ولا يغير الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون قبله شيء منها. فمن
_________________
(١) البيت ورد منسوبا للكميت بن زيد في ديوانه ٣٤٦.
(٢) البيت في ديوانه ٣٥، الخزانة ٩/ ٤٤.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
تلك الحروف (قد) لا تفصل الفعل بغيره، وهي جواب لقوله: من فعل. كما كانت فعل جوابا ل (هل فعل؟)، فإذا أخبرت أنه لم يقع، ولما يفعل وقد فعل إنما هما لقوم ينتظرون شيئا، فمن ثم أشبهت (قد) (لمّا) في أنها لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف أيضا سوف يفعل لأنها بمنزلة السين في قولك سيفعل، وإنما تدخل هذه السين على الأفعال، وإنما هي إثبات لقوله: لن يفعل فأشبهتها في أن لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف ربما وقلما وأشباهها، وجعلوا رب مع ما بمنزلة كلمة واحدة. (وهيئوها ليذكر بعدها الفعل، لأنه لم يكن لهم سبيل إلى رب تقول ولا إلى (قل يقول): فألحقوهما (ما) وأخلصوهما للفعل، ومثل ذلك (هلّا) ولولا و(ألّا) ألزموهن (لا) وجعلوا كل واحدة مع (لا) بمنزلة حرف واحد، فأخلصوهن للفعل، حيث دخل فيهن معنى التخصيص، وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال:
صددت فاطولت الصدود وقلّما وصال على طول الصّدود يدوم (١)
واعلم أنه إذا اجتمع بعد حروف الاستفهام. نحو (هل) و(كيف) و(من) - اسم وفعل كان الفعل بأن يلي حرف الاستفهام أولى؛ لأنها عندهم في الأصل من الحروف التي يذكر بعدها الفعل، وقد بيّن حالها فيما مضى.
قال أبو سعيد قول سيبويه: لا يفصل بين الفعل وقد بغيره أراد على وجه الاختيار، وموضوع قد لأن منزلة قد في الفعل، كمنزلة الألف واللام من الاسم لأن دخولها على فعل متوقع أو مسؤول عنه، لأنه إذا قال: قد قام زيد، فإنما يقوله لمن توقع قيامه، أو لمن سأل عنه، فقال: هل قام زيد، وإذا قال: قام زيد، فإنما يبتدئ إخبارا بقيامه لمن لم ينتظره، ولم يتوقعه، فأشبهت (قد) العهد في قولك: جاءني الرجل لمن عهده المتكلم أو جرى ذكره عنده قبل ذلك كقولك: ناظرت اليوم رجلا فقال لي الرجل في مناظرته كذا وكذا، ومما يوجب أن لا يفصل بينها وبين الفعل، أنها تفيض (لما)، و(لما) حرف جازم تقول: ركب زيد ولما يتعمم، فيقول الراد عليه: بل ركب زيد وقد تعمم، ومعناه ركب وهذه حاله، إلا أنهم أجازوا الفصل بينها وبين الفعل.
_________________
(١) البيت ورد منسوبا إلى الفقعسي في ديوانه ٤٨٠، الكتاب ١/ ٣١، ٣/ ١١٥؛ المقتضب ٢/ ٨٤؛ همع الهوامع ٢/ ٨٣، ٢٢٤.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
قال سيبويه في أول الكتاب: وأما القبيح المستقيم، فقولك:
قد زيدا رأيت، وقد فصلوا بينها وبين الفعل أيضا بالقسم، كقولك: قد لعمري بت ليلى ساهرا، وقد والله أحسنت، وحسن في (قد) الفصل، ولم يحسن الفصل بين الألف واللام، وبين ما دخلتا عليه؛ لأن (قد) تنفرد، ولا يذكر بعدها شيء فقويت بذلك، واحتمل الفصل لقول النابغة:
أقد التّرحّل غير أنّ ركابنا لمّا تزل برحالها وكأن قد (١)
وقال:
تفريق أفي اليوم تقويض الأحبة أم غد لما تبن وجها لهم وكأن قد
ومنه السين، وسوف من الفعل المستقبل كمنزلة الألف واللام في تلخيص الفعل المستقبل، وقصره عليه كقصر الألف واللام للاسم المذكور على شيء بعينه، ووجه آخر أن السين، وسوف هما إثبات (لن) و(لن) نقيضتهما، ولا يفصل بين (لن) وما تدخل عليه، فكذلك السين، وسوف، وأما (ربما) و(قلما) فإن الأصل فيهما (رب). وقل: فأما (رب) فهي حرف خفض لا يجوز أن يليها فعل ولا تدخل حروف الخفض على الأفعال، وأما (قل) فهي فعل، ولا يليها فعل، لأن الفعل لا يعمل في الفعل، وإنما حق الأسماء أن تقع بعدها، فإذا أرادوا بعدها أن تقع الأفعال أدخلوا (ما) وجعلوها مع (الذي) قبلها شيئا واحدا بمعنى حرف مهيّأ للفعل بعده، ولا تعمل شيئا، وجعلوا فيه المعنى الذي يريدونه، كما جعلوا (هلا) و(لو ما) و(لولا) وما شابهها ما أرادوها، ويجوز أن يكون أدخلوا (ما) وهي اسم، وأتوا بالفعل بعدها فصار الفعل صلة لها فانتصب و(رب) واقعة على اسم تقديره أنه مخفوض ب (رب)، قل واقعة على اسم تقديره أنه مرفوع ب (قد)، وذلك قولك: ربما يقوم زيد.
وقال الله ﷿: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ويقول: قلما يقوم زيد، فهذا وجه الكلام فيها، وقد تجعل (ما) زائدة، وبعدها اسم مخفوض ب (رب)، كقولك: ربما رجل خلصته من السبع.
قال الشاعر:
_________________
(١) البيت في ديوانه ٨٩، ابن يعيش ٨/ ١٤٨؛ المقتضب ١/ ٤٢.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٢.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
ربما طعنت لضيف مقيل دون بصري وطعنته بحلها (١)
وقد تحمل (ما) في (قلما) على الزيادة، ويرفع الاسم بعدها ب (قل) وعلى ذلك حمل بعض الناس قوله: (وقلما وصال) مبتدأ، وما بعده خبره، والمبتدأ والخبر صلة (ما)، وهي مرفوعة ب (قل).
وذكر سيبويه (هلا) و(لولا) و(ألّا) فعال: ألزموهن (لا) وجعلوا كل واحدة منهن مع (لا) بمنزلة حرف واحد، فأخلصوهن للفعل، حيث دخل فيهن معنى التخصيص، وترك (لولا) وهو مثلهن في المعنى، وقد ألزمت (ما) وهي مثل (لا) في النهي. وباقي الباب مستغنى عن شرحه.