفت.