تقول: كل " أفعل " يكون وصفا، لا تصرفه، في معرفة ولا نكرة، وكل أفعل يكون اسما، تصرفه، في النكرة، قلت: فكيف تصرفه وقد قلت: لا تصرفه؟
قال: من قبل أن هذه أمثال يمثل بها، فزعمت أن هذا المثال ما كان عليه من الوصف لم يجر وإن كان اسما جرى
وليس بوصف.
قال أبو سعيد: اعلم أن المثال الذي يمثل به الاسم، أو الفعل، أو الصفة منزلته اسم ليس بصفة، فإن كان موضعه يوجب له التنكير، كان اسما منكورا.
وإن كان في موضع يوجب له التعريف، كان اسما معروفا ثم ينظر، فإن كان مثله في حال التنكير، أو التعريف ممنوع الصرف، منع، وإن كان غير ممنوع لم يمنعه. مثال هذا أنا نقول: كل " أفعل " صفة لا ينصرف، فتصرف " أفعلا " هذا، لأن " كل " توجب له التنكير كقولنا: كل رجل فهو اسم فليس فيه إلا علة واحدة وهي وزن الفعل فينصرف، وإن كان الذي يمثله به لا ينصرف؛ لأن الذي مثلناه به باب " أحمر " وفيه علتان: وزن الفعل، والصفة.
وغير مستنكر أن ينصرف المثال ولا ينصرف المثل؛ لأن كل واحد منهما له حكم نفسه في الصرف، ألا ترى أنك تقول كل " إبراهيم " معرفة لا ينصرف فتصرف إبراهيم هذا، وإن جعلته مثالا لما لا ينصرف؛ لأنه نكرة في التمثيل، وتقول: " أفعل " إذا كان اسما نكرة ينصرف، فلا تصرف أفعل هذا المثال، وإن كان المثل مصروفا؛ لأن أفعل هاهنا معرفة، ومعناه هذا البناء لا ينصرف كما تقول إبراهيم إذا كان نكرة انصرف فلا تصرف إبراهيم المذكور؛ لأنك وضعته موضع المعرفة وهو عجمي، واجتمع فيه علتان.
ويجري مجرى هذا: كل " أفعل " إذا أردت به الفعل الماضي مفتوح الآخر أبدا، لأن " أفعل " اسم وإن جعلته مثالا للفعل فتنونه بحق الاسمية وإن كان مثالا للفعل.
وإذا كان المثال مقترنا بشيء يوجب له حكما، أو كان عاملا في شيء جري مجرى ما قد مثل به، وذلك أن يكون نعتا لمنعوت قبله أو فعلا لفاعل بعده.
قال سيبويه: " فإذا قلت: هذا رجل " أفعل " لم تصرفه على حال، وذلك لأنك
[ ٣ / ٤٦٧ ]
مثلت به الوصف خاصة، فصار كقولك: كل أفعل زيد نصب أبدا، لأنك مثلت به الفعل خاصة ".
وقد زعم المازني أنه أخطأ في قوله: رجل أفعل ترك صرف " أفعل ". وقال أبو العباس: لم يصنع المازني شيئا والقول عندي إنه ينصرف؛ لأنّا رأيناهم حيث وصفوا بأفعل الذي هو اسم في الأصل صرفوا، وذلك قولهم هؤلاء نسوة أربع، ومررت بنسوة أربع.
وأما قوله: كل أفعل زيد فلا خلاف فيه، يكون " أفعل " على لفظ الفعل الماضي وقد ارتفع به زيد، ولا يجوز أن يرتفع به إلا وهو فعل، ثم يدخل " كل " على لفظ الجملة ولا يتغير، كما قال:
بني شاب قرناها
وهذا برق نحره، وسترى ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
قلت: ولم لا يجوز أن تقول: كل " أفعل " في الكلام لا أصرفه، إذا أردت الذي مثلت به الوصف، كما تقول: كل آدم في الكلام لا أصرفه؟
قال: هذا لا يجوز؛ لأنه لم يستقر أفعل في الكلام صفة، بمنزلة آدم، فإنما هو مثال: ألا ترى أنك تقول: لو سميت رجلا " أفعل " صرفته في النكرة لأن " أفعل " لا يوصف به شيء وقد مضى الكلام في نحو هذا. و" آدم " في نفسه صفة مأخوذة من الأدمة، ويقال رجل آدم، فيبين فيه ممن ليس بآدم، ولا يقال رجل أفعل في شيء من المعاني، وإنما هو من تمثيلات النحويين وحكم اللفظ فيه على ما ذكرته لك، وليس لشيء ثابت في الكلام على طريق المثال، ولكنه يصلح على موضوع النحويين أن يكون مثالا للاسم، والصفة، والفعل، وهو في نفسه اسم؛ لأنهم في المثال يضعونه مواضع الأسماء حين قالوا: " كل أفعل "، وأضافوا إليه " كل " أو قالوا: " أفعل ينصرف " فخبروا عنه.
ومما يجري مجرى هذا كلّ فعلان له فعلى لا ينصرف، وتقول: فعلان إذا كان له فعلى لا ينصرف، فتصرف " كلّ فعلان " لأنه نكرة وهو اسم، كما تقول سعدان للنبت " وحومان " لما صلب من الأرض وهو في قولك " فعلان " إذا كان له فعلى معرفة على ما تقدم، وتقول على هذا كلّ فعلان إذا لم يكن له فعلى مصروف في النكرة غير مصروف في المعرفة.
قال: " تقول كل فعلى له فعلى كانت ألفها لغير التأنيث ينصرف، وإن كانت
[ ٣ / ٤٦٨ ]
الألف للتأنيث لم ينصرف ".
قال أبو سعيد: الألف في فعلى، وفعلى يجوز أن تجعلها لغير التأنيث، فتكون للإلحاق كقولهم: أرطى، وعلقى منونين ملحقين بجعفر، وسلهب.
وفعلى تكون الألف فيها للإلحاق فيصير ملحقا بهجرع ودرهم كما قالوا: معزى وذفرى، وقد يجوز أن تكون الألف للتأنيث فيكون فعلى ككسرى ودعوى وفعلى كذكرى ودفلى، والألف في الملحق منها والمؤنث زائدة، والمثال على لفظ واحد، فيجوز أن يجعل الملحق مثالا للمؤنث والمؤنث مثالا للملحق فجاز من أجل ذلك أن تقول كلّ فعلى بالتنوين وكل فعلى بغير التنوين على ما تنويه في الألف من الإلحاق والتأنيث.
وتقول: كل فعلى في الكلام لا ينصرف، وكل فعلاء في الكلام لا ينصرف؛ لأن هذين المثالين لا يكون الألف فيهما إلا للتأنيث فلذلك لم ينونا.
وتقول: كل فعنلى في الكلام منصرف في النكرة، وهذا رجل فعنلى تصرفه، لا غير؛ لأنه ليس في الكلام فعنلى إلا
وألفه لغير التأنيث.
ومما لم يذكره سيبويه تقول فعلى، وفعلى مصروفان في الإلحاق نكرتين، فلا تصرف المثالين؛ لأنهما صارا معرفتين، والألف فيهما زائدة فلا ينصرف لاجتماع علتين.
وتقول: كل فعلّلى لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة، فتنونه؛ لأن هذا المثال لم توجد فيه الألف للتأنيث، إنما هي للإلحاق في نحو فبعثرى وضبغطرى.
وتقول: كل " فاعلاء " و" فعولاء " و" فعالاء " لا ينصرف؛ لأن هذه الألف لا تجيء إلا للتأنيث نحو " بروكاء "، و" براكاء " و" قاصعاء "، و" راهطاء ".
وكذلك تقول: كل فعلى لا ينصرف؛ لأن هذه للتأنيث وتقول على قياس ذلك:
كل فعلة، أو فعلة لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة.
وتقول: " فعلة " ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة، ولا تصرف فعلة؛ لأنها معرفة، وفيها هاء التأنيث كما قلنا في أفعل وفعلان، وكذلك القول في كل ما كانت فيه هاء التأنيث على أي وزن كان مثاله، تصرفه في النكرة، ولا تصرفه في المعرفة فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.