وذلك قولك: أحقا أنك ذاهب؟ وكذلك: أكبر ظنك أنك ذاهب؟ وأجهد رأيك أنك ذاهب؟ وكذلك هما في الخبر.
وقد سألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقا إنك ذاهب على القلب كأنك قلت: أنك ذاهب. ألحق؟ فقال: لأن " أن " لا يبتدأ بها في كل موضع، ولو جاز هذا لجاز: يوم الجمعة إنك ذاهب تريد: إنك ذاهب يوم الجمعة.
ولقلت أيضا: لا محالة إنك ذاهبة تريد: إنك لا محالة ذاهب فلما لم يجز ذلك حملوه على " أفي حق أنك ذاهب؟ وعلى: أفي أكبر ظنك أنك ذاهب؟ وصارت " أنّ " مبنية عليه كما يبني الرحيل على غد إذا قلت: غدا الرحيل. والدليل على ذلك: إنشاد العرب كما زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر:
أحقّا بني أبناء سلمى بن جندل تهدّدكم إيّاي وسط المجالس (٣)
وزعم الخليل أن التهدد هاهنا بمنزلة: " الرحيل " بعد " غد ". وأن " أن " بمنزلته وموضعه كموضعه.
ونظير: أحقا أنك ذاهب. من أشعار العرب قول العبدي (٤):
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٢٢.
(٢) سورة النحل، الآية: ١١٠.
(٣) الخزانة: ١/ ١٩٣، الشعر والشعراء: ١/ ٢٥٦، الأغاني: ١١/ ١٣٢، ٢٦٨.
(٤) هو المفضل النكري والعبدي نسبة إلى عبد قيس والنكري نسبة إلى (نكره). جمهرة أنساب العرب
[ ٣ / ٣٥٦ ]
أحقّا أن جيرتنا استقلّوا فنيّتنا ونيّتهم فريق
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أالحق إن دار الرّباب تباعدت أو أنبت حبل أنّ قلبك طائر؟ (١)
وقال النابغة الجعدي:
ألا أبلغ بني خلف رسولا أحقّا أنّ أخطلكم هجاني (٢)
فكل هذه الأبيات سمعناها من أهل الثقة هكذا. والرفع في جميع هذا جيد قوي وذلك أنك إن شئت قلت: أحق أنك ذاهب. وأكبر ظنك أنك ذاهب تجعل الآخر هو الأول. وأما قولهم: " لا محالة أنك ذاهب " فإنما حملوا " أنّ " على: أن فيه إضمار " من " على قولك: (لا محالة أنك) كما تقول: (لابد أنك) كأنك قلت: لابد من أنك حين لم يجز أن يحملوا الكلام على القلب.
وسألته عن قولهم: أمّا حقا فأنك ذاهب فقال: هذا جيد. وهذا الموضع من مواضع إنّ ألا ترى أنك تقول: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب. وأما فيها فأنك قائم وأنما جاز هذا في " أما " لأن فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شئ فإنك ذاهب.
وأما قوله ﷿: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ (٣) فإن " جرم " عملت لأنها فعل ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار.
وقول المفسرين معناها: حقا أن لهم النار يدلك أنها بمنزلة هذا الفعل إذا مثلت. " جرم " قد عملت في " أن " عملها في قول القزاري: (٤)
ولقد طعنت أبا عيّينة طعنة جرمت فزارة بعدها أنّ يغضبوا (٥)
_________________
(١) ٢٨٢، سمط اللآلي ١٢٥. العيني: ٢/ ٢٣٥، الأشموني: ١/ ٢٧٨، الهمع ٢/ ٧١.
(٢) الديوان: ٣٣، الخزانة: ٤/ ٣٠٣، الأشموني ٤/ ٢٧٨.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سورة النحل، الآية: ٦٢.
(٥) هو عوف بن عطية واسمه عمرو بن عيسى بن وديعة، معجم الشعراء: ١٢٥.
(٦) انظر المقتضب: ٢/ ٣٥٢، معاني القرآن للفراء: ٢/ ٩.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وزعم الخليل أن " جرم " أنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام. يقول الرجل كان كذا وفعلوا كذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون أو أنه سيكون كذا وكذا. وتقول: أما جهد رأيي فأنّك ذاهب لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول وهذا من مواضع " أن " لأنك تقول: " أما في رأيي فأنك ذاهب ". أي: فأنت ذاهب وأن شئت قبلت " فأنّك " وهو ضعيف. لأنك إذا قلت: أما جهد رأيي فإنك عالم لم تضطر إلى أن تجعل الجهد ظرفا للقصة لأن ابتداء " إن " يحسن هاهنا.
فإذا قلت: جهد رأيي أنك عالم. لم يجز أن يكون الجهد إلا ظرفا. لأنك لو جعلته مفعولا كان من صلة " أنّ " ولا يجوز تقديمه ومع ذلك أنك لم تجئ بالمبتدأ.
فإذا قلت: أما جهد رأيي حسن ابتداء " أن " ونصبت جهد بالفعل لا بالظرف لأنك لم تضطر إلى الظرف وتقول: " أما في الدار فإنك قائم " لا يجوز فيه إلا " إنّ " لأن إنّ تجعل الكلام قصة وحديثا. ولم ترد أن تخبر أن في الدار حديثه ولكنك أردت أن تقول " أما في الدار فأنت قائم " فمن ثم لم يعمل في " أن " شيء وإذا أردت أن تقول أما في الدار فحديثك وخبرك قلت: أما في الدار فأنك منطلق. أي هذه القصة. ويقول الرجل: ما اليوم؟ فتقول: اليوم أنك مرتحل، كأنه قال: في اليوم رحيلك. وعلى هذا الحد تقول: أما اليوم فأنّك مرتحل.
وأما قولهم: أما بعد فأن الله ﷿ قال في كتابه. فأنه بمنزلة قولك: أما اليوم فإنّك. ولا يكون " بعد " أبدا مبنيا عليها. إذا لم تكن مضادة ولا مبنية على شئ.
إنما تكون لغوا.
وسألته عن: " شد ما أنك ذاهب " وعز ما أنك ذاهب. فقال: هذا بمنزلة: حقا أنك ذاهب كما تقول: أما أنك ذاهب بمنزلته حقا أنك ذاهب. كما كانت " لو " بمنزلة " لولا " ولا يبتدأ بعدها الأسماء سوى " أن " نحو: لو أنك ذاهب ولا
يبتدأ بعدها الاسماء. و" لو " بمنزلة " لولا " وأن لم يجز فيها ما يجوز فيما يشبهها. تقول: لو أنه ذاهب لفعلت. وقال ﷿: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (١) وأن شئت جعلت: شد ما وعز ما كأنك قلت: نعم العمل أنك تقول الحق. وسألته عن
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١٠٠.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
قوله: كما أنه لا يعلم ذلك فتجاوز الله عنه. وهذا حق كما أنك ذاهب. فزعم أن العاملة في " أن " الكاف. و" ما " لغو إلا أن " ما " لا تحذف هاهنا كراهية أن يجئ لفظها مثل لفظ " كان " كما ألزموا " النون " لأفعلن و" اللام " قولهم: إن كان ليفعل " كراهية أن يلتبس اللفظان. ويدلك على أن " الكاف " هي العاملة قولهم: هذا حق مثل ما أنك هاهنا. وبعض العرب يرفع فيما حدثنا يونس ورغم أنهم يقولون إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١). فلولا أن " ما " لغو لم يرتفع مثل وإن نصبت " مثل " فما أيضا لغو، لأنك تقول: مثل أنك هاهنا. وإن جاءت " ما " مسقطة من " الكاف " في الشعر جاز كما قال النابغة الجعدي:
قروما تسامى عند باب دفاعه كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا (٢)
ف " ما " لا تحذف هاهنا في الكلام كما لا تحذف في الكلام من " أما " في قولك:
فأن جزعا وإن إجمال صبره (٣)
قال أبو سعيد: إذا قلت: أحقا أنك ذاهب وأكثر ظنك وجهد رأيك ففيه الرفع والنصب فالرفع على الابتداء والخبر فإذا قلت: أحقا أنك ذاهب فتقديره " أحق ذهابك " وأكثر ظني ذهابك " وجهد رأيى ذهابك " والنصب على تقدم هذه الأشياء ظروفا. وقال:
" رفع أنك " بالابتداء وذلك أنك إذا قدمت هذه الأشياء ونصبتها فلا وجه لنصبها غير الظروف. ورفع " أنّ " ويكون التقدير فيها: (أفي زمن حق أنك ذاهب) ثم حذف " زمن " كما قيل: سير عليه مقدم الحاج يريد: زمن مقدم الحاج أو وقت مقدم الحاج، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقد تبين من كلام العرب أنها في مذهب الظرف:
بدخول " في " عليها.
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٢٣.
(٢) ديوان النابغة الجعدي: ١٣١. والبيت من بحر الطويل.
(٣) عجز بيت لدريد بن الصمة صدره: لقد كذبتك نفسك فاكذبنها الخزانة: ٤/ ٤٤٤، الكتاب: ١/ ١٣٤.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
قال أبو زبيد الطائي:
ألا أبلغ بني عمرو بن كعب بأنّي في مودتكم نفيس (١)
أفي حق مواساتي أخاكم بمالي ثم يظلمني السريس
وتبين أن " أن " في موضع رفع بقوله:
أحقّا بنى أبناء سلمى بن جندل تهدّدكم إيّاي وسط المجالس (٢)
فرفع (تهددكم) وهو في موضع " أن " حين قال:
أحقا أنّ أخطلكم هجاني (٣)
وفي رفعه وجهان:
أحدهما: وهو الذي أختاره أنه رفع ما قبله من الظرف خبره ومنزلته كمنزلة " خلف زيد " " وفي الدار عمرو " ولو أدخلنا عليه " أن " وأخواتها وقدمنا الظرف وجعلنا " أنّ " مقدرا لنصبنا وذلك قولك: (في أكثر ظني رحيلك) كما تقول (يوم الجمعة أنك راحل) و(يوم الجمعة رحيلك) و" إنّ يوم الجمعة رحيلك " فتبين بنصبه بعد " أن " رفعه قبلها بالابتداء. وذهب أبو العباس المبرد إلى أن الخليل: رفع " أن " بالظرف في هذا الموضع يعني: " أفي حق أنك ذاهب " وفي أكثر ظني أنك ذاهب. للضرورة كما يرفع بالظرف المضمر في قولك: " زيد في الدار وعمرو عندك ".
قال أبو سعيد: أما رفع المضمر بالظرف فصحيح وأما رفع الظاهر فليس مذهب سيبويه والخليل. وأظن أن الذي دعا أبا العباس إلى حكاية هذا عن الخليل أنه: لما ذكر:
" أفي حق أنك ذاهب ". " وفي أكثر ظني أنك ذاهب " قال عقيبه: وصارت " أن " مبنية عليه كما تبنى الرحيل
وقد استعمل سيبويه لفظ البناء على الشيء الذي ليس بعامل فيما بني عليه كما قال: " أنّ " مبنية على " لولا ". وإنما ذلك على جهة تقدمها وحاجتها إلى ما بعدها.
_________________
(١) ديوان أبو زبيد الطائي: ١٠٠.
(٢) البيت للأسود بن يعفر سبق تخريجه.
(٣) البيت للنابغة الجعدي سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وأما قول العبدي:
فنيّتنا ونيّتهم فريق (١)
ولم يثن فلأن " الفريق " قد يستعمل بلفظ واحد في الواحد والاثنين والجمع كما تقول: هذا صديق وهما صديق وهم صديق.
وقال الله ﷿ في مثله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (٢) وأما قولهم:
(لا محالة أنك ذاهب) (ولا بد أنك ذاهب) فالذي يظهر من كلام سيبويه أن: " أنك " في موضع خفض " بمن " المحذوفة. وهو على القلب الذي تراه من خفض " أنّ " بعد حذف الخافض منها في الباب الذي ذكر فيه ذلك.
قال أبو العباس: إذا قلت: لا محالة أنك ذاهب " فأنك " في موضع رفع بخبر المبتدأ كما تقول: لا رجل أفضل منك. وكذلك: لابدّ أنك ذاهب. فإن قال قائل: " لا " الثانية الناصبة هي جواب هل من؟ فما المسألة التي جوابها لا محالة ولا بد وما معنى ذلك؟ ومن أي شيء أخذ؟
قيل له لا محالة والحيلة فمعناها واحد هل من محالة في كذا؟ وهل من حيلة من كذا؟
ومعناه: هل من محالة من تركه أو من المخلص منه؟ فيقول المجيب: لا محالة منه. أي في الخلاص منه. وأما: " بد " فأصلها من مفارقة الشيء ومنه قيل: تبّدد الشيء: تفرق.
وبددته: فرقته. ومنه قوله: (٣)
والخيل تعدوا في الصّعيد بداد
أي متفرقة وقولهم: رجل أبد. وامرأة بداء إذا تفرق. ما بين فخذيه. كما قال:
فبدّت الرّجل فما تضمّها (٤)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سورة ق، الآية: ١٧.
(٣) عجز بيت للنابغة الجعدي صدره: وذكرت من لبن المحلق شربة انظر المقتضب: ٣/ ٣٧١، الخزانة: ٤/ ٤٧١، المخصص: ١٧/ ٦٤.
(٤) في اللسان (بدد) وكل من فرج رجليه فقد بدهما قال الراجز: جارية أعظمها أجمعها
[ ٣ / ٣٦١ ]
ومنه قولهم: أبددت القوم عطية أي فرقتها بينهم
قال أبو ذؤيب:
فأبدهن حتوفهنّ فطالع بدمائه أو ساقط متجعجع (١)
فإذا قال: لابد منه. فكأنه قال: لا مفارقة ولا تباعد منه، وقد فسره أصحابنا بالسعة لأن تفرق ما بين الشيئين سعة ما بينهما، فكأنهم جعلوا أصله السعة وحقيقته عندي ما ذكرته.
قال أبو العباس محمد بن يزيد " بد " موسع فإذا قلت: لابد أنك ذاهب. غير موسع عليك أنك ذاهب، وحقيقته: غير موسع عليك تركك الذهاب وقولهم: أما حقا أنك ذاهب فيكسر " إن " فهو جيد وكذلك: أما جهد رأيى فأنك ذاهب وكذلك جميع الظروف المتقدمة التي بعدها: " أن " إذا دخلت قبلها " أما " فكسر " إن " حسن وإن لم تكن " أما " فالفتح لا غير. وإنما كسر مع دخول " أما " لأنها تسوغ تقديم ما بعد الفاء على " الفاء " و" أما " عوضا مما حذف منه. وجوز فيه تقديم ما لم يكن يجوز تقديمه قبل دخولها وقد ذكرت ذلك مستقصى قبل هذا الموضع.
ومعنى قول سيبويه " أما جهد رأيى فإنك ذاهب) لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول يعني: أنك مضطر قبل دخول " أما " أن تفتح " أن " إذا قلت:
جهد رأيى أنك ذاهب. فتجعل " أن " مبتدأ وما قبله ظرفا. كقولك (خلفك زيد) لأنك لو لم تفتح وكسرت انقطع الظرف من " أن " وخبرها فلم يتصل. لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها قبل دخول " أما " وقد ذكرناه فصرت مضطرا إلى فتحها. فإذا دخلت " أما " جاز فيها الكسر فلم تضطر إلى فتحها وجعلتها مبتدأ. وقولهم: " أما بعد " فإن الله ﷿ قال في كتابه " فأن بعد " بمنزلة " اليوم " ولا يكون " بعد " ولا " قبل " خبرين إذا لم يكونا مضافين. هذا كلام سيبويه ومذهبه ولم أر غيره ذكره ولا تكلم عليه إلا أصحابه الذين
_________________
(١) قد سمنتها بالسويف أمها فبدت الرجل فما تضمها انظر نوادر أبي زيد: ٣٤١.
(٢) ديوان الهذليين: ١/ ٩، شرح المفضليات: ٨٧٠.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
يتكلمون على تفسير كتابه وإذا كانا مضافين فإنهما يكونان خبرين كقولك: زيد قبلك وعمرو بعدك. وإذا لم يخبر بهما لنقصانهما عن حالهما مضافين. وهما في حال الإضافة غير متمكنين فإذا منعتا الأصالة ازدادتا بعدا عن التمكن، فمنعتا بذلك أن يكونا خبرين. وقد مثل سيبويه: (أما يوم الجمعة فأنك ذاهب) بتمثيل نفسه في اللفظ إذا حمل على ظاهره فقال: لأن فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شيء " فأنك ذاهب " وتقديم " يوم الجمعة " لا يجوز في " مهما " ومعناه: أنه مثّل " أما " " بمهما " ثم قدم في " مهما " ما تقدمه في " أما " من الظرف الذي يصبح له خبر " أن " على وجه يبين المعنى فيه لا على تصحيح اللفظ، وأما لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ (١) فإن الخليل وسيبويه ومن تبعهما من البصريين يجعلون " جرم " فعلا ماضيا. ويجعلون " لا " داخله عليه فمنهم من يجعلها جوابا لما قبلها ومثله:
" يقول الرجل كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون.
ويبين عند الخليل: أنه رد على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع مضرة الكفر وعقوبته عنهم يوم القيامة. واختلفوا في معنى " جرم " إذا كان فعلا.
قال سيبويه: معناه حق أن لهم النار. واستدل على ذلك بقول المفسرين معناه " حقا أن لهم النار " ويقول الشاعر:
جرمت فزازة بعدها أنّ يغضبوا
أي حقهم للغضب. وتبعه على ذلك من تبعه.
وقال غيره: " جرم " بمعنى " كسب " واستدل على ذلك بقول الله ﷿: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ (٢) يقول ﷿: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا (٣) أي: لا يكسبكم ذلك. ويقول الشاعر: (٤)
جريمة ناهض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبا
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٦٢.
(٢) سورة هود، الآية: ٨٩.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢.
(٤) هو أبو خراش الهذلي واسمه خويلد بن مرة. والبيت في ديوان الهذليين:/ ١٣٣، الاقتضاب: ٣١٧، شرح المفضليات ٧٧٧. والبيت من الوافر.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
جريمة كاسبة يعني عقابا. وناهض: فرع. فالعقاب تكسب لفرخها ما يأكله وعلى هذا تأول: جرمت فزارة: أي كسبت فزارة الغضب.
واختلفوا في فاعل " جرم " إذا كان فعلا ماضيا:
فقال أبو العباس المبرد: " أنهم " في موضع رفع " بجرم " كقولك: حق كون النار لهم.
ووجت كون النار لهم. ونحو ذلك. وقال غيره: " أن لهم النار " في موضع نصب وفي " جرم " ضمير فاعل. كأن كفرهم كسب كون النار لهم.
وأما الفراء وأصحابه. فذهبوا إلى أن " جرم " اسم منصوب و" لا " على التبرئة وقال الفراء: " لا جرم أنهم " كلمة كانت في الأصل- والله أعلم، بمنزلة: لابد أنك قائم ولا محالة أنك ذاهب فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة: حقا و" حقا " عندهم بمنزلة قسم. واستدل على ذلك بما ذكر عن العرب من قولهم. " لا جرم لآتينك ". " لا جرم لقد أحسنت " قال: كذلك فسرها المفسرون بمعنى: الحق. قال وأصله جرمت أي كسبت الذنب وجرمته، ورأيت بعض الكوفيين: يجعل " أن " في موضع نصب في لا بد ولا محالة ولا جرم. وقال بعض الكوفيين: " أجرم " أصله الفعل الماضي فحول عن طريق الفعل ومنع التصرف. فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر. وجعل معه " لا " قسما وتركت الميم على فتحها الذي كان لها في الماضى كما نقلوا " حاشى " وهو فعل ماض مستقبله " يحاشى " ودائمه " محاش " ومصدره " محاشاه " من باب الأفعال إلى باب الأدوات لما أزالوه عن التصرف فقالوا: قام القوم حاشى عبد الله. فخفضوا به ولو كان فعلا ما عمل خفضا. وابقوا عليه لفظ الفعل الماضي. وكما نقلوا " ليس " وأصلها الفعل الماضي. عن أصلها إلى سبيل الأدوات فمنعوها التصرف وخروج المصدر منها وأفردوا آخرها على أمرها الأول قبل النقل. وحكى الكوفيون في " لا جرم " وجوها من تغيير اللفظ فيها عن العرب. منها " لا جرم " بضم الجيم و: " لا جر " بإسقاط الميم. و: " لا ذا جرم " و" لا ذا جر " بغير الميم " ولا إنّ ذا جرم " و: " لا عزّ ذا جرم ". ومعنى اللغات كلها عندهم واحد. وأنشد الفراء:
إنّ كلابا والدي لاذا جرم
لأهدرن هدرا صادقا هدر المعنى الشقاشيق اللهم (١)
_________________
(١) البيتان في معاني القرآن للفراء ٢/ ٩، أمالي القالي: ٣/ ٢١٨، وهما من الرجز.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
لم يعرف الفراء النصف الأول من البيت الأول.
وأما " شد ما أنك ذاهب " و" عز ما أنك ذاهب " فقد جعله سيبويه على وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى: حقا أنك ذاهب فيكون " شد ما " في تأويل ظرف.
وأنك ذاهب مبتدأ كما أن " حقا " مبتدأ في تأويل ظرف و" شد " و" عز " فعلان في الأصل دخلت عليهما " ما " فأبطل عملها. وجعلا في مذهب " حقا ". كما دخلت " ما " على " قل " و" رب " فبطل عملها. وخرجا عن مذهب الفعل وحرف الجر.
و" شد ما " و" عز ما " وإن جعلا في موضع " حقا " فلا تدخل عليهما " في " كدخولها على " حقا " لأنهما في الأصل فعلان. كما أن " أن " إذا وقعت بعد " لو " تشبيها " بلولا " لم يجز وقوع الاسم بعدها لوقوعه بعد " لولا ".
والوجه الآخر: أن يكون " شد ما " و" عز ما " فعلين ماضيين. كنعم و" بئس " ووقوع " ما " بعدهما كوقوع " ما " بعد " نعم " و" بئس " كقولك: نعما صنيعك و" بئسما عملك " وتقديره: نعم الصنيع صنيعك و" بئس العمل عملك ". وقوله: كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه. دخلت الفاء على " تجاوز " لأنه دعاء. وهو بمنزلة دخول القلب في فعل الأمر إذا تقدم المفعول كقولك: زيدا فاضرب. وإن شئت: زيد اضرب. فإذا قلت: اضرب زيدا لم تكن " فاء " وكذلك تقول: تجاوز الله عنه. و" ما " عند سيبويه لغو. واستدل على أنها لغو بقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١) لأنها لو لم تعمل لغوا لبنيت مع ما بعدها وفتحت. ولم يجز إسقاطها وإن كانت لغوا في عملها. وزيادة فائدة بدخولها: لأنهم أرادوا الفرق بين شبيهين: فإذا ادخلوا ما على حرف التشبيه أرادوا: أن أحد الشيئين وجوده حق كما أن وجود الآخر حق. وأن الشيئين في أنفسهما. كقولك " زيد فاسق كما أن عمر صالح " أردت أن هذا موجود وصحيح كما أن هذا موجود صحيح. وكذلك تقول: البساط تحتنا كما أن السماء فوقنا. أي: هذا حق كما أن هذا حق. وكذلك: الظلال فوقنا كما أن السماء فوقنا.
إذا أردت أنهما حقان. وإن أردت تشبيه أحدهما بالأخر قلت: " الظلال فوقنا كما أن
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٢٣.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
السماء فوقنا " أي هما متشابهان في كونهما. ولم يرد أن هذا حق كما أن هذا حق.
وكان أبو العباس المبرد يجيز أن يكون " ما " مع كاف التشبيه لغوا وأن تكون مبنية معها. وقد ذكرت لك استدلال سيبويه على أنها لغو. ولم يقم دليل على غيره والفرق في: مثل ما أنك ذاهب " ومثل " أنك ذاهب بدخول " ما " كالفرق في الكاف ومعناهما: أعني: الكاف ومثل، ومذهبهما في دخول " ما " وخروجهما واحد. وسيبويه يذهب في قول النابغة الجعدي:
كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا
إلى أن " ما " منه محذوفة وتقديره: كما أنه يؤخذ وخففت " أن " وحذفت " ما ".
قال أبو سعيد: هذا سهو من سيبويه صير تشبيه جملة بجملة ودفاعه اسم واحد وليس بجملة وقوله: " كأن يؤخذ المرء " ليس من الأشياء الواضحة الوجود فيشبه به تحقيق وجود شيء آخر. وإنما يصف النابغة خصومة جرت بين رجل من عشيرته مناظر عنها.
وبين خصوم له من قبائل أخرى يحضره ملك. وأن ذلك الملك كان ميله على عشيرته.
وأن المناظر عنهم ثبت لهم في المناظرة مع ميل الملك عليه وعلى ذلك قوله:-
لدى ملك غضبان أقبل مخفرا إليهم شديدا قسره متبسلا (١)
واخضرهم خصما شديدا ضريره بني دارم أهل البسول ونهشلا
وذو التاج من نسان ينصر جاهدا ليجعل فيها خدنا هو أسفلا
قروما تسامى عند باب دفاعه كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا
يريد: دفاع الباب. وهو رده وحجبه لمن يريد الدخول. وطرده وهو مثل القتل في شدته. لأنه إذلال للمطرود المحجوب. ومعنى قوله " فما " لا يحذف في الكلام. يعني: من " كما " إذا أردت الضرب الذي ذكرناه من التشبيه كما لا تحذف من " أن " في " إما " التي بمعنى " أو " وقد ذكرنا حذف " ما " من " إما " في:
.. وإنّ من خريف فلن يعدما ..
قال أبو عثمان المازني: أنا لا أنشده إلا:
_________________
(١) ديوان النابغة الجعدي: ١٣١.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا ..
لأنها " أن " التي تنصب الأفعال دخلت عليها كاف التشبيه.