فأما ما انجزم بالأمر فقولك: إيتني آتك، وما انجزم بالاستفهام فقوله ألا تأتيني أحدّثك، وأين تكون أزرك، وأما ما انجزم بالتمني، فقولك: ألا ماء أشربه، وليته عندنا يحدّثنا، وأما ما انجزم بالعرض فقولك: ألا تنزل تصب خيرا، وإنما انجزم هذا الجواب، كما انجزم جواب إن تأتني بإن تأتني، لأنهم جعلوه معلقا بالأول غير مستغن عنه الأول إذا أرادوا الجزاء، كما أن (إن تأتني) غير مستغنية عن آتك.
زعم الخليل أن هذه الأوائل كلها فيها معنى إن، فلذلك انجزم الجواب، لأنه إذا قال: ائتني آتك، فإن معنى كلامه إن يكن منك إتيان آتك، وإذا قال: أين بيتك أزرك، فكأنه قال: إن أعلم مكان بيتك أزرك، لأن قوله: أين بيتك؟
يريد: أعلمني، وإذا قال: ليته عندنا يحدّثنا، فإن معنى هذا الكلام إن يكن عندنا يحدّثنا، وهو يريدها هنا إذا تمنى ما أراد في الأمر، وإذا قال: لو نزلت، فكأنه قال:
انزل.
ومما جاء من هذا الباب في القرآن وغيره، منه قول الله﷿-: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ (١). فلما انقضت الآية قال: يَغْفِرْ لَكُمْ [الصف: ١٢]
_________________
(١) سورة الصف، الآيتان: ١٠، ١١.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
ومن غيره أيضا: إن أتيتنا أمس نعطك اليوم، أي إن كنت آتيتنا أمس أعطيناك اليوم، هذا معناه، فإن كنت تريد أن تقدره بأنه قد فعل فإن الجزاء لا يكون، لأن الجزاء إنما يكون في غير الواجب ومما جاء منجزما بالاستفهام قول رجل من بني تغلب.
ألا تنتهي عنّا ملوك وتتقي محارمنا لا يبؤ الدم بالدم (١)
وقال الراجز:
متى أنام لا يؤرّقني الكرى (٢)
كأنه قال: إن يكن منّى نوم في غير هذه الحال لا يؤرقني الكرى، كأنه لم يعدّ نومه في هذه الحال نوما.
وقد سمعت من العرب من يشمّه الرفع، كأنه قال: متى أنام غير مؤرق، وتقول:
ائتني آتك، فتجزم على ما وصفناه، وإن شئت رفعت على أن لا تجعله معلقا بالأول، ولكن تبتدئه، وتجعل الأول مستغنيا عنه، كأنه يقول: ائتني أنا آتيك، ومثل ذلك قول الشاعر وهو الأخطل:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها فكلّ حتف امرئ يمضي لمقدار (٣)
وقال الأنصاري:
يا مال والحقّ عنده فقفوا تؤتون فيه الوفاء معترفا (٤)
وفي نسخة أبي بكر مبرمان مصلح (معترفا)، كأنه قال:
إنكم تؤتون الوفاء معترفا، وقال معروف:
كونوا كمن آسى أخاه بنفسه نعيش جميعا أو نموت كلانا (٥)
كأنه قال: كونوا هكذا: إنا نعيش جميعا أو نموت كلانا إن كان هذا أمرنا.
وزعم الخليل: أنه يجوز أن يكون نعيش محمولا على كونوا، كأنه قال: كونوا نعيش جميعا أو نموت كلا وتقول: لا تدن منه يسكن خيرا لك. فإن قلت: لا تدن من الأسد يأكلك، فهو قبيح إن جزمت، وليس وجه كلام الناس لأنك لا تريد أن تجعل
_________________
(١) البيت ورد منسوبا لجابر بن حنيّ، في الكتاب ٣/ ٩٥؛ لسان العرب (بدأ).
(٢) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٩٥.
(٣) البيت في ديوانه، الخزانة ٩/ ٨٧؛ الكتاب ٣/ ٩٦.
(٤) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٩٦.
(٥) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٩٧.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
تباعده من الأسد سببا لأكله، فإن رفعت، فالكلام حسن كأنه قال: لا تدن منه فإنه يأكلك، وإن أدخلت الفاء فحسن، وذلك قولك: لا تدن منه فيأكلك.
وليس كل موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء، ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحدّثنا، والجزاء هاهنا محال، وإنما قبح الجزم في هذا؛ لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء.
وسمعنا عربيا موثوقا بعربيته يقول: لا تذهب به تغلب عليه، فهذا كقوله: لا تدن من الأسد يأكلك. وتقول: ذره يقل ذاك، وذره يقول ذاك، فالرفع من وجهين: أحدهما الابتداء، والآخر على قوله: ذره قائلا ذلك فتجعل (يقول) في موضع قائل.
فمثل الجزم قول الله﷿-: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ (١)، ومثل الرفع قوله- جلّ ثناؤه-: وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٢).
وتقول: ائتني تمشي أي ائتني ماشيا، وإن شاء جزمه على أنه إن أتاه مشى فيما يستقبل، وإن شاء رفعه على الابتداء، قال الله- تعالى-: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٣). فالرفع على الوجهين على الابتداء، وعلى قوله: اضربه غير خائف ولا خاش، وتقول: قم يدعوك لأنّك لم ترد أن تجعل دعاء بعد قيامه، ويكون القيام سببا له، ولكنك أردت قم إنه يدعوك، وإن أردت ذاك المعنى جزمت.
وأما قول الأخطل:
كرّوا إلى حرّتيكم تعمرونها كما تكرّ إلى أوطانها البقر (٤)
فعلى قوله: كروا عامرين، وإن شئت رفعت على الابتداء.
وتقول: مره يحفرها، وقل له يقل ذاك، وقال الله﷿-: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ (٥) ولو قلت مره يحفرها على الابتداء كان جيدا، وقد جاء رفعه على شيء، وهو قليل في الكلام على مره أن
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ٣.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٦.
(٣) سورة طه، الآية: ٧٧.
(٤) البيت في ديوانه ١٠٨؛ والكتاب ٣/ ٩٩.
(٥) سورة إبراهيم، الآية: ٣١.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
يحفرها، فإذا لم تذكر (أن) جعلوا المعنى بمنزلتها في: عسينا نفعل، وهو في الكلام قليل لا يكادون يتكلمون به وإذا تكلموا به فالفعل كأنه في موضع اسم منصوب كأنه قال: عسى زيد قائلا ذاك، ثم وضع (يقول) في موضعه، وقد جاء في الشعر قال طرفة ابن العبد:
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللّذّان هل أنت مخلدي (١)
وسألته عن قول الله- تعالى-: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (٢).
فقال: تأمروني، كقولك: هل يفعل ذاك بلغني، فبلغني لغو، وكذلك تأمروني كأنه قال فيما تأمروني، كأنه قال: فيما بلغني، وإن شئت كان بمنزلة:
ألا أيّهّذا الزّاجري أحضر الوغى
قال أبو سعيد: جزم جواب الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض بإضمار شرط في ذلك كله، والدليل على ذلك قول إن الأفعال التي تظهر بعد هذه الأشياء، إنما هي ضمانات يضمنها ويعد بها الآمر والناهي والمستفهم والمتمني والعارض، وليست بضمانات مطلقة، ولا عدات واجبة على كل حال، وإنما هي معلقة بمعنى: إن كان ووجد وجب الضمان والعدة، وإن لم يوجد لم يجب، ألا ترى أنه إذا قال: ائتني آتك، لم يلزم الآمر أن يأتي المأمور إلا بعد أن يأتيه المأمور، وإذا قال: أين بيتك أزرك لم يلزمه الزيارة إلا بعد أن يعرف بيته، ولفظ الأمر والاستفهام لا يدل على هذا المعنى، والذي يكشفه لفظ الشرط، فوجب تقديره بعد هذه الأشياء، والذي يقدّر في ذلك من الشرط ما كان موافقا للفظ الأمر والنهي، ولما يستدعيه ويقتضيه بالاستفهام والتمني والعرض.
فقولك: ائتني آتك يقدر بعد قولك: ائتني، إن تأتني فآتك، وتقول في النهي: لا تدن منه يكن خيرا لك تقديره: لا تدن منه إلا تدن منه يكن خيرا لك، وفي الاستفهام ألا تأتيني أحدّثك يقدّر بعدها:
إن تأتني أحدّثك، وأين تكون إن أعرف مكانك أزرك، وفي التمني ألا ماء أشربه، وليته عندنا يحدّثنا، كأنه قال: ألا ماء إن أجده أشربه، وليته عندنا إن يكن عندنا يحدّثنا، وفي العرض ألا تنزل تصب خيرا، وهذه الأشياء التي ذكرناها من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض تغني عن ذكر الشرط، ويكتفى بذكرها عن ذكره، فلذلك
_________________
(١) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٩٩؛ والمقتضب ٢/ ٨٥.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٤.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
تجوّز سيبويه في عبارته عن جزم هذه الأشياء، فأوهم أن هذه الأشياء هي الجازمة لما بعدها، كما أن حرف الشرط وفعله هو الجازم للجواب، وذلك قولك: وإنما انجزم هذا الجواب، كما انجزم جواب: إن تأتني بإن تأتني لأنهم جعلوه معلقا بالأول غير مستغن عنه الأول، إذا أرادوا الجزاء، كما إن تأتني غير مستغنية. عن آتك.
قال أبو سعيد: وهذا من سيبويه مسامحة في اللفظ، واتساع كما اتسع في نصب الظرف، فقال في نحو قولك:
زيد خلفك، نصب بما قبله والحقيقة فيه أن الناصب هو (استقر)، ثم حكى عن الخليل ما يدل على حقيقة الناصب، وهو قوله وزعم الخليل أن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إن) فلذلك انجزم الجواب، لأنه إذا قال: ائتني آتك، فإن معنى كلامه: إن يكن منك إتيان وما بعده جوابه.
وقول الله﵎-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١). إلى قوله﷿-: يَغْفِرْ لَكُمْ (٢) أما قوله﷿-:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٣). فهو تفسير للتجارة على معناها لا على لفظها ولو فسرها على لفظها لقال: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم أن تؤمنوا بالله، لأن قوله: أن تؤمنوا اسم وتجارة اسم، والاسم يبدل من الاسم، ويقع موقعه، وقوله:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الصف: ١١] كلام قائم بنفسه وفيه دلالة على المعنى المراد بالتجارة، وهو الإيمان والجهاد لأن تؤمنون يدل على الإيمان، وتجاهدون يدل على الجهاد لأنهما مصدرهما؛ ومثله في الكلام على الوجهين، هل لك في خير تقوم بنا إلى المسجد فنصلّي، ولو قلت:
أن تقوم إلى المسجد كان صوابا، ومثله مما فسر ما قبله على الوجهين:
قوله﷿-: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٤) (إنا وأنا) (٥) فمن قال: أنّا هاهنا، فهو الذي يدخل (أن) في تقوم، لأن أن وما بعدها بمنزلة اسم يكون بدلا من الاسم الذي قبله، ومن قال: إنّا فهو الذي يلغي (أن) من تقوم، لأنه إذا قال: إنا
_________________
(١) سورة الصف، الآية: ١٠.
(٢) سورة الصف، الآية: ١٢.
(٣) سورة الصف، الآية: ١١.
(٤) سورة عبس، الآية: ٢٤.
(٥) من قول الله تعالى في الآية: ٢٥ " إنا صببنا الماء صبا ".
[ ٣ / ٣٠٠ ]
- بالكسر- فهو كلام قائم بنفسه، وليس بمنزلة اسم، وكذلك إن المكسورة، ومثله قول الله﷿-: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ (١) و(إنّا) على الوجهين اللذين ذكرناهما، وفي قراءة عبد الله «آمنوا» مكان «تؤمنون بالله».
واختلفوا في جزم يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف: ١٢] فقال الفراء: إنها جزمت بهل في قراءتنا، وفي قراءة عبد الله بن
مسعود للأمر الظاهر، وتأويل هَلْ أَدُلُّكُمْ (٢) في المعنى أمر أيضا، كقولك: هل أنت ساكت، معناه: اسكت. والله أعلم.
فهذا كلام الفراء، وقال أبو إسحاق الزجاج: «يغفر لكم» جواب تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ (٣)، أي إن فعلتم ذلك، فالدليل على ذلك قراءة عبد الله بن مسعود «آمنوا» ورد على من قال هو جواب (هل) وغلطه، قال: لأنه ليس إذا دلهم ﷺ تسليما على ما ينفعهم غفر الله تبارك اسمه لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا فإنما هو جواب تؤمنون بالله وتجاهدون، إن تفعلوا ذلك يغفر لكم.
قال أبو سعيد: والأقوى عندي أنه جواب (لهل) لأن تؤمنون تفسير للتجارة، وهي جملة ما وقعت عليه (هل)، فالاعتماد في الجواب على هل، وهل في معنى الأمر لأنه لم يكن القصد عن استفهامهم عن الدلالة على التجارة المنجية، هل يدلّون عليها، أو لا يدلّون، وإنما المراد الأمر لهم، والحث على ما ينجيهم، وقد يكون بلفظ الخبر ما يراد به الأمر أو الدعاء، ولو أتى له بجواب ما كان إلا مجزوما كقول الله﷿-:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ (٤) تثب مرضعة الحولين الجنة، وكذلك غفر الله لزيد ينج من النار وكذلك إذا كان الأمر بلفظ الاستفهام، فقوله أتيتنا أمس نعطك اليوم، أي إن كنت أتيتنا أمس أعطيناك اليوم، إذا أراد أن إعطاءنا إياك اليوم بسبب مجيئك أمس، لأنا لو جعلناه شرطا لصح أن تقول: إن كنت جئت أمس أعطيتك اليوم، وإنما يجوز هذا في (كنت) خاصة، وقد ذكر في موضعه، ولو قلت: إن جئت أمس أعطيتك اليوم لم يجز، فاضمر بعد الاستفهام من الشرط ما يصح أن يكون الجواب له مجزوما، ولو أراد بقوله أتيتنا أمس التقدير لم يجز الجزم لأنه لا يقدر فيه أن، وقوله (ألا تنتهي عنا
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ٥١.
(٢) سورة القصص، الآية: ١٢.
(٣) سورة الصف، الآية: ١١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.
[ ٣ / ٣٠١ ]
ملوك) وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فإن معناه معنى الأمر، كأنه قال:
لتنته عنا ملوك إن تنته عنّا لا يبوء الدم بالدم، ومعنى لا يبوء الدم بالدم لا يقتل واحد بآخر يريد أن الملوك إن قتلوا منا قتلنا منهم، ولو حمل هذا على لفظ حقيقة الاستفهام أن الألف للاستفهام، ولا للجحد، فيكون الشرط المقدر بلفظ
الجحد، فيصير التقدير ألا تنته عنا ملوك، فإذا قيل ألا تنته عنا ملوك فحق الكلام. يبوء الدم بالدم، ولم يدخل فيه لا، وعلى هذا تأويل ألا تأتيني أحدّثك، تأويله أتيتني أحدّثك، ولو حمل على حقيقة الاستفهام صار تقدير الشرط ألا تأتني وجوابه لا أحدّثك، وقوله:
متى أنام لا يؤّرقني الكرى ليلا ولا أسمع أجراس المطيّ (١)
كأن قائل هذا الشعر مكان من يكرى الإبل، والكرى: المكتري والمكتري منه، و(متى) استفهام وللجزم في لا يؤرقني وجهان:
أحدهما أنه جزم جواب الشرط الاستفهام، وتقدير الشرط فيه: إن أنم لا يؤرّقني، كأنه لم يعد نومه نوما، وجعل النوم هو الذي لا ينبهه منه الكرى، والوجه الآخر أنّ يؤرقني مرفوع تركت ضمته استثقالا، كما قال:
وقد بدا هنك من المئزر (٢)
في معنى هنك، ومعناه متى أنام غير مؤرّق، كأنه تمن النوم الذي لا ينتبه منه ولا يكون فيه سهر، وفي هذا المعنى أشمّه الرفع من أشمه؛ وقد يجوز في جواب الأمر الرفع على الاستئناف، وعلى الحال والاستئناف نحو قولك: ائتني آتيك.
كأنه قال: أنا آتيك، ويقع في مثله ما يحسن فيه الرفع على الاستئناف والحال، كقول القائل: ذره يقول ذاك على معنى قائلا ذاك، وعلى الاستئناف، وكذلك وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣) على معنى عامهين، وعلى معنى هم يعمهون مستأنفا، وسائر ما ذكره سيبويه فيه الرفع على هذين الوجهين كذلك، وقول الأنصاري:
والحقّ عنده فقفوا (٤)
_________________
(١) الشطران من الرجز، وقائلهما مجهول، الكتاب ٣/ ٩٥.
(٢) البيت ورد منسوبا للأقيشر الأسدي، في الخزانة ٢/ ٢٧٩؛ الكتاب ٤/ ٢٠٣.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٦.
(٤) جزء من بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
الحق ينتصب بإضمار فعل تفسيره (فقفوا) كأنه قال: والحقّ فالزموا، ودخلت الفاء لأنها تدخل زائدة في الأمر، كقولك: يزيد فأمرن.
وتؤتون فيه الوفاء معترفا (١)
ويروى معترفا فمن كسر صيّر الحق معترفا لهم بذلك، ومن فتحه فهو بمعنى اعترافا.
وقوله: (نعيش) على الاستئناف فظاهر صحيح اللفظ والمعنى كأن حيّين أو جمعين خاطب أحدهما الآخر، فقال:
كونوا كمن آسى أخاه بنفسه
ثم استأنف:
نعيش جميعا أو نموت كلانا (٢)
ولفظ كلانا لفظ رجلين لأن الحيين والجمعين كالرجلين في اللفظ وأما قول الخليل نعيش على كونوا نعيش، وجعل نعيش خبرا لكونوا، فظاهر الكلام يمنع من ذلك لأن الواو في كونوا اسم للمخاطبين ليس للمتكلم فيها شيء، والمتكلم خارج عنها، وقولك نعيش للمتكلم إذا كان معه غيره، فكيف يجوز أن يكون ما للمتكلم خبرا عن المخاطب من غير ضمير عائد إليه، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: كان الزيدون نقوم جميعا، وظاهر الكلام كونوا نعيشون، أو لنكن نعيش، وقد تقبّل أصحابنا ما قاله الخليل، وما اعترض فيه بشيء أحد علمته منهم.
قال أبو سعيد: وإذا حمل هذا على معناه احتمل، وذلك أن يكونوا قوما اجتمعوا فتواصوا بالتآلف، وترك الفرقة، فيكون متكلمهم إذا أوصاهم بشيء فهو داخل معهم فيه فلا فرق بين أن يأمرهم وهو في المعنى داخل معهم، وبين أن يكون لفظ الأمر لنفسه وهم معه فيصير قوله كونوا كقوله: لنكن، وإذا قال: لنكن نعيش جميعا فنعيش خبر فهذا محمول على معناه، والله أعلم بالمقاصد، ولم يجز: لا تدن من الأسد يأكلك لأنه إذا انجزم أضمر شرطا تقديره لفظ النهي كأنه قال:
لا تدن منه يأكلك، وهذا محال؛ لأنه يصيّر تباعده منه سببا لأكله؛ فإن قلت: لا تدن من الأسد فيأكلك بالفاء والنصب جاز، وحسن لأن الجواب بالفاء والمنصوب
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
(٢) انظر بيت معروف الدبيري السابق تخريجه.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
تقديره العطف كأنه قال: لا يكن دنو فأكل، وإن لم تدخل الفاء ورفعت جاز على الاستئناف كقولك:
لا تدن من الأسد يأكلك، أي هو مما يأكلك فاحذره؛ ومثله مما سمعه من العرب:
لا تذهب به تغلب عليه. وقوله مره يحفرها، وقل له يقل ذاك على وجهين:
أحدهما على الجواب كأنه قال: مره إن تأمره يحفرها، وإن تقل له يقل ذاك ثقة بأن الثاني يقع إذا وقع الأول أو
تغليبا للظن في ذلك.
والوجه الثاني: أن يكون حكاية فعل الأمر وهو مبني، وزيدت فيه الياء لأنه غائب، وهو مستقبل كأنه قال: مره: احفرها وقل له: قل ذاك، ودخلت الياء لأن صاحب الفعل غائب، كما تقول:
حلف زيد ليخرجنّ، ولفظ يمينه لأخرجنّ، ومثله قول الله ﷿-: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ (١).
على الوجهين أحدهما: قل لهم إن تقل يقيموا وينفقوا لأن دعاء النبي ﷺ للمؤمنين وقوله لهم سبب إقامتهم للصلاة واتفاقهم، وإن كان بعض من دعي لم يفعل ذلك، والوجه الآخر إنه أمر دخل في أوله الياء لما ذكرته لك من غيبة الفاعلين، كأنه قال: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا، وهذا قول لم يذكره سيبويه، ولا من تقدم من أصحابنا، وذكره الفراء، ورأيت الزجاج يحكيه عن المازني، وقوّاه الزجاج، ولعل المازني أخذه عن الفراء، ورأيت أبا العباس المبرد ذكر- في المقتضب- وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (٢) وفيما ذكره تخليط فكرهت ذكره، وإذا قلت: مره يحفرها، ونحو ذلك جاز في (يحفرها) الرفع من وجهين- فيما ذكره سيبويه-: أحدهما على الابتداء والاستئناف، فكأنه قال: مره فإنه يحفرها ولا يخالف، والوجه الآخر على معنى مره أن يحفرها، وأسقط (أن) ورفع، كما تقول: عسينا أن نفعل، ثم تقول: عسينا نفعل، ومثله:
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر (٣)
والمعنى أن احضر الوغى، وإذا رفع صار تقديره اسم فاعل، وإذا الوغى رفع صار تقديره تقدير اسم فاعل، وإذا ظهرت أن ونصب صار تقديره تقدير مصدر، فإذا قلت:
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٣١.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٣.
(٣) صدر بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
مره أن يحفرها فتقديره: مره يحفرها، وإذا قلت: مره يحفرها على معنى (أن) فتقديره حافر لها، كأنه ظهرت فيه أمارة النية في حفرها والعزم عليه فصار كأنه حافر.
ومثله قول الله- تعالى-: فَادْخُلُوها خالِدِينَ (١) بمعنى مقدرين الخلود. وإذا قلنا:
عسينا أن نقوم فتقديره: عسينا القيام، وإذا قلنا عسينا نقوم فتقديره: قائمين، كما قال:
عسى الغويرأ بؤسا، ولا يستعمل فيه لفظ الاسم إنما يستعمل فيه لفظ الفعل، كما أنا إذا قلنا، عسى زيد أن يقوم، لم يستعمل لفظ المصدر فيه، ولم يقل: عسى زيد القيام، وإذا قلت:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
فتقديره حاضر الوغى، ويجوز على هذا أن تقول:
ألا أيهذا الزاجري الحرب أحضر، فتنصب الحرب بأحضر، ولو جئت به على الأصل فقلت:
ألا أيّهذا الزاجري أن أحضر الوغى
لم يجز تقديم الوغى على أحضر، وتقديره الزاجري عن أن أحضر الوغى.
وقول الله- تعالى-: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (٢) أجود ما يقال فيه ما ذكره سيبويه عن الخليل نصب (غير) بأعبد وتأمروني غير عامل، كما يقول: هو يفعل ذاك فيما بلغني، وزيد قائم، فيما ظننت كأنك قلت هو يفعل ذلك فيما بلغني، وزيد قائم فيما ظننت.
قال سيبويه: وإن شئت كان بمنزلة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
وهو ضعيف لأنه يؤدي إلى أن يقدر أعبد بمعنى عابدا غير الله وفيه فساد، والذي عليه الناس هو الوجه الأول الذي ذكرناه.