وذلك قوله تعالى ﷿: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا (١) زعم الخليل أن " أن " بمنزلة " أي " لأنك إذا قلت: انطلق بنو فلان: أن امشوا فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي ومثل ذلك: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ (٢). وهذا تفسير الخليل ومثل هذا في القرآن كثير.
وأما كتبت إليه أن أفعل. وأمرته أن قم. فيكون على وجهين.
على أن تكون (أن) التي تنصب الأفعال. ووصلتها بحرف الأمر والنهي كما وصلت " الذي " يقول وأشباهها إذا خاطبت.
والدليل على أنها تكون " أن " التي تنصب أنك تدخل الباء فتقول: أوعز إليه بأن أفعل فلو كانت " أي " لم تدخلها الباء. كما تدخل في الأسماء.
والوجه الآخر: أن تكون بمنزلة " أي " كما كانت بمنزلة أي في الأول. وأما قوله ﷿: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣). " وآخر قولهم أن لا إله إلا الله " فعلى قوله: أنه الحمد لله. وعلى أنه لا إله إلا الله لا تكون. (أن) التي تنصب الفعل لأن تلك لا يبتدأ بعدها الأسماء ولا تكون " أي " لأنها إنما تجيء بعد كلام يستغنى. ولا يكون موضع المبني على المبتدأ ومثل ذلك: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (٤) كأنه قال: ناديناه أنك قد صدقت الرؤيا يا إبراهيم.
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٧.
(٣) سورة يونس، الآية: ١٠.
(٤) سورة الصافات، الآيتان: ١٠٤، ١٠٥.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
وقال الخليل تكون أيضا على " أي ".
وإذا قلت: أرسل إليه إن ما أنت وذا فهي على: " أي ". وإن أدخلت أي على " أنه " و" أنك " فكأنك قلت: أرسل إليه بأنك ما أنت وذا.
ويدلك على ذلك أن العرب قد تكلم به في هذا الموضوع مثقلا. ومن قال:
وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها (١) فكأنه قال: أنه غضب الله عليها. لا تخففها في الكلام أبدا وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة مضمرا فيها الاسم فلو لم يريدوا ذلك لنصبوا كما ينصبون إذا اضطروا في الشعر بكأن إذا خففوا يريدون معنى: " كأن " ولم يريدوا الإضمار وذلك قوله:
كأن وريديه رشاء خلب (٢)
وهذه الكاف إنما هي مضافة إلى " أن " فلما اضطروا إلى التخفيف ولم تضمر لم تغير ذلك أن تنصب بها كما أنك قد تحذف من الفعل فلا يتغير عن عمله. ومثل ذلك قول الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل (٣)
كأنه قال: أنه هالك. ومثل ذلك. أول ما أقول: أن باسم الله. كأنه قال: أول ما أقول أنه باسم الله وإن شئت رفعت في قول الشاعر:
كأن وريداه رشاء خلب
على الإضمار في قوله: " أنه من يأتها تعطه " أو يكون هذا المضمر هو الذي ذكر كما قال:
ويوم توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطوا إلى وارق السلم (٤)
_________________
(١) سورة النور، الآية: ٩.
(٢) رجز لرؤبة في ملحقات ديوانه ص ١٦٩، الخزانة: ٤/ ٣٥٦، ابن يعيش: ٨/ ٨٢، والإنصاف: ١٩٨.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) قائل البيت ابن حريم اليشكري واسمه باغث. انظر الكتاب: ١/ ٢٨١، الخزانة: ٤/ ٣٦٤، المغني: ٢/ ٣٠١، والأشموني: ١/ ٢٩٣.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
ولو أنهم إذ حذفوا جعلوه بمنزلة " إنما " كما جعلوا أن بمنزلة " لكن ". لكان وجها قويا.
وأما قوله: أن باسم الله فإنما يكون على الإضمار لأنك لم تذكر مبتدأ ومبنيا عليه والدليل على أنهم إنما يخففون على إضمار " الهاء " أنك تستقبح: قد عرفت أن تقول ذلك حتى تقول " لا " أو لا تدخل " سوف " أو السين " أو قد " ولو كانت بمنزلة حروف الابتداء لذكرت الفعل مرفوعا بعدها كما تذكره بعد هذه الحروف كما تقول:
" ولكن يقول ".
قال أبو سعيد: أما قوله ﷿: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ (١) فقد ذكرناه في الباب الذي تقدم قبل هذا وقوله: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ (٢) " فأن " بمعنى " أي " وهي تفسير " ما أمرتني ".
لأن في الأمر معنى القول. ولو قلت. " ما قلت لهم إلا ما قلت لي أن اعبدوا الله " لم يجز لأنه قد ذكر القول، وإذا قلت "
كتبت إليه أن أفعل وأمرته أن قم " ففيه وجهان:
أحدهما: أن " أن " وفعل المصدر بعدها بمنزلة المصدر وموضعها نصب أو خفض ومعناه كتبت إليه بأن أفعل. وأمرته " بأن " قم وحذفت الباء.
والوجه الآخر: أن تكون " أن " بمعنى " أي " فلا تدخل فيه الباء؛ لأن الباء إذا دخلت صارت " أن " داخلة في الفعل الذي قبلها وهي جملة واحدة وإذا كانت بمعنى " أي " فهي جملة تفسر الجملة التي قبلها.
وشبه سيبويه وصل " أن " بالأمر والنهي كوصل " الذي " بفعل المخاطب حين تقول:
أنت الذي تفعل وأنت الذي تقول: فإن قال قائل: " الذي " لا توصل بفعل الأمر لا يجوز:
الذي قم إليه زيد. فلما جاز وصل " أن " بفعل الأمر؟ قيل له الذي يحتاج إلى صلة هي إيضاح ولا يجوز وصلها بما ليس بخبر من الفعل والجملة ولو وصلتها بالاستفهام أو بغيره مما ليس بخبر لم يجز. ولا يجوز: الذي هل هو في الدار زيد ولا مررت بالذي اللهم
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٧.
[ ٣ / ٤٠١ ]
أغفر له. وأما " أنّ " فإنّها توصل بما يصير معها مصدرا وهو الفعل المحض. سواء كان أمرا أو خبرا لأن المعنى الذي يراد به يحصل فيه. ألا ترى أنك إذا قلت: " أمرت بأن قم " فمعناه: أمرت بالقيام.
وأعلم أن " أن " إذا كانت بمعنى " أي " للعبارة فهي محتاجة إلى ثلاثة شرائط.
أولها: أن يكون الفعل الذي تفسره أو تعبر عنه فيه معنى القول. وليس بقول. وقد مضى هذا.
والثاني: ألا يتصل به شيء من صلة الفعل الذي تفسره لأنه إذا اتصل به شيء منه صار في جملته ولم يكن تفسيرا له. كالذي قدره سيبويه: أوعزت إليه بأن أفعل.
والثالث: أن يكون ما قبلها كلام تام وما بعدها جملة تفسر جملة قبلها ومن أجل ذلك كان قوله ﷿: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١)، وأخر قولهم: أن لا إله إلا الله بمعنى: " أنه ". ولم يصلح أن يكون بمعنى " أي ". لأن قوله وآخر دعواهم مبتدأ لا خبر معه. فهو غير تام فلا يكون بعده، " أن " بمعنى " أي) وقوله ﷿: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (٢) كأنه قال: ناديناه أنك قد صدقت الرؤيا. ومعناه بأنك قد صدقت يا إبراهيم.
وأجاز الخليل أيضا على " أن " " لأن " ناديناه كلام تام معناه: قلنا له يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ومثله: (أرسل إليه
أن ما أنت وذا) فهي على " أي " وعلى: " أنه " لأنه يحسن فيه الباب وقوله: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها (٣) تكون " أن " بمعنى:
المشددة ولا تكون بمعنى " أي " لأن قوله: (والخامسة) ليس كلام تام. وإذا كانت " أن " بمعنى المشددة ففيها إضمار اسم. وإذا لم يكن ذلك الاسم المضمر مما عرف وجرى ذكره فهو ضمير الأمر والشأن وهذا معنى قوله: " لا تخففها في الكلام أبدا وبعد الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة مضمرا فيها الاسم. وإن لم تضمر فيها نصب " بكأن " في قوله:
.. كأن وريديه رشاء خلب ..
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ١٠.
(٢) سورة الصافات، الآيتان: ١٠٤، ١٠٥.
(٣) سورة النور، الآية: ٩.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وإنما اختاروا في " أن " الإضمار لأنها إذا كانت مفتوحة لم تقع أولا في موضع المبتدأ فتجعل ما يليها مبتدأ. وتجعل هي ملغاة (كإنّ) إذا كسرتها وخففت لأن المكسورة تدخل على المبتدأ وتؤكده. فإذا ألغيت ولم تعمل فما بعدها مبتدأ واقع موقعه من الكلام.
ومعنى قوله " لنصبوا كما ينصبون إذا اضطروا في الشعر " " بكأن " إذا خففوا يريدون: معنى (كأن) ولم يريدوا الإضمار فإن قال قائل: أي ضرورة إلى النصب تقع والوزن فيه وفي الرفع واحد؟ قيل له: إنما أراد إذا اضطروا إلى التخفيف ولم يريدوا إضمارا. وسبيل ذلك سبيل ما خفف من الفعل في اللفظ ولم يتغير عمله كقولك: " لم يك زيد قائما. ولم يبل زيد عمرا " بمعنى: لم يبال زيد عمرا وقد أجاز " كأن وريداه " على الإضمار والنصب " بكأنّ " إذا خففت.
وترك الإضمار أقوى من النصب " بأن " إذا خففت لما فيها من معنى التشبيه.
فأما النصب " بأن " إذا خفضت فهو قوله ﷿ على بعض القراءات: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ (١). وأما " بأن " فقول الشاعر:
فلو أنك في يوم اللقاء سألتني فراقك لم أبخل وأنت صديق (٢)
الكاف في: " أنك " موضعها النصب، وقوله: (كأن ظبية تعطوا). قد حذف منها الاسم وهو ضمير امرأة بعينها قد
جرى ذكرها. وأوله:
ويوما توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطوا إلى وارق السلم
وقوله: ولو أنهم إذ حذفوه جعلوه بمنزلة " أنما " كما جعلوا " إن " بمنزلة " لكن " لكأن وجها قويا يعني: لو حذفوا " أن " وأبطلوا عملها في المضمر والمظهر " كأن " إذا خففت لكان وجها قويا وهذا كما قال. ويصير قوله: علمت أن زيد قائم كقولك:
علمت أنما زيد قائم. و" أنما " غير عاملة في شيء وزيد قائم مبتدأ وخبر وتصير " أن " بتخفيفها وإبطال عملها بمنزلة: " أنما " وقوله: أول ما أقول أن أحمد الله وأن باسم الله حمله سيبويه على المشددة وإضمار الأمر والشأن لأنه ليس قبله اسم يضمر كما
_________________
(١) سورة هود، الآية: ١١١.
(٢) لم نستدل على قائله، انظر الخزانة: ٢/ ٤٦٥، وابن يعيش: ٨/ ٧٣، والإنصاف: ١٢٧، وشرح شواهد ابن عقيل: ٧٧.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
أضمر في: " كأن ظبية " حين ذكر في الكلام الذي قبله ويكون ذلك الاسم الذي يضمر مبتدأ ومبنيا عليه بعد " أنّ " كما تكون بعد " أنما " ومما أستدل به على الإضمار في " أن " المخففة استقباحهم: قد عرفت أن تقول ذاك واستحسانهم: قد عرفت أن لا تقول ذاك.
وعرفت أن ستقول فيما لم يكن عوني ولو كانت " أن " من حروف الابتداء " كأنما " و" إنّ " ما استقبحوا الفعل المرفوع بعدها. أ. هـ.