منهجا أبي العلاء والتبريزي في شرح ديوان أبي تمام
ويشتمل على:
· تمهيد: أهمية الحديث عن المنهج والوقوف على مناهج العلماء.
· تحرير مصطلح «منهج» المستخدم في هذا الباب.
· الفصل الأول: منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام.
· الفصل الثاني: منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام.
· الفصل الثالث: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي.
[ ٢٨٢ ]
تمهيد: أهمية الحديث عن المنهج والوقوف على مناهج العلماء.
إن الحديث عن مناهج العلماء والمفكرين في كتاباتهم وأقوالهم ليس من باب العبث الفكري، ولا من قبيل الثقافة الذهنية المجردة، بل هو حديث من الأهمية بمكان. وهو أمر يجب أن يتجه إليه الباحثون في مختلف الفنون؛ إذ أن «الكشف عن هذه المناهج لدى مفكري الإسلام تعتبر في رأينا - بالإضافة إلى قيمته التاريخية - أفضل مدخل للتراث الإسلامي في جملته. فهو الذي يوضح الخطوات القياسية أو الاستقرائية التي اتبعها المفكرون والعلماء المسلمون في مختلف أوجه النشاط التي مارسوها» (١).
وقد أقر علماؤنا ونصوا على أن هناك «مناهج خفية» سن لنا «آباؤنا وأسلافنا طرقها» (٢)؛ يجب التنقيب عنها وتجليتها.
وقد يكون من أوجه القصور التي يمكن أن توجه لنا - نحن الباحثين - عدم الوقوف على مناهج العلماء والمفكرين. فها هو الشيخ محمود شاكر يحدثنا عن تجربته التي قاساها وعانى لايَها في سبيل تحديد منهج يتذوق به الكلام العربي، وكيف أنه قام بتطبيق هذا المنهج على كتابه «المتنبي» الذي كان مفاجأة مثيرة لجمهرة الأدباء والقارئين، وذلك لأنه - كما يقول - «مكتوب على منهج وجدوه فريدا متميزًا، مباينا مدبه كل المباينة لجميع المناهج الأدبية المختلفة المألوفة» (٣).
ثم نجده يُنْحي باللوم، ويشد بالنكير على هؤلاء الذين لم يجدوا من وقتهم «ساعات للتأمل والأناة والصبر، للبحث عن هذا المنهج الغريب غير المألوف الذي وجدوه
_________________
(١) د. حامد طاهر: الفلسفة الإسلامية مدخل وقضايا، ص٣٧، بدون بيانات أخرى.
(٢) محمود محمد شاكر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص١٥، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، ١٩٩٧م.
(٣) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص١٧
[ ٢٨٣ ]
أمامهم مطبقا في كتاب كامل، وأحس به كل منهم إحساسا خفيا دعاه إلى المعارضة أو الثناء. وهذا خذلان كبير، غفر الله لنا ولهم، وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتهم» (١).
وعدم الالتفات إلى هذا المنهج، وعدم الوقوف عليه جعله يقول في موضع آخر: «فهذا، كما ترى، منهج متشعب مطبق على أصناف الكلام العربي، قراءة له أو بيانا عنه. وببديهة العقل لم يكن من عملي، ولا هو من عمل أي كاتب مبين عن نفسه، أن يبدأ أول كل شيء فيفيض في شرح منهجه في القراءة والكتابة = وإلا يفعل، كان مقصرا تقصيرا لا يُقبل منه بل يُرد عليه = ثم يكتب بعد ذلك ما يكتب ليقول للناس: هذا هو منهجي، وهاأنذا قد طبقته. هذا سخف مريض غير معقول، بل عكسه هو الصحيح المعقول، وهو أن يكتب مطبقا منهجه، وعلى القارئ والناقد أن يستشف هذا المنهج ويتبينه، محاولا استقصاء وجوهه الظاهرة والخفية، مما يجده مطبقا فيما كتب الكاتب» (٢).
إن البحث عن مناهج العلماء المختلفة والوقوف عليها يقودنا إلى نفس الثمرة التي يسعى إليها الفيلسوف المنهجي «الذي يتجاوز حدود التخصص المعين، ويستقرئ المناهج المختلفة للعلوم محاولا الاتجاه نحو التعميم، حتى يقدم لنا صورة إجمالية للمناهج التي يسلكها العقل الإنساني، للكشف عن حقيقة العلوم» (٣).
كما أن الوقوف على مناهج العلماء والمقارنة بينها يمكن من الحصول على منهج «متفق عليه» لتفسير النصوص الأدبية منها وغير الأدبية، والوقوف على فهم سليم لها.
****
_________________
(١) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص ١٧
(٢) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص ٢٠، ٢١
(٣) د. عبد اللطيف محمد العبد، دراسات في الفلسفة الإسلامية ص١٩١، مكتبة النهضة الإسلامية، ١٩٧٩م
[ ٢٨٤ ]
تحرير مصطلح «منهج» المستخدم في هذا الباب
المقصود بكلمة «منهج» في هذا البحث هوالمعنى العام، بدون التقيد بوصف معين لهذا المنهج (١). والمعنى العام لكلمة «منهج» هو: «الخطوات المحددة لفعل شيء ما»، أوهو: «مجموعة الخطوات المنظمة لفعل شيء ما». وهذا هوالمعنى اللغوي الذي ذكر في المعاجم اللغوية العربية والإنجليزية الحديثة، والمعنى العام الذي ذكر في المعاجم الفلسفية المتخصصة.
[١] جاء في «أساس البلاغة»: «نَهَجْتُ الطريقَ: بيَّنتُه، وانتهجتُه: استبنتُه، ونهج الطريقُ وأنهج: وضح» (٢).
[٢] وجاء في مختار الصحاح: «المنهج والمنهاج: الطريق الواضح، ونهج الطريق: أبانه» (٣).
[٣] وجاء في المعجم الوسيط: « المنهاج (= المنهج) الخطة المرسومة [محدثة]، ومنه: منهاج الدراسة، ومنهاج التعليم ونحوهما» (٤).
[٤] وجاء في المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية: «المنهج بوجه عام وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة» (٥).
_________________
(١) ورد في «المعجم الفلسفي» الصادر عن مجمع اللغة العربية تحت كلمة «منهج Method» أنواعٌ مختلفة من المناهج، وهي: «المنهج العلمي Methode Scientifique»، و«المنهج التاريخي Historical Method»، «المنهج التركيبي Reconstructive (Methode»)، و«المنهج الذاتي (Subjective (Methode»، و«المنهج الكمي Methode quantative»، و«المنهج المقارن Comparative Method»، وكل منهج من هذه المناهج له تعريف يختلف عن الآخر [المعجم الفلسفي، ص ١٩٥، مجمع اللغة العربية، ط القاهرة ١٩٨٣].
(٢) الزمخشري، مادة (ن. هـ. ج): ص ٩٩٨، (ط دار الشعب، ١٩٦٠).
(٣) مادة (ن. هـ. ج): ص ٦٨١، عني بترتيبه: السيد محمود خاطر.
(٤) مادة (ن. هـ. ج): [٢/ ٩٩٥]، (ط٣ مجمع اللغة العربية).
(٥) المعجم الفلسفي: ص ١٩٥.
[ ٢٨٥ ]
[٥] وفي معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب: «المنهج بوجه عام وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة» (١).
[٦] وجاء في معجم OXFORD: معنى «منهج (method):
١) النظام.
٢) طريقة فعل شيء ما» (٢).
[٧] وجاء في معجم WEBSTER: معنى «منهج (method):
١) طريقة لفعل أي شيء (بطريقة منظمة).
٢) نظام متبع عند تنفيذ الأشياء والأفكار» (٣).
[٨] وجاء في معجم A DICTIONARY OF PHILOSOPHY: «المنهج - بمعناه العام - وسيلة ما لتحقيق هدف ما، أوهوطريقة محددة لتنظيم النشاط» (٤).
وبذلك نتبين أن المقصود بالمنهج في هذا البحث هو: الطريقة المتبعة لفعل أوتوضيح شيء ما. وأن المنهج ليس سوى «خطوات منظمة يتبعها الباحث في معالجة الموضوعات التي يقوم بدراستها إلى أن يصل إلى نتيجة معينة» (٥)؛ وأن ما سيقوم به الباحث خلال الصفحات التالية هوتوضيح منهج أبي العلاء والتبريزي؛ أي: طريقتهما المتبعة في شرح ديوان أبي تمام.
*******
_________________
(١) مجدي وهبة، كامل المهندس، ص ٣٩٣، مكتبة لبنان، بيروت ط٢، ١٩٨٤م
(٢) S.Hornby:p ٥٣٣ (Oxford University Press)
(٣) WEBSTER S NEW WORLD DICTIONARY: David B.Guralnik، p ٤٧١
(٤) M.Rosenthal and P.Yudin: p ٢٨٩(First printing ١٩٦٧)، والنص المترجم عاليه - والترجمة للباحث - هو: Method، in its most general meaning، is a means of achieving an aim، a definite way of ordering activity .
(٥) د. عبد اللطيف محمد العبد: دراسات في الفلسفة الإسلامية، ص ١٩٠، مكتبة النهضة الإسلامية، ١٩٧٩م
[ ٢٨٦ ]
الفصل الأول
منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام
ويشتمل على العناصر الآتية:
ـ العنصر الأول من عناصر المنهج: «توثيق الرواية».
ـ العنصر الثاني: توظيف قرينة السياق.
ـ العنصر الثالث: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره.
ـ العنصر الرابع: توظيف خصائص الصنعة الشعرية
ـ العنصر الخامس: تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين.
ـ العنصر السادس: الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة المشروحة.
ـ العنصر السابع: الشرح بالإعراب.
ـ العنصر الثامن: دعم الشرح وتأييده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية وأقوال الأدباء.
[ ٢٨٧ ]
الفصل الأول
منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام
عناصر منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام:
المنهج عند أبي العلاء يتلخص في جملة من العناصر الآتية:
ـ العنصر الأول من عناصر المنهج «توثيق الرواية»:
ختم الله شرائعه بشريعة الإسلام على يد خاتم رسله محمد ﷺ. وقد أحب المسلمون نبيهم وأحبوا سنته، وحرصوا على رواية هذه السنة وتطبيقها. ومع اتساع الفتوحات، ودخول الناس في دين الله أفواجًا كثر الحاقدون على الشريعة الغراء، وكثر دس الأحاديث المكذوبة والموضوعة في السنة
المطهرة؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور «علماء الحديث» الذين «اجتهدوا في التوثق من صحة كل حديث وكل حرف رواه الرواه، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم، واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية» (١).
وكان نتيجة هذا التمحيص والتدقيق في مرويات الحديث النبوي ظهور علم من أجل علوم المسلمين ألا وهو علم الحديث، حرر فيه علماؤه
«القواعد لقبول الحديث، وهي قواعد هذا الفن، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطا لدينهم، فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها دقة» (٢).
وكان تأثير قواعد علماء الحديث على غيرهم من علماء الفنون الأخرى تأثيرا عظيما، جعل الشيخ أحمد شاكر يقول في مقدمة شرحه الباعث الحثيث: «وقلدهم فيها العلماء في أكثر الفنون النقلية؛ فقلدهم علماء اللغة، وعلماء الأدب، وعلماء التاريخ وغيرهم؛ فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده، كما تراه في كتب
_________________
(١) أحمد محمد شاكر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص٧، مكتبة التراث، ط٣، ١٩٧٩م
(٢) السابق: ٧
[ ٢٨٨ ]
المتقدمين السابقين، وطبقوا قواعد هذا العلم عند إرادة التوثق من صحة النقل في أي شيء يرجع فيه إلى النقل» (١).
وما تأثير منهج المحدثين على أبي العلاء وتلميذه التبريزي ببعيد، فأبو العلاء توفي في منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا (٤٤٩هـ) والتبريزي في بداية القرن السادس (٥١٢هـ) وهي فترة متأخرة عن بدايات الكتابة في الحديث النبوي التي بدأت على يد الإمام الشافعي (٢٠٤هـ) في كتابه الرسالة، ثم جمع الترمذي (٢٧٩هـ) بعض بحوث هذا العلم في خاتمة جامعه، ثم وضع كتاب مستقل في علم أصول الحديث على يد القاضي أبو محمد الرامهرمزي المتوفى ٣٦٠هـ (٢).
وإذا ضممنا إلى ما سبق ما أثبتناه في ترجمة أبي العلاء والتبريزي من سماعهما للحديث وروايتهما له تأكد لدينا هذا التأثر.
ويزداد تأكدنا من تأثرهما بمنهج المحدثين من خلال شرحهما، فأولى الخطوات التي قام بها أبوالعلاء في شرحه هي «توثيق الرواية»، الذي يتمثل في ذكر أبي العلاء للروايات المختلفة للبيت قيد الشرح، والتنبيه على الضعيف
منها (٣)،
والاعتماد في الرواية على الثقات والمقابلة بين المرويات، فلم يكن أبوالعلاء يكتفي بشرح البيت فقط، بل يقوم بذكر هذه الروايات المختلفة، ويحاول أن يجمع بين هذه الروايات في الشرح طالما أن المعنى العام والسياق يسمحان بذلك.
ويمكن أن نقسم هذه الروايات إلى الأقسام الآتية:
١) رواية فردية: أي ذكر رواية أخرى للفظة واحدة في البيت.
_________________
(١) الباعث الحثيث: ص٧
(٢) د. أحمد عمر هاشم: قواعد أصول الحديث، ص٧، بدون بيانات أخري، ١٩٨٨م
(٣) قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: مُر دَهرَهُ بِالكَفِّ عَن جَنَباتِهِ فَالدَّهرُ يَفعَلُ صاغِرًا ما تامُرُه [بحر الكامل] «من روى: «مُرْ دهره بالبُعْد» أو «بالسحق» فهي رواية ضعيفة» يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢١٢].
[ ٢٨٩ ]
٢) رواية ثنائية: أي ذكر روايتين لأحد ألفاظ البيت، أولفظتين فيه.
٣) رواية ثلاثية: أي ذكر ثلاث روايات لأحد ألفاظ البيت أوللفظين، أوثلاثة ألفاظ.
٤) رواية رباعية: أي ذكر أربع روايات للفظة أوعدة ألفاظ.
٥) رواية مختلفة لمعظم ألفاظ البيت.
وذكر أبي العلاء للروايات المختلفة للأبيات التي يشرحها في أي شرح يشرحه أمر ملحوظ، حتى يمكن اعتبار هذا صفة في شروحه، فـ «أبو العلاء أكثر الشراح ذكرا لرواية أخرى، وأكثرهم كذلك احتيالا على وجه آخر في تخريج المعنى» (١).
وما كان لأبي العلاء أن يكون ملما بهذه الروايات المختلفة إلا إذا كان على علم ومعرفة بنسخ ديوان أبي تمام المختلفة، وهذا ما نراه في شرحه على الديوان (٢).
_________________
(١) د. عبد المجيد دياب: أبو العلاء الزاهد المفترى عليه، ص ١٥٨
(٢) من ذلك مثلا قول أبي العلاء عند قول أبي تمام: وَلَعَمري أَن لَوأَصَختُ لَأَقدَمتُ لِحَتفي ضَغينَةَ الحُسّادِ [بحر الخفيف] «هذا البيت يروى على وجوه، ولا شك أن بعضها تصحيف، ومن أجود الروايات: «لأقدمت لحتفي صينية الحساد»، وكذلك هو في كثير من النسخ» يُنْظَرُ الديوان: [١/ ٣٦٤]. وفي موضع آخر يقول عند قول أبي تمام: وَغابِطٍ في نَداكَ قُلتُ لَهُ وَرُبَّ قَولٍ قَوَّمتُ مِن ضَلَعِه [بحر المنسرح] «يقع في بعض النسخ «من ظَلَعه»، والأجود «الظَّلْع» بسكون اللام، وقد حكي «الظَّلَع» بالتحريك، وأحسب الظاء خطأ من الكاتب»، يُنْظَرُ ديوان أبي تمام: [٢/ ٣٤٨]. وفي موضع ثالث يقول عند قول أبي تمام: وَأَلبَسَهُم عَصبَ الرَبيعِ وَوَشيَهُ وَيُمنَتَهُ نَبتُ النَّدى المُتَلاحِكُ [بحر الطويل] «في النسخ «أَلْبَسَهم»، والأشبه «ألبسه» » [٢/ ٤٥٧]. وقال في موضع رابع عند قول أبي تمام: فَبَنوأُمَيَّةٍ الفَرَزدَقُ صِنوُهُم نَسَبًا وَكانَ وِدادُهُم في الأَخطَلِ [بحر الكامل] «وفي بعض النسخ «وبنوأمية والفرزدق» بواو » [٣/ ٥٢].
[ ٢٩٠ ]
ونذكر هنا الإحصاء الآتي (١):
العدد الإجمالي لأبيات ديوان أبي تمام عدد الأبيات التي شرحها أبوالعلاء عدد الروايات الفردية عدد الروايات الثنائية عدد الروايات الثلاثية عدد الروايات الرباعية البيت بأكمله
٧٤٩٦
إذن المجموع الكلي للروايات: (١٥٨) رواية؛ أي إن أبا العلاء قام بتوثيق ما يقرب من خُمْسِ ديوان أبي تمام.
ومن الواضح أن أبا العلاء - في ذكره لهذه الروايات وجمعه بينها في شرحه - متأثر بالجو العلمي الذي خلقته البيئة الإسلامية في عصره عامة وأسلوب القراء وأهل الحديث النبوي خاصة، الذين كانوا يحرصون على توثيق الرواية عن رسول الله ﷺ وذكر كل الروايات المتعلقة بالحديث الواحد، أوكل القراءات المتعلقة بالآية الواحدة، والذين يحرصون أيضا على الجمع بين الروايات بدلا من إهمالها.
ولم يقتصر الأمر مع أبي العلاء على مجرد توثيق الرواية، بل تعداه إلى توثيق ترتيب القصائد في الديوان، وكان يعتمد في ذلك على العلماء الثقات الموثوق برأيهم. يقول أبوالعلاء عند بداية قصيدة لأبي تمام أولها:
كانَت صُروفُ الزَمانِ مِن فَرَقِكْ وَاِكتَنَّ أَهلُ الإِعدامِ في وَرَقِكْ [بحر المنسرح]
«وهذه القصيدة أثبتت في القافيات؛ ورأي العلماء المتقدمين الذين يوثق بهم أن تجعل في الكافيات، وإنما صيرها على (القاف) قوم متأخرون في زمان الصولي وطبقته» (٢).
_________________
(١) العدد الإجمالي لأبيات أبي تمام، وعدد الأبيات التي شرحها أبوالعلاء مأخوذ من مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي (العنوان: تراثنا النقدي الجزء الأول مقال: خصائص الشروح العربية على ديوان أبي تمام، للهادي الجطلاوي) [١/ ١٣٧].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٠٤].
[ ٢٩١ ]
وتعدى الأمر إلى توثيق من يعتمد عليهم عند شرح الألفاظ، قال أبوالعلاء: «شُبَانة: اسم لم يذكر أهل اللغة الموثوق بهم له اشتقاقا» (١).
وما قام به أبو العلاء في شرحه أمر استقر عليه علماء المناهج، إذ قرروا أنه «من الضروري للباحث في التاريخ أن يتحرى نصوص هذه الأصول، ويتثبت من حرفية ألفاظها وعباراتها المخطوط منها والمطبوع، قبل أن يستخدم المعلومات الواردة بها» (٢).
*****
ـ العنصر الثاني من عناصر المنهج توظيف قرينة (٣) السياق:
الاحتفاء بالقرائن أمر اعتنى به العلماء على اختلاف مشاربهم، من فقهاء، ومفسرين، وأصوليين، وبلاغيين، ونحويين.
فنجد الفقهاء مثلا يقررون قاعدة «إذا قويت القرائن قدمت على الأصل»، بمعنى «أن القرائن التي تحتف بالأحكام قد تقوى؛ فتقدم على الأصل» (٤).
ونجد من بين المفسرين من يقول: «إن القرآن يفسر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ، موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلاف مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته» (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٧٤].
(٢) د. حسن عثمان: منهج البحث التاريخي، ص١٠٥، دار المعارف، ط٧، ١٩٩٦م
(٣) في تعريفات الجرجاني ص ٢٢٣: «القرينة في الاصطلاح أمر يشير إلى المطلوب، وهي إما حالية أو معنوية أو لفظية».
(٤) الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: القواعد والأصول الجامعة، ص ١١٣، ط١، ١٤١٣هـ / ١٩٩٣م، مكتبة ابن تيمية، القاهرة
(٥) تفسير المنار: ١/ ٢٠
[ ٢٩٢ ]
وعند الأصوليين نجد الشافعي في رسالته عند حديثه عن الاجتهاد وأدلته ما يستفاد منه اهتمامه بالقرائن القرائن العقلية وإيضاحه أن الله «نصب لنا من العلامات والدلائل ما يعين على معرفة ما خفي» (١).
وللبلاغيين كلام طويل عن القرائن يؤكدون فيه أنه «ليس للسامع أن يفهم المعنى المجازي ويعدل عن الحقيقة إلا إذا تبين له أن القائل قد نصب قرينة تصرف اللفظ عن أصله» (٢).
ومن النحويين الأفذاذ من وضع نظرية للقرائن وقام بتقسيمها إلى القرائن المادية، والقرائن العقلية، وقرائن التعليق، وقسم هذه الأخيرة إلى: مقالية (معنوية / لفظية)، وحالية (٣).
ويمثل أبو العلاء النموذج الأدبي الذي اعتمد على القرائن في شرحه، فقد اعتمد على قرينة السياق؛ وقد كانت الوسيلة الأنجع لبيان ما غمَض من شعر أبي تمام؛ فقد استخدم هذه القرينة في ستة ومائتين موضعًا (٢٠٦)، من مجموع ثلاثين وثمانمائة بيتا (٨٣٠) شرحها أبوالعلاء (؛ أي: بنسبة ٢٥؟ تقريبا).
ويمكن أن نُصَنِّفَ القرائن المستخدمة في تلك المواضع إلى نوعين من قرينة السياق:
١) مجموعة مواضع يمكن أن نضعها تحت عنوان: «قرينة السياق اللغوي Linguistic Context»، أو «قرينة السياق الداخلي للحدث اللغوي Verbal Context» .
_________________
(١) سلسلة تقريب التراث، الرسالة، إعداد ودراسة د. محمد نبيل غنايم، ص ٢٧٨، ط١، ١٩٨٨م، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
(٢) د. محمد رجب البيومي: خطوات التفسير البياني، ٢/ ١٤٨ سلسلة مجمع البحوث الإسلامية، السنة التاسعة والعشرون - الكتاب الأول ١٤١٩/ ١٩٩٨م
(٣) د. تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ١٩٠، دار الثقافة، طبعة ١٩٩٤م، الدار البيضاء المغرب.
[ ٢٩٣ ]
٢) ومجموعة المواضع الأخرى تحت عنوان «سياق الحال»، أو «السياق الاجتماعي» أو «السياق الثقافي»، أو «السياق غير اللغوي»، أو «السياق المقامي Context of Situation» (١) .
ويمكن أن نضع تحت قرينة السياق اللغوي مجموعة من القرائن الفرعية التي قام البحث باستخلاصها وتصنيفها وهي:
١) القرينة النحوية.
٢) القرينة الصرفية.
_________________
(١) ينظر في هذا التقسيم الثنائي للسياق: «الكلمة: دراسة لغوية معجمية، د. حلمي خليل، ص١٦١ [دار المعرفة الجامعية - الإسكندرية، ط٢، ١٩٩٣]»، «التحليل الدلالي: إجراءاته ومناهجه، د. كريم زكي حسام الدين، ١/ ٩٥ ـ٩٦ [دار غريب، ط١، ٢٠٠٠]»، «اللغة وأنظمتها بين القدماء والمحدثين، د. نادية رمضان النجار، ص ٢٠٥ وما بعدها [دار الوفاء، الإسكندرية، ط١]». وينبغي أن نشير إلى أن د. تمام حسان قد أشار إلى أصناف من القرائن، وهي: ١ـ القرائن اللفظية: البنية، الإعراب، الربط، الرتبة، المطابقة، التضام. ٢ـ القرائن المعنوية: التي هي أصول الوظائف النحوية. ٣ـ القرائن الحالية: كأنواع الانفعالات، وتقطيبات الوجه، وطريقة الأداء الصوتي والإشارات ٤ـ القرائن الخارجية: وهي ما يسمونه Context of Situation أوالظروف التي صاحبت إنتاج النص، ومنها أسباب نزول الآيات القرآنية، وذكر الظروف التي قيلت من أجلها القصيدة = (ينظر مقال: اللغة والنقد الأدبي، د. تمام حسان [مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي، المجلد الرابع، العدد الأول، ١٩٨٣ بعنوان: النقد الأدبي والعلوم الإنسانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب] ص ١٢٧). وقدم د. أحمد مختار عمر تقسيما آخر للسياق (نقلا عن K.Ammer) ذا أربع شعب: ١) السياق اللغوي Linguistic Context . ٢) السياق العاطفي Emotional Context . ٣) سياق الموقف Situation Context . ٤) السياق الثقافي Cultural Context . (ينظر: علم الدلالة، ص ٦٩، عالم الكتب، ط٥، ١٩٩٨).
[ ٢٩٤ ]
٣) القرينة العروضية.
٤) القرينة الصوتية.
٥) قرينة استعمال الشاعر.
٦) قرينة الصنعة الشعرية.
٧) قرينة الاستعمال اللغوي.
٨) قرينة التناص.
٩) القرينة البلاغية.
ويمكن أن نضع تحت قرينة سياق الحال القرائن الفرعية الآتية:
١) القرينة الشرعية.
٢) القرينة الثقافية.
٣) القرينة الطبيعية.
٤) القرينة العقلية.
قرينة السياق اللغوي عند أبي العلاء:
استخدم أبوالعلاء قرينة السياق في شرحه، وقد بلغ عدد المرات التي استخدم فيها هذه القرينة - بدون تصريح أوإشارة إلى أية نواح صرفية أونحوية أوعروضية - أربعين موضعا.
في بعض هذه المواضع كان يذكر المعنى مباشرة بدون ذكره القرينة:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
تَحَيَّرَ في آرامِها الحُسنُ فَاغتَدَت قَرارَةَ مَن يُصبي وَنُجعَةَ مَن يَصبو [بحر الطويل]
«معنى «تَحَيَّرَ» في هذا الموضع أقام» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
جَمُّ التَّواضُعِ وَالدُّنيا بِسُؤدُدِهِ تَكادُ تَهتَزُّ مِن أَطرافِها صَلَفا [بحر البسيط]
««الصلف»: قلة الخير، وهوهاهنا التيه» (٢).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٧٩ ب٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٦٤ ب١٧].
[ ٢٩٥ ]
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام عند رثائه خالد بن يزيد الشيباني:
أَلَم يَكُ أَقتَلَهُم لِلأُسودِ صَبرًا وَأَوهَبَهُم لِلظِّباءِ [بحر المتقارب]
«قولهم «صبرا»؛ أي: يصابرهم في الحرب حتى يقتلهم، وليس هو من قولهم قتل فلان صبرا، إذا قدم فضُربت عنقه في غير الحرب» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَالفَتى مَن تَعَرَّقَتهُ اللَّيالي وَالفَيافي كَالحَيَّةِ النَّضناضِ [بحر الخفيف]
«قوله «والفتي»: كلام محمول على حذف، كأنه قال: الفتي المحمود» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
كُلوا الصَّبرَ غَضًّا وَاشرَبوهُ فَإِنَّكُم أَثَرتُم بَعيرَ الظُّلمِ وَالظُّلمُ بارِكُ [بحر الطويل]
«أراد «بالصبر»: عصارة شجرة مُرَّةً» (٣).
وفي بعض الأحيان ينص أبوالعلاء على استخدامه للسياق اللغوي الذي يسميه «الغرض»، و«المعنى».
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لي عَبرَةٌ في الخَدِّ سا ئِرَةٌ وَبَيتٌ سائِرُ [بحر: مجزوء الكامل]
«يعني بـ «بيت» هاهنا أبياتا كثيرة؛ لأنه شائع في الجنس، () وقد يمكن أن يعني بـ «بيت سائر» بيتا واحدا على منهاج الكلام، ولكن الشاعر لم يرد ذلك،،إنما يرجع إلى الغرض لا ظاهر اللفظ» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٦ب١٦].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣١٠ب١٠].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٦٠ب٨].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢٠٢ب٣]. وفي الكليات للكفوي ١/ ٣٣٩: «الجنس: هو عبارَة عَن لفظ يتَنَاوَل كثيرا؛ ولا تتمّ ماهيته بفرد من هذا الكثير، () والجنس يدل على الكثرَة تضمنا، بمعنى أَنه مَفْهُوم كلي لا يمْنَع شركَة الكثير فيه، لا بمعنى أَن الكثرَة جُزْء مَفْهُومه».
[ ٢٩٦ ]
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح الواثق:
أَحذاكَها صَنَعُ اللِسانِ يَمُدُّهُ جَفرٌ إِذا نَضَبَ الكَلامُ مَعينُ [بحر الكامل]
« «والجفر» بئر واسعة الفم، يقول بعضهم إنها تكون غير مطوية، وهي مع ذلك قليلة الماء، وقد ذكرها هاهنا في معنى يدل على الغزارة» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَونَثرٌ مِنَ الخُطَبِ [بحر البسيط]
«والأبين في غرض الشاعر أن يكون «فتح الفتوح» منصوبا مبينا لقوله ما حل بالأوثان (٢») (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام يمدح المعتصم بالله ويذكر حريق عمورية وفتحها:
ما رَبعُ مَيَّةَ مَعمورًا يُطيفُ بِهِ غَيلانُ أَبهى رُبًى مِن رَبعِها الخَرِبِ [بحر البسيط]
«وفي بيت الطائي حذف يدل عليه المعنى () فكأن المعنى: «ما ربع مية في نفس غيلان أبهى من هذا الربع الخَرِب في أعين المسلمين»» (٤).
وهناك الكثير من تلك القرينة السياقية الخالصة (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٣١ب٤٤].
(٢) يقصد قول أبي تمام في البيت السابق: لَوبَيَّنَت قَطُّ أَمرًا قَبلَ مَوقِعِهِ لَم تُخفِ ما حَلَّ بِالأَوثانِ وَالصُلُبِ
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٥ـ٤٦ب١٢].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥٧ب٣٢].
(٥) لمزيد من المواضع ينظر المواضع الآتية من ديوان أبي تمام: [١/ ١٠٠]، [١/ ١١١ - ١١٢، ب ٨]، [١/ ١٢٣]، [١/ ١٥، ب١٢]، [١/ ١٥٥، ب٣٠]، [١/ ١٦٣، ب٢٢]، [١/ ١٦٥، ب٣٠]، [١/ ١٦٧، ب٣٧ هام]، [١/ ٢٠٦ - ٢٠٧، ب٢٥]، [١/ ٢٨٩، ب٣٠]، [١/ ٣٦٥، ب٣١]، [١/ ٣٨١ - ٣٨٢، ب٤٨]، [١/ ٥٠، ب٢١]، [١/ ٧٠، ب٦٠]، [١/ ٧٥، ب٢]، [٢/ ١٥٥، ب١١]، [٢/ ١٦٧، ب٥]، [٢/ ١٦٧، ب٧]، [٢/ ١٧٧، ب٤٤]، [٢/ ٢٢٣، ب١]، [٢/ ٢٣٦، ب٧]، [٢/ ٢٣٧، ب٨]، [٢/ ٢٦٥، ب١٤]، [٢/ ٢٦٦]، [٢/ ٢٨٠، ب٢٠]، [٢/ ٣١٩، ب٣]، [٢/ ٣٤١، ب١، ٢]، [٢/ ٣٦١، ب٨]، [٣/ ١١، ب٢٥]، [٣/ ١١٤، ب٤]، [٣/ ٢١، ب١ هام]، [٣/ ٢٤٨، ب٣]، [٣/ ٣٠٩، ب٤]، [٣/ ٣٨، ب٢٢]، [٣/ ٩٧ ب٣٥] [٤/ ٢٢، ب٢٩]، [٤/ ٢٦، ب٤٠]، [٤/ ٢٩، ب٣٧]، [٤/ ٨٣ ب١٩]
[ ٢٩٧ ]
• مواضع استخدام القرينة النحوية:
اعتمد أبوالعلاء على القرينة النحوية كقرينة سياق لغوي، وكان عدد مرات اعتماده على هذه القرينة اثنتي عشرة مرة.
ومن ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام:
أَطَلَّ عَلى كُلَى الآفاقِ حَتّى كَأَنَّ الأَرضَ في عَينَيهِ دارُ [بحر الوافر]
« ومن روى «كِلا الآفاقِ»، بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن «كلا» يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، ولا كلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
تَرى حَبلَهُ غَرثانَ مِن كُلِّ غَدرَةٍ إِذا نُصِبَت تَحتَ الحِبالِ الحَبائِلُ [بحر الطويل]
« ومن أنشد «عُرْيَان» فهو جدير بالتصحيف؛ لأن «الغَرْث» أحسن في الاستعارة هاهنا من «العري»؛ ولأن «عريانًا» يجب أن يصرف إذ كان لا مانع له من الصرف» (٢).
وفي النص السابق إشارة مهمة إلى كيفية استغلال العلامة الإعرابية في رد الرواية المصحفة، وبذلك يقدم أبو العلاء استخداما آخر للعلامة الإعرابية، غير كونها كاشفة عن المعاني ومميزة بينها، ألا وهو إمكانية استخدامها كأداة للحفاظ على النص من التحريف.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٥٥ب١٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٢٦ب٤٤].
[ ٢٩٨ ]
وَكَأَنَّما آثارُها مِن مُزنَةٍ بِالميثِ وَالوَهَداتِ وَالأَخيافِ [بحر الكامل]
« ومن روى «مُزْنِه» على الجمع فهي رواية ضعيفة؛ لأن قوله «آثارها» تشهد بتوحيد «مُزْنَةٍ»» (١).
اعتمد أبو العلاء هنا على إحدى القرائن اللفظية وهي الربط بالضمير العائد الذي تبدو فيه المطابقة على متأخر لفظا.
****
• مواضع استخدام القرينة الصرفية:
وقد استخدمها أبوالعلاء في اثني عشر موضعا، ومن ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل]
«الحُقْب: الدهر، واختلفوا في تفسيره، فقالوا ثلاثون سنة، وقالوا ثمانون () والصحيح أن الحقب برهة طويلة لا حد لها، وأُنِّثَ على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حِقبة؛ إذا أراد بها السنة؛ لأن «فِعْلَة» قلما تجمع على «فُعْل»» (٢).
والقرينة الصرفية التي لجأ أبو العلاء هنا يمكن أن نسميها بقرينة الاستعمال الصرفي؛ فهو لم يلجأ لقرينة صرفية من داخل بنية الكلمة لتحديد معناها بل لجأ للاستعمال الصرفي لتحديد المعنى المناسب والأوجه.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
خَفَّت دُموعُكَ في إِثرِ الحَبيبِ لَدُن خَفَّت مِنَ الكُثُبِ القُضبانُ وَالكُثُبُ [بحر البسيط]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٢٩ب١٦]. ولمزيد من المواضع ينظر ديوان أبي تمام: [١/ ١٤٤]، [١/ ١٥٠، ب١٣]، [١/ ٣٠]، [١/ ٥٧]، [٢/ ١٧٥، ب٣٩]، [٢/ ٢٤٠، ب١٤]، [٣/ ٥١ - ٥٢، ب٢٠].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٧٧ب١].
[ ٢٩٩ ]
«.. أصل «الخفوف» من قولهم: خَفَّ القوم؛ إذا تحركوا، وهوراجع إلى الخفة التي هي ضد الثقل، إلا أنهم يفرقون بالمصادر بين الأفعال التي أصلها واحد في الاشتقاق؛ فيقولون: خَفَّ الشيء خِفَّةً، إذا كان خفيف الزِّنَة، وخَفَّ القوم خفوفا إذا ارتحلوا، وخف في حاجته؛ إذا أسرع» (١).
وعبارة أبو العلاء «يفرقون بالمصادر بين »، إشارة إلى أسلوب اللغويين في شرح معاني الألفاظ، حيث درجوا على ذكر مصدر الفعل بعد الفعل ليكون هذا وسيلة لتحديد لمعناه، ورفع الالتباس عنه إذا اشترك معه فعل آخر في أصل الاشتقاق مثلما أشار أبو العلاء هنا.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل]
« و«الأعجاس»: جمع عَجْس، وهوحيث يقبض الرامي من القوس، يقال: عَجْسٌ، وعِجْس، وعُجْس، والأحسن أن يكون أعجاس جمع عِجْس بكسر العين أوعُجْس بالضم؛ لأن «فَعْلا» لا يجمع على أفعال كثيرا» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ما سَرَّني بِخِداجِها مِن حُجَّةٍ ما بَينَ أَندَلُسٍ إِلى صَنعاءِ [بحر الكامل]
« يقال: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها ناقصَ الخَلْق، وإن كانت شهورها تامة، وخدجت إذا ألقته لغير تمام، وقال قوم: خدجت وأخدجت سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفعل يشتركان كثيرا. و«الأندلس» بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت، وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها «فَعْلَلُلُ»،وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل «سَفْرَجَل» ولا
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٤٠ب٣].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٧٩ب٥٠].
[ ٣٠٠ ]
«سَفْرَجُل»، فإن ادعى مدع أنها «فَنْعَلُل» فقد خرج من حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة» (١).
لكن في العربية «فَيْعَلُول» لا يمتنع أن تختلس مدته هكذا «فَيْعَلُل»؛ فتكون أندلس معربة على هذا الوجه، ولا يدعي أحد أنها غير عربية.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا غازَلَ الرَوضُ الغَزالَةَ نُشِّرَت زَرابِيُّ في أَكنافِهِم وَدَرانِكُ [بحر الطويل]
« «الزرابي» جاء ذكرها في القرآن، وهي الطنافس ونحوها، وأجدر بأن تكون عربية الأصل» (٢).
وحكم أبي العلاء بجدارة لفظة طنافس بأن تكون عربية الأصل لابد أن يكون ناتجا عن قياس ذهني قام به لألفاظ مشابهة في اللغة العربية، وإلا ما ساغ له أن يطلق هذا الحكم وهنا يبرز أهمية التعمق في دراسة اللغة التي تحدثنا عنها في الباب الأول.
****
• مواضع استخدام القرينة العروضية:
وقد استخدم أبوالعلاء هذه القرينة في أربعة عشر موضعا، ومن ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
جَديرٌ بِأَن يَستَحيِيَ اللَهَ بادِيًا بِهِ ثُمَّ يَستَحيي النَّدى وَيُراقِبُه [بحر الطويل]
«و«يستحيي» الثانية رفعها لمكان القافية؛ ولأنه لا يمكن فيها غير ذلك، ولوجعلها في موضع نصب لكان قد أسكن الياء في موضع التحريك وذلك ردىء، والكوفيون
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٧ب١٥].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٥٨ب٥]. ولمزيد من المواضع ينظر ديوان أبي تمام: [١/ ١٤٨]، [١/ ١٨٠ - ١٨١، ب٨]، [٢/ ٢٦٦، ب١٨]، [٢/ ٣٣٩، ب١٩]، [٢/ ٣٦٢ ـ٣٦٣، ب١١، ١٢]، [٣/ ١٥، ب٣٠].
[ ٣٠١ ]
يرون أن الناصب إذا لم يصحب الفعل فرفعه جائز، ورفعه يستحيي أوكد لرفع
«يراقبه»؛ لأن المرفوع يكون تابعا لمثله» (١).
هذا الاقتباس أعمل فيه أبو العلاء ثلاثة قرائن: قرينة صوتية، ونحوية، وعروضية.
أـ فأما القرينة الصوتية فعدم ظهور الضمة على آخر «يستحيي» لـ «الثقل» الذي يُعنى «به في النحو مانع من موانع ظهور الحركة الإعرابية على آخر الكلمة وذلك في الكلمات التي آخرها ياء لازمة مكسور ما قبلها، إذ لا تظهر الضمة ولا الكسرة على هذه الياء نظرا لثقل النطق بهما» (٢). مما يفسح المجال لاحتمال وضع الفتحة.
ب - والقرينة النحوية تتمثل في العلامة الإعرابية، فعدم وجود الفتحة نفسها على الياء الثانية، مع إمكانية ظهورها يؤكد أن الكلمة في حالة رفع.
ج - وأما القرينة العروضية فهي «مكان القافية» التي أوجبت «رفع يسحيي» كما قال أبو العلاء.
والنص السابق أيضا يعطينا لمحة من أبي العلاء عن سلطان القافية في البيت الشعري وأنها مع الوزن لهما «دور فعال في صياغة الجملة» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَوما تَراها ما تَراها هِزَّةً تَشأى العُيونَ تَعَجرُفًا وَذَميلا [بحر الكامل]
«.. ومن روى «تَشأى العُيونَ أولقًا»؛ صار في البيت زحافٌ يكره، وهوالذي يسمى الوقص (٤») (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٢٦ـ٢٢٧ب٢٢].
(٢) د. محمد عبادة: معجم مصطلحات النحو والصرف والعروض والقافية، ص ٦٤ مصطلح: الثقل The difficult
(٣) د. محمد حماسة عبد اللطيف: الجملة في الشعر العربي، ص ٩٣، مكتبة الخانجي، ط١، ١٩٩٠م، القاهرة
(٤) وقال التبريزي عن بحر القصيدة: الكامل، والقافية متواتر.
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٦٩ب١٧].
[ ٣٠٢ ]
عبارة أبي العلاء «زحاف يكره» عبارة مهمة، فكأنه بها ينزه أبا تمام الشاعر الفحل أن يأتي بمثل هذا الزحاف النادر، وكأنه من طرف خفي يريد أن يقول إن «استمتاع القارئ أو السامع بالعمل الشعري وتقديره إياه، أن يشعر من خلاله بقدرة الشاعر على تشكيل مادته وتوجيهها وجهة معينة تبعا لإرادته، فالإبداع الشعري صورة من صور الإرادة الإنسانية وقدرتها على التأثير. والنسق نظام، ولابد من إرادة وراء كل نظام، والشعور بإرادة الشاعر وقدرته من أسباب المتعة التي يبعثها النسق الشعري في نفس المتلقي» (١).
وجدير بالذكر أن الخليل وآخرون من العروضيين قاموا بتصنيف الزحافات إلى حسن وصالح وقبيح. وقد اتفقوا على استقباح الزحافات المزدوجة «وذلك لخروجها الحاد على النسق» (٢). أما الزحافات المفردة فـ «أكثرها - في تصنيفاتهم - إما حسن وإما صالح، وقليل منها وصف القبح» (٣) مثل الوقص كما قال أبو العلاء.
وننبه أن الحكم على الزحاف «لا يكون مطلقا، فثمة عوامل تؤثر في وضوحه أو خفائه () [وأنه] قد يكون مقبولا إذا أحسسنا أنه يقوم بوظيفة تعبيرية» (٤).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
صَمّاءُ سَمُّ العِدى في جَنبِها ضَرَبٌ وَشُربُ كاسِ الرَدى في فَمِّها شُهُدُ [بحر البسيط]
« إن رويت «في فَمِها»، بالتخفيف، صار في البيت زحاف، وقلما يستعمل الشعراء مَثْلَه، وهوعندهم جائز، وإن شددت الميم بَطَلَ الزحاف؛ إلا أن التخفيف أجزل في اللفظ (٥») (٦).
_________________
(١) د. على يونس: نطرة جديدة في موسيقى الشعر، ص ١٩٢، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٣م
(٢) د. على يونس: نطرة جديدة في موسيقى الشعر، ص ١٩٢
(٣) السابق: ص ١٩٢
(٤) السابق: ص ١٩٧
(٥) وقال التبريزي عن بحر القصيدة: البسيط، والقافية متراكب.
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٧٦ب١٠].
[ ٣٠٣ ]
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
اِجعَلي في الكَرى لِعَيني نَصيبا كَي تَنالَ المَكروهَ وَالمَحبوبا [بحر البسيط]
«يجب أن يكون الطائي لم يقل في النصف الأول «نصيبًا»؛ لأنه إن جعله على حكم المصرع فقد أوطأ، والأشبه أن يكون قال «اجعلي في الكرى لعيني حظا» أونحو ذلك، والتقفية والتصريع إنما يلجأ لهما في أوائل ما كثر من الأبيات في العدد، فأما فيما جرى هذا المجرى، فترك التصريع فيه أعرف (١») (٢).
والثقة التي نلمحها هنا في كلام أبي العلاء من أن أبا تمام يجب ألا يكون قد قال هذا ثقة نابعة من أنه شاعر قال فيه الصولي: «كان واحد عصره في ديباجة
لفظه، وفصاحة شعره» (٣). وقال: «إن أبا تمام أشعر أهل زمانه» (٤).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
يَقولُ فَيُسمِعُ وَيَمشي فَيُسرِعُ وَيَضرِبُ في ذاتِ الإِلَهِ فَيوجِعُ [بحر الطويل]
«هذا البيت من عجيب ما جاء في شعر الطائي؛ لأنه أتبع العينَ الواو في غير قافية (٥)، وإنما آنسه بذلك أن العين في آخر النصف الأول وفي آخر النصف الثاني،
_________________
(١) قال التبريزي عن بحر القصيدة أول الخفيف، وعدد أبيات هذه القصيدة ستة أبيات، وقد نقل المحقق كلام ابن المستوفي على ما ذكره أبوالعلاء هنا، فقال ابن المستوفي: هذا الذي أتى به أبوتمام لا يكون إيطاءً، لكنه قبيح. والإيطاء هو: إعادة كلمة الروي لفظا ومعنى دون فصل بينهما بسبعة أبيات فأكثر، ولم يقصد بالتكرار التلذذ كلفظ الجلالة أواسم المحبوب، أوأعيدت بمعنى آخر لم يكن ذلك إيطاء، وكذلك إن جاءت نكرة مرة ومعرفة أخرى، (من علم العروض والقافية: د. محمد بدوي المختون، ص ١٨٩، دار الثقافة العربية).
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٦٠ب١].
(٣) سير أعلام النبلاء: [١١/ ٦٨].
(٤) الأغاني: [١٦/ ٣٨٤].
(٥) يقصد كلمة (يسمع) التي أثبتها التبريزي في روايته بدون واو.
[ ٣٠٤ ]
ولا ريب أنه كان يتبع العين واوا في «يسمعو»، وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا، مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو، فيثبت الواو، ومررت بزيدي، فيثبت الياء، وذلك ردىء مرفوض () ويجب أن يكون الطائي لم يفعل ذلك؛ لأنه معدوم في شعر العرب، والغريزة له منكرة؛ لأنه يجمع بين أربعة أحرف متحركة في وزن (١) لم يستعمل ذلك فيه» (٢).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
خُذها فَما نالَها بِنَقصٍ مَوتُ جَريرٍ وَلا البَعيثِ [بحر: مجزوء البسيط]
«وذكر «البعيث» للقافية» (٣).
• مواضع استخدام القرينة الصوتية:
واستخدم هذه القرينة في موضعين: قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
تَؤُمُّ شِهابَ الحَربِ حَفصًا وَرَهطُهُ بَنوالحَربِ لا يَنبوثَراهُم وَلا يُكدي [بحر الطويل]
« «تؤم شهاب الأزد» (٤)، وذكر ابن السكيت أن الأُسْد بالسين أجود، وغيره يقولها بالزاي، ويجب أن يكون الأصل بالسين؛ لأن الدال إذا وقعت قبلها السين
_________________
(١) بحر الطويل.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٢٦ب٢٤]. ومما يلاحظ هنا أن إثبات الياء والواو في أواخر الكلم والتي رفضها أبو العلاء من مرويات سيبويه عن أبي الخطاب، قال سيبويه٤/ ١٦٧: «وزعم أبو الخطَّاب أنَّ أزْدَ السَّراةِ يقولون: هذا زيدو، وهذا عمرو، ومررتُ بزيدي، وبعمري؛ جعلوه قياسًا واحدًا؛ فأثبتوا الياء والواو كما أثبتوا الألف»، وقد نعتذر عن أبي العلاء بأن نقول إن هذا الكلام لم يبلغ أبا العلاء، خاصة أنه في ثبت كتبه شرح للكتاب لم يتمه.
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٨ب٢٧]. ولمزيد من الأمثلة على هذه القرينة تنظر المواضع الآتية من ديوان أبي تمام: [١/ ٢٠ - ٢١، ب١]، [١/ ٣٤٠ - ٣٤١، ب٣]، [١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، ب٩]، [٢/ ٢٠٤، ب٢٩]، [٢/ ٢١٢، ب١٢]، [٢/ ٢٧٤، ب١]، [٢/ ٢٨٢، ب٢٧]، [٣/ ١٤، ب٢٨].
(٤) هذه رواية أبي العلاء للبيت.
[ ٣٠٥ ]
الساكنة فبعض العرب يحولها إلى الزاي، وكذلك الصاد، وكذلك قالوا في المثل: لم يُحْرَمْ مَنْ فُزْدَ له؛ إذا سكنوا صاد «فُصِدَ» على لغة ربيعة» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مُحَمَّدُ يا ابنِ الهَيثَمِ بنِ شُبانَةٍ أَبي كُلِّ دَفّاعٍ عَنِ المَجدِ ذائِدِ [بحر الطويل]
««شُبَانَة» اسم لم يذكر أهل اللغة الموثوق بهم له اشتقاقا؛ لأن الشين حرف مُمَات» (٢).
ويفهم من النص السابق أن لفظ «شُبانة» الذي يبدأ بحرف الشين وما يليه من حروف مُمات. والذي يفهم من تلك اللفظة «ممات» عنده أنها تعني: اللفظ الذي ليس له أصل تسمح القوانين الصوتية للحروف اللغوية بتكوينه، وهو بهذا يخالف مفهوم هذا المصطلح عند اللغويين.
فكلمة «ممات» هي مصطلح لغوي يساوي في معناه عند قدامى اللغويين المصطلحات: المنكر والمتروك والمجهول ولغة مرغوب عنها. وعبر عنها اللغويون المعاصرون بمصطلح: انقراض الكلمات، والمهجور Obsolete أو Archaic، وعرف السيوطي المتروك بقوله: «ما كان قديما من اللغات، ثم ترك واستعمل غيره» (٣).
• مواضع استخدام قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية:
كان أبوالعلاء يلجأ إلى قرينة سياق لغوية يمكن أن نسميها «قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية»، أو «قرينة مذهب الشاعر»، فقد اعتمد أبوالعلاء على الخصائص الأسلوبية للشاعر والتي كان ملمًّا بها إلماما تاما في إيضاح معاني بعض الأبيات. وقد استخدم هذه القرينة في أربعة وعشرين موضعا، وفيما يلي أهمها:
أـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مُوَضَّحٌ لَيسَ بِذي رُجلَةٍ أَشأَمَ وَالأَرجُلُ مِنها بَسوس [بحر السريع]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٢٠ب٧]
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٧٣ـ٧٤ب٢٥].
(٣) المزهر: ١/ ٢١٤
[ ٣٠٦ ]
«قوله: «بسوس»، أراد به مشئوم مثل البسوس، التي كانت لأجلها الحرب، فحذف الألف واللام، وله عادة بذلك، كما قال: «ما بين أندلس إلى صنعاء»، و«وجد فرزدق بنوار»» (١).
ب - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
قَد نَبَذوا الحَجَفَ المَحبوكَ مِن زُؤُدٍ وَصَيَّروا هامَهُم بَل صُيِّرَت حَجَفا [بحر البسيط]
«يروى: «قد نَبَذُوا» على التخفيف والزحاف، و«نَبَّذُوا» بتشديد الباء، والتخفيف أشبه بمذهب الطائي» (٢).
ج - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَكرِم بِنِعمَتِهِ عَلَيَّ وَنِعمَتي مِنها عَلى عافٍ جَدايَ وَمُرمِلِ [بحر الكامل]
«ومن روى: «عافي جَدايَ» على إضافة «العافي»، فلا يجوز أن يروى إلا «مُرْمِلي» بالياء إذا حُمل ذلك على ما يعرف من مذهب الطائي» (٣).
د - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مَلَكَتهُ الصَّبا الوَلوعُ فَأَلفَتـ ـهُ قَعودَ البِلى وَسُؤرَ الخُطوبِ [بحر الخفيف]
«و«وَسُؤرَ الخُطوبِ» بقيتها، ومن عرف مذهب الطائي لم يَعْدِل عن هذه الرواية» (٤).
هـ - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
شَجًا في الحَشى تَردادُهُ لَيسَ يَفتُرُ بِهِ صُمنَ آمالي وَإِنّي لَمُفطِرُ [بحر الطويل]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٧٧ب١٠].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٧٢ب٤٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٤٠ب٢٧].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١١٧ب٢].
[ ٣٠٧ ]
«.. يبين في كلام الطائي أنه كان يختار إظهار علامة الجمع في الفعل، مثل قوله: «صُمنَ آمالي»، ولوقال: «صام آمالي» لاستقام الوزن، وقد جاء بمثل ذلك في غير هذا الموضع، وهوعلى منهاج قول الفرزدق: «يَعْصِرن السليط أقاربه»» (١).
وـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
عالي الهَوى مِمّا تُعَذِّبُ مُهجَتي أُروِيَّةُ الشَّعفِ الَّتي لَم تُسهِلِ [بحر الكامل]
«.. وبعضهم يروى: «مما ترقص هامتي»؛ أي: تلعب بعقلي حتى تُرَقِّص مني الهامة، وهذه الرواية أشبه بمذهب الطائي؛ لأنه يُؤْثِر الاستعارة» (٢).
ز - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بِكُلِّ فَتى ضَربٍ يُعَرِّضُ لِلقَنا مُحَيًّا مُحَلًّى حَليُهُ الطَّعنُ وَالضَّربُ [بحر الطويل]
«الأشبه بصناعة الطائي أن يكون «فتى» منونا» (٣).
وتستوقفنا عبارات مهمة في نصوص أبي العلاء السابقة، وهي: «وله عادة بذلك»، «ومن عرف مذهب الطائي»، «يبين في كلام الطائي أنه يختار»،
«والتخفيف أشبه بمذهب الطائي»
كل هذه العبارات وغيرها تدل على وقوف أبي العلاء على تكرار بعض السمات اللغوية عند أبي تمام، منها على سبيل المثال: «إظهار علامة الجمع في الفعل».
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢١٤ب١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٤ب٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٩٢ب٤٢]. وبقية مواضع هذه القرينة في ديوان أبي تمام هي كما يلي: [١/ ١٤٣]، [١/ ١٦٧، ب٣٦]، [١/ ٢٩٩، ب١]، [١/ ٤٨، ب١٨]، [٢/ ١٧٤، ب٣٦]، [٢/ ١٨٣، ب٥]، [٢/ ١٩٢ - ١٩٣، ب٧]، [٢/ ٢٦٣، ب٣]، [٢/ ٤٠٧، ب٤]، [٢/ ٤١٧ - ٤١٨، ب٢٣]، [٣/ ٢١ - ٢٢، ب٣]، [٣/ ٥١، ب١٤]، [٣/ ٦١، ب١]، [٣/ ٨٢ - ٨٣، ب١٨]، [٤/ ١٢٣، ب٩]، [٤/ ٥٦٣ - ٥٦٤، ب٥]، وينبغي أن نشير أن هذه المواضع وغيرها تدل على أن علماءنا كانوا على وعي تام بأن لكل شاعر خصائصه الأسلوبية التي تميزه عن غيره.
[ ٣٠٨ ]
والسمات اللغوية «حين تحظى بنسبة عالية من التكرار، وحين ترتبط بسياقات معينة على نحو له دلالة تصبح خواصًا أسلوبية Stylistic Markers» (١) .
ومن الطريف أن الخصائص الأسلوبية التي وقف عندها أبو العلاء مقسمة إلى ثلاثة مستويات:
· خصائص أسلوبية على المستوى الصرفي، مثل الاقتباس أ، ب.
· خصائص أسلوبية على المستوى النحوي، مثل الاقتباس هـ.
· خصائص أسلوبية على المستوى الدلالي، مثل الاقتباس و.
****
• مواضع استخدام قرينة الخصائص الأسلوبية للغة الشعر عامة:
وقد اعتمد عليها أبوالعلاء في سبعة مواضع، من أهمها:
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
هَذا أَمينَ اللَهِ آخِرُ مَصدَرٍ شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل]
«مَدَّ «الظَّمَاء» وهومهموز مقصور، وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
حَتّى إِذا ضَرَبَ الخَريفُ رِواقَهُ سافَت بَريرَ أَراكَةٍ وَكَباثا [بحر الكامل]
«و«سافت»: شَمَّت .. والأشبه أن يكون سَفَّت؛ لأن الشعراء كذا يذكرون» (٣).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) د. سعيد بحيري: من أوجه التوافق والتخالف بين البحث اللغوي والبحث الأسلوبي، ص٢٥، مقال بمجلة الدراسات الشرقية، ع ١٥، يوليو ١٩٩٥م
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٥٤ـ٥٥ب٤١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣١٣ب٥]. وينظر الشاهد الخامس في القرينة العروضية، والمواضع الأتية من ديوان أبي تمام: [١/ ٣٦٧، ب٣٨]، [٢/ ٢٦٦، ب١٩]، [٢/ ٥٤ - ٥٥، ب٤١]، [٢/ ٦٩ - ٧٠، ب٨].
[ ٣٠٩ ]
فَما صُقِلَ السَّيفُ اليَماني لِمَشهَدٍ كَما صُقِلَت بِالأَمسِ تِلكَ العَوارِضُ [بحر الطويل]
« و«العوارض» جمع عارض، وهوالناب والضرس الذي يليه، يريد أن ثغرها واضح، والأجود ألا يجعله صُقِلَ بالبشام وعيدان السواك .. إلا أن قوله
«بالأمس» يدل على أنه أراد السواك، والأحسن في حكم الشعر أن يَدَّعي صقالها بالفطرة لا بالتصنع» (١).
الشعر - كما رسم صورته أبو العلاء في النصوص السابقة - تسوغ فيه بعض الأمور لا تسوغ في النثر، ويتعارف الشعراء فيما بينهم على بعض الأمور فيه، كما أن له «حكمًا». والحكم - بمعنى القضاء - لا يصدر إلا عن قواعد ومبادئ. والشعر ولا ريب يصطنع من الوسائل اللغوية التي تجعله «كلاما غير الكلام العادي، أو لغة داخل اللغة، أو - إن شئنا الدقة والاختصار معا - تجعله شعرا» (٢). كما أنه يقوم على المجاز الذي يقوم بدوره على «مفارقة التركيب للمألوف في الاستعمال في اللغة غير الفنية بكسر قوانين الاختيار بين الكلمات» (٣).
****
• مواضع استخدام قرينة الاستعمال اللغوي:
التمييز بين مستويين من «السمات اللغوية» أمر واضح وجلي في أقوال أبي العلاء، تبرزه بوضوح وجلاء تعليقاته المتناثرة هنا وهناك، ويمثل المستوى الأول منها «السمات النمطية» التي يمثلها الاستعمال اللغوي العام، والمستوى الثاني
«السمات الفردية المتغيرة» التي يمثلها استخدام أبي تمام.
ومن الباحثين المعاصرين من أقر وأكد وجود مثل هذين المستويين، إذ يقول:
«وإذا نظرنا إلى السمات اللغوية في لغة ما على أنها مجموعة من الثوابت Constants والمتغيرات Variables كانت السمات الثوابت هي القواعد العامة التي
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٩٥ب٤].
(٢) د. محمد حماسة عبد اللطيف: الجملة في الشعر العربي، ص ٦
(٣) د. محمد حماسة عبد اللطيف: النحو والدلالة، ٩٦ - ٩٨
[ ٣١٠ ]
تشكل النظام الأساسي للغة، مثل تركيب الجملة الاسمية والجملة الفعلية، والمضاف والمضاف إليه والصفة والموصوف. أما المتغيرات فتمثل السمات التي يمكن للمنشئ أن يتعامل معها بقسط أوفر من الحرية ومن أبرزها المفردات» (١).
ومن القرائن التي اعتمد عليها أبوالعلاء قرينة «الاستعمال اللغوي»، فقد وظفه - بمستواه الأول - في شرح الأبيات، واستخدمه كقرينة يستدل بها على المعاني في الأبيات. وقد استخدم هذه القرينة في خمسة وعشرين موضعا، منها:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَوَاللهِ ما آتيكَ إِلّا فَريضَةً وَآتي جَميعَ الناسِ إِلّا تَنَفُّلا [بحر الطويل]
«في هذا الكلام حذف، وتمام اللفظ أن يكون: «وما آتي جميع الناس» أو «ولا آتي جميع الناس»، وحذف مثل هذا قليل؛ لأن الجملة الأولى قد حال بينها وبين الجملة الثانية حرف الاستثناء وما بعده، والكلام محمول على «ما» ولوأن «لا» موضوعة موضعها لكان ذلك أسوغ؛ لأن العرب كثر في ألفاظهم حذف «لا» في القسم، كقولهم: والله أدخل المدينة إلا راكبا» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
هَل أَورَقَ المَجدَ إِلّا في بَني أُدَدٍ أَواجتُنِي مِنهُ لَولا طَيِّئٌ ثَمَرُ [بحر البسيط]
«إذا كان آخر الفعل الماضي ياء وقبلها كسرة؛ فطيئ تقلبها ألفا؛ فيقولون: «اجتُنَى» في «اجتُنِيَ»، و«اقتُدَى» في «اقتُدِي»، ومن العرب من يسكن الياء هاهنا، ولم يستعمل (؛ أي: الطائي) اللغة الطائية» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَثَناياكِ إِنَّها إِغريضُ وَلِآلٍ تومٌ وَبَرقٌ وَميضُ [بحر الخفيف]
_________________
(١) د. سعد مصلوح: الأسلوب، دراسة لغوية إحصائية، ص ٥٤، عالم الكتب، ط٣، ١٩٩٢م
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٠٣ب٢٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٩٠ب٢٧].
[ ٣١١ ]
« ويقال للؤلؤة العظيمة تُؤْمة، والجمع: تُؤَم، وهذا الوجه أجود (١) من أن تجعل «تُوم»، جمع تؤام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا ما رَأَتهُ العيسُ ظَلَّت كَأَنَّما عَلَيها مِنَ الوِردِ اليَمامِيِّ نافِضُ [بحر الطويل]
« ويقوي رواية من روى «اليمامي» بميمين، أن «اليمانيَّ» بتشديد الياء ليس باللغة العالية» (٣).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
باسِطًا بِالنَّدى سَحائِبَ كَفٍّ بِنَداها أَمسى حَبيبٌ حَبيبا [بحر الخفيف]
«.. ويجوز أن يكون «حبيبا» الثاني، هو «حبيب» الأول، كما تقول: بك صار فلان فلانا؛ أي: عرف واشْتُهِرَ وصار له موضع، ويكون من نحوقولهم: أنتَ أنتَ وعمرٌو عمرو» (٤).
ويمكن أن ندرج تحت قرينة الاستعمال قرينتين فرعيتين هما:
١) قرينة المصاحبة اللفظية.
٢) قرينة الألفاظ المولدة.
أما قرينة المصاحبة اللفظية فقد استخدمها أبوالعلاء في موضعين، وفي أحد هذين الموضعين سمى أبوالعلاء هذه المصاحبة باسم: «المحالفة»، والموضعان هما:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَولَم تَكُن مِن نَبعَةٍ نَجدِيَّةٍ عَلوِيَّةٍ لَظَنَنتُ عودَكَ عودا [بحر الكامل]
_________________
(١) أي: أن تكون كلمة توم التي في البيت تخفيف تُؤَم جمع كلمة تُؤْمة بمعنى اللؤلؤة، وهذا أفضل من أن تكون كلمة توم جمع تُؤام (بمعنى الصدف) على تخفيف الهمزة.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٧٨ب١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٩٧ب١٠].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٧١ـ١٧٢ب٥٢].
[ ٣١٢ ]
«.. قوله: «لظننت عودك عودا»، أصل العودين واحد، وإنما فرق بينهما كثرة الاستعمال؛ لأنهم يريدون هذا عود طيب؛ فيحذفون «طيبا»؛ فصار ذلك كالاسم المُحالف لهذا اللفظ، فكأنه قال: لظننت عُودَك قُطْرًا أوألُوَّة أويَلَنْجوجا، أوغير ذلك من أسماء العود» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذ لا نُعَطِّلُ مِنها مَنظَرًا أَنِقًا وَمَربَعًا بِمَها اللَّذاتِ مَأنوسا [بحر البسيط]
« ولما كانت «المها» تستعمل في الدر والأسنان وبقر الوحش والبلور والنساء وغير ذلك مما يحسن ويصفوـ استحسن أن يقول: «بِمَها اللَّذاتِ»؛ لِيَخُصَّ بها الإنس» (٢).
إما بالنسبة لقرينة الألفاظ المولدة فقد استخدمها في موضعين أيضا هما:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَئِن نَقِموا حوشِيَّةً فيكَ دونَها لَقَد عَلِموا عَن أَيِّ عِلقٍ تُناضِلُ [بحر الطويل]
«الرواية «حُوشيَّة»، من قولهم: إبل حُوش؛ أي: متبرزة لا تربع إلى الإنس () ومن روى: «حَشْويَّة»، فهومن قولهم: فلان حَشْوي؛ أي: يأخذ بأخلاق الحَشومن الناس، وهم الذين لا يعتد بهم، وهذه الكلمة مولدة، ويجب أن تكون الرواية الصحيحة «حوشية» لا غير» (٣).
والمُوَلَّد في اصطلاح العلماء هو «لفظ استخرجه المولدون من اللغة الأصلية مع شيء من التصرف وليس مستعملا في كلام الأعراب () ويقال لهذا أيضا: المستحدث والعامي» (٤). والألفاظ المولدة التي استحدثها «المولدون» في العربية لا
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤١٣ـ٤١٤ب٢٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٥٦ب٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٢٠ب١٢].
(٤) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ١٦٧١، مادة المولد Creation، Invention، Mongrel، Mulatto، وينظر أيضا المعجم الوسيط ٢/ ١٠٩٩، ولد.
[ ٣١٣ ]
يحتج بها (١). وقد ربط السيوطي الألفاظ المولدة بـ «العامة»، وجعلها من فعلهم، فقال: «في أمالي ثعلب: سئل عن التغيير، فقال: هو كل شيء مولد، وهذا ضابط حسن يقتضي أن كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بهمز أو تركه أو تسكين أو تحريك أو نحو ذلك مولد، وهذا يجتمع منه شيء كثير» (٢).
وإشارة أبي العلاء أن كلمة «حشوية» مولدة، بمعنى: محدثة، أو عامية، أو محرفة عن بنية أخرى إشارة إلى «تاريخ الكلمة» - إن صح التعبير - وإشارة إلى أهمية هذا التاريخ في خدمة النص الشعري وغيره من النصوص، على الأقل في مجال رد الروايات المصحفة والمحرفة التي تأتي في كلمة ما، في نص ما.
ومن هنا أيضا تبرز أهمية المعجم التاريخي للغة العربية الذي يمكن الاعتماد عليه في الكشف عن صحة كثير من النصوص الأدبية والدينية وغيرهما.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
جَمَعتُ شَعاعَ الرَّأيِ ثُمَّ وَسَمتُهُ بِحَزمٍ لَهُ في كُلِّ مُظلِمَةٍ فَجرُ [بحر الطويل]
« «شَعَاع الرأي»: بفتح الشين هي الرواية الصحيحة؛ أي: متفرقة .. ويدلك على أنه «شَعَاع» قوله: «جَمَعَتْ»، ومن روى «شُعَاع» بالضم فهومعنى
صحيح؛ إلا أنني أظنه وُلِّدَ بعد موت الطائي» (٣).
• مواضع استخدام قرينة التناص:
التناص أو التناصية Intertextuality / éL؟intertextualit - كمصطلح أدبي حديث - يشير إلى «علاقة الوجود المشترك بين نصين أو عدة نصوص بطريقة
_________________
(١) المزهر: ١/ ٢٤٢
(٢) المزهر: ١/ ٢٤٨
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٦٨ب٦]. وبقية المواضع التي استخدم فيها قرينة الاستعمال هي: [١/ ١١٨]، [١/ ١٤٢]، [١/ ١٥٩]، [١/ ٢٢٤ - ٢٢٥، ب١٨]، [١/ ٢٢٦، ب٢١]، [١/ ٣٣٠، ب٦]، [١/ ٣٤٤ - ٣٤٥، ب٢ هام]، [١/ ٩، ب٢]، [١/ ٩٣]، [١/ ٩٥]، [٢/ ٢٢٥، ب٤]، [٢/ ٢٩٥، ب٤]، [٢/ ٣١٣، ب١٥]، [٢/ ٣١٥، ب٢٥]، [٢/ ٣٧٨،ب٥]، [٢/ ٤٦٦، ب٢٩]، [٣/ ١٧٦ - ١٧٧، ب٢، ٣]، [٣/ ٢٢٤، ب٨]، [٣/ ٣٣، ب٥]، [٣/ ٧٨، ب١١]، [٤/ ١٢، ب٨].
[ ٣١٤ ]
الاستشهاد أو السرقة أو الإلماع» (١). أو هي: «الاستشهاد بالنص؛ أي: الطرق التي يستعملها الناس في الانتفاع بالنصوص المشهورة، أوفي الإحالة إليها» (٢).
وقد لعب التناص دورا مهما مع أبي العلاء سواءً في شروحاته أو إبداعه الشعري الخاص به. فعلى مستوى شروحاته فقد استخدم التناص كقرينة لتوضيح بعض معان عند أبيات أبي تمام، منها:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَهُ خُلُقٌ نَهى القُرآنُ عَنهُ وَذاكَ عَطاؤُهُ السَّرَفُ البِدارُ [بحر الوافر]
«من روى «السَّرَفُ البِذَارُ» بالذال معجمةً فهومُصَحِّف، وإنما يتعلق بقوله تعالى: چ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ چ [الإسراء، ٢٦]، وليس في الآية ذكر السرف لفظا، وإنما فيها نَهْيٌ عنه في المعنى. و«البذار» ليس مصدر «بَذّر»، وإنما بنى الطائي المعنى على الآية الأخرى، وهي قوله تعالى:چ؟؟؟؟؟؟ چ [النساء، ٦]؛ فدلَّ ذلك على الدال غير المعجمة، وبين اللفظين في القوة تفاوت، وبون بعيد» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَلَم يَكُ مِنكَ إِضرارٌ وَلَكِن تَمادَت في سَجِيَّتِها البِحارُ [بحر الوافر]
_________________
(١) د. محمد خير البقاعي: آفاق التناصية المفهوم والمنظور، ص ١١٨، الهيئة المصرية العامة للكتاب / دراسات أدبية ١٩٩٨م
(٢) د. إلهام أبوغزالة، على خليل حمد: مدخل إلى علم النص، ص٢٣٨، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط٢، ١٩٩٩
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٥٦ب١٥].
[ ٣١٥ ]
««ولم يك ذاك إضرارا» الأحسن أن يروى «إضرارا» بالضاد؛ لأنه لما بنى المعنى على الآية (١)، وكان المُسْرفُ المُبادِرُ في أكل مال اليتيم مُضرًّا به؛ حسُنَ أن يذكر الإضرار بعد السرف والبدار» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بُدُورُ قُيولٌ لَم تَزَل كُلُّ حَلبَةٍ تَمَزَّقُ مِنهُم عَن أَغَرَّ مُحَنَّبِ [بحر الطويل]
«ويروى: «ذَوونَ قُيولٌ»، وهوجمع قولك: ذومَرْحَب، وذوجَدَن، وذويَزَن، وذلك في حمير كثير، وهم الأذواء، وقلما يقولون الذَّوون، وإنما تبع الطائي في ذلك الكُمَيت؛ لأنه قال:
وَمَا أعنِي بِذلك أَسفَليكُم وَلَكِنِّي عَنيْتُ بِهِ الذَّوينَا [بحر الوافر]» (٣).
أما على مستوى إبداعه الشعري الخاص به نجد التناص حاضرا عنده فيما عبر عنه د. يوسف نوفل بـ «البناء على الحكاية»، وهي تسمية «تنصب - في الأساس - على لون من ألوان التناص، كما فهمه القدماء» (٤).
****
• مواضع استخدام القرينة البلاغية:
ولها موضعان أحدهما:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا دُلَف القاسم بن عيسى العِجلي:
وَلَوكانَ يَفنى الشَّعرُ أَفناهُ ما قَرَت حِياضُكَ مِنهُ في العُصورِ الذَّواهِبِ [بحر الطويل]
_________________
(١) يقصد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٥٧ب١٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٥٤ب٢٥].
(٤) د. يوسف نوفل: طائر الشعر، ص ١٦، الهيئة العامة لقصور الثقافة، كتابات نقدية ط١، ٢٠١٠م، ١٨٧
[ ٣١٦ ]
««ما قَرَت حِياضُكَ» ما جمعت، يقال: قَرَى الماء في الحوض يقريه؛ إذا جمعه، والمعنى: أنك رجل ملك شريف الآباء، قد مُدِح أجدادك بشعر كثير، فلوكان الشعر يفنى لفني من أجل ما مدحتم به في الدهر القديم، فهذا هوالوجه، وقيل: إنما أراد أن أبا دُلَف كان شاعرا، وقد يحتمل هذا، ولكن الأول أجود وأبلغ في المدح» (١).
*****
قرينة السياق غير اللغوي أو سياق الحال عند أبي العلاء:
استخدم أبوالعلاء هذه القرينة في مواضع قليلة بلغت ثلاثة عشر موضعا، ويمكن أن نميز من هذه القرائن، ما يأتي:
• القرينة الشرعية:
وقد استخدمها في موضعين هما:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام في مدح مالك بن طوق التغلبي:
بِكرًا تُوَرِّثُ في الحَياةِ وَتَنثَني في السِّلمِ وَهيَ كَثيرَةُ الأَسلابِ [بحر الكامل]
«.. «بِكر»: يعني القصيدة؛ فكأنه جَعَلها بنتًا للشاعر، فهي تُورثه وهي حية لم تَمُتْ، أي يأخذ الجائزة عليها، والأجود كسر الراء في «تُورِّث»؛ لأن معنى الميراث يصح على ذلك لأبيها، وإن فُتِحت الراء جُعِل الميراث لها؛ ولا معنى لذلك؛ لأنه لم تجر العادة بأن يرث الإنسان إلا وهوحي» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بِسُنَّةِ السَّيفِ وَالخَطِّيِّ مِن دَمِهِ لا سُنَّةِ الدينِ وَالإِسلامِ مُختَضِبِ [بحر البسيط]
«.. أي خُضِبَ شَعْرُه بسُنَّة السيف؛ أي: بما سنه وحكم به، لا بسنة الإسلام؛ لأن الصحابة والتابعين كانوا يرون السنة أن يخضبوا شعورهم بالحناء والكَتَم .. ويكرهون الخضاب بالسواد ويؤثرون الحمرة» (٣).
****
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢١٤ب٤٢].وينظر أيضا: [١/ ٢٢٤ب١٦].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٩٠ب٣٩].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥٢ب٢٤].
[ ٣١٧ ]
• القرينة التاريخية:
ومن أمثلتها:
قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شُبانَة:
بِهِ أَسلَمَ المَعروفُ بِالشامِ بَعدَما ثَوى مُنذُ أَودى خالِدٌ وَهومُرتَدُّ [بحر الطويل]
«يعني خالد بن يحيي البرمكي؛ لأنه كان فارسيا؛ فتقرب إلى الممدوح بذكره؛ لأن الممدوح أيضا من فارس، وهذا أشبه من أن يعنى خالد بن يزيد، أوخالد بن عبد الله القسري، أوخالد بن يزيد بن معاوية» (١).
*****
• القرينة العرفية:
وقد استخدمت في ثمانية مواضع، منها:
[١] قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام في مدح المعتصم والأفشين:
أَما وَأَبيهِ وَهومَن لا أَبا لَهُ يُعَدُّ لَقَد أَمسى مُضيءَ المَقاتِلِ [بحر الطويل]
«أقسم بأبي المنهزم على معنى الهُزْء والعكس؛ لأن أصل هذا القسم إنما هولمن يُكرم أبوه» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَلِلكَذَجاتِ كُنتَ لِغَيرِ بُخلٍ عَقيمَ الوَعدِ مِنتاجَ الوَعيدِ [بحر الكامل]
«جعله: عقيم الوَعْد، ولا وعد هناك؛ إذ كان يستعمل في الخير، ولوكان هناك وعد لكان البيت ذمًّا للممدوح؛ لأن الرجل يعاب بإخلاف الوعد» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥٢ب٢٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٨٦ب٢٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٧ب٢٢].
[ ٣١٨ ]
أَلقى إِلَيكَ عُرى الأَمرِ الإِمامُ فَقَد شُدَّ العِناجُ مِنَ السُّلطانِ وَالكَرَبُ [بحر البسيط]
« «والسلطان» هاهنا مراد به العز والقوة، من قولهم لفلان سلطان في بلد كذا، ولا يجوز أن يُحمل على أن السلطان آدميٌّ؛ لأنه يخرج إلى لفظ لا يليق بالسلاطين (١») (٢)
• القرينة الطبيعية:
ولها موضعان:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَنكِد بِأَريِ النَّوالِ ما لَم يَحلُ مِنَ العُشبِ وَاللَّوِيثِ [بحر: مجزوء البسيط]
«.. ومن روى: «وَالجُثوثِ»؛ فإن المعنى يَخْلُصُ لعسلِ النحل؛ لأن الجَثَّ ما يكون في موضع النحل من الشمع الذي لا عسل فيه وما يموت من النحل ويجتمع من أوساخها» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
نَورُ العَرارَةِ نَورُهُ وَنَسيمُهُ نَشرُ الخُزامى في اخضِرارِ الآسِ [بحر الكامل]
«.. وإنما ذكر الآس؛ لأنه يُوصَف بدوام الخضرة» (٤).
• القرينة العقلية:
قال عند قول أبي تمام:
حَذّاءُ تَملَأُ كُلَّ أُذنٍ حِكمَةً وَبَلاغَةً وَتُدِرُّ كُلَّ وَريدِ [بحر الكامل]
_________________
(١) والعِنَاج: حبل يُشَدُّ في أسفل الدلوثم يوصل بِعَرَاقيها وكَرَبها.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٥١ب٣٤]. وبقية المواضع لهذه القرينة في ديوان أبي تمام: [٢/ ١٥٣، ب٥]، [٢/ ١٨٠ - ١٨١، ب٥٤]، [٢/ ٢٧٠ - ٢٧١، ب٣٤]، [٢/ ٩٥، ب٣١]، [٣/ ٤٥٧، ب٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٧ب٢٤].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٤٩ب٢١].
[ ٣١٩ ]
«قوله: «تَملَأُ كُلَّ أُذنٍ حِكمَةً» يعني كل أذن سمعتها؛ إذ كان لا يمكن أن تمر بآذان الخلق كلهم» (١).
****
وظائف أخرى لقرينة السياق عند أبي العلاء:
لم يستخدم أبوالعلاء قرينة السياق في تحديد معني البيت الشعري عند أبي تمام فقط بل كان يستخدمها لبيان أمور أخرى منها:
أرد الروايات المصحفة غير الصحيحة.
ب ترجيح رواية على رواية.
ت ترجيح معنى على معنى آخر.
أـ رد الروايات المصحفة (٢):
استخدم أبوالعلاء القرينة في رد الروايات المصحفة فيما يقرب من اثني عشر موضعا، منها ما يأتي: - قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ضَعُفَت جَوارِحُ مَن أَذاقَتهُ النَّوى طَعمَ الفِراقِ فَذَمَّ طَعمَ العَلقَمِ [بحر الكامل]
«ويقع في النسخ: «ضعفت جَوَانحُ»،والصواب: «جَوَارح»، والتفسير يدل عليه» (٣).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
غَصَبَتها نَحيبَها عَزَماتٌ غَصَبَتني تَصَبُّري وَاغتِماضي [بحر الخفيف]
«الرواية الصحيحة «نَجِيَّهَا» ومن روى: «نحيبها»؛ فهي رواية ضعيفة؛ لأن أول القصيدة يدل على خلافة» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٩٨ب٥٠].
(٢) جاء في كتاب التعريفات للجرجاني: التصحيف: أن يُقرأ الشيء على خلاف ما أراد كاتبه، أوعلى ما اصطلحوا عليه. [٨٢، دار الريان للتراث، تحقيق: إبراهيم الإبياري].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٤٩ب٥].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٠٩ب٣].ونلفت الانتباه إلى أن رواية البيت هنا هي رواية التبريزي وليست رواية أبي العلاء.
[ ٣٢٠ ]
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
صَدَفَت لُهَيّا قَلبِيَ المُستَهتَرِ فَبَقيتُ نَهبَ صَبابَةٍ وَتَذَكُّرِ [بحر الكامل]
«.. ومن روى: «صَدَّعتِ لَهْبَى قلبي»؛ فروايته تصحيف، ويدل على ذلك أن جاء في البيت الثاني بما يدل على أنه يخبر عن غائب» (١).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَصفَرُ مِنه كَأَنَّهُ مُحَّةُ الـ بَيضَةِ صافٍ كَأَنَّهُ عَجسُ [بحر المنسرح]
«والرواية الصحيحة: «أصفر منها»؛ أضمر قبل الذكر؛ لأن المعنى دالٌٍّ على ذلك» (٢).
****
ب - ترجيح رواية على رواية:
في حالة تعدد الرواية أوالروايات للبيت الواحد، وفي حالة غياب القرينة الفاصلة المحددة التي تحدد الرواية المقصودة، كان أبوالعلاء يجتهد في ترجيح الرواية المرادة بناء على القرينة التي لديه، مع استبعاد الرواية الأخرى.
وقد لجأ أبوالعلاء إلى الترجيح في أحد عشر موضعا، منها ما يلي:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَمَجهولَةِ الأَعلامِ طامِسَةِ الصُّوى إِذا اعتَسَفَتها العيسُ بِالرَّكبِ ضَلَّتِ [بحر الطويل]
«وقوله: «إِذا اعتَسَفَتها العيسُ» هذه الرواية أثبت من الرواية الأخرى التي هي «الريح»؛ لأن قوله: «الركب» يشهد بأنه قال «العِيس»» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٤٩ب١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٢٥ب٧]. وبقية المواضع في ديوان أبي تمام كما يلي: [١/ ٣٦٤]، [١/ ٤٢]، [١/ ٦٨]، [١/ ٧، ب١ (هامش ٣)]، [٢/ ٢٥٧، ب١١]، [٢/ ٢٦٤، ب١٠]، [٢/ ٣٤٨، ب٢٤]، [٣/ ٣٨، ب٢٣، ٢٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٠٢ب١٢].
[ ٣٢١ ]
رِيمٌ أَبَت أَن يَريمَ الحُزنُ لي جَلَدًا وَالعَينُ عَينٌ بِماءِ الشَّوقِ تَبتَدِرُ [بحر البسيط]
«.. ومن روى: «خلدا» بالخاء؛ فالخلد: الصدر، ومعناه: أبت أن يفارق الحُزْنُ صدري، وهذه الرواية هي الجيدة» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مُزَمجِرُ المَنْكِبَينِ صَهصَلِقٌ يُطرِقُ أَزلُ الزَّمانِ مِن صَخَبِه [بحر المنسرح]
«ويروى: «مُجْرَمِّزُ المنكبَين»؛ أي: مجمعهما، اجرمَّز الرجل؛ إذا اجتمع في جلسته .. والرواية الأولى هي الوجه» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
هَبَّت لِأَحبابِنا رِياحٌ غَيرُ سَواهٍ وَلا ديوثِ [بحر: مجزوء البسيط]
«[يروى: «رُيُوث»] و«ريوث» من الرَّيْث وهوالإبطاء و«دُيُوث» جمع: دَيْث، وهواللين والرواية الجيدة «رُيُوث» بالراء» (٣).
ج - ترجيح معنى على معنى:
كان أبوالعلاء يقدم كل المعاني المحتملة للبيت؛ ولكنه كان يرجح معنى على معنى في وجود قرينة، ولكنه في نفس الوقت لا يستبعد المعنى الآخر، واستخدم القرينة لترجيح معنى على آخر في سبعة مواضع، منها:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَوتَجافى إِبليسُ عَن لَحظِ عَينَي ها تَقَرّا عِبادَةً إِبليسُ [بحر الخفيف]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٨٤ب٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٦٧ب٨].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٣ب٢]. وبقية مواضع ترجيح الرواية في ديوان أبي تمام هي: [١/ ١٩٤ - ١٩٥، ب٤٩]، [١/ ٣١١ - ٣١٢،ب١]، [١/ ٣١٣،ب٥]، [١/ ٤٤ - ٤٥]، [١/ ٩٢]، [٢/ ١٧٣، ب٣٣]، [٢/ ٦٩ - ٧٠، ب٨]
[ ٣٢٢ ]
«.. «تَقَرّا»: يحتمل وجهين: أن يكون من تَقَرّى الشيء؛ إذا تتبعه، فهذا غير مهموز، والآخر أن يكون من تقرا القرآن؛ إذا طلب حفظه، وتشبه بالقراء، فهذا أصله الهمز، وحمله على هذا الوجه أليق» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَلَرُبَّما استَبكَتهُ نَكبَةُ حادِثٍ نَكَأَت بِباطِنِ صَفحَتَيهِ نُدوبا [بحر الكامل]
«و[أشكته] (٢) .. أحوجته إلى الشكية، وقد يكون في معنى أزالت شكيته، وهذه الكلمة تذكر في الأضداد، والبيت يحتمل المعنيين إذا لم يُشْفَع بالبيت الثاني، وحمله على إزالة الشكاية أحسن في حكم الشعر؛ لأن المراد أنه يصبر على النكبات؛ فيعقب صبره خيرا ونجحا، وهذا المعنى يتردد في شعر الطائي وغيره» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ماذا عَسَيتَ وَمِن أَمامِكَ حَيَّةٌ تَقِصُ الأُسودَ وَمِن وَرائِكَ عيسى [بحر الكامل]
«.. وهذا البيت يدل على أن «عيسى»، مراد به اسم هذا الرجل، وكونه في معنى المسيح معنى صحيح، وهوأبلغ في المدح» (٤).
ـ العنصر الثالث من عناصر المنهج: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره:
كان أبوالعلاء يوظف خصائص البيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان، وكانت خصائص تلك البيئة المستقرة نسبيا والموجودة في عصره بمثابة المعيار الذي يلجأ إليه في شرح الديوان؛ بمعنى أن تلك الخصائص كانت «المعيار»
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢١٤ب٤].
(٢) هذه رواية أبي العلاء، أما رواية التبريزي: استبكته، كما هومثبت في البيت.
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٦٣ـ٥٦٤ب٥].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٧١ب٣٥].، وبقية هذه المواضع في ديوان أبي تمام: [٢/ ٢٣٨، ب٩]، [٢/ ٣٢٩، ب٣١]، [٢/ ٤٢٤، ب٤]، [٣/ ٤١، ب٣٢]، [٣/ ٤٩، ب٢].
[ ٣٢٣ ]
أو «المستوى» الثابت الذي يلجأ إليه، ويسجل على هديه في شرحه مدى اقتراب أبي تمام أوابتعاده عنه.
وقبل المضي في توضيح الكلام السابق يرى الباحث أنه من الواجب تقديم تصور أبي العلاء للغة الذي اعتمد عليه في شرحه.
اللغة عند أبي العلاء:
يحاول البحث هنا استجلاء طبيعة اللغة عند أبي العلاء، وذلك من خلال دراسة النصوص المتفرقة التي جمعها الباحث من خلال دراسته للديوان.
من خلال تلك النصوص نقول: إن نظرة أبي العلاء للغة كانت تنقسم إلى قسمين:
• قسم أطلق عليه «لغة العامة» (١).
• وقسم أطلق عليه «لغة أهل العلم وأهل اللغة»، أولغة «الطبقة الراقية» (٢).
أما القسم الأول الذي يمثل لغة العامة فقد قال عنه يوهان فك: «هي لهجة دارجة بين سواد الشعب العريض» (٣)، لهجة «تتفاهم بها الطبقات الوسطى والدنيا من سكان المدن منذ نشوئها في عصر الفتوحات الإسلامية الأولى وقد أخذت هذه العربية المولدة تكتسب مناطق جديدة بسبب التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية» (٤)
ومن أمثلة هذا القسم قول أبي العلاء:
_________________
(١) تلك اللغة سماها يوهان فك في كتابه «العربية، دراسة في اللغة واللهجات والأساليب»: «اللهجة الدارجة»، ص٩٣، و«العربية المولدة» (ص ١٠٩)، [ترجمة د. رمضان عبد التواب، ط١، ١٩٨٠، الخانجي]، وسماها الجاحظ: «لغة المولدين والبلديين». [ضحى الإسلام: أحمد أمين، ١/ ٣١٣ - ٣١٤، (ط مكتبة الأسرة ١٩٩٧ م)]، ونستأنس هنا بإشارة الأستاذ أحمد أمين عن هذه اللغة حيث قال: «إنها لغة لها ألفاظ غير منتقاة، وتتسامح في الإعراب، وتميل إلى إسكان أواخر الكلمات».
(٢) كما سماها يوهان فك: ص ١٠٩
(٣) العربية، دراسات في اللغة واللهجات والأساليب:: ص ٩٣
(٤) العربية، دراسات في اللغة واللهجات والأساليب:: ص ١٠٩
[ ٣٢٤ ]
ـ «وطَيْبَة: اسم من أسماء النساء أيضا مخفف من طَيّبة. فأما قول العامة: الطِّيبة في مصدر الشيء الطيِّب؛ فأهل اللغة ينكرون ذلك، ويختارون حذف الهاء؛ فيقولون: هذا شيء طيب بين الطيب» (١).
وأبوالعلاء يقر أن للغة العامة استعمالها الخاص، وأنها لغة لها ألفاظها الخاصة، ولها ألفاظ مشتركة بينها وبين لغة أهل العلم واللغة، ولكنها ذات دلالات خاصة عندها، ولها أيضا أساليبها.
يقول أبوالعلاء: «جاء بـ (الإشلاء) في معنى الإغراء، وكذلك تستعمله العامة، يقولون: أشليت الكلب إذا أغريته» (٢).
ـ ويقول: «.العامة يقولون دابة أشعل () وأهل العلم يذكرون ذلك في الذنب خاصة» (٣).
ـ ويقول: «والعامة يسمون ضربا من النبت إذا أصاب الجسد أذي به قراصا؛ كأنهم أخذوه من القرص باليد» (٤).
ـ ويقول: «قال أبوتمام:
لَوكانَ كَلَّفَها عُبَيدٌ حاجَةً يَومًا لَأُنسِيَ شَدقَمًا وَجَديلا [بحر الكامل]
«هذا البيت يختلف في روايته، وكان الناس ينشدون في أول الأمر (لزنَّى شدقما وجديلا)؛ فاستضعفوا هذه الكلمة؛ لأنها عامية فغيرت بغيرها» (٥).
ـ ويقول: «قال أبوتمام:
ذَهَبَت بِمَذهَبِهِ السَّماحَةُ فَالتَوَت فيهِ الظُّنونُ أَمَذهَبٌ أَم مُذهَبُ [بحر الكامل]
وقوله: (أمذهب أم مذهب) من قول العامة: بفلان مذهب إذا كان يلج في الشيء ويغرى به» (٦).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٤٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤١١].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٥٢].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٧٠].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٢٩].
[ ٣٢٥ ]
ـ ويقول: «والمعروف في الحدائق أن تستعمل في النخل والكرم، ولا يمتنع أن يعني بالحدائق التي هي معروفة عند العامة» (١).
ـ ويقول: «وبعض أصحاب اللغة يزعم أن الصلف الذي تضعه العامة موضع التيه كلمة مولدة» (٢).
ـ ويقول: «قال أبوتمام:
نَعاءِ إِلى كُلِّ حَيٍّ نَعاءِ فَتى العَرَبِ احتَلَّ رَبعَ الفَناءِ [بحر المتقارب]
العامة يثبتون الياء في بيت الطائي، كأنهم يعتقدون الإضافة، وذلك ردىء جدا في القياس» (٣).
أما لغة أهل العلم فهي تلك اللغة التي وصفها يوهان فك فقال إنها: «لغة الطبقة الراقية () احتفظت بالتصريف الإعرابي، وبقواعد الإعراب والتصريف احتفاظا تاما، ولم تزل من حيث بناؤها الحقيقي - على الرغم من السمات المولدة - تعد من اللغة الفصحى» (٤).
أما لغة أهل العلم، أوأهل اللغة، أولغة الطبقة الراقية فإنها «كلام»:
١. منه الفصيح ومنه غير الفصيح.
٢. ومنه القديم (الذي انتهى استعمال بعضه)، ومنه الحديث المولد.
٣. ومنه الجيد، ومنه غير الجيد.
ودليل ذلك قول أبي العلاء:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٦٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٦].
(٤) العربية، دراسات في اللغة واللهجات والأساليب: ص ١٠٩
[ ٣٢٦ ]
ـ «يقال: هَمَرَ كلامه همرا، إذا جاء بكلام كثير، وأفصح الكلام أن يقال: أرْتَجَ الباب إذا أغلقه» (١).
ـ وقوله: «وقال: (كم تعذلون)؛ فخرج من خطاب الواحد إلى خطاب الجميع، ومثله كثير في القرآن والكلام القديم» (٢).
ـ وقوله عند قول أبي تمام:
وَمِثلُ قُوى حَبلِ تِلكَ الذِّراعِ كانَ لِزازًا لِذاكَ الرِّشاءِ [بحر الكامل]
«وحبل الذراع: أعظم عروقه، وهوكلام قديم ليس مما استعاره الطائي» (٣).
وهذا الكلام يتكون من لغات، وهذه اللغات عنده على درجات: منها
العالي، ومنها الجيد، ومنها القبيح، ومنها الردىء المرفوض، ومن ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا ظُلُماتُ الرَّأيِ أُسدِلَ ثَوبُها تَطَلَّعَ فيها فَجرُهُ فَتَجَلَّتِ [بحر الطويل]
«المعروف (سُدِل) وهي اللغة العالية، ويجوز أسدل» (٤).
ـ وقال عند بيت أبي تمام:
إِذا ما رَأَتهُ العيسُ ظَلَّت كَأَنَّما عَلَيها مِنَ الوِردِ اليَمامِيِّ نافِضُ [بحر الطويل]
«ويقوي رواية من روى (اليماميّ) بميمين أن (اليماني) بتشديد الياء ليس باللغة العالية» (٥).
ولم يورط أبو العلاء نفسه في تحديد لمن هذه اللغة، ونأى بها عن التناقض الذي وقع فيه علماء اللغة قبله، فلا هو جعلها لغة قريش ولا لغة بني سعد مثلا (٦).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٥٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٢].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٦].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٠٥].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٩٧].
(٦) د. علي أبو المكارم: أصول التفكير النحوي، ص ٦٠
[ ٣٢٧ ]
ـ وقال عند بيت أبي تمام:
لَهُ زِئبِرٌ يُدفي مِنَ الذَّمِّ كُلَّما تَجَلبَبَهُ في مَحفِلٍ مُتَجَلبِبُ [بحر الطويل]
«(له زئبر)؛ أي للشكر، وخفف الهمزة (يدفي)، وهي لغة جيدة» (١).
ـ وقال: «و(اللَّذْ) لغة في الذي، وقد جاءت في (الذي) لغات أجودها (الذي) بإثبات الياء» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عن بعض العرب: « وقد يمكنون الحركة حتى تصير حرفا ساكنا مثل ما حكي أن بعض العرب يقول: قام زيدو؛ فيثبت الواو، ومررت بزيدي؛ فيثبت الياء، وذلك ردىء مرفوض» (٣).
ومن اللغات ما هوأكثر استخداما من غيرها، يقول:
«يقال: ينعت الشجرة، وأينعت، وهذا على يَنِعَتْ، فإن أخذ من أينع فجائز، والحمل على اللغة الأخرى أكثر» (٤).
واللغة عند أبي العلاء تعني فيما اصطلح عليه اللهجة: من ذلك قوله:
ـ «خفف الهمزة في (يَهْنِي) على لغة من قال: (هَنَاك) في الماضي» (٥).
ـ وقال: «وسكن الهاء في (مُهْراق) على لغة من قال: أَهْرقْتُ» (٦).
ـ وقوله: «إذا كان آخر الفعل الماضي ياء وقبلها كسرة فطيئ تقلبها ألفا، فيقولون: اجتُنَى في اُجتُنِيَ ومن العرب مَنْ يسكن الياء ها هنا؛ ولم يستعمل اللغة الطائية» (٧).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٨٠].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٨].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٢٦].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٠٣].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٩].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٣١].
(٧) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٩٠].
[ ٣٢٨ ]
والألفاظ التي تتكون منها تلك اللغات منها ما قد انتهى استعماله في عصر أبي العلاء، قال: «و(الدرانك): واحدها دُرْنُوك. ويقال: إن أصله غير عربي، إلا أنهم قد استعملوه قديما» (١).
ومنها ما وصل إلى مرحلة الابتذال، قال: «(تسحبنا): استطالتنا، كأنه من السَّحب، والتَّسحب كلمة مبتذلة» (٢).
كما أنه يقر بتطور البنية الصرفية لبعض ألفاظها، يقول: «أصل (اليافوخ): الهمز، والجمع يآفيخ» (٣).
وألفاظها متفاوتة في الفصاحة، قال: «ومضاض على قولهم مضَّني، وأمضني عندهم أفصح» (٤).
ومما ينبغي الإشارة إليه أن أبا العلاء المتوفي سنة ٤٤٩هـ كان يلجأ إلي لغة العامة أحيانا في توضيح شرح ديوان أبي تمام (٥).
ويمكن إجمالا أن نلخص تصوره للغة كالتالي:
؟
لغة أهل العلم واللغة / لغة الطبقة الراقية
ومن خلال حديثنا التالي سنجد أن تلك «اللغة العالية» تتمتع بالآتي:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٤٥٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٠].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٢٣].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣١٥].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٢٩].
[ ٣٢٩ ]
· لها خصائص ثابتة نسبيا على المستوى الصرفي.
· لها خصائص ثابتة نسبيا على المستوى النحوي.
· لها خصائص على مستوى الاستعمال الكلامي للألفاظ، ومصاحبة ألفاظ لألفاظ، وشيوع ألفاظ وقلة شيوعها على حساب ألفاظ ودلالات أخرى.
· خصائص عامة بعيدة عن الخصائص النحوية والصرفية والاستعمالات الخاصة بألفاظها (١).
ولا أدل على لجوء أبي العلاء للغة الطبقة الراقية بكل خصائصها التي أثبتناها سابقا من كثرة ترديده لكلمة «يقال» ومشتقاتها عند شرحه لألفاظ الديوان، وقد أحصى البحث ما يقرب من مائتين وواحد وثلاثين موضعا (٢٣١) ذكر فيه أبوالعلاء هذا اللفظ صراحة، منها على سبيل المثال:
ـ قال أبوالعلاء: «.. يقال: ناقة وَسَاع إذا كانت واسعة الخطو» (٢).
ـ وقال: « ويقال: ضيف مُدَفَّع إذا تدافعه الناس فلم يضيفوه» (٣).
ـ وقال: «يقال: ظن أنْ سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر» (٤).
_________________
(١) ومن أمثلة تلك الخصائص العامة - على سبيل المثال - أسلوب «الالتفات»، وهو مصطلح من مصطلحات علم البيان، وقد درج علماء البلاغة على تعريفه بأنه «تعقيب الكلام بجملة مستقلة متلاقية له في المعنى على طريق المثل أو الدعاء ونحوهما من المدح والذم والتأكيد والالتماس، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، ومنها أن تذكر معنى فيتوهم أن السامع اختلج في قلبه شيء فتلتفت إلى كلام يزيل اختلاجه ثم ترجع إلى مقصودك»، ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، ١/ ٢٥١ والالتفات عند علماء البلاغة «إنما يستعمل في الكلام للتفنن والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع، وهو تعريف جميل؛ لأن النفس تسأم الكلام الجاري على نسق رتيب»، ينظر: إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين الدرويش، ١/ ٢٤٣، دار ابن كثير للطباعة والنشر، دمشق.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٣٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٣٤].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٩٦].
[ ٣٣٠ ]
ـ وقال: «يقال: نَفِهَت المطية إذا أعيت» (١).
ـ وقال: «يقال: نهشته الحية ونهسته، وقيل: النهس بمقدم الفم، والنَّهشُ أكثر منه» (٢).
****
بعد الانتهاء من استجلاء نظرة أبي العلاء للغة نعود لعنصرنا الثالث من عناصر المنهج عنده وهو: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان:
ونبدأ بأولى تلك الخصائص:
[أ] توظيف السمات الصرفية:
وأول هذه السمات والخصائص التي كان يعتمد عليها أبوالعلاء السمات الصرفية، حيث قام أبوالعلاء بتوظيف السمات الصرفية الثابتة للغة الراقية؛ أي أنه عول على الفصيح الراقي منها في شرح الديوان، وبيان مدى خروج أبي تمام على هذه السمات أوالاتفاق معها، وقد أحصى البحث أكثر من ستة وثلاثين موضعا استخدم فيها أبوالعلاء السمات الصرفية في الشرح، وفيما يلي أهمها:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَيُّها الغَيثُ حَيَّهَلَّا بِمَغداكَ وَعِندَ السُّرى وَحينَ تَؤوبُ [بحر الخفيف]
««أيها الغيث حَيَّهَلاَّ»: شدد حَيَّهَلَّا، ولا تعرف إلا مخففة اللام» (٣).
ـ وقال: «والحِنْدِيس مثل الحِنْدس، وزيادة الياء في مثل هذه المواضع جائزة؛ لأن «فِعْللا وفِعْليلا» متقاربان، وكذلك: فِنْعِل وفِنْعيل» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٣٧].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢٤٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٩٢].وحَيَّهَلْ: مركبة من «حيَّ» ومن «هل» التي تفيد الحث والاستعجال، واستعمالها منفردة قليل، والجمع بينهما يفيد المبالغة والاستعجال في طلب الإقبال. المعجم الوافي لأدوات النحو العربي، ص ١٥١
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٦٦].
[ ٣٣١ ]
ـ وقال: «والأحسن أن يكون أعجاس جمع: عِجْس بكسر العين أوعُجس بالضم؛ لأن (فَعْلا) لا يجمع على أفْعَال كثيرا» (١).
ـ وقال: «ويقال للؤلؤة العظيمة (تُؤْمَة)، والجمع تُؤَم، وهذا أجود من أن تجعل توم جمع: تُؤَام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل» (٢).
ـ وقال: «ومضَّاض على قولهم: مَضَّني، وأمضَّني عندهم أفصح، وفَعَّال يَقِلُّ في أفعل، إلا أنهم قالوا جبار وهوعندهم من أجبرته على الأمر إذا أكرهته عليه، إلا أن هذه الأشياء تحمل على حذف الزوائد» (٣).
ـ وقال: «وأصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها، مثل: ضرب، وعلم، وكَرُمَ، ودخولها على ما في أوله الهمزة قليل، إلا أنه جاء وكثر ولا يستعملون عطوت إلا في معنى تناولت، وأفعل التي للتعجب تجري مجرى أفعل التفضيل» (٤).
ـ وقال: « وقال قوم خَدجَتْ وأخْدَجَتْ سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفْعَلَ يشتركان كثيرا» (٥).
[ب] توظيف الخصائص النحوية للغة الراقية:
اعتمد أبوالعلاء على الخصائص النحوية في شرحه للديوان، وقد أحصى البحث خمسة وعشرين موضعا وظف فيها أبوالعلاء هذه السمة، ومنها ما يلي:
ـ قال أبوتمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٧٩].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٨٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣١٥].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١١٤].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٧]. ولمزيد من الأمثلة يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي المواضع التالية: [١/ ١٨٣]، [١/ ٢٢٦]، [١/ ٢٣٠]، [١/ ٦٣]، [١/ ٨]، [٢/ ١٢٣]، [٢/ ٢٣٦]، [٢/ ٢٥٤]، [٢/ ٤٠٣]، [٣/ ١٢٠]، [٣/ ١٦]، [٤/ ١٦٤]، [٤/ ٦]، [٤/ ٣٨ب٥]
[ ٣٣٢ ]
وَتَعَلَّم بِأَنَّهُ ما لِأَنوائِكَ إِن لَم تُرَوِّها مِن خَلاقِ [بحر الخفيف]
ـ قال أبوالعلاء: « يقال ما له خلاق: أي نصيب في الخير، ولا يكادون يستعملون هذه الكلمة إلا في النفي» (١).
ـ وقال: «أكثر ما يستعمل (زَعَمَ) مع أَنَّ» (٢).
ـ وقال: «ومن روى (كلا الآفاق) بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن: كِلا يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، وكلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين، ونحوذلك» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
هُما أَظلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيا ظَلامَيهِما عَن وَجهِ أَمرَدَ أَشيَبِ [بحر الطويل]
«جعل (أظلم) هاهنا متعديا، وذلك قليل في الاستعمال، وهوفي القياس جائز» (٤).
ـ وقال: «يقال: ظَنَّ أن سيكون، وظن بأن سيكون، وحذف الباء أكثر» (٥).
ـ وقال عند قول تمام:
سُعُمٌ حَثَّ رَكبَهُنَّ أَمانٍ فيكَ تَترى حَثَّ القِداحِ المُفيضُ [بحر الخفيف]
«.. وأضاف الحث إلى القداح؛ لأن المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول» (٦).
ـ وقال عند قول تمام:
غَدَت مُغتَدى الغَضبى وَأَوصَت خَيالَها بِحَرّانَ نِضوالعيسِ نِضوالخَرائِد [بحر الطويل] ِ
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٤٧].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٥٥].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٥٠].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٩٦].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٩١].
[ ٣٣٣ ]
«من روى: (نِضْوالعيش) بالشين أراد أن عيشه قد أنضاه فهوشاك له؛ وأصل النضو: البعير الذي قد أنضاه السفر، يريد أن العيش قد أنضاه لصعوبته، وأن الخرائد قد فعلن به مثل ذلك، ويكون (نضوالعيش) معرفة؛ لأن انفصال الإضافة هنا لا يكثر، وإنما يحسن الانفصال إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر» (١).
ـ وقال: «كان النحويون المتقدمون يرون أن (إِيَّاك) ينبغي أن تستعمل مع الواومثل قولهم: إِيَّاك وزيدا، وينكرون مجيئها على غير ذلك، إلا أن تستعمل بـ (أن)، كقولك: إياك أن تقوم، وإياك أن تذهب، ولكن الواوحذفت كحذف الباء مع (أن) في مواضع كثيرة، وكذلك تحذف معها حروف الخفض، يقال: نهيتك أن تفعل؛ أي: عن أن تفعل، وأمرتك أن تفعل؛ والمراد: بأن تفعل، فإذا عُدِمَتْ قبح عندهم الحذف إلا في ضرورة الشعر» (٢).
ونلمح في هذا الاقتباس إشارة مهمة من أبي العلاء على أن التطور اللغوي قد يقع في قواعد اللغة.
ـ تعليق على توظيف الخصائص الصرفية والنحوية:
من خلال الاقتباسات السابقة يتبين أن أبا العلاء اعتمد على الخصائص الصرفية والنحوية التي أسماها د. سعد مصلوح بـ «السمات الثابتة Constant» والتي من خلالها أوضح انحرافات أبي تمام، ويمكن أن نلخص هذه السمات كما وردت في الاقتباسات السابقة كالتالي:
السمات الصرفية الثابتة نسبيا السمات النحوية الثابتة نسبيا
ـ فِعْلل وفِعْليل متقاربان وكذلك فِنْعِل وفِنعيل. - كلمة «خَلاق» لا تستعمل إلا في النفي.
ـ فَعْل لا يجمع على أفعال كثيرا. - لفظ «كلا» يستعمل للاثنين لا للجمع.
ـ فَعَّال يقل في أفعل. - المصدر يجوز أن يضاف للفاعل وإلى المفعول.
ـ يحسن انفصال الإضافة إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر.
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٦٩ـ٧٠].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٣].
[ ٣٣٤ ]
ـ أصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها. - فَعَل وأفعل يشتركان كثيرا.
والجدول السابق يشير إلى الملحوظتين التاليتين:
أـ وجود تمايز واضح عند أبي العلاء بين قواعد اللغة واستعمال الشاعر، وهذا التمايز يذكرنا بما اصطلح عليه اللغويون المحدثون من تفرقة بين اللغة والكلام، أو القدرة والأداء.
ب - إذا قمنا بتأصيل نظري لقواعد علم الأسلوب في تراثنا العربي فإننا يمكن أن نعتبر أبا العلاء بحق رائدا من رواد علم الأسلوب العربي.
[ج] الاعتماد على سمات الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ، والألفاظ المصاحبة، والألفاظ والدلالات الأكثر أو الأقل شيوعا:
كان أبوالعلاء يعتمد على المستعمل من الألفاظ في اللغة (أوالكلام)، وينبه على غير المستعمل منها، ويوضح أي الألفاظ أكثر شيوعا في الاستعمال، وأيها أقل، كما يوضح الألفاظ التي تأتي في العادة مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى.
وقد أحصى البحث أكثر من ثمانية وتسعين موضعا استخدم فيها أبوالعلاء الاستعمال اللغوي، والمصاحبة والشيوع. وهذه المواضع مقسمة كما يلي:
• أربعة وأربعون موضعا للاستعمال اللغوي.
• ثلاثة وثلاثون موضعا للمصاحبة.
• واحد وعشرون موضعا للشيوع أوالقلة في الألفاظ أو الدلالات.
ـ توظيف الاستعمال اللغوي:
أـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا كانَتِ الأَنفاسُ جَمرًا لَدى الوَغى وَضاقَت ثِيابُ القَومِ وَهيَ فَضافِضُ [بحر الوافر]
[ ٣٣٥ ]
«فَضَافِض: جمع فَضْفاض وهوالواسع، وإنما المستعمل ثوب فَضفاض؛ فجاء هذا على فَضْفَض، ومثله كثير» (١).
ب - وقال: «الوسنان: الناعس، واستعاره هاهنا للهوى، ولم يستعمل ذلك من قبل الطائي» (٢).
ج - وقال: «الإقراب: أكثر ما يستعمل في الإناث، يقال: فَرَس مُقْرَبَة؛ أي: تُشَد قريبا من بيت مالكها وربما استعمل ذلك في الذكور» (٣).
د - وقال: ««أغاض»: قليلة في الاستعمال؛ وإنما يقال: غاض الماءُ وغاضه غيره، ويجوز أن يكون الطائي سمع أغاض في شعر قديم، وإن لم يكن قد سُمِع فالقياس يطلقه» (٤).
وعبارة أبي العلاء السابقة: «القياس يطلقه» عبارة أصولية مهمة في تصور تفكير أبي العلاء، وهو ينحى هنا منحى ابن جني الذي أجل القياس أيما إجلال.
ـ وقال: «والصامت من المال ما كان من فضة أوذهب، ويجوز أن يعني به كل ما لا ينطق، إلا أن أعرف ما يستعمل في الذهب والورق» (٥).
ـ وقال: «و«السُّدْس»:جمع سَديس، ولا يستعمل ذلك في الخيل ولكن في الإبل» (٦).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٩٩].، الجمع: فضافض لم تذكره المعاجم العربية، مع ورده في كتب الأدب والسير، [ينظر: الأغاني ٣/ ١٥١، سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٧] وهذا يدل من ناحية أن المعاجم العربية لم تستوعب كل ألفاظ اللغة ويدل من ناحية أخرى على مدى سعة ثقافة أبي العلاء.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٤٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٠٩].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٦].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢١].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٢٧]. يضيق المقام عن ذكر كل المواضع التي نص فيها أبوالعلاء على الاستعمال، لذلك نحيل إلى المواضع التاليةُ من ديوان أبي تمام: [١/ ١٠٠]، [١/ ١٢٩]، [١/ ١٣٦]، [١/ ١٤٥]، [١/ ١٤٨]، [١/ ٢٢٤]، [١/ ٢٢٥] [١/ ٢٤]، [١/ ٢٦٨]، [١/ ٣٢٦]، [١/ ٣٤٤]، [١/ ٣٦٦]، [١/ ٣٩٨] [١/ ٤٠٠]، [١/ ٤٠٩]، [١/ ٤١٣ - ٤١٤]، [١/ ٥٧]، [١/ ٨٥]، [٢/ ١٧٠]، [٢/ ١٩٣]، [٢/ ٢٣٦]، [٢/ ٢٧٠]، [٢/ ٢٧٨]، [٢/ ٣١٠]، [٢/ ٣٢٩] [٢/ ٣٦١]، [٢/ ٣٦٤]، [٢/ ٣٧]، [٣/ ١٣٨]، [٣/ ٢٤٨]، [٣/ ٣٣٧]، [٤/ ٥٦٨]
[ ٣٣٦ ]
ونصوص أبي العلاء السابقة تثير الملحوظات التالية:
١ـ لجوء أبي العلاء إلى الاستعمال اللغوي يبرز أهميته في توضيح المعنى الأساسي للكلمة، وإمكانية استغلاله للوقوف على مخالفات الشعراء.
واتكاؤه على فكرة الاستعمال اللغوي في حد ذاتها يذكرنا بقول اللغوي المعاصر فيرث الذي يرى «أن الكلمة ليست بذات معنى مستقل قائم بذاته وأن وجودها ومعناها شيئا نسيبا يمكن ملاحظة كل منهما في سياق غيرهما من الكلمات والمعاني أو عن طريق التقابل بينهما» (١).
٢ـ لم يكن أبو العلاء بدعا بين العلماء في استناده إلى الاستعمال اللغوي للوصول لمأربه وبغيته، بل نجده مسبوقا بغيره من علماء البلاغة، فها هو ابن سنان الخفاجي (المتوفى: ٤٦٦هـ) يضع شروطا للفصاحة من بينها «أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت» (٢).
٣ـ نلاحظ ثالثا أنه لم يخطئ أبا تمام في استعمالاته التي انفرد بها، وهو بهذا ليس من هؤلاء العلماء التقليديين «الذين جعلوا القواعد «الرسمية» وحدها أساس الحكم بالصواب والخطأ [والذين] أهملوا في الوقت نفسه النظر إلى الاستعمال الواقعي وقيمة هذا الاستعمال» (٣).
ـ التنبيه على المصاحبة:
اعتمد أبوالعلاء في شرحه على خاصية المصاحبة؛ أي: الألفاظ التي تأتي مصاحبة لألفاظ أومعان أوأشياء أخرى، فقد كان حريصا في شرحه على إبراز هذه المصاحبة. ولعل هذا الاستخدام والبيان قريب من نظرية «الرصف Collocational Theory» التي أشار إليها د. أحمد مختار عمر في كتابه «علم الدلالة»،تلك النظرية التي تعتبر امتدادا لنظرية السياق أوتطورا عنها.
_________________
(١) د. حلمي خليل: الكلمة دراسة لغوية معجمية، ص ٩٥
(٢) سر الفصاحة: ٨٥، دار الكتب العلمية ط ١، ١٤٠٢هـ، ١٩٨٢م
(٣) د. كمال بشر، مقال بعنوان: العربية المعاصرة، مجلة المجلة يونيه ١٩٦٦م
[ ٣٣٧ ]
وقد نقل د. أحمد مختار عمر تعريف المصاحبة أوالرصف عن Ullmann قائلا: «هوالارتباط الاعتيادي لكلمة ما في لغة ما بكلمات أخرى معينة»، أو: «استعمال وحدتين معجميتين منفصلتين، استعمالهما عادة مرتبطتين الواحدة بالأخرى» (١).
وفيما يلي أمثلة على ذلك:
ـ ««الذَّرَابة» الحدة، وقلما يقولون رجل ذَرِب حتى يقولوا ذرب اللسان» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أولِعنَ بِالمُردِ الغَطارِفِ بُدَّنا غيدًا أَلِفنَهُمُ لِدانًا غيدا [بحر الكامل]
«إذا رويت «لُدَّنًا» فهوجمع لادنة، وذلك لفظ لا يستعمل، وإنما يقال: غَضٌّ
لَدْن، وشباب لدن، وهوالناعم المنعطف وإذا رويت «بُدّنا لُدْنا» فهوأعرف؛ لأن قولهم: امرأة بادن، كلام معروف» (٣).
ـ وقال: « و«الوَخْد» و«الوَسْجُ» ضربان من السير، وأكثر ما يستعملان في الإبل والنعام، وقد يستعاران لغيرهما» (٤).
ـ وقال أبوالعلاء عند قوله:
نَدَّ عَنكَ العَزاءُ فيهِ وَقادَ الدَّمعَ مِن مُقلَتَيكَ قَودَ الجَنيبِ [بحر الخفيف]
«استعار: «نَدَّ» للعزاء، وإنما هو للإبل ونحوها» (٥).
ـ وقال: «.والبلاء يستعمل في الفعل الحسن وفي القبيح، وفي الاختبار» (٦).
ـ وقال: «والفأل أكثر ما يستعمل في الخير، وربما استعمل في الشر كالمستعار» (٧).
_________________
(١) علم الدلالة: ص ٧٤ (عالم الكتب ط ٥).
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٦٠].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٠٩ - ٤١٠].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٣٧].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١١٧].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٢].
(٧) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٧٨].
[ ٣٣٨ ]
ـ وقال: « ولم تجر العادة بأن يقال: كَسَفَ الكوكب، إنما المعروف: كَسَفت الشمسُ وخسف القمر» (١).
ـ وقال: «.ولما كانت «المها» تستعمل في الدر والأسنان وبقر الوحش والبلور والنساء وغير ذلك مما يحسن ويصفو؛ استحسن أن يقول: «مها اللذات» ليخص بها الإنس» (٢).
ـ وقال: قوله: «أدهم فيه كمتة» لم يستعملوا مثله؛ لأنهم لم يقولوا: أدهم كميت» (٣).
ولم ينفرد أبو العلاء بالإشارة إلى المصاحبة اللفظية هذه، بل نجد قبله الثعالبي يشير إليها ويعتبرها من «خصائص من كلام العرب» يقول: «وهاج الفحل والشر والحرب والفتنة، ولايقال: هاج لما يؤدي إلى الخير () ومن ذلك قوله تعالى: چ ں ں چ؛ أي مثلنا بهم، ولا يقال: جُعِلُوا أحاديث إلا في الشر، ويقال: نفشت الغنم ليلا، وهملت نهارا» (٤).
ـ توظيف الشائع والأقل شيوعا من الألفاظ والدلالات:
كان أبوالعلاء يعتمد على الشائع والأقل شيوعا من الألفاظ، وكان ينبه على هذا، ومن أمثلة ذلك:
ـ « وغارة شعواء؛ أي: متفرقة، وقلما يصرفون منه الفعل، ولا يقولون للذكر أشعى» (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٢٦].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٥٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٣٦].، وينظر أيضا [٤/ ١٥٤ب٢]. ومن المواضع التي أوضح فيها التبريزي خاصية المصاحبة مشاركا في ذلك أبا العلاء قوله: «واشتقاق تماضر من قولهم: عيش مَضِر؛ أي ناعم: وأكثر ما يستعمل في الإتباع، يقال: خذه خضرًا مضرًا؛ أي بحسنه ونضارته». [١/ ١٥٨ - ١٥٩ ب٧]
(٤) فقه اللغة وسر العربية: ص ٣٧٤
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٥].
[ ٣٣٩ ]
ـ ويقول: «المتعارف بين الناس «الإسكندر» بالألف واللام، فحذفهما منه (؛ أي: أبوتمام)، وقد فعل ذلك في غير موضع، كقوله: «ما بين أندلس إلى صنعاء» .. ولم تجر العادة أن يستعمل «الفرزدق ولا الأندلس» إلا بالألف واللام» (١).
ـ ويقول: « وإذا أُدخْل النفي على «كاد» أخرجها إلى معنى الإيجاب في معظم كلامهم، كقوله تعالى: چ؟ چ چ چ چ چ [البقرة ٧١]؛ أي: قد فعلوا بعد إبطاء .. ولها معنى آخر إلا أنه قليل التردد، وإنما يكون كاللغز؛ لأن المعروف سواه، تقول: ما كاد يقوم أخوك؛ أي: لم يقم، ولم يقارب .. ومثل هذا قلما يستعمل» (٢).
ـ ويقول: « وقد يقال: ثوب فُضُل إذا لم يكن على اللابس غيره، فإن ثبت أنه قال: فاضلا وهويريد الفضل فهي كلمة لا تعرف في كلام المتقدمين، وإنما المعروف تفضلت المرأة إذا كانت فُضُلا» (٣).
ـ ويقول: « و«العيرانة»: الناقة التي تشبه العير الوحشي في صلابتها، .. ودلوث: مثل دلاث، وهي الجريئة على السير، وقلما يقولون في صفة الناقة دَلُوث، وإنما يقولون: دلاث» (٤).
ـ ويقول: «المَرَطى: ضرب من العدوسهل، وقلما يُستعمل في الإبل» (٥).
ـ ويقول: «وشحب كلمة قليلة، وإنما الكلام شاحب؛ أي: متغير» (٦).
ـ ويقول: «والفَلَج: أراد به تلفج الأسنان، وقلما يقولون: ثغر أفلج، وإنما يقولون: مفلج» (٧).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٧٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٤٩].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٥].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٤٧].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥٤].
(٧) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٩].
[ ٣٤٠ ]
ـ ويقول: «.. ويقال: «ظبية عوهج»؛ إذا كانت طويلة العنق، وقلما يستعملونه في صفة المذكر» (١).
ومن أمثلة توظيفه للخصائص الدلالية للغة الراقية، وإيضاح مدى اقتراب أوابتعاد أبي تمام عنها، التالي:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مَن مُبلِغٌ أَفناءَ يَعرُبَ كُلَّها أَنّي ابتَنَيتُ الجارَ قَبلَ المَنزِلِ [بحر الكامل]
«جعل الجار يبتنى كما تبتنى الدار، وهذا مجانس لقوله تعالى: چ؟؟؟؟؟؟؟؟ چ [آل عمران: ٥٤]، لأنه جعل جزاءهم على المكر مكرا، وكذلك الجار لما كان حالا إلى الدار؛ جاز أن يستعار له ما هولها في الحقيقة، وذلك مثل قولهم للرجل إذا رأوه يخيط ثوبه وقد انهدم له بيتٌ: خياطة بيتك أوجب من خياطة ثوبك، والبيت لم تجر العادة باستعمال الخياطة فيه، ومثل هذا كثير، يستعار ما هوللشيء المقارب غيره؛ فينقل إلى ما قاربه» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لا يَأسَفونَ إِذا هُمُ سَمِنَت لَهُم أَحسابُهُم أَن تُهزَلَ الأَعمارُ [بحر الكامل]
«استعار «السمن» للأحساب، وهي استعارة قديمة،.وقابل سِمَن الحسب بهُزال الأعمار، ولم يستعمل ذلك في العمر قبل الطائي إلا أن يكون شيئا غير مشهور» (٣).
ـ وقال: «وقوله: «رَضِيْعَي لبان»،يستعمل في الإنس، وكأن اللِّبان مصدر لابنه لبانا؛ إذا رضع من لبن أمه، وربما أخرج إلى غير الإنس على التوسع والمجاز» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٤٩].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٧٧].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١١].
[ ٣٤١ ]
ـ وقال: «و«المعاقل»: جمع مَعْقِل، وأصل ذلك في الجبل، يقال: قد عَقَلَ الوعلُ إذا حصل في موضع عالٍ لا يوصل إليه فيه، ثم قيل لكل حصن مَعْقِل، ثم كثر ذلك حتى قيل فلان مَعْقِلي؛ أي: الذي أمتنع به، وكذلك سيف فلان معقله؛ أي: يقوم له مقام المعقل» (١).
ـ وقال: «.. «أشباه»؛ أي: كفاه .. وقال قوم: يقال أشبى الرجل إذا وُلد له أولاد أذكياء، وهومأخوذ من الشبا؛ أي: الحد، وقد استعملوا أشبى في غير هذا المعنى، قالوا أشبى عليه إذا أشفق» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بِيَومٍ كَطولِ الدَهرِ في عَرضِ مِثلِهِ وَوَجدِيَ مِن هَذا وَهَذاكَ أَطوَلُ [بحر الطويل]
«.. لما جعل للدهر طولا وصله بالعرض على معنى الاستعارة، ولا حقيقة بأن يوصف الدهر بذلك، وإنما هو طويل لا غير، فأما العرض فإنما هوعلى الأماكن وما جرى مجراها، فأما الدهر فطويل، ما عُلِم أن أحدا قبل الطائي وصفه بالعرض، ولكنه لما تقدم ذكر الطول استجاز أن يجيء بضده» (٣).
ويمكن من خلال مبدأ «الإعلامية Informativity» الذي يقول به علم النص أن نعلل اهتمام أبي العلاء بالتنبيه على استعمال أبي تمام لألفاظ شائعة أو ألفاظ أقل شيوعا، فإبرازه لدرجة الإعلامية في ألفاظه وتراكيبه إشارة درجة فحولة الشاعر ومدى شاعريته.
[د] الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة العربية:
اعتمد أبوالعلاء على الخصائص الأسلوبية العامة التي تحفل بها اللغة، وبيان مدى اتفاق أبي تمام معها أوابتعاده عنها ومثال ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٨٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٧٢].
[ ٣٤٢ ]
وَقَرِّب أَنتَ تِلكَ فَإِنَّ هَمًّا عَراني بِاشتِجارٍ وَارتِفاقِ [بحر الوافر]
«خاطب المرأة ثم انصرف عنها إلى مخاطبة رجل يأمر بتقريب العيس للسير، وهم يفعلون ذلك كثيرا، يتركون خطاب الأول المذكر إلى المؤنث، وخطاب المؤنث إلى المذكر، ومنه الآية: چ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ چ [يوسف:٢٩]» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
قَدكَ اتَّئِب أَربَيتَ في الغُلواءِ كَم تَعذِلونَ وَأَنتُمُ سُجَرائي [بحر الكامل]
«.. وقال: «كم تعذلون»؛ فخرج من خطاب الواحد خطاب الجميع، ومثله كثير في القرآن والكلام القديم، ومنه قوله: چ؟؟؟؟؟ چ [الطلاق: ١]» (٢).
ـ وقال: «من كلامهم إذا أكثر الرجل من الشيء وألفه أن يقولوا هو أبو كذا وأمه وابنه، كما يقال: هوأبوالأضياف، وأم العيال وابن الهيجاء وأخو رغائب» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بِنتُ الفَضاءِ مَتى تَخِد بِكَ لا تَدَع في الصَّدرِ مِنكَ عَلى الفَلاةِ غَليلا [بحر الكامل]
«يعني الناقة؛ أي أنها معاودة للسير في الفضاء من الأرض على مذهب قولهم: ابن قفر وابن ليل، وهو كثير في كلامهم» (٤).
ـ وقال: ««الراقصات»: الإبل، والرقص ضرب من السير، وقد كثر في كلامهم القسم بالراقصات إلى منى» (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٢٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٢].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٧].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٦٨].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٤٣].
[ ٣٤٣ ]
ـ العنصر الرابع من عناصر المنهج عند أبي العلاء: توظيف خصائص الصنعة الشعرية:
من الأمور التي اعتمدها أبوالعلاء عند شرحه لديوان أبي تمام الاتكاء على توظيف الصنعة الشعرية وخصائصها.
والصنعة أو الصناعة كمصطلح عام يقصد به «كل علم مَارسه الرجل سواء كان استدلاليا أو غيره حتى صار كالحرفة له، وقيل: كل عمل لا يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه» (١)، وقد «تفسر بملكة يقتدر بها على استعمال مصنوعات ما لنحو غرض من الأغراض صادرًا عن البصيرة بحسب
الإمكان» (٢).
والشعر أيضا «صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم» (٣).
والمراد بصنعة الشعر تحديدا «معرفة الشاعر بالأصول والقواعد التي تجعل الشعر حسنًا () وغاية هذه الصناعة تجويده وتحسينه، قال قدامة: إن للشعر صناعة وإن كان جاريًا على سبيل سائر الصناعات مقصودًا فيه وفيما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد» (٤).
وقد كان أبوالعلاء جِدَّ خبير بخصائص تلك الصنعة وما يميزها، ومدى اتفاقه أواختلافه معها. وقد أحصى البحث اثنين وعشرين موضعًا وظف فيها أبوالعلاء خصائص الصنعة الشعرية، وفيما يلي أهمها:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) الكفوي: الكليات، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، ص ٥٤٤، مادة: صناعة، تحقيق د. عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة.
(٢) محمد على التهانوي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ٢/ ١٠٩٧، مادة: صناعة، تحقيق: د. على دحروج وآخرون، مكتبة لبنان ناشرون، ط١، ١٩٩٦م
(٣) محمد بن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥،ت: محمود محمد شاكر، دار المدني
(٤) مقال بعنوان: معايير صنعة الشعر، د. أحمد نتوف، مجلة التراث العربي، دمشق العدد ١٠٨ السنة السابعة والعشرون - كانون الأول ٢٠٠٨ - ذو الحجة ١٤٢٨هـ
[ ٣٤٤ ]
ما في النُّجومِ سِوى تَعِلَّةِ باطِلٍ قَدُمَت وَأُسِّسَ إِفكُها تَأسيسا [بحر الكامل]
«.. كان الشعراء في القديم إذا جاءوا بالفعل جاءوا بمصدره في القافية .. ثم كثرت الصناعة، وتشدد فيها القالة حتى صاروا يعيبون ذلك، فأما أبوالطيب فقلما يجيء به، ولا ريب أنه كان يتعمد تركه، وإخلاء الكلام من مثله أحسنُ وأقوى؛ لأنه يجيء بعدما استغنى الكلام، وعُلِمَ الغرض، وإنما يتوصل به إلى تقويم القافية، وصلاح الوزن» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
صَمّاءُ سَمُّ العِدى في جَنبِها ضَرَبٌ وَشُربُ كاسِ الرَّدى في فَمِّها شُهُدُ [بحر البسيط]
«إن رويت: «في فمها» بالتخفيف صار في البيت زحاف، وقلما يستعمل الشعراء مثله، وهوعندهم جائز، وإن شددت الميم بَطَلَ الزحاف، إلا أن التخفيف أجزل في اللفظ» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
هَذا أَمينَ اللَهِ آخِرُ مَصدَرٍ شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل]
«مد «الظماء» وهومهموز مقصور؛ وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور» (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا تَذَكَّرتُكَ ذَكَّرتَني قَد ذَلَّ مَن لَيسَ لَهُ ناصِرُ [بحر السريع]
«هذا من التضمين (٤) الذي يعرفه المحدثون. كانوا أول الأمر يسمونه «استزادة»، وهذا المصراع في شعر قديم ينشده النحويون وقد كانت الشعراء في القديم يأخذ أحدهم
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٦٦ـ٢٦٧].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٧٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٥٤ـ ٥٥].
(٤) يشير إلى النصف الثاني من البيت: (قَد ذَلَّ مَن لَيسَ لَهُ ناصِرُ).
[ ٣٤٥ ]
البيت المشهور من شعر غيره فيزيده في شعر نفسه على المعنى الذي يسمى التضمين» (١).
وعبارات أبي العلاء: «وقد كانت الشعراء في القديم»، «وهو في الشعر أسوغ» و«وقلما يستعمل الشعراء» توحي بأن القصيدة - في نظر لغويينا القدامى - كانت «بناء تدخل في تكوينه عناصر نمطية مختلفة ومتكررة، ولكنها نمطية لا تجعل بالضرورة من أبنية القصائد المختلفة صيغة شعرية ذات معنى واحد» (٢).
ـ العنصر الخامس من عناصر المنهج: تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين:
كان أبوالعلاء يقدم للبيت كل المعاني (٣) الممكنة، وذلك في غياب القرائن (٤) المحددة لمعنى محدد أوالمرجحة لمعنى على معنى؛ إذ إن «تعدد المعنى يكشف عن عدم كفاية القرائن» (٥). ففي حالة غيابها كان يذكر كل المعاني الممكنة (٦).
وكان يعتمد في إثراء معنى البيت على الأمور الآتية:
أـ توظيف المعاني المعجمية المختلفة للفظة الواحدة في تأويل البيت:
فالكلمة التي لها أكثر من معنى معجمي كان أبوالعلاء يوظفها في إثراء معنى البيت طالما أن المعنى أوالسياق يسمحان بذلك. وقد وظف هذا الأسلوب في عشرين موضعا منها:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣].
(٢) د. إبراهيم عبد الرحمن: من أصول الشعر العربي القديم، ص ٢٥، مجلة فصول، ع تراثنا الشعري، مارس ١٩٨٤م
(٣) كان أبوالعلاء يسمى هذه المعاني: تأويلا، أوتأوُّلا، ينظر: ٤/ ١٥٢.
(٤) تراجع جزئية توظيف القرائن، والتي ذكرنا منها: قرينة السياق، وقرينة الاستعمال اللغوي، وقرينة الخصائص الأسلوبية للشاعر .
(٥) البيان في روائع القرآن: د. تمام حسان، ١/ ١٦٤، [مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٢].
(٦) بلغ عدد الأبيات التي قدم لها أبوالعلاء أكثر من تأويل ١٧٥ بيتا.
[ ٣٤٦ ]
١ - قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح أبا عبد الله أحمد بن أبي دواد، ويعتذر إليه:
عامي وَعامُ العيسِ بَينَ وَديقَةٍ مَسجورَةٍ وَتَنوفَةٍ صَيخودِ [بحر الكامل]
««الوديقة»: شدة الحر، ودنوالشمس من الأرض، و«مسجورة»؛ أي: مملوءة بالسراب، ويجوز أن يعنى بمسجورة: من سجر التنور، يصفها بشدة الهجير .. و. «صيخود» يجوز أن يعني به صلابة الأرض، من قولهم: صخرة صيخود؛ ويجوز أن يعني به شدة الحر، من قولهم: صَخَدته الهاجرة إذا آلمت دماغه» (١).
٢ - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بِأَبي هَوًى وَدَّعتُهُ تاهَت بِصُحبَتِهِ الرِّفاقُ [بحر: مجزوء الكامل]
« وقوله «تاهت» يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون من التيه الذي هوتكبر وإعجاب؛ كأنها لحقها تيه لما صحبها، والآخر أن يكون من تاهَ في الأرض إذا حار وضل؛ أي: أنهم يحارون لحسنه ونوره» (٢).
٣ - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ذَريني وَأَهوالَ الزَّمانِ أُفانِها فَأَهوالُهُ العُظمى تَليها رَغائِبُه [بحر الطويل]
«.. إذا رويت: «أُفانها» بالفاء، فهويحتمل وجهين: أحدهما أن تكون المفاعلة من الفناء؛ والآخر أن يكون من الفِناء؛ أي: تنزل بفنائي وأنزل بفنائها» (٣).
٤ - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مِن كُلِّ قَرمٍ يَرى الإِقدامَ مَأدُبَةً إِذا خَدا مُعلِمًا بِالسِّيفِ أَووَسَجا [بحر البسيط]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٨٩ب١٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢٣٩ب٢].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢١٩ب٤].
[ ٣٤٧ ]
«.. «يَرى الإِقدامَ مَأدُبَةً»: يحتمل أن يكون من المأدبة التي هي تأديب؛ أي: يرى إقدامه من الأدب الذي ينبغي أن يستعمل، ويجوز أن يكون من المأدبة إلى الطعام، فهويسيرٌ عليه»» (١).
والنصوص الأربعة السابقة تشير إلى:
أـ أهمية التقيد بدلالات اللغة وألفاظها في التفسير، ورفض أي تفسير يأتي بدلالة جديدة للفظ لم تأت مرتبطة بهذا اللفظ، ولذلك قال علماء تفسير القرآن إنه من الأهمية «فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة» (٢). وأنه مما أوقع كثيرا من الفرق الإسلامية في البدع
«حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به» (٣).
ب - تأثر أبي العلاء بأقوال المعتزلة من أنه من «الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني» (٤).
ج - كلام أبي العلاء يؤكد أن «الكلام إذا فقد دلالته اللغوية فليس له أي اعتبار» (٥). وأصبح مَن شاء يقول ما شاء فيما شاء (٦).
_________________
(١) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٣٧ب٣٣]. وينظر أيضا المواضع التالية من ديوان أبي تمام: [١/ ٣٠٢، ب١٣]، [١/ ٣٦٩، ب١]، [٢/ ١٧٤، ب٣٩]، [٢/ ٢١٠، ب٣، هام]، [٢/ ٣٥٢، ب٦]، [٢/ ٣٧١، ب٤٢]، [٢/ ٤١٦، ب٢٠]، [٢/ ٤٢٠، ب٣٣]، [٢/ ٨٥، ب١٧]، [٣/ ١٦٣ ـ١٦٤، ب٢٦، هام]، [٣/ ٣٥، ب١٣]، [٣/ ٣٨، ب٢٣ - ٢٤]، [٣/ ٣٩، ب٢٦]، [٣/ ٤٤، ب٤٤]، [٣/ ٥٠، ب١١]، [٤/ ٩٠، ب٧]، [٤/ ٩٣، ب٩]
(٢) السيد محمد رشيد رضا: تفسير المنار، ١/ ١٩، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٩٠، مع التنبيه على أنه من الخطورة - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - «التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن وهو الله ﷿ والمنزل عليه والمخاطب به». ينظر: تفسير المنار ١/ ٩، وقد نبه علماء الأصول أيضا على أنه من الشروط التي يجب أن يتحلى بها المجتهد في الدين إتقان اللغة العربية. ينظر: الاجتهاد والتقليد في الإسلام، د. طه جابر فياض العلواني، ص٥٢، دار الأنصار القاهرة ط١، ١٩٧٩م
(٣) تفسير المنار ١/ ٩
(٤) أمالي المرتضي، غرر الفوائد ودرر القلائد، ص ١٨ - ١٩
(٥) د. محمد رجب البيومي: خطوات التفسير البياني، ٢/ ١٤٠، سلسلة مجمع البحوث الإسلامية، السنة التاسعة والعشرون - الكتاب الأول ١٤١٩/ ١٩٩٨م
(٦) ينظر مثلا تفسير المتصوفة لقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، وما يقوله محيي الدين بن عربي في التفسير المنسوب إليه. خطوات التفسير البياني، ٢/ ١٤٠
[ ٣٤٨ ]
د - يقدم أبو العلاء دائما في شرحه ما نسميه بالمعنى الحقيقي الذي ينطلق منه المعنى المجازي، ومن المعروف وجود علاقة جامعة بين المعنيين، ولابد «أن يكون الانتقال إلى المجاز ذا قرينة دالة، وهذا لا ينازع أحد في قبوله» (١). ولكن كل مجاز يبتعد عن الحقيقة بدون قرينة أو علاقة «مجاز سقيم لا يعتد به» (٢).
والتأويل عن طريق المجاز الشاطح بدون التقيد بالقرائن أو العلائق المتصلة بالمعنى الحقيقي السليم مطية أصحاب الأهواء، وهو «المركب الذلول لمن يدعون الاجتهاد الديني أو الابتكار الأدبي دون هدى منير» (٣).
****
ب - استغلال البنية الصرفية:
كان أبوالعلاء يستغل البنية الصرفية وضبطها (٤) في إثراء المعني، ومثال ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَن سَوفَ تُهدى إِلى أثآرِهِ بُهُمًا يُمسي الرَّدى مُسرِيًا فيها وَمُدَّلِجا [بحر البسيط]
«.. «الأثآر» جمع ثأر، والمعنى أن هذا المقتول قد علم أنك ستُهْدِي إلى القوم الذين قتلوه جيشا يطلب ثأره، ويجوز أن يكون «تُهْدِي» من الهدية، و«تَهْدِي» بفتح التاء، من هديتُ القوم إذا تقدمتهم» (٥).
_________________
(١) خطوات التفسير البياني، ٢/ ١٤٢
(٢) خطوات التفسير البياني، ٢/ ١٣٤
(٣) خطوات التفسير البياني، ٢/ ١٤٣
(٤) في بعض الأحيان كان تغيير التشكيل يؤدي إلى تغيير الوظيفة النحوية، فإذا سمح السياق بتلك الوظيفة الجديدة أجازها أبوالعلاء، وإن لم يسمح لم يجزه، واتخذه كقرينة لرد الرواية أوالمعني، أوعلى الأقل الترجيح، ينظر: ٢/ ٥٤، ب ٣٩
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٥٠ب٢]، وينظر أيضا: [١/ ٣٣٨ب٣٦].
[ ٣٤٩ ]
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
نُحِرَت رِكابُ القَومِ حَتّى يَغبُروا رَجْلَى لَقَد عَنُفوا عَلَيَّ وَلاموا [بحر الكامل]
«.. دعا عليهم بأن تنحر ركابهم حتى يغبروا، وإن شئتَ جعلت «رَجْلَى» جمع رجلان فلم تُنَوِّن. وكذلك ينشده الناس، يقال: رَجْلان ورَجْلى، كما يقال: سَكران وسَكْرى () ولونونت فَجُعِلَت جمع راجل ورَجْل، مثل: صاحِب وصَحْب كان ذلك حسنا» (١).
ومما يتصل بهذه الجزئية استغلال أبي العلاء كون الكلمة جمعا للفظتين مختلفتين في المعنى، ويوظف معنى كل لفظة في إثراء معنى البيت الإجمالي، طالما أن معنى البيت يسمح بذلك، ومثال ذلك ما يلي:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
قَد بورِكَت تِلكَ البُطونُ وَقُدِّسَت تِلكَ الظُهورُ بِقُربِهِ تَقديسا [بحر الكامل]
«يجب أن يعني: بـ «الظهور» هاهنا جمع «ظَهر»، من الأرض وهوما ظهرَ منها، و«البطون» جمع بطن، وإذا كانت الأرض غير مسكونة فظهورها ما ارتفع منها وبطونها ما كان واديا أو وهدا، وإذا كانت مسكونة فظهورها ما ظهر من جدرانها وبطونها ما بطن من الدور والبيوت. وقد يحتمل أن يعني بـ «الظهور» جمع ظَهْر الرجل، و«البطون» جمع بطن المرأة، يريد أن أهل هذه المحلَّة قوم طاهرون مُباركون، والأول أحسن وأشبه بالغرض» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَغَدَت بُطونُ مِنى مُنىً مِن سَيبِهِ وَغَدَت حَرًىمِنهُ ظُهورُ حِراءِ [بحر الكامل]
_________________
(١) وينظر أيضا المواضع الأربعة الآتية: [١/ ١١٤]، [١/ ١٢٠]، [١/ ٢٢]، [٤/ ٧٤]. .
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٥٦ب١٤].
[ ٣٥٠ ]
«.. إن ضممت الميم من «مُنًى» فهوجمع: مُنْية، والمعنى يصح على ذلك، وإن رويته: «مَنًى» فهو حسن، من قولهم: أصابه مَنًى؛ أي: مقدار؛ أي: غدت بطون مِنًى مقدرة لسيبه؛ أي: عطائه، ويحتمل أن يكون من قولهم: دارى بِمَنَى داره؛ أي: بحذائها» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
رَأَوا مِنهُ لَيثًا فَابذَعَرَّت حُماتُهُم وَقَد حَكَمَت فيهِ حُماةُ العَوامِلِ [بحر الطويل]
«و«حُماتُهُم»: جمع حام، أي الذي يحميهم، و«حُماةُ العَوامِلِ» يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون جمع حام مثل الأول، كأنه جعل العوامل تحمى، والآخر أن يكون جمع: حُمَة، يراد بها: السَّمُّ وسورته، وهذا أشبه بمذهب الطائي من الوجه الأول، والوقف في هذا القول على التاء؛ لأنها مثل تاء ثُبات، والوقف في الوجه الأول على الهاء؛ لأنها مثل قضاة، إلا على رأي من قال رحمت ونعمت في الوقف على رحمة ونعمة» (٢).
ويبدو أن أبا العلاء هنا متأثر بشدة بما قاله ابن جني في «باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية» حيث أوضح في هذا الباب خطورة تداخل أصول الكلمات وأثر ذلك على المعنى، وأعطى مثالا على ذلك من أقوال أبي تمام نفسه فقال: «وعليه قال الطائي الكبير:
أَلَحدٌ حَوى حَيَّةَ المُلحِدينَ وَلَدنُ ثَرىً حالَ دونَ الثَّراءِ [بحر المتقارب]
() فجاء به مجيء التجنيس، وليس على الحقيقة تجنيسًا صحيحًا. وذلك أن التجنيس عندهم أن يتفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان؛ كالعقل والمعقل والعقلة والعقيلة ومعقلة. وعلى ذلك وضع أهل اللغة كتب الأجناس. وليس الثرى من لفظ
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١١ب٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٨٢ ـ٨٣ب١٨]. وينظر أيضا المواضع الآتية: [١/ ١٢٩]، [١/ ٣٠٣، ب١٧]، [١/ ٣٦٧، ب٣٨]، [١/ ٣٨١ ـ٣٨٢، ب٤٨]، [١/ ٦٠ ـ٦١]، [٢/ ٣١٤، ب١٨]، [٢/ ٤١٢، ب١١]، [٢/ ٤٦٣، ب٢٠]، [٣/ ١٢٣ ـ١٢٤، ب٣٥].
[ ٣٥١ ]
الثراء على الحقيقة، وذلك أن الثرى - وهو الندى - من تركيب: ث ر ي؛ لقولهم: التقى الثريان. وأما الثراء - لكثرة المال - فمن تركيب: ث ر و؛ لأنه من الثروة، ومنه الثريّا؛ لأنها من الثروة لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها، فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحل. ومنه قولهم: ثَرَوْنا بني فلان، نثروهم ثروة، إذا كنا أكثر منهم. فاللفظان - كما ترى - مختلفان، فلا تجنيس إذًا إلّا للظاهر» (١).
إلا أن هذا كان عنده على سبيل التنبيه، أما أبو العلاء فقد استغل هذا الأمر لإثراء معنى البيت.
****
ج - توجيه ألفاظ البيت إعرابيا بكل الأوجه الممكنة:
عمل أبو العلاء على توجيه ألفاظ الأبيات التي يشرحها أعرابيا بكل الأوجه الممكنة إن تيسر له ذلك، مكتفيا به وسيلة للشرح، ولاشك أنه في ذلك يوافق النحويين والبلاغيين أيضا على أن النحو «العامل الأساسي في تأدية أصل المعنى» (٢).
وإذا كان الإعراب على أواخر ألفاظ اللغة «لإبانة معانيها» (٣)، وليكون «فارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين» (٤)، فإن كل توجيه إعرابي لابد أن يحمل معه معنى يختلف عن الآخر، وفي هذا ولاشك إثراء لمعنى البيت.
وقد استغل أبوالعلاء الإمكانات النحوية والأوجه الإعرابية المختلفة والممكنة في إثراء معنى البيت، وقد استغل هذه الإمكانات في ٢٩ موضعا، نذكر منها على سبيل المثال التالي:
_________________
(١) الخصائص: ٢/ ٤٩
(٢) د. محمد عبد المطلب: البلاغة والأسلوبية، ص ٢٩٦
(٣) شرح المفصل لابن يعيش: ١/ ٥٥، تحقيق: إميل بديع يعقوب، ط١، ٢٠٠١، دار الكتب العلمية / بيروت
(٤) ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، ص١٤، ط٢، دار التراث ١٩٧٣م
[ ٣٥٢ ]
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح الحسن بن رجاء ويطلب منه فرسا:
وَمِثلُهُ ذو العُنُقِ السَّبطِ قَد أَمطَيتَهُ وَالكَفَلِ المَرمَريس [بحر السريع]
«يجوز رفع مثله على الابتداء، وخفضه على معنى رب» (١).
والتوجيه الإعرابي لكلمة «مثله» يضعنا أمام المعنيين التاليين مع الأخذ في الاعتبار أن البيت السابق جاء في سياق مدح وطلب بعض العطايا:
أـ رفع «مثله» على الابتداء يجعل «قد أمطيته» خبرا جملة فعلية، يضعنا أمام جملة اسمية تفيد الثبوت والتحقق، والخبر الجملة الفعلية المؤكدة بـ «قد» يفيد التوكيد على تحقق معناه للمبتدإ، وفي هذا قمة المدح للممدوح.
ب - أما الجر فموجبه «رب» وهي للقليل، وإن كان كذلك فقد وصف الشاعر الممدوح بقلة العطاء.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ذَريني مِنكِ سافِحَةَ المَآقي وَمِن سَرَعانِ عَبرَتِكِ المُراقِ [بحر الوافر]
«.. ونصب «سافِحَةَ المَآقي» على وجهين: أحدهما أن يكون على النداء، والآخر أن يكون على الحال؛ لأن «سافحة» لا تتعرف بالإضافة إلى ما فيه الألف واللام، وكلا الوجهين: النداء والحال، يحتمل فيه «المآقي» أمرين: إن شئت كانت في تأويل الفاعل، كأنه قال: يا سافحة مآقيها، أوأراد: ذريني منك سافحة مآقيك، وإن شئت كانت في تأويل المفعول، كأن المخاطبة من النساء سفحتها؛ لأنه يجوز أن يقال: سفح الباكي ماءَ عينه، وسَفَحَ عينه على تقدير حذف المضاف» (٢).
_________________
(١) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٨٠].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٢٣ب١]. وبقية مواضع هذه الجزئية - في ديوان أبي تمام - هي كما يلي: [١/ ١١٧]، [١/ ١٦١، ب١٦]، [١/ ١٦٧ - ١٦٨، ب٣٧]، [١/ ١٧٠، ب٤٥]، [١/ ١٩٢، ب٤٢]، [١/ ٢٣٠،ب٣٤]، [١/ ٢٣٤، ب٢]، [١/ ٣١٨،٣١٩، ب٢٣]، [١/ ٣٤٦، ٣٤٧، ب٨]، [١/ ٤٥، ٤٦]، [١/ ٥٧]، [١/ ٧٨]، [١/ ٨، ب٢]، [١/ ٨٥، ب٢٥]، [٢/ ٢٤٠،ب١٥]، [٢/ ٢٨٠، ب٢٠]، [٢/ ٣٠٨، ب١]، [٢/ ٣٨٥،ب٣٩]، [٢/ ٦٩، ٧٠، ب٨]، [٣/ ١٦٣،١٦٤، ب٢٦]، [٣/ ١٨١، ب٢٥]، [٣/ ٥٦، ب١٠]، [٣/ ٦٧، ب١٢]، [٣/ ٩، ب١٦]، [٤/ ٥، ب١]، [٤/ ٨٢، ب١٧].
[ ٣٥٣ ]
وهذا الشرح بالإعراب يذكرنا بقول عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز: «إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتي يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يُعْرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه» (١).
د - إعمال الرويات المختلفة:
كثرت في الشعر العربي تعدد الرواية لأبيات أو ألفاظ في القصائد المروية لكبار الشعراء، ويلاحظ أن «تغيير الرواية أو التصحيف أو التحريف في الشعر القديم لا يعد من مسؤولية الشاعر؛ لأن الشاعر قال كلمته على الوجه الذي أنشأها به
ومضى، ولكنها مسؤولية الرواة» (٢).
وتعدد الرواية في الشعر القديم «يدور في معظمه حول استخدام لفظ مرادف بدلا من آخر، بحيث لا يُحدث تغيرا في العلاقات النحوية، وهذا إذا كان اللفظان متوازنين صيغة، ومتقاربين دلالة، ومتفقين علاقة» (٣).
وكانت كثير من أبيات أبي تمام تروي بروايات متعددة (٤)، وكان من منهج أبي العلاء إعمال كل الروايات المختلفة للبيت وعدم رَدِّ أية رواية ما لم توجد أية قرينةٍ ترد الرواية الأخرى، من سياق أو زحاف (٥) أوغيرهما.
وبطبيعة الحال قد تكون الرواية الأخرى لفظة مختلفة ذات معنى مختلف، وإعمال هذه المعاني يثري معنى البيت بدرجة عظيمة، وقد أحصى البحث سبعة وثلاثين موضعا أعمل فيها أبوالعلاء الروايات المختلفة، وفيما يلي أمثلة:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) الدلائل: ٢٨ (قراءة وتعليق: محمود محمد شاكر ط٣، ١٩٩٢ مطبعة المدني).
(٢) د. محمد حماسة عبد اللطيف: الجملة في الشعر العربي، ص ٩٧
(٣) السابق: ٩٤
(٤) يُراجَع عنصر توثيق الرواية.
(٥) ينظر: الجملة في الشعر العربي، ص ٩٤
[ ٣٥٤ ]
وَأَكثَرُ حالاتِ اِبنِ آدَمَ خِلقَةٌ يَضِلُّ إِذا فَكَّرتَ في كُنهِها الفِكرُ [بحر الطويل]
«المعنى يصح على «خِلقة» و«خِلْفة»، فإذا رويت بالقاف فالمعنى أن حالات ابن آدم طبعه وخِلقتُه التي جُبِل عليها يَضِلُّ المعقولُ في كنهها؛ أي: في معناها، وإذا رويت «خِلفة» بالفاء فالمعنى أن حالات ابن آدم مختلفة» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لا يَجوزُ الأُمورَ صَفحًا وَلا يُر قِلُ إِلّا عَلى سَواءِ الطَريقِ [بحر الخفيف]
« و«صفحًا»: من قولهم أضرب عن كذا صفحا: إذا لم ينظر فيه، يريد أنه يتدبَّر الأشياء، ولا يتركها إغفالا، ومن روى «يُرْقِل» بالقاف فهو من إرقال السير ومن روى «يَرْفُل» فهومن رفَلَ في ثوبه: إذا جرَّ ذيله» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
فِدًى لَهُ مُقشَعِرٌّ حينَ تَسأَلُهُ خَوفَ السُّؤالِ كَأَن في جِلدِهِ وَبَرُ [بحر البسيط]
«.. إذا رويت: «وَبَرُ»؛ فالمعنى أنَّ هذا المذموم كأنه ذو وَبَرُ. وإن رويت «الإبَرُ»؛ فالمعنى أن يقشعرّ؛ فيقوم شعره كأنه الإبر ..» (٣).
والجمع بين الروايات المختلفة منهج إسلامي أصيل، أخذ به الفقهاء والمُحَدِّثُون عند تعاملهم مع الحديث النبوي؛ فقرروا أن «المنهج الصحيح في النظر أن يجمع بين
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٨٦ب٣].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٤٤ب٦٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٨٩ب٢٠]. بقية المواضع في ديوان أبي تمام كما يلي [١/ ١٤٩]، [١/ ١٧٣، ب٥٥]، [١/ ٢٣٠ - ٢٣١، ب٣٥]، [١/ ٢٥٩، ب٥٩]، [١/ ٣٢٠، ب٢٧]، [١/ ٣٢٥، ب١١]، [١/ ٣٢٧، ب٢٤]، [١/ ٣٦٢، ب٢٦]، [١/ ٣٩٥، ب٣٨]، [١/ ٣٩٩، ب٥٤]، [١/ ٧٥]، [١/ ٩٢]، [٢/ ١٥٥، ب١٢]، [٢/ ١٥٧، ب١٦]، [٢/ ١٧٥، ب٤١]، [٢/ ١٧٧ هام]، [٢/ ٢٠٧، ب٤٥]، [٢/ ٢٥٦، ب٦]، [٢/ ٢٦٦، ب١٨]، [٢/ ٢٧٤، ب١]، [٢/ ٣٠٩، ب٣]، [٢/ ٣١٥، ب٢٦]، [٢/ ٣٢٩، ب٣١]، [٢/ ٣٦٤، ب١٦]، [٢/ ٤٢٤، ب٤]، [٣/ ١٤، ب٢٩]، [٣/ ١٧٦، ب٣]، [٣/ ٢١ - ٢٢، ب٣]، [٣/ ٣٠٩، ب٤]، [٣/ ٣٤، ب٩]، [٣/ ٥، ب١]، [٣/ ٥٧، ب١١]، [٣/ ٨٤، ب٢٢]، [٤/ ١٦٤، ب١]، [٤/ ٩٠ - ٩١، ب١٠].
[ ٣٥٥ ]
هذه الروايات، وذلك بحسن توجيهها في الموضوع الذي وردت فيه - بلا تعسف - ودون أن يهمل رواية منها، فالجمع بينها مقدم؛ لأن إعمال النص الصحيح خير من إهماله» (١). بل كان إعمال القراءات القرآنية المختفلة للآية الواحد مسلك المذاهب الفقهية أوعلى الأقل بعضها (٢).
وأبوالعلاء بحكم نشأته في بيت علم لم يكن بعيدا عن التأثر بهذا المنهج (٣).
هـ - وكان أبوالعلاء يميل ألا تكون المعاني المتأولة بعيدة عن الاستعمال اللغوي:
ومثال ذلك التالي:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَلِهَت فَأَظلَمَ كُلُّ شَيءٍ دونَها وَأَنارَ مِنها كُلُّ شَيءٍ مُظلِمِ [بحر الكامل]
_________________
(١) أسباب ورود الحديث، تحليل وتأسيس: د. محمد رأفت سعيد، ص ٣٧ (كتاب الأمة - وزارة الشئون الإسلامية، قطر ١٩٩٤)، وينظر أيضا: كيف نتعامل مع السنة: د. يوسف القرضاوي، ص ١٣٣ وما بعدها، (دار الشروق، ط٣، ٢٠٠٥).
(٢) ونقدم هنا بعض الأمثلة على الجمع بين القراءات القرآنية: ١ـ أن الحنفية يشترطون التتابع في صوم كفارة اليمين، عملا بقراءة ابن مسعود: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات﴾ [المائدة:٨٩]، ولم يشترط غيرهم ذلك؛ لأنه لا يعتد بهذه القراءة. ٢ـ أن الحنفية يرون عدم قطع اليد اليسرى للسارق عند السرقة الثالثة لفوات المحل؛ عملا بقراءة ابن مسعود: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُما﴾ [المائدة:٣٨]، والرواية الثابتة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. ٣ـ أن الحنفية يوجبون النفقة في قرابة ذي الرحم دون سواها لقراءة ابن مسعود: ﴿وعلى الْوَارِثِ ذي الرحم مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨]، والآية الثابتة: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلك﴾.ينظر: مباحث في أصول الفقه: د. نادية محمد شريف العمري، ص ٢٥ (ط١، ١٩٩٠، دار هجر).
(٣) تراجع ترجمة أبي العلاء، وجزئية: علاقة أبي العلاء بالقراءات وبالحديث النبوي، وما قاله الإمام الذهبي إمام الجرح والتعديل، ص ٢١.
[ ٣٥٦ ]
«.. يريد أنه لما أصابها الوَلَهُ اشتد عليه ذلك؛ فأظلم كل شيء بينها وبينه، وهذا كلام مستعمل، يقال: فلان قال كذا وفعل كذا؛ فاسودَّت الدنيا في عيني، ويقال: كان كذا من فلان؛ فاسودَّ ما بيني وبينه، وقد يؤدي لفظ الطائي معنى آخر، وهوأن الأشياء أظلمت دونها؛ أي: غيرها» (١).
وـ تأويل البيت بما يناسب السياق الغير لغوي:
كان أبوالعلاء في تأويله للأبيات يراعي السياق غير اللغوي (سياق الحال)، ويحاول أن يأتي بتأويله منسجما مع هذا السياق، ومثال ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
يَتَساقَونَ في الوَغى كَأسَ مَوتٍ وَهيَ مَوصولَةٌ بِكَأسِ رَحيقِ [بحر الخفيف]
«هذا يحتمل غير وجه، من ذلك أن المسلمين الذين يقاتلون الكفار يدخلون الجنة؛ فيسقون من الرحيق المختوم، ولا يمتنع أن يريد سبي نسائهم، وتمتع الذين يقاتلونهم بهن؛ فيجعل الريق مثل الرحيق، وقد يمكن أن يكون الطائي علم أن الممدوح يستعمل الشراب؛ فقال هذه المقالة؛ أي: إنه إذا تفرغ عن قتال الأعداء رجع إلى حالة السلم» (٢).
ـ العنصر السادس من عناصر المنهج: الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة المشروحة:
كان أبوالعلاء يهتم بالكلمة دلاليا، ويسعى لتوضيح الجوانب الدلالية للكلمة ويتجلى هذا الاهتمام الدلالي في الاهتمام بتتبع التطور الدلالي للفظة وتحديد استعمالها، وما يصاحبها من ألفاظ أخرى.
ـ الاهتمام بتتبع التطور الدلالي للفظة:
اهتم أبوالعلاء بتتبع التطور الدلالي للفظة، والمواضع والنصوص التي جمعها البحث تثبت أنه كان على علم بهذا التطور وبمظاهره التي تتمثل في ثلاثة مظاهر وهي: تخصيص الدلالة، تعميم الدلالة، تغيير مجال استعمال الكلمة.
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٤٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٣٤].
[ ٣٥٧ ]
أي أن معنى الكلمة يحدث فيه تضييق أواتساع أوانتقال. فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى خاص، وهناك اتساع عكس ما سبق؛ أي: عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام، وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان، أوإذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص، كما في «حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال، أومن السبب إلى المسبب ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاتساع والتضييق ينشآن من الانتقال في أغلب الأحيان، وأن انتقال المعنى يتضمن طرائق شتى، يطلق عليها النحاة (١) أسماء اصطلاحية» (٢)، و«من هذه الأسماء الاصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة» (٣).
ويظهر التطور الدلالي عند أبي العلاء في مظهرين فقط: الاتساع والانتقال. فأما عن المظهر الأول للتطور الدلالي - الاتساع الدلالي - فيظهر نظريا في قول أبي العلاء: «المعاني تحدثُ في الأسماء لأغراض تقع لم تكن قديمة» (٤).
وتظهر تطبيقا في الأمثلة التالية:
ـ مَعْقِل: «أصل ذلك في الجبل، يقال: قد عَقَلَ الوعْلُ؛ إذا حصل في موضع عال لا يوصل إليه فيه، ثم قيل لكل حصن معقل، ثم كثر الكلام حتى قيل: فلان معقلي؛ أى: الذي أمتنع به، وكذلك سيف فلان معقله؛ أي: يقوم له مقام المعقل» (٥).
_________________
(١) هكذا نقلها د. رمضان عبد التواب في كتابه التطور اللغوي، عن كتاب اللغة لفندريس، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص.
(٢) اللغة لفندريس، ٢٥٦، نقلا عن التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه: د. رمضان عبد التواب، ص ١١٤ - ١١٥ (ط الأولى، مكتبة الخانجي)
(٣) التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه: د. رمضان عبد التواب، ص ١١٤ - ١١٥، وينظر أيضا: دور الكلمة في اللغة: ستيفن أولمان، ترجمة: د. كمال بشر، ص ١٦٢ - ١٦٣، (بدون تاريخ للطبعة - مكتبة الشباب).
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢٦، ب ٤٠].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٨].
[ ٣٥٨ ]
ـ وقال: الإياب: «أصل الإياب أن يجيء الرجل مع الليل، وكثر ذلك حتى قيل للغائب إذا قدم قد آب» (١).
ـ وقال: اللِّبان: «مصدر لابنه يُلابِنُه لِبانًا؛ إذا رضع من لَبن أمه، وربما أخرج إلى غير الإنس على التوسع والمجاز» (٢).
ـ وقال: اغلولب: «أصل اغلولب في غلظ العنق، ثم استعمل في غيره؛ فقالوا: نخل مغلولب؛ أي: غلاظ، ونبت مغلولب؛ أي: كثر واتصل بعضه ببعض» (٣).
ـ وقال: الصعبة: «يراد بالصعبة: كل أمر مستصعب، وأصل ذلك في الإبل، ثم استعمل في جميع الأشياء» (٤).
ـ وقال: تَشَاجَرَ: «تشاجرت الخطوب؛ أي: لقي بعضها بعضًا وتشابكت، ومن ذلك تشاجرت الرماح؛ إذا دخل بعضها في بعض عند الطعان ومنه اشتقاق الشجر لاشتباك الأغصان، ثم كثر ذلك حتي قيل شجره بالرمح؛ إذا طعنه» (٥).
ـ وقال: الوشيج: «أصل الوشيج كل ما وشج بعضه في بعض؛ أي: اتصل، وأكثر ما يستعمل ذلك في أصول الرماح، ثم يقال لكل ما اتصل وشيج» (٦).
ـ وقال: الفَرْج: «الفرج موضع المخافة، كأنهم يريدون أن المكان قد حفظ إلا ذلك الموضع، وهومأخوذ من فرج الدُّرَّاعة والقميص» (٧).
ـ وقال: المعين: «الماء الذي يجري على وجه الأرض، وقد كثر ذلك حتى صار الناس يسمون الماء الذي يستقي من الآبار معينا؛ لأنه ينبع من الأرض؛
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٩٣].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٠٤].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٧٠].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٨].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٩٩].
(٧) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٥].
[ ٣٥٩ ]
فيفرقون بينه وبين المختزن من ماء المطر وغيره» (١).
ومما يتعلق بهذا المظهر أيضا تنبيه أبي العلاء المتكرر على الأصل الدلالي المأخوذ منه الكلمة، وقد أحصى البحث ٣٨ موضعًا، نص فيه أبوالعلاء على الأصل الدلالي، وفيما يلي بعضها:
ـ وقال: الخداج: «النقصان، وأصله في الولد أن يخرج ناقصًا» (٢).
ـ وقال: الفينان: «الشعر الطويل، وكأنه أخذ من الفنن وهوالغصن المتشعب» (٣).
ـ وقال: الخبت: «موضع بعينه، وأصل الخبت كل موضع اطمأن، وهومع ذلك سهل» (٤).
ـ وقال: التوجين: «أصل التوجين تليين الشيء ودَقُّهُ، ومنه قيل لمدقة القَصَّار الميجنة» (٥).
ـ وقال: النياط: «يستعملون النياط في معنى البُعْد، وأصل النياط من ناطَ الشيءَ بالشيء؛ إذا علقه به» (٦).
ـ وقال: الترهات: «الأمور المشكلة، وأصله في الطرق المتشعبة عن الطريق الأعظم» (٧).
ـ وقال: سَوْرَة الغضب: «حدته، وأصله من سار يسور؛ إذا وثب» (٨).
ـ وقال: أضغاث الأحلام: «هوالمختلط منها المشتبه، وأصله من الضغث، وهو أن يقبض الرجل ملء كفه من النَّبْت؛ فيكون منه ضروب مختلقة» (٩).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٣١]، ولمزيد من الأمثلة: [الرُّمَّة: ٣/ ٢٧]، [الصعود:١/ ١٥٨]، [الرقيق:٢/ ٤٣٩]، [المريرة:١/ ٢٢٧]، [الخول:١/ ٢٧]، [قَوَّسَ:٢/ ١٧٩].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٤].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٨٢].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٧٥].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٢٥].
(٧) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٥١].
(٨) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٥٠].
(٩) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٢٠]، وموضع بقية الأمثلة: [الزَّبْي:٣/ ٣٥]، [المتلدد:٢/ ٤٢٠]، [السَّجْر:١/ ٢٢]، [المرمريس:٢/ ٢٨٠]، [النَّعي:٤/ ٥]، [المتون:١/ ٣٧٩]، [مُعنقة:١/ ٣٣٦]، [الحدب:١/ ١٤٥]، [السورة:١/ ١١٥]، [الانحتات:٢/ ٢٨١]، [الإيعاث:١/ ٣٢٠]، [الذنوب:١/ ٨٥]، [خمر مشمولة:٣/ ٥٦]، [النمنمة:٢/ ٣٧٣]، [عتبة:٤/ ٣٠٢]، [البهاليل:١/ ٣٤١]، [المناقب:١/ ٢٣٣]، [المجتبى:٢/ ٢٤٧]، [أشبى الرجل:١/ ١٨٣]، [الرادع:٢/ ٤٣٧]، [الارتجال:٢/ ٢٧٩]، [الوطفاء:١/ ٢٤]، [الحصداء:٣/ ١٠٣]، [القعود:١/ ١١٦]، [الرذية:٢/ ٢٢٣]، [اللزاز:٤/ ٣٦]، [فتق:٢/ ٤٤٥].
[ ٣٦٠ ]
أما المظهر الثاني من مظاهر التطور الدلالي - وهومظهر الانتقال - فيتمثل في تنبيه أبي العلاء على استعارات أبي تمام سواء التي تفرد بها أوالتي اتفق فيها مع غيره من الشعراء.
والانتقال الدلالي - كما سبق وأن أشرت - يتضمن طرائق شتى يطلق عليها النحاة أسماء اصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة. فالمجاز هو: «اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما والمجاز إما مرسل، أواستعارة؛ لأن العلاقة المصححة له إما أن تكون مشابهة المنقول إليه بالمنقول عنه في شيء، وإما أن تكون غيرها، فإن كان الأول يسمى المجاز: استعارة» (١). وهوأيضًا: «ما جاوز وتعدى عن محله الموضوع له إلى غيره لمناسبة بينهما، وإما من حيث الصورة، أومن حيث المعنى اللازم المشهور، أومن حيث القرب والمجاورة» (٢).
وباعتبار أن المجاز المرسل والاستعارة نوعان من التطور الدلالي نجد أن أبا العلاء كان متنبها لهذا الأمر ومنبِّها عليه في مواضع كثيرة في شرحه قولا وتطبيقا، أما القول فقوله: «.. يستعار ما هوللشيء المقارب غيره؛ فينقل إلى ما قاربه» (٣).
أما التطبيق فيظهر في ستة وخمسين موضعا، منها اثنا عشر موضعا نص أبوالعلاء فيها على تفرد أبي تمام بهذه الاستعارات، وفيما يلي أمثلة لبعض الانفرادات الاستعارية عند أبي تمام:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
مَنَعَ الزِّيارَةَ وَالوِصالَ سَحائِبٌ شُمُّ الغَوارِبِ جَأبَةُ الأَكتافِ [بحر الكامل]
_________________
(١) التعريفات: الجرجاني، ص ٢٥٧ - ٢٥٨، دار الريان. للتراث، تحقيق: إبراهيم الإبياري
(٢) التعريفات: الجرجاني، ص ٢٥٨ - ٢٥٩
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٤٩ ب٢].
[ ٣٦١ ]
«.. استعار: «الشمَّ» في صفة السحاب، وما يعرف ذلك لأحد قبله» (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لا يَأسَفونَ إِذا هُمُ سَمِنَت لَهُم أَحسابُهُم أَن تُهزَلَ الأَعمارُ [بحر الكامل]
«.. قابل سِمَنَ الحسب بهزال الأعمار، ولم يستعمل ذلك في العمر قبل الطائي، إلا أن يكون شيئا غير مشهور» (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
فَإِذا نِعمَةُ امرِئٍ فَرِكَتهُ فَاهتَصِرها إِلَيكَ وَلهى عَروبا [بحر الخفيف]
«.. «فَرِكَتهُ»: من فَرْك النساء، وهوبغضهن لأزواجهن، وما أَخرج الفِرْك من الحيوان إلى غيره أحد قبل الطائي» (٣). - وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لا يُسعِدُ المُشتاقَ وَسنانُ الهَوى يَبِسُ المَدامِعِ بارِدُ الأَنفاسِ [بحر الكامل]
«الوسنان: الناعس واستعاره هاهنا للهوى، ولم يستعمل ذلك من قبل الطائي» (٤) ..
تعليل اهتمام أبي العلاء بالتنبيه على التطور الدلالي للكلمات المشروحة:
بعد أن أوضحنا اهتمام أبي العلاء (٥) بالتطور الدلالي للألفاظ المشروحة، قد يثور سؤال: لماذا كان اهتمام أبي العلاء بهذا التطور؟
وللإجابة عن هذا السؤال نمهد بالحقائق اللغوية الآتية:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٨٩].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٧٦ - ١٧٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبيس تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٧٢].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٤٣].وبقية المواضع التي تفرد فيها أبوتمام ينظر ديوان أبي تمام: [١/ ١٣٦]، [١/ ٢٦٨]، [١/ ٢٩]، [٢/ ٢٢٧]، [٢/ ٢٤٣]، [٢/ ٤٣٨]، [٢/ ٤٣٨]، [٣/ ٢٢٣]، [٣/ ٤٩]، [٣/ ٥٨]. أما المواضع التي اشترك فبها أبوتمام مع بقية الشعراء: [١/ ١١٨]، [١/ ٢٦٤ـ ٢٦٥]، [١/ ٣٩٤]، [٢/ ١٥٥]، [٢/ ٢٢٣]، [٢/ ٢٢٩]، [٢/ ٢٣١]، [٢/ ٣٦١]، [٢/ ٣٧٩]، [٢/ ٣٨٠]، [٢/ ٣٨١]، [٢/ ٤٢١]، [٣/ ١٠٨]، [٣/ ١٤]، [٣/ ٣٨]، [٤/ ٢٨]، [٤/ ٣٤ - ٣٥].
(٥) وسيأتي فيما بعد أن التبريزي كان يهتم بهذا التطور الدلالي للألفاظ بصورة أشد من أبي العلاء.
[ ٣٦٢ ]
١ـ أن المفردات لا تستقر على حال، وذلك لأن «الحياة تشجع على تغير المفردات؛ لأنها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات، فالعلاقات الاجتماعية والصناعات، والعُدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات، وتقصي الكلمات القديمة، أوتحور معناها، وتتطلب خلق كلمات جديدة» (١).
٢ـ إن كل جماعة لغوية تترابط لغويا، وتتحول إلى جماعة ثقافية متميزة تصوغ بين الحين والآخر مدلولات جديدة للكلمات بحكم استخدامها للأشياء ومرورها بتجارب مختلفة، ولهذا كانت المدلولات سابقة لدوالها (٢).
٣ـ اللغة ليست هامدة أوساكنة بحال من الأحوال، بالرغم من أن تقدمها قد يبدو بطيئا في بعض الأحايين، فالأصوات والتراكيب والعناصر النحوية وصيغ الكلمات ومعانيها معرضة كلها للتغير والتطور (٣).
٤ـ تزداد سرعة التطور اللغوي بازدياد انتشار اللغة بين غير أهليها، وبازدياد عدد الذين يتكلمونها وتنوعهم (٤).
٥ـ لغة الشعر «تنحو إلى استعمال كلمات قديمة؛ لأن الشعر يمتد تاريخيا في ثقافات متنوعة، ويعتمد على التعلم، وعلى شعر سابق» (٥).
٦ - تتميز اللغة «بأنها تستطيع أن تضفي على نفسها شكلا من أشكال عدة من خلال تعدد وظائفها: البلاغية، القانونية، الطقوسية، العاطفية ومن الطبيعي أن الانتقال من المفاهيم إلى الرؤيا يؤسس إزاحة ما داخل اللغة، وكلما اتسعت تلك الإزاحة اقترب النص خطوة أخرى من الشعرية» (٦). ومن الطبيعي أن «الإزاحة اللغوية، بمعنى الخروج على العرف اللغوي للوظيفة الإبلاغية للغة، لا بد وأن يتبعها نوع من الغموض يتسع كلما اتسعت مساحة تلك
_________________
(١) التطور اللغوي: د. رمضان عبد التواب، ص ١١، ١٢.
(٢) التحليل الدلالي، إجراءاته ومناهجه: د. كريم زكي حسام الدين،١/ ١١
(٣) دور الكلمة في اللغة: د. كمال بشر، ص ١٥٣
(٤) التطور اللغوي: د. رمضان عبد التواب، ص ١٢.
(٥) مقال بعنوان: «مقدمة لدراسة التطور الدلالي في العربية الفصحى في العصر الحديث»، بقلم: أحمد محمد قدور، مجلة عالم الفكر، مارس ١٩٨٦ ص ٤٤، الكويت
(٦) د. عبد العزيز موافي: الرؤية والعبارة، مدخل إلى فهم الشعر، ص ٣٠١ مكتبة الإسرة، ٢٠١٠، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
[ ٣٦٣ ]
الإزاحة» (١).
إذا علمنا هذه الحقائق، وأضفنا إليها حقيقة أن الفاصل الزمني بين أبي تمام وبين أبي العلاء هو مائتان وثمانية عشر عاما (٢١٨) (٢) أدركنا مدى التطور اللغوي الذي قد يصيب ألفاظ اللغة، ومدى سوء الفهم الذي قد يقع فيه قارئ ديوان أبي تمام بعد هذه الفترة التاريخية الكبيرة؛ لذلك وحرصا من أبي العلاء على الفهم الصحيح للديوان كان يقوم بالتحديد الدلالي للألفاظ المشروحة، وتتبع هذا التطور. وقد أحسن أبوالعلاء صنعا لأهل عصره، ومن أتى بعده لفهم الديوان. ولم يفتأ تلميذه التبريزي أن اقتفي أثره في هذا الأمر.
وقد نبه علماء التفسير على أهمية مراعاة التطور الدلالي للألفاظ بمرور الزمن؛ «فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد () فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله» (٣).
_________________
(١) د. عبد العزيز موافي: الرؤية والعبارة، مدخل إلى فهم الشعر، ص ٣٠٢
(٢) توفي أبوتمام سنة ٢٣١هـ، وتوفي أبوالعلاء سنة ٤٤٩هـ، ينظر ص ١٢، ٢٧
(٣) تفسير المنار، ١/ ٢٠، وقد نبه علماء الشريعة أيضا على أهمية الأساس اللغوي في فهم النصوص الشرعية، فهو: «الأساس الأول في النص، وهوأساس عام لكل نص في كل لغة، فلا يتوقع فهم لمن لا يعرف لغة ما لنص مكتوب بها، فإذا أضفنا إلى ذلك ما تتميز به اللغة العربية من أساليب متعددة منها الحقيقة والمجاز، وما طرأ على المفردات اللغوية على سعتها من تغير في الدلالات، وما تتسع له اللغة من الاشتقاق، عرفنا كيف يخطئ في الفهم، ويقع في التناقض، من يجهل هذه الجوانب اللغوية في التعامل مع النصوص الواردة بها»، أسباب ورود الحديث، تحليل وتأسيس: د. محمد رأفت سعيد، ص ٣٤.
[ ٣٦٤ ]
وننتقل الآن إلى العنصر التالي (١).
_________________
(١) وقبل أن ننتقل بالحديث إلى جزئية أخرى من البحث نحب أن نشير إلى ما يمكن تسميته بالإثراء الدلالي عند أبي العلاء: فأبوالعلاء لم يكن يتتبع فقط الأصل الدلالي والتطور اللغوي، بل يقترح أيضا استعمالات دلالية جديدة، إثراء للمعاني والألفاظ. ندلل على ما نقول بما يلي: ـ يقول أبوالعلاء: «والدهاريس: تستعمل في الدواهي، ويجوز أن تنقل الدهاريس إلى صفات الإبل والناس؛ لأنه يراد صفتها بالصبر والجرأة على السير، كما يقال للرجل إذا نُعِت بالفطنة والنكارة إنه داهية» [٢/ ٢٥٦ ب٧] ـ وقال أيضا: «الإقراب: أكثر ما يستعمل في الإناث، يقال: فرس مقربة؛ تُشَدُّ قريبا من بيت مالكها؛ لأنه يخاف أن ينزوعليها فحل لئيم. وربما استعمل ذلك في الذكور، وقياس كلامهم يوجب أن كل فرس يجوز أن يوصف بمقرب؛ لأن من شأنهم أن يقربوه». [٢/ ٤٠٩ ب٧]. ـ وقال: «الصامت: من المال ما كان من فضة أوذهب، ويجوز أن يعني به كل ما لا ينطق، إلا أن أعرف ما يستعمل في الذهب والورق» [١/ ٣٢١]. ـ وقال: «والقبيلة عندهم من أب واحد، والقبيل: الجماعة من الناس، ويجوز أن يكونوا من آباء متفرقين، وإذا جُعِل الكلام على الاستعارة جاز أن يوضع كل واحد منها في موضع الآخر» [٣/ ٧١ ب٢٣]. والمتأمل في هذه النصوص يجد فيها دعوة للإثراء الدلالي، بل يكاد الباحث أن يقول إن فيها بذورا وإرهاصاتٍ لما يعرف حديثا بنظرية التحليل التكويني Componential Analysis [وهي نظرية تهدف إلى التحليل التكويني أوالمكوناتي للكلمة بوصفها وسيلة أوتقنية إلى تحديد البنية الداخلية للكلمة والمتمثلة في العناصر أوالمكونات الدلالية Semantic components المميزة للكلمة، والتي يمكن استنباطها من وجودها في عدة سياقات، (ينظر: علم الدلالة: د. أحمد مختار عمر، ص: ١١٤، وما بعدها. والتحليل الدلالي.: د. كريم زكي حسام الدين ١/ ١٠٣ وما بعدها).]، وتزداد هذه الإرهاصات وضوحا إذا ضممنا لها النصوص التي تضم تعميمات دلالية قالها أبوالعلاء: · أنف كل شيء أوله [٢/ ٢٥٠]. · سَرَعان كل شيء أوله [٢/ ٤٢٣]. · كل من ضرب برجله الأرض أوغيرها فهوراكض [٣/ ١٠]. · كل صوت دقيق يقال له صريف [٢/ ٣٨٦]. · وقد يمكن أن يسمى كل مقام معرسا [١/ ٢٤]. وإذا أضفنا إلى ما سبق حرص أبي العلاء على إبراز الفروق الدلالية الدقيقة بين الكلمات تزداد هذه البذور وضوحا، ومن ذلك: · شزرا: من قولهم: نظر إليه شزرا؛ إذا أحدَّ إليه بمؤخرة عينه، وهونظر الغضبان [١/ ٣٨٠] · الظهور: جمع ظهر من الأرض وهوما ظهر منها، والبطون جمع بطن، وإذا كانت الأرض غير مسكونة فظهورها ما ارتفع منها وبطونها ما كان واديا أووهدا، وإذا كانت مسكونة فظهورها ما ظهر من جدرانها، وبطونها ما بطن من الدور والبيوت [٢/ ٢٦٥]. · الوَكَّاف: من المطر الذي يدوم، إلا أنه يس بشديد كالوبل [٣/ ١٣].
[ ٣٦٥ ]
ـ العنصر السابع من عناصر المنهج عند أبي العلاء: الشرح بالإعراب:
الاعتماد على الإعراب كوسيلة من وسائل الشرح والإبانة عن المعنى أمر اعتمد عليه أبو العلاء، وهو بالطبع لم ينفرد به، فقد اهتم مفسرو القرآن بإعرابه اهتماما بالغا، «والكتب المؤلفة في هذا العلم كثيرة جدا، مختلفة ترتيبا وحدا» (١). واستعانوا بالنحو «في توضيح الآيات في كتبهم المفسرة» (٢). إيمانا منهم بقيمته البيانية، يقول العُكْبَري: «وأقوم طريق يُسلك في الوقوف على معناه، ويتوصل به إلى تبيين أغراضه ومغزاه معرفة إعرابه» (٣).
وقد اعتمد أبوالعلاء في بعض مواضع الديوان (٤) على الإعراب فقط كوسيلة للشرح؛ بمعنى أن أبا العلاء كان يكتفي فقط في شرح البيت بذكر الوظائف النحوية لألفاظ البيت، من ابتداء، أوخبرية، أوفاعلية، أومفعولية ومن ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
_________________
(١) العُكْبَري: التبان في إعراب القرآن، ص٢ تحقيق علي محمد البجاوي ج، ط عيسى البابي الحلبي
(٢) العُكْبَري: التبان في إعراب القرآن، مقدمة المحقق علي محمد البجاوي ج
(٣) السابق، ص ١
(٤) تسعة مواضع تقريبا.
[ ٣٦٦ ]
هَذا إِلى قِدَمِ الذِّمامِ بِكَ الَّذي لَوأَنَّهُ وَلَدٌ لَكانَ وَصيفا [بحر الكامل]
««هذا»:في موضع نصب بفعل مضمر؛ كأنه قال: أذكر هذا الشيء أوأعُدُّه، أونحوذلك من المضمرات، ويجوز أن يكون في موضع رفع، ويكون المعنى: هذا الذي أذكره إلى قِدَم الذمام أومعه، فيكون «هذا» مبتدأ، والخبر قوله «إلي قدم الزمام»» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
يَقولونَ إِنَّ اللَّيثَ لَيثُ خَفِيَّةٍ نَواجِذُهُ مَطرورَةٌ وَمَخالِبُه [بحر الطويل]
« والأجود أن يكون «لَيثُ خَفِيَّةٍ» مرفوعًا على خبر «إنَّ»، ويكون على تقدير قولهم: الرجل فلان؛ أي: الرجل الذي حقه أن يُذْكَر ويُوصف، والمعني: الليث الذي يُرهَب صولته لَيثُ خَفِيَّةٍ، فإنْ نصب «لَيثَ خَفِيَّةٍ» على البدل ضَعُف المعنى؛ لأن الغرض يصير أنه أخبر عن ليث خفية بأن نواجذه مطرورة ومخالبه، وهذا معلوم لا يفتقر إلى الإخبار عنه، إلا أنه على ضعفه قد يحتمل أن يقال» (٢).
وأبوالعلاء في هذين الموضعين وغيرهما يشير من طرف خفي إلى النحو كأداة للتفسير والإبانة عن «المعنى الدلالي» (٣)، حيث إنه «يساعد على تفسير لغة المتكلم» (٤)، ويساعد على «كشف العلاقات بين الكلمات، وترابطها داخل التركيب» (٥). فللنحو «طاقة مبدعة في إضاءة النص وتفسيره» (٦).
********
_________________
(١) ديوان أبي تمام: [٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦ب٣٩].
(٢) ديوان أبي تمام: [١/ ٢٢٩ب٣٣]، وتنظر بقية المواضع التالية: [٣/ ١٦]، [٢/ ٢٩٤]، [١/ ٣٤٦ - ٣٤٧]، [٤/ ٨٢]، [١/ ٣٨]، [١/ ٨٥]، [٢/ ٢٠١].
(٣) اللغة وأنظمتها بين القدماء والمحدثين: د. نادية رمضان النجار، ص ١٥٢، [دار الوفاء]
(٤) اللغة وأنظمتها بين القدماء والمحدثين: د. نادية رمضان النجار، ص ١٥١
(٥) اللغة وأنظمتها بين القدماء والمحدثين: د. نادية رمضان النجار، ص ١٥١.
(٦) النحووالدلالة: د. محمد حماسة عبد اللطيف، ص ٢٨، [ط٢، دار الشروق ٢٠٠].
[ ٣٦٧ ]
ـ العنصر الثامن من عناصر المنهج عند أبي العلاء: دعم الشرح وتأييده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية وأقوال الأدباء:
من الأمور التي كان يستند إليها أبوالعلاء في شرحه الاعتماد على القرآن الكريم والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية، وأقوال الأدباء. فقد استند إلى كل هذا عند شرحه لأبيات أبي تمام، وأدلة على صحة ما وصل إليه من المعاني التي يرمي إليها أبوتمام، والتي يقصدها.
وكان للشعر نصيب كبير في دعم الشرح عنده، ولم يقتصر في استشهاداته الشعرية على شعراء عصر معين بل تنوعت استشهاداته من شعراء من العصر الجاهلي (١)، والأموي (٢)، والعباسي (٣).
أما بقية الاستشهادات، فتتمثل في:
· ستة مواضع للآيات القرآنية. وثلاثة مواضع لقراءاته.
مثال ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام:
قَد حَلَّ في صَخرَةٍ صَمّاءَ مُعنِقَةٍ فَانحِت بِرَأيِكَ في أَوعارِها دَرَجا [بحر البسيط]
_________________
(١) مثل امرئ القيس، وتأبط شرا، الأفوه الأودي، أحيحة بن الجلاح، دريد بن الصمة، وزيد الخيل، وضمرة بن ضمرة». وإشارة أبي العلاء لشعر هؤلاء الشعراء «الجاهليين» وغيرهم دليل على أهمية هذا الشعر في تفسير النصوص، ومدى ما يتمتع به من قدرة بيانية صادقة، وليس كما يدعي المستشرقون وأذنابهم - من بني جلدتنا - من أن الشعر الجاهلي «معظمه منحول»، لا يمت بصلة إلى العصر الجاهلي. [ينظر هنا كلام قيم قاله العلامة «محمود محمد شاكر» في مقدمة كتاب: «الظاهرة القرآنية مشكلات الحضارة»: لمالك بن نبي، ترجمة د. عبد الصبور شاهين، ص٤٢وما بعدها، الهيئة العامة لقصور الثقافة، آفاق عربية ٧٢ـ٧٣، ط٤، ٢٠٠٣] وقد استند كثير من مفسري القرآن إلى الشعر الجاهلي كوسيلة لتفسير الآيات القرآنية، حتى عدت تلك التفاسير مصدرا من مصادر الأدب الجاهلي. ويأتي على رأس هذه التفاسير تفسير: «جامع البيان في تفسير القرآن»، لشيخ المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري
(٢) مثل يزيد بن الطثرية، عبيد الله بن قيس الرقيات، الطرماح، قيس بن الملوح، أبو وجزة، ذوالرمة.
(٣) مثل أبي نواس، البحتري.
[ ٣٦٨ ]
«وانحت بكسر الحاء أفصح من فتحها، وقد حكي الفتح، وقرأ الحسن البصري ﵀: چ تَنْحَتُون چ [الشعراء ١٤٩]» (١).
· وسبعة مواضع للحديث النبوي.
مثال ذلك قوله عند قول أبي العلاء:
خَوَّلتَهُ عَيشًا أَغَنَّ وَجامِلًا دَثرًا وَمالًا صامِتًا وَأَثاثا [بحر الكامل]
«والدَّثْرُ الكثير، وجمعه دثور، وفي الحديث: ذهب أهل الدثور بالأجور» (٢).
· وثمانية مواضع للأمثال العربية.
ومن أمثلة دعم الشرح بالأمثال قوله عند قول أبي تمام:
فَما قِدحاكَ لِلباري وَلَيسَت مُتونُ صَفاكَ مِن نُهَزِ المُرادى [بحر الوافر]
« ويحتمل أن يريد بقوله: «فَما قِدحاكَ لِلباري»؛ أي: أنك لا تترك قدحك لمن يبريه؛ فيفسده بالبَرْي الزائد على الحد، كما قالوا في المثل: «هومُغْرًى بنحت أثلته»؛ إذ كان ينقصه ويعيبه» (٣).
وقوله عند قول أبي تمام:
وَنَحنُ نُزَجّيهِ عَلى الكُرهِ وَالرِّضا وَأَنفُ الفَتى مِن وَجهِهِ وَهوأَجدَعُ [بحر الطويل]
« نُزَجّيهِ: نحمله ونسوقه على أن يسير. يقول: نحن على سخط راضون به؛ لأنه لا بد منه، وإن كنا نبغضه، فمثله مثل الأنف الأجدع، يعلم الفتى أنه قبيح، وقد ثبت أنه من وجهه، وهذا مثل قديم، يقولون: منك أنفك وإن كان أجدع، ومنك عيصك وإن كان أشِبا» (٤).
_________________
(١) ينظر ديوان أبي تمام: [١/ ٣٣٦ب٢٩] وينظر أيضا: [٣/ ٣٤٤]، [٤/ ١٧٧ب١]
(٢) ينظر ديوان أبي تمام: [١/ ٣٢١ب٣٠] وينظر أيضا: [١/ ١٨٣ب١٥]، [٢/ ٤٠٩ب٧]، [٣/ ١٣٨ب٣٧]، [٢/ ٣١٢ب١٢]، [١/ ٢٩٢ـ ٢٩٣ب٧]، [٢/ ٢٦٥ب١٧]
(٣) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٧٩].
(٤) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٢٣]. وينظر أيضا: [٣/ ١١٧ب١٢]، [٢/ ٤٢٣ب٢]، [١/ ١١ب٣]، [١/ ١٣١ـ ١٣٢]، [٢/ ٣٢٤ب١٥]، [٢/ ١٧٥ب٤٠]، [١/ ٣٧٩ب٤١]، [١/ ٣٩١ـ ٣٩٢ب٢٤].
[ ٣٦٩ ]
· موضع لقول أحد التابعين.
قال عند قول أبي تمام:
غادَرتَ أَرضَهُمُ بِخَيلِكَ في الوَغى وَكَأَنَّ أَمنَعَها لَها مِضمارُ [بحر الكامل]
«المضمار: الغاية التي تُجْرى إليها الخيل، وفي حديث الحسن البصري ﵁: إن الله جعل الصوم مضمارا لعباده» (١).
· موضع لقول أحد الأدباء:
قال عند قول أبي تمام:
أَلَهفي إِذا ما ارتَدى لِلرَّدى أَلَهفي إِذا ما احتَبى لِلحِباءِ [بحر المتقارب]
«ارتدى افتعل من الرداء وهو السيف في هذا الموضع، وفي كلام لبعضهم: العرب أفضل الناس، العمائم تيجانها، والسيوف أرديتها، والحُبى حِيطانها» (٢).
******
_________________
(١) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٨١ب٥٤].
(٢) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢٩ب٣٧].
[ ٣٧٠ ]
الفصل الثاني
منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام
ويشتمل على:
١) توثيق الرواية.
٢) توظيف القرائن.
٣) توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان.
٤) الاعتماد على الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ.
٥) الاهتمام الدلالي بالكلمة.
٦) الحرص على ذكر غرض القصيدة وسبب قولها قبل الشروع في شرحها.
٧) الحرص على ذكر بحر ووزن القصيدة ولقب القافية.
٨) دعم الشرح بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبالأبيات الشعرية، والأمثال.
[ ٣٧١ ]
سنقوم بإذن الله في هذا الفصل بعرض منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام، الذي يوافق في معظمه مع منهج أبي العلاء.
١) العنصر الأول من عناصر المنهج: توثيق الرواية:
كان التبريزي يهتم بتوثيق الرواية على نهج أستاذه، ويتمثل ذلك في رواية الروايات المختلفة للبيت قيد الشرح، وذكر الروايات الفردية أوالثنائية أوالثلاثية أوالرباعية للبيت الذي يشرحه، وفيما يلي هذا الإحصاء الذي قام به البحث (١).
الأبيات التي شرحها التبريزي الرواية الأحادية الرواية الثنائية الرواية الثلاثية الرواية الرباعية الرواية سداسية
٢٢٨٨ ١٩٦ بالإضافة إلى ٧ أبيات لمعظم ألفاظ البيت. بيتا أبيات بيتا ١
المجموع الكلي للأبيات ذات الروايات المختلفة: ٢٦٦
ونلاحظ أن:
• التبريزي في بعض الأبيات يقدم رواية أخرى فقط بدون أي شرح آخر (٢).
• وكان التبريزي في بعض الأحيان يقدم الرواية الأخرى بقوله: «والرواية الصحيحة» (٣).
• وفي بعض المواضع يقول: «والرواية المعروفة » (٤).
_________________
(١) العدد الإجمالي للأبيات التي شرحها التبريزي ينظر فيه مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي (العنوان: تراثنا النقدي الجزء الأول مقال: خصائص الشروح العربية على ديوان أبي تمام، للهادي الجطلاوي) [١/ ١٣٧].
(٢) ينظر على سبيل المثال ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٢٤]، [٣/ ١٨٢]، [٣/ ٢٨٥]، [٣/ ٣١٢]، [٣/ ٣١٣]، [٣/ ٣٤٧]، [٣/ ٦٤]، [٤/ ٣٤]، [٤/ ٤٥]، [٤/ ٤٥٢]، [٤/ ٤٧٥]، [٤/ ٨٢]، [٤/ ٩٧]
(٣) ينظر ديوان أبي تمام بشرح التبريزي:٢/ ٣٨٤ ب٣٢
(٤) قال التبريزي عند قول أبي تمام: فَتىً دَخَرَ الدُّنيا أُناسٌ وَلَم يَزَل لَها باذِلًا فَانظُر لِمَن بَقِيَ الذُّخرُ [بحر الطويل] «الرواية المعروفة: «لم يزل لها داحرا» والذي غيرها بـ «باذل» إنما كره لفظ «داحر»، وذلك يدل على سُخْف رأي وجهل». يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي: [٤/ ٥٧٤ب٢٩]، وينظر أيضا: [٤/ ٣٣٠ب١١] و[١/ ٢٥١ب٣٥].
[ ٣٧٢ ]
وفي ثنايا شرح التبريزي نقرأ ما يفيد إحاطته بكل نسخ ديوان أبي تمام التي كانت متاحة لديه. قال عند قول أبي تمام:
سَهمُ الخَليفَةِ في الهَيجا إِذا سُعِرَت بِالبيضِ وَالتَفَّتِ الأَحقابُ وَالغُرُضُ [بحر البسيط]
«في النسخ كلها: «سهم الخليفة»،وفي «ذكرى حبيب» لأبي العلاء: شهم الخليفة» (١).
ونلاحظ مدى التثبت الذي كان يتحراه التبريزي في شرحه للديوان عند قوله: «وسمعت بعض من يتقن هذا الديوان من رؤساء الكُتَّاب ينشد » (٢).
والتبريزي كان حريصا أشد الحرص أن يأخذ رواية عن «الرواة المتقنين»، و«أصحاب النقل» (٣). وهويعلم ما «يجوز أن يكون مفترى على العرب» من غيره (٤)، وما قد «حُكِيَ» على وجه مخصوص (٥).
وكان يستند في روايته للغة والشعر على فحول اللغويين، مثل: الأصمعي، أبي عبيدة، والفراء، والنضر بن شميل، وابن الأعرابي (٦).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٨٥ب٧]، وقال في موضع آخر عند قول أبي تمام: إِن زارَ مَيدانًا مَضى سابِقًا أَونادِيًا قامَ إِلَيهِ الجُلوس [بحر السريع] «لإعجابهم به، وفي نسخة: إن زار ميدانا سبى أهله» [٢/ ٢٧٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥١]
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥٤]
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٩١، ب ١٢ - ١٣].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢٧، ب ٤٢].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي: ٢/ ٣٤ب٧، ١/ ٣١٢ب٢
[ ٣٧٣ ]
ونزعة التبريزي إلى التثبت تظهر في رفضه كل أمر لا يقوم عليه دليل، قال التبريزي: «.. وكان الزجاج يذهب إلى أن الإستبرق سُمِّي بالفعل الماضي من البرق؛ إذا بني على استفعل، وهذه دعوى لا تثبت» (١).
*******
٢) العنصر الثاني من عناصر المنهج: توظيف القرائن:
من الأمور التي اتكأ عليها التبريزي لتوضيح معاني أبيات أبي تمام «القرائن»، فقد كانت مصباحًا يهديه إلى تلك المعاني، وقائدًا يقوده إليها. وقد استغل هذه القرائن في مائة وخمسين موضعًا تقريبا.
ويمكن أن نصنف هذه المواضع إلى نوعين من القرائن:
١) قرائن «السياق اللغوي Linguistic Context»، أو «قرائن السياق الداخلي للحدث اللغوي Verbal Context» .
٢) قرائن «السياق غير اللغوي of Situation Context» .
وتحت قرينة السياق اللغوي يمكن أن نضع مجموعة من القرائن الفرعية التي استخدمها التبريزي في شرحه:
(١) القرينة اللفظية.
(٢) القرينة المعجمية.
(٣) القرينة النحوية.
(٤) القرينة الصرفية.
(٥) القرينة العروضية.
(٦) قرينة الاستعمال اللغوي.
(٧) قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية.
(٨) قرينة خصائص الصنعة الشعرية.
وتحت قرائن السياق غير اللغوي يمكن أن نضع ما يلي:
(١) القرينة الجغرافية.
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤١٥ ب١٩].
[ ٣٧٤ ]
(٢) القرينة التاريخية.
(٣) القرينة العرفية.
[أ] قرائن السياق اللغوي:
كانت قرائن السياق اللغوي تُكَأَةً تعينه على الشرح، وهوـ في كثير من المواضع - لا يشير إلى استخدامها، ولكننا نفهمها ضمنًا.
قال أبوتمام يمدح سليمان بن وهب:
لَم أَزَل بارِدَ الجَوانِحِ مُذ خَضـ خَضتُ دَلوي في ماءِ ذاكَ القَليبِ [بحر الخفيف]
« وجعل الدلومثلا للرجاء، وأراد «ماء القليب»: جود الممدوح» (١).
وقد يشير التبريزي إلى القرينة التي أوضحت - أورجحت، أورفضت - عند شرح المعنى، وهوفي أغلب الأحيان لا يذكر اسم هذه القرينة.
١ـ القرينة اللفظية.
ـ نرى ذلك مثلاعند قول أبي تمام:
صاغَهُمُ ذوالجَلالِ مِن جَوهَرِ المَجـ دِ وَصاغَ الأَنامَ مِن عَرَضِه [بحر المنسرح]
«هذا مأخوذ من الجوهر والعرض اللذين وضعهما المتكلمون؛ لأن «الجوهر» عندهم أثبت من العرض، وقد يجوز أن يجعل الجوهر هاهنا من الجواهر التي هي در وياقوت، ونحوذلك، وهوأبلغ من الوجه الأول، إلا أن مجيء «العرض» يُحْوِج إلى التأويل المتقدم» (٢).
ـ ومن ذلك قوله:
إِمليسُهُ إِمليدُهُ لَوعُلِّقَت في صَهوَتَيهِ العَينُ لَم تَتَعَلَّقِ
يُرقى وَما هُوبِالسَّليمِ وَيَغتَدي دونَ السِّلاحِ سِلاحَ أَروَعَ مُملِقِ [بحر الكامل]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٢٤ب٣٠]، ولمزيد من المواضع في نفس هذه الجزئية تُنْظَرُ المواضع الآتية: [١/ ١٢ب٧]، [٢/ ٣٧٠ب٣٦]، [٢/ ١٠٢ب٤]، [٤/ ١٨ب١٩].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣١٧ب٥].
[ ٣٧٥ ]
«مجيء «يُرقى» في أول هذا البيت يدل على أنه أراد بـ «العين» في البيت الأول: التي تصيب الإنسان، ومثل هذا كثير يتفق في الشعر، يكون البيت يحتمل وجوهًا، فإذا سُمِع البيت الذي يليه؛ قصره على واحد من تلك الوجوه» (١).
ـ وقال:
فَامدُد عِناني بِوَأى ضِلعُهُ تَثبُتُ وَالعُذرَةُ مِنهُ تَنوس [بحر السريع]
«أي احملني على فرس هذا صفته، و«ضلعه تثبت»؛ أي: متمكنة مساندة في خلقه، وعند أبي عبد الله: «ضلعه تُذْرع»؛ أي: طويل الضلع؛ تذرع لطولها ذرعًا، ولا تشبر، والأول هوالوجه لذكره النَّوْس مع الثبات» (٢).
٢ـ القرينة النحوية.
ـ ومثال ذلك:
يَقولُ مَن تَقرَعُ أَسماعَهُ كَم تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ [بحر السريع]
«جعل «مَنْ» في معنى الجمع؛ لأنها عامَّة، تقع على الواحد والاثنين، والمذكر، والمؤنث، والجمع () ولولا ذلك لم يَحْسُن أن يقول «أسماعه»؛ لأنه يجمع سمع الإنسان الواحد، وإن كان ذلك جائزًا؛ فليس بحسن، كما لا يحسن أن تقول: ضربت أعناقه، ولا شججت رءوسه، وإنما يجوز ذلك أن يجمع الشيء، ويضاف إليه ما حوله، كما يقال: ركبت أصلاب الناقة؛ لأنه يجعل كل فقارة صلبا» (٣).
٣ـ القرينة الصرفية.
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَلِلكَذَجِ العُليا سَمَت بِكَ هِمَّةٌ طَموحٌ يَروحُ النَّصرُ فيها وَيَغتَدي [بحر الطويل]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤١٦ـ ٤١٧ب٢٠، ٢١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٧٦ب٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٦١ب٦].
[ ٣٧٦ ]
« «الكذج»: كلمة لم تستعملها العرب، ولا استعملت الكاف والذال والجيم فيما يعرف من الثلاثي»» (١).
ـ وقال:
سَقاهُم كَما أَسقاهُمُ في لَظى الوَغى بِبيضِ صَفيحِ الهِندِ وَالسُّمُرِ الذُّبلِ [بحر الطويل]
« و«الذُّبل» جمع «ذَبُول»؛ لأن «فَعُولا» بابه أن يجمع على «فُعُل»، وجمع «فاعل» على هذا المثال قليل؛ فكان حمله على «فَعُول» أوجب» (٢).
ـ وقال:
صافي الأَديمِ كَأَنَّما أَلبَستَهُ مِن سُندُسٍ بُردًا وَمِن إِستَبرَقِ [بحر الكامل]
«ولو كان «السندس» عربيًّا لكان اشتقاقه من «السَّدُوس» وهو: الطيلسان الأخضر» (٣).
٤ـ القرينة العروضية.
ـ قال عند قول أبي تمام:
قَتَلَتهُ سِرًّا ثُمَّ قالَت جَهرَةً قَولَ الفَرَزدَقِ لا بِظَبيٍ أَعفَرِ [بحر الكامل]
«اكتفى بعجز بيت الفرزدق، لأنه لم يقدر أن يزيد على ذلك من أجل إقامة الوزن، والبيت مشهور، قد روي في شعر الفرزدق، وروي لغيره:
أَقولُ لَهُ لَمّا أَتاني نَعِيُّهُ بِهِ لا بِظَبيٍ بِالصَّريمَةِ أَعفَرا [بحر الطويل]» (٤).
ـ وكما قال عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٨ب٣١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٢١ب١٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤١٦ب١٩]، ويُنْظَرُ أيضًا الموضعان الآتيان: [١/ ٦١ـ ٦٢]، [٤/ ٤٢٢ب٥].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٥١ب٧].
[ ٣٧٧ ]
مَن يَسأَلِ اللهَ أَن يُبقي سَراتَكُمُ فَإِنَّما سالَهُ أَن يُبقِيَ الكَرَما [بحر البسيط]
« وإن همزت «يسأل» فإنه أحسن، وإن تخالفت اللغتان، وإن لم تهمزها فجائز، والاختيار الهمز؛ لأنه أصح للوزن» (١).
ـ وأيضًا: فَما أَبقَيتَ لِلسَّيفِ اليَماني شَجًا فيهِم وَلا الرُّمحِ الرُّدَيني
وَقائِعُ أَشرَقَت مِنهُنَّ جَمعٌ إِلى خَيفَي مِنًى فَالمَوقِفَينِ [بحر الوافر]
«وثنى «الخَيْف» وهوما ارتفع من المسيل، وانحدر عن الجبل، لأنه أراد إقامة الوزن، ذلك جائز على معنى الاتساع، وإنما يجيء في الشعر القديم «خيف منى»،و«الخيف من منى» على التوحيد، إلا أن التثنية والجمع في مثل هذه الأشياء جائزان» (٢).
٥ـ قرينة الاستعمال اللغوي.
ـ قال عند قول أبي تمام:
يَنبوعُها خَضِلٌ وَحَليُ قَريضِها حَليُ الهَدِيِّ وَنَسجُها مَوضونُ [بحر الكامل]
« و«الخضل»: الذي قد ابتل، ويجوز أن يكون الطائي لم يقله على هذا النظم؛ لأن الينبوع لا يحسن أن يوصف بـ «خَضِل»، ولكن لوقال: «غَدِق» لكان أشبه؛ إذ كانوا يقولون: «خضلَ ثوبُه»؛ إذا أصابه قطر فبله.» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
قَومٌ غَدا طارِفُ المَديحِ لَهُم وَوَسمُهُم لائِحٌ عَلى تُلُدِه [بحر المنسرح]
«و«وسم» - بالسين غير معجمة ـ؛ أي: علامة بالميسم، وهوأشبه من «الوشم» بالشين في هذا البيت؛ لأن الوشم يُستَعمل في الأكف والأذرع» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٧٥ب٥٢].
(٢) يُنْظَرُ شرح التبريزي: [٣/ ٢٩٩ب١٤]، ولمزيد من المواضع تُنْظَرُ المواضع الآتية: [١/ ٤٢٧ب٨]، [١/ ٤٢٩ - ٤٣٠ب١٢]، [٤/ ٣٦٢ب٨]، [٤/ ٥٧٠ب١١]، [٢/ ٩٨ب٢].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٣٠ب٤٢].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٣٢ب٢٠].
[ ٣٧٨ ]
ـ وقال عند قول أبي تمام:
وَبَيَّنَ اللهُ هَذا مِن بَرِيَّتِهِ في قَولِهِ خُلِقَ الإِنسانُ مِن عَجَلِ [بحر البسيط]
« واختلف المفسرون في قوله تعالى: چ؟؟؟ ٹٹ ٹ ٹ؟؟؟ چ [الأنبياء: ٣٧]، فقال قوم: هوعلى القلب، كأنه قال: خُلِقت العجلة من الإنسان، وقال بعضهم إنما المعنى: أنه يكثر العجلة؛ فهو مائل في جانبها؛ فكأنه خلق منها، ومثل ذلك يتردد في الكلام، تقول للصبي الذي يحب اللعب ويكثره: ما أنت إلا مخلوق من لعب » (١).
٦ـ قرينة خصائص الشاعر الأسلوبية:
ـ وقال عند قول أبي تمام:
فَتًى دَخَرَ الدُّنيا أُناسٌ وَلَم يَزَل لَها باذِلًا فَانظُر لِمَن بَقِيَ الذُّخرُ [بحر الطويل]
«الرواية المعروفة: «لم يزل لها داحرا»، والذي غيرها بـ: «باذل» إنما كره لفظ «داحر»، وذلك يدل على سُخْف رأي وجهل، وفي قوله: «داحر» ضرب من الصناعة التي كان يتبعها الطائي؛ لأن «داحرا» تصحيف «داخر»» (٢).
ـ قال عند قول أبي تمام:
مَضَوا لَم يُخزِ قائِلَهُم خُمولٌ وَلَم يُجدِب فَعالَهُمُ جُدوبُ [بحر الخفيف]
««يُجْدِب»: يَعِيبُ، وإن رويت: «جَدُوبُ» بفتح الجيم فهو: «فَعُول»، من «جَدَبْتُه»؛ إذا عبته، وإن رويتَ: «جُدُوب» - بالضم - فهوأشبه بصنعة أبي تمام؛ لأنه يريد جمع جدب» (٣).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٩٠ب١٢، ١٣] ولمزيد من المواضع في نفس هذه الجزئية تُنْظَرُ المواضع الآتية: [٤/ ٣٧٤ب١]، [١/ ٤٢٨ب١٠]، [١/ ٤١٤ - ٤١٥ب٢٥]
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٧٤ب٣٠]. ونلفت الانتباه أن هذه هي رواية البيت كما رواها التبريزي.
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٥٩ب٢٦].
[ ٣٧٩ ]
ـ ومنه قوله عند قول أبي تمام:
تُثَفّى الحَربُ مِنهُ حينَ تَغلي مَراجِلُها بِشَيطانٍ رَجيمِ [بحر الوافر]
« «تُثَفّى» من الأثافي .. ومن قال «أَثَّفَتْ» فوزن «أُثْفية» عنده «فُعْلية». وهاتان الروايتان أولى بصنعة الطائي، من رواية من روى: «تصلى الحرب منه».» (١).
ـ ومنه قوله عند قول أبي تمام:
أَإِلى بَني عَبدِ الكَريمِ تَشاوَسَت عَيناكَ وَيلَكَ خِلفَ مَن تَتَفَوَّقُ [بحر الكامل]
«.ومن روى «خِلْف» - بفتح الخاء - فهوبعيد من مذهب الطائي، وله مذهب في القياس» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
جَرى حاتِمٌ في حَلبَةٍ مِنهُ لَوجَرى بِها القَطرُ شَأوًا قيلَ أَيُّهُما القَطرُ [بحر الطويل]
«والرواية المعروفة: «بها القطر شأوا واحدا جمس القطر»؛وهوأشبه بكلام
الطائي»» (٣).
ـ ومنه قوله عند قول أبي تمام:
قَد كِدتُ أَن أَنسى ظِماءَ جَوانِحي مِن بُعدِ شُقَّةِ مَورِدي عَن مَصدَري [بحر الكامل]
«والأشبه أن يكون مد «الظماء»؛ لأنه تكرر في شعره ممدودا، وذلك رديء؛ لأنه قليل في المستعمل» (٤).
والتبريزي في اعتماده على أسلوب الشاعر كقرينة لبيان النص يسلك مسلك أستاذه الذي أشرنا إليه من قبل.
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٦٢ب١٧].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٩٦ب١٨].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٧٤ب٢٩] ولمزيد من المواضع في نفس هذه الجزئية تُنْظَرُ المواضع الآتية: [٢/ ٣٨ب٢٧]، [١/ ٤٠٧ب٦]، [٣/ ٣٢٥ب١٣]، [٤/ ٤٧٠ب١]، [١/ ٣٩٥ب٣٩]، [٢/ ٢٨٨ب٦]، [٢/ ١٧ب٢٩].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٥٥ب٢٦].
[ ٣٨٠ ]
ولعل في منهجهما هذا إشارة إلى أن الوزن والقافية لا يمثلان أي عبء على الشاعر المتمكن من لغته وأنه رغم وجود هذين القيدين يمكن أن يكون له أسلوب. وهما في هذا يتفقان مع النقاد العرب الذين «انتهوا إلى أن أعلى مراتب البراعة السيطرة على القيد المضروب، وفك الحصار المفروض، حتى لا أثر لهما في المنجز من اللغة» (١).
ولعل في منهجهما هذا أيضا رد قديم على أصحاب «قصيدة النثر» و«النثيرة» الذين يرون «في انبناء البيت على الانتظام رتابة مملة كما عدوا القافية قيدا شكليا يحول عمل الشاعر إلى جري وراء الموافقة الصوتية على حساب المعنى»، والذين يدعون - كما يقول أحد دعاتهم أدونيس - أن «الشعر هو الكلام الموزون المقفى، عبارة تشوه الشعر، فهي العلامة والشاهد على المحدودية والانغلاق، وهي إلى ذلك معيار يناقض الطبيعة الشعرية العربية ذاتها» (٢).
٧ـ قرينة خصائص الصنعة الشعرية.
قال أبوتمام:
مِن كُلِّ ريمٍ لَم تَرُم سوءًا وَلَم تَخلِط صِبى أَيّامِها بِتَصابي [بحر الكامل]
«.. وتخفيف الريم في هذا الموضع أجود في صناعة الشعر؛ لأنه يصير مجانسا لـ «تَرُمْ»» (٣).
[ب] قرائن السياق غير اللغوي:
أما قرائن السياق غير اللغوي فقد تنوعت بين القرائن التاريخية، الجغرافية، والعرفية وغيرها. أما القرينة التاريخية فتظهر عند قوله على بيت أبي تمام:
_________________
(١) حمادي صمود: الشعر وصفة الشعر في التراث، ص ٧٨، مقال بمجلة فصول ع تراثنا النقدي ج١/ ديسمبر ١٩٨٥م
(٢) السابق ص ٧٦
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٧٦ - ٧٧ب٤] ويُنْظَرُ أيضًا الموضعان الآتيان: [٤/ ٤٥٠ب٦]، [١/ ٩].
[ ٣٨١ ]
وَلَو عَلِمَ الشَيخانِ أُدٌّ وَيَعرُبٌ لَسُرَّت إِذَن تِلكَ العِظامُ الرَّمائِمُ [بحر الطويل]
«وليس بحسن أن يُجعل «أُدٌّ» في هذا البيت أبا تميم بن مُرّ بن أُد بن طابخة بن إلياس بن مضر؛ لأن أُد بن طابخة لم يكن أبا لكل العرب، ولأن القول أعم في المدح» (١).
أما الجغرافية فتظهر عند قول أبي تمام:
حَطَطتَ بِها يَومَ العَروبَةِ عِزَّهُ وَكانَ مُقيمًا بَينَ نَسرٍ وَفَرقَدِ [بحر الطويل]
«واستعماله «نَسرا» و«فرقدا» بغير ألف ولام: أحسن من قوله «كوَجْدِ فرزدق»، ومن قوله: «ما بين أندلُس إلى صنعاء»؛ لأن «الفرزدق» و«الأندلس» لا يعرف غيرهما، مما له هذا الاسم، والنسر والفرقد: معهما غيرهما؛ فيحسن فيهما التنكير؛ لأجل الاشتراك» (٢).
والعرفية فنلحظها عند قول أبي تمام:
وَإِن خَفَرَت أَموالَ قَومٍ أَكُفُّهُم مِنَ النَّيلِ وَالجَدوى فَكَفّاهُ مَقطَعُ [بحر الطويل]
«يقول إذا كانت يد الرجل كالخفير لماله؛ تحفظه من السؤال؛ فكفاه مقطع؛ أي يُقطع فيهما الطريق على المال؛ لأن العادة جارية بأن المال يؤخذ في قطع
الطريق» (٣).
وهذه القرائن السياقية غير اللغوية لهي دليل واضح على ثقافة التبريزي الواسعة التي تحيط بمعظم جوانب الثقافة العربية.
_________________
(١) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٨٢ب٢٩]، وينظر أيضا: [٢/ ٣٢ـ٣٣ب٢].
(٢) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٦ب٢٤]، وينظر أيضا: [١/ ٢٦ب٦]
(٣) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٣٠ب٣٢]. وينظر أيضا: [٣/ ٢٧٧ب٢٨]، [١/ ٢٠٨ب٢٨]، [٣/ ٣٤٦ب٦]، [٢/ ٣٤٩ب٢٧]، [٤/ ٤٤ب٧]، [٢/ ١٧٩ب٥١].
[ ٣٨٢ ]
٣) العنصر الثالث من عناصر المنهج: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان:
على نهج أستاذه كان التبريزي يستخدم خصائص البيئة اللغوية المستقرة في عصره لشرح الديوان، فهي عنده أيضًا كانت بمثابة المعيار الثابت الذي يحتكم إليه - عند شرحه - لبيان اقتراب أوابتعاد الديوان من هذا المعيار.
وقبل تقديم هذا الاقتراب أوالابتعاد يجب أن نقدم تصور التبريزي للغة.
* اللغة عند التبريزي:
من خلال تتبع شرح التبريزي نستطيع أن نرسم صورة للغة عنده، وهي كالتالي:
تنقسم اللغة عنده إلى قسمين: لغة العامة، ولغة أهل العلم.
أما لغة العامة فهي تتسم بـ:
• أن لها كيانها الخاص وأساليبها الخاصة بها وألفاظًا مصطلحًا عليها داخلها.
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
أَخَرِستَ إِذ عايَنتَني حَتّى إِذا ما غِبتَ عَن بَصَري ظَلِلتَ تَشَدَّقُ [بحر الكامل]
«هذا معنى يتردد في كلام الخاص والعام، يقول: إذا رآني سكتَ فلم ينطق، وإذا غبت تشدق بالقول» (١).
ـ وقال التبريزي: «العامة يقولون: نظر إليهم الزمن إذا فعل بهم فِعْلا قبيحًا، وقد استعملوا ذلك في العصر القديم وإنما هواصطلاح من العامة؛ لأن النظر إلى الإنسان ممن فوقه جائز أن يجلب إليه خيرا أوشرا» (٢).
ـ وقال: «والعامة إذا قالوا للرجل هوابن الطريق؛ نسبوه إلى أنه وُجِدَ منبوذًا» (٣).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٩٥ب١٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٧١ب٢].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٧٩ ب٥١].
[ ٣٨٣ ]
رَأى الرومُ صُبحًا أَنَّها هِيَ إِذ رَأَوا غَداةَ التَقى الزَّحفانِ أَنَّهُما هُما [بحر الطويل]
«.. «أنهما هي» يعني المنية، وهذا كلام يستعمله العامة كثيرا، إذا أشرف على الرجل منهم أمر قال: هي هي؛ أي: هذه القصة هي المنية التي تُنْتَظر» (١).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
لَم يُسَوَّد وَجهُ الوِصالِ بِوَسمٍ الحُبِّ حَتّى تَكَشخَنَ العُشّاقُ [بحر الخفيف]
«.. «تَكَشخَنَ» كلمة عامية لا تعرفها العرب، وإذا حُمِلَت على القياس فالصواب: تَكشَّخَ» (٢).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
كَساكِ مِنَ الأَنوارِ أَصفَرُ فاقِعٌ وَأَبيَضُ ناصِعٌ وَأَحمَرُ ساطِعُ [بحر الطويل]
«والاشتقاق لا يمنع أن يوصف الأبيض بالفاقع؛ إلا أنهم لم يستعملوه () وأهل البصرة يقولون: حَمَامٌ فَقِيع، وهي كلمة عامية، وقد طعن فيها بعض أهل العلم» (٣).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
لَبَّيتَ صَوتًا زِبَطرِيًّا هَرَقتَ لَهُ كَأسَ الكَرى وَرُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ [بحر البسيط]
«.. «زِبَطرِيّ»: منسوب إلى زبطرة ..، والعامة يقولون: زَبَطْرة؛ بفتح الزاي، وليس في كلام العرب مثل: دَمَقْس في الرباعي ..» (٤).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٤١ ب٣٩].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦ ب٦]، وفي هذا البيت دليل على استعمال أبي تمام للغة العامية في بعض أبياته، ونلاحظ أن التبريزي لجأ إلى اللغة العامية لتفسير أبيات أبي تمام، حيث لا يكون معنى البيت واضحا إلا إذا لجأ إلى هذه اللغة.
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٨١ - ٥٨٢ب٧].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٦١ـ ٦٢].
[ ٣٨٤ ]
لَجادَ بِها مِن غَيرِ كُفرٍ بِرَبِّهِ وَآساهُمُ مِن صَومِهِ وَصَلاتِهِ [بحر الطويل]
«الصواب «وآساهم»؛ لأنه من تصييره إياهم أسوته؛ أي: مثله، إلا أن العامة يقولون: واساه، وقد استعملوا مثل ذلك في مواضع كثيرة، مثل: آكله، وآخاه» (١).
وقد توجد ألفاظ مشتركة بينها وبين لغة أهل العلم، ولكنها ذات دلالة مختلفة؛ أي تستقل لغة العامة بدلالة مستقلة عن لغة أهل العلم، قال التبريزي: «والشمائل أكثر ما تستعمل العرب في معنى الخلائق والعامة يقولون: فلان حسن الشمائل يريدون به حُسْن الخلق والقد، والاشتقاق يجيز ذلك» (٢).
أما اللغة التي تقابل اللغة العامية - وهي التي اعتمد عليها وعلى خصائصها وسماتها في شرح الديوان - فهي اللغة التي سماها التبريزي لغة «أهل العلم» (٣)، و«أصحاب اللغة» (٤)، و«أهل اللغة» (٥)، و«كلام العرب» (٦).
وهذه اللغة تتميز بما يلي:
١ـ أنها لغة اصطلاحية:
قال التبريزي: «وأصل الهبوط: الانحدار، وجرى الاصطلاح على أن يقولوا: نزلنا أرض كذا، وهبطنا؛ إذا حلوها، وإن كانت مرتفعة» (٧).
٢ـ أنها لغة تتكون من عدة لغات، ودليل ذلك:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٠٩ - ٣١٠].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي: [٢/ ٢٤٣ب٥].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي: [٣/ ٢١٦ ب٢٣]، [٤/ ٥٨٢ ب٧].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٥٢ - ٣٥٣ ب٢٧].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٨٤ ب١٧].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٥٨ ب٣].
(٧) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٢٣ - ٢٢٤ب١٥].
[ ٣٨٥ ]
أَسقى طُلولَهُمُ أَجَشُّ هَزيمُ وَغَدَت عَلَيهِم نَضرَةٌ وَنَعيمُ [بحر الكامل]
«يقال: سقى، وأسقى، قال قوم هما بمعنى واحد () وأنشدوا قول لبيد:
سَقى قَومي بَني مَجدٍ وَأَسقى نُمَيرًا وَالقَبائِلَ مِن هِلالِ [بحر الوافر]
فجمع بين اللغتين» (١).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
إِذا سيلَ سُدَّ العُذرُ عَن صُلبِ مالِهِ وَإِن هَمَّ لَم تُسدَر عَلَيهِ المَسالِكُ [بحر الطويل]
«قوله: «سِيل» .. على لغة من قال سِلْتُ أسال» (٢).
ـ وقال: «وأما الباه: فلغة في الباءة، وهوالنكاح ويقال إن فيها أربع لغات: الباءة، والباهة، والباء، والباه» (٣).
٣ـ ومن هذه اللغات ما يتميز ببعض الخصائص:
مثل قول التبريزي: «يقال: عَقِدُ الرملِ وعَقَدَهُ، وهوما يُعْقَد منه، والذين يسكنون نجدًا ونحوها يقولون: عَقْد الرمل» (٤).
٤ـ ومن هذه اللغات الفصيح والرديء:
ـ قال التبريزي عند قول أبي تمام:
لِمْ لَم أَمُت حُزُنًا لِمَ لَم أَمُت أَسَفًا لِمْ لَم أَمُت جَزَعًا لِمْ لَم أَمُت كَمَدا [بحر البسيط]
«سَكَّنَ الميم في «لم»، وحكي ذلك عن العرب واللغة الفصيحة غيرها» (٥).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٨٩ب١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٦٠ب١١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٤٦ب٦]، وينظر أيضا: [١/ ٦٢]، [٣/ ١٧٥ب٥٢]
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٢٣ب١].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٨٧].
[ ٣٨٦ ]
أَخَذتَها لَبْوَةَ العِرّيسِ مُلبِدَةً في الغابِ وَالنَّجمُ أَدنى مِن مَناكِحِها [بحر البسيط]
«يقال: «لَبُؤَة» على مثال سَبُعَة؛ فهذه اللغة الفصيحة» (١).
ـ وقال: «يقال: جاء القوم بأجمُعِهم؛ بضم الميم، وهوأفصح عندهم من أجمَعِهم بالفتح؛ لأن أجمع مقصور على التوكيد» (٢).
ـ وقال: «وهَلَك بفتح اللام اللغة الفصيحة، وحكى بعضهم: هَلِكَ» (٣).
ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
صَدَّعتَ جِريَتَهُم في عُصبَةٍ قُلُلٍ قَد صَرَّحَ الماءُ عَنها وَانجَلى الزَّبَدُ [بحر البسيط]
«و«قُلُل»: جمع قليل، وربما قالوا: قُلَل، فإن صَحَّ ذلك؛ فإنهم فتحوا للتضعيف ()؛ وهي لغة رديئة» (٤).
٥ـ ومن اللغات الفصيحة ما هو اللغة العالية:
قال التبريزي عند قول أبي تمام:
أَيُرضِخُنا رَضخَ النَّوى وَهومُصمِتٌ وَيَأكُلُنا أَكلَ الدَّبا وَهوجائِعُ [بحر الطويل]
«يقال: رضخ النوى؛ إذا دَقَّه ليعلفه الإبل، ويقال بالحاء أيضا، والحاء عندهم هي اللغة العالية» (٥).
٦ - وأنها لغة متطورة بدليل قول التبريزي عند قول أبي تمام:
قَلتًا مِنَ الريقِ ناقِعَ الذَّوبِ إِلا أَنَّ بَردَ الأَكبادِ في جَمَدِه [بحر المنسرح]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٥٣ - ٣٥٤ب٣١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٠١ب٢١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٥٥ب٢].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٣ـ١٤ب١٣].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٨٢ب١٠]، ولاشك أن أبا العلاء هوصاحب هذا المصطلح.
[ ٣٨٧ ]
«الهاء في «جمده» لا تعود إلى الريق، بل يعود إلى: القلْت، الذي هوكناية عن الفم. وسقط قول العائب: ما معنى جَمَد الريق؟، إذا كان الجمد كناية عن الأسنان. وهذا ظاهرٌ حَسَنٌ، وليس لأحد أن يقول: الجُمُود يستعمل فيما كان سائلا قبل؛ لأنهم توسعوا في استعماله واستعمال الذوب، ألا تراهم يقولون فيمن لا يبكي عند الرزايا: هوجماد الحاجبين» (١).
وبدليل استخدامه للفظة «المحدثين»، ولم يقل العامة:
ـ قال عند قول أبي تمام:
حَتّى كَأَنَّ جَلابيبَ الدُّجى رَغِبَت عَن لَونِها وَكَأَنَّ الشَّمسَ لَم تَغِبِ [بحر البسيط]
«والدجية: الظلمة، وقال قومٌ: لايقال دُجية إلا لليل مع غيم، فأما المحدثون فيعبرون بالدجى عن الليل، ولا يفرقون بين المقمر وغيره» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
فَأُقسِمُ لَوسَأَلتِ دُجاهُ عَنّي لَقَد أَنباكِ عَن وَجدٍ عَظيمِ [بحر الوافر]
«هكذا يروى على توحيد «الدجى»، والمعروف أنها جمع دجية، ولكن المحدثين يستعملونها في معنى الواحد، وذلك جائز على معنى الجنس» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
ما يُبالونَ إِذا ما أَفضَلوا ما بَقِي مِن مالِهِم أَوما هَلَك [بحر الرمل]
«إن كان استعمل لغة طيئ فهي «بقا»، في لفظ الألف على وزن «رحا»، وإن كان استعمل اللغة الأخرى، وهي أضعف اللغتين، فقد ألفتها العامة، وكثرت في أشعار المحدثين، وهي في الشعر الأول قليلة» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٢٦ب٧].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥٣ - ٥٤ب٢٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٦١ب٨].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٥٥ب٢].
[ ٣٨٨ ]
هذا هو تصور التبريزي للغة، فهي في تصوره: عامية، وفصيحة. واللغة الفصيحة تتكون من «لغات»، منها الرديء (١) ومنها الفصيح، وأن من اللغات الفصيحة «اللغات العالية»، وأنها متطورة.
وهنا نود إيراد ملحوظتين:
١ـ أن التبريزي اعتمد على اللغة العامية لتفسير بعض أبيات أبي تمام الذي لجأ هو نفسه إليها.
٢ـ التبريزي اتخذ من اللغة الفصحى معيارا أساسيا في شرح الديوان، معتمدا على خصائصها وسماتها، وبيان مدى اقتراب أبي تمام من هذا المعيار، أوابتعاده عنه.
وبعد أن قدمنا تصور التبريزي للغة، سنحاول في الصفحات التالية عرض العنصر الثاني من عناصر المنهج عند التبريزي وهو: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان، وسنوضح كيف استغل خصائص اللغة الفصحى، وكيف استخدمها كمعيار ثابت أوضح من خلاله مدى اقتراب أبي تمام منه أوابتعاده، وهو في ذلك يحذو حذو أستاذه أبي العلاء.
• توظيف خصائص اللغة الراقية في شرح الديوان:
اعتمد التبريزي على خصائص اللغة الراقية في شرحه للديوان، وتتمثل تلك الخصائص التي اعتمد عليها في: الخصائص الصرفية، والخصائص النحوية، وتوظيف الاستعمال اللغوي، هذا بالإضافة إلى توظيفه لخصائص البيئة الأدبية التي استقر عليها الشعراء.
وقبل أن نشرع في توضيح هذه الخصائص نشير إلى ما يدل على اعتماد التبريزي على خصائص اللغة الراقية، وهوتكراره لكلمة «يقال» ومشتقاتها: «يقولون، وهومن قولهم، قيل». وتكاد هذه اللفظة تذكر مع كل بيت يشرحه التبريزي، بل قد تذكر في البيت الواحد ثلاث مرات.
ـ قال عند قول أبي تمام:
_________________
(١) مصطلح الرديء عند التبريزي يعني: قليل الاستعمال، [٤/ ٤٥٦].
[ ٣٨٩ ]
وَرَأيُكَ مِثلُ رَأيِ السَّيفِ صَحَّت مَشورَةُ حَدِّهِ عِندَ المِصاعِ [بحر الوافر]
«يقال مَشُورة ومَشْوَرة، وهومن قولهم: شار الأمرَ يشوره إذا عرضه» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
أيُّ ندى بين الثرى والجبوب وسؤددٍ لدنٍ ورأي صليب [بحر الرجز]
«الجبوب: يقال إنها الأرض الغليظة، وقيل: الطين اليابس، وقيل: هي ظاهر الأرض» (٢).
[أ] توظيف الخصائص الصرفية:
وظف التبريزي الخصائص الصرفية عند شرحه لبعض أبيات الديوان، وقد أخذ هذا التوظيف أشكالا متعددة:
· توظيفها لبيان مدي اقتراب أبي تمام من هذه الخصائص الصرفية.
ـ قال عند قول أبي تمام:
أَحسِن بِأَيّامِ العَقيقِ وَأَطيِبِ وَالعَيشِ في أَظلالِهِنَّ المُعجِبِ [بحر الكامل]
«وقال: «أطيب»؛ فصحح الياءَ؛ لأن التعجب شأنه ذلك، يظهر فيه التضعيف، ويصح المعتلُّ، إذا بنيته على «ما أَفْعَله»؛ فإنه يصح مُعتله، ولا يظهر مضعفه، تقول: ما أقولَهُ للحق، وما أعزَّهُ، وما أشدَّه؛ فتدغم، فإذا صرت إلى لفظ «أفعل به»، قلت: أقْوِلْ به وأعزز، ولم يقولوا: أعزَّ بفلان ألبتة» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
لَمّا أَطالَ ارتِجالَ العَذلِ قُلتُ لَهُ ألحَزمُ يَثني خُطوبَ الدَهرِ لا الخُطَبُ [بحر البسيط]
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٤٠ب٢٩].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٧ب١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٩٢].
[ ٣٩٠ ]
«قطع ألف الوصل في أول النصف الثاني من البيت؛ إذ كان ما قبله موضع وقف؛ لأنه قال: «قلت له»، ثم ابتدأ بأول الكلام المحكيِّ» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
كَأَنَّ السَحابَ الغُرَّ غَيَّبنَ تَحتَها حَبيبًا فَما تَرقا لَهُنَّ مَدامِعُ [بحر الطويل]
«يقول: أكثرت عليها السحاب من أمطارها حتى كأنها دُفِنَ فيها حبيبٌ، فهي تبكي عليه، يعني الرياض، وخفف الهمزة في «ترقأ» وهوجائز بلا خلاف» (٢).
· ويُوظف التبريزي الخصائص الصرفية بصورة أخرى، حيث يقوم من خلالها من الوقوف على مدى ابتعاد أبي تمام عنها:
ـ قال عند قول أبي تمام:
خَلائِقٌ فيهِ غَضَّةٌ جُدُدٌ لَيسَت بِمَنهوكَةٍ وَلا لُبُسِ [بحر المنسرح]
« و«لُبُس» جمع لَبِيس، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول؛ فليس بابه أن يجمع على فُعُل، ولكنه قد يدخل الباب على الباب، كما قالوا، «قتيل وقُتَلاء، وأسير وأسراء»، وإنما القياس: قَتْلى، وأسرى» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
أَما وَأَبيها لَورَأَتني لَأَيقَنَت بِطولِ جَوًى يَنفَضُّ مِنهُ الحَيازِمُ [بحر الطويل]
« والحيازم: أراد الحيازيم؛ فحذف الياء، وإنما الواحد «حيزوم»، وحذف هذه الياء في الجمع يجترئ عليه الشعراء كثيرًا، كما قالوا: عصافر، ومصابح في جمع عصفور، ومصباح» (٤).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٤٢ب١٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٨٠ - ٥٨١ ب٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٤٠ب١٦].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٧٧ـ ١٧٨ب٦].
[ ٣٩١ ]
الشَرقُ غَربٌ حينَ تَلحَظُ قَصدَهُ وَمَخالِفُ اليَمَنِ القَصِيِّ شَآمُ [بحر الكامل]
« وقد تردد مجيء «الشآم» في شعر الطائي على «فَعال»، وقد جاء ذلك في الشعر القديم إلا أنه شاذ» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
لَم يُسَوَّد وَجهُ الوِصالِ بِوَسم الحُبِّ حَتّى تَكَشخَنَ العُشّاقُ [بحر الخفيف]
«.. «تكشخن»: كلمة عامية لا تعرفها العرب، وإذا حُمِلتْ على القياس، فالصواب «تَكشَّخَ»؛ لأنك إذا بنيت «تَفَعَّل» من سكران فالوجه أن تقول: «تَسَكَّر»، وأما مثل: تَسَكْرن من السَّكران، وتَعَطْشَن من العَطْشان فمعدوم قليل» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
آثارُ أَموالِكَ الأَدثارِ قَد خَلُقَت وَخَلَّفَت نِعَمًا آثارُها جُدُدُ [بحر البسيط]
«الأدثار: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون جمع «دثْر» من المال؛ وهوالكثير، والمعروف في جمعه: «دُثُور» و«فَعْل» ليس بابه أن يجمع على «أَفْعَال»، ولكنه قد جاء في مواضع، مثل: «زَنْد وأَزْنَاد، وفرخ وأفراخ، » والآخر: أن يكون من قولهم «أثر داثر، وربع داثر؛ أي: طامس»؛فيجمع على أفعال» (٣).
· وقد وظف الخصائص الصرفية لبيان عربية لفظةٍ أوأعجميتها:
«الياقوت: كلمة قد استعملتها العرب، فهي كلمة أعجمية في الأصل، وليس لها اشتقاق في كلامهم؛ لأنهم لم يحكوا «أليقْتُ»» (٤).
· وقد وظف الخصائص الصرفية في تفضيل رواية لبيت على رواية أخرى:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٥٤ب٢٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٠٥ب٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢١ب٥١]، ولمزيد من المواضع في هذه الجزئية تُنْظَرُ المواضع الآتية: [٢/ ١٩١ب٢]، [٤/ ٥٢١ب١٤]، [٤/ ٥٢٣ب٢٢]
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٠٦].
[ ٣٩٢ ]
قال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَبَيَّتَّ البَياتَ بِعَقدِ جَأشٍ أَشَدَّ قُوًى مِنَ الحَجَرِ الصَّلودِ [بحر الوافر]
« ومن روى: «أَمَرَّ قوًى»: فالمعنى أشدَّ إمرارًا؛ أي: فتلا، و«أَشَدَّ قُوًى» أجود الروايتين؛ لأن المعروف أمررت الحبل بالهمز، وهم يجتنبون أن يبنى فعل التعجب على أَفْعَلَ في التفضيل، إلا في أشياء مسموعة» (١).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣٨ب٢٧]. ونضيف في ختام هذه الجزئية أن التبريزي كان يتطرق للخصائص الصرفية لمجرد الاستطراد فقط، وليس لهدف معين: ـ قال عند قول أبي تمام: أَمُقرانُ يا ابنَ بَناتِ العُلوجِ وَنَسلَ اليَهودِ شِرارِ البَشَر [بحر المتقارب] «اليهود تستعمل بألف ولام، وبغيرها، ولم تجئ هذه اللفظة في القرآن إلا بالألف واللام» [٤/ ٣٧٦ب١] ـ وقال عند قول أبي تمام: إِن كانَ وَجهُكَ لي تَترى مَحاسِنُهُ فَإِنَّ فِعلَكَ بي تَترى مَساويهِ [بحر البسيط] « «تترى» يجوز فيها التنوين وتركه، فإذا لم تنون فألفها للتأنيث، وإن نونت فألفها للإلحاق، والتاء في أولها بدل من الواو، كأنهم قالوا: وَتْرَى؛ ثم قلبوا الواوتاء و«مساويه»: أصلها الهمز؛ لأنه من ساءَ يسوء، والتخفيف مطرد» [٤/ ٢٩٢ب٢] ـ وقال عند قول أبي تمام: أَلِكني إِلى حَيِّ الأَراقِمِ إِنَّهُ مِنَ الطائِرِ الأَحشاءِ تُهدى المَآلِكُ [بحر الطويل] «و«ألكني» إذا قيل إنها من المالُكة؛ فهي كلمة شاذة؛ لأنك لوبنيت الفعل من «المالُكة» على ثلاث؛ لقلت: ألك، فإن قلتَ في المضارع: يالِك؛ وجب أن تقول إذا أمرت: اِيلِكَ، وإن بنيتَه على يَالُكُ؛ وجب أن نقول: ولُك، مثل: اُومر من أمر يأمر، وإن بني الماضي على ألِك؛ وجب أن يقال: ايلَك، في وزن ايذَن، وإذا بُني الفعل على «أفعل»؛ فالوجه أن يقال: آلِكني، مثل: آذِنِّي، وقد ادعى بعض أهل العلم أن أصل أَلِكني: آلكني؛ فحذفت المدة لكثرة الاستعمال، وقال قومٌ: الأصل أن يقال: مَلْأكة، ومَالَكة كما يقال: جذب وجبذ؛ وإنما ألْإِكْنِي في معنى أَلِكْني؛ فنقلت كسرةُ الهمزة إلى اللام وحذفت، وذلك كثير موجود، وهذا أقيس من الوجه الأول» [٢/ ٤٥٩ب٧] ولمزيد من المواضع في هذه الجزئية تُنْظَرُ المواضع الآتية: [١/ ٣٥٣ب٣١]، [١/ ٦١ - ٦٢]، [٢/ ٤٦٠ب١٠].
[ ٣٩٣ ]
[ب] توظيف الخصائص النحوية:
استغل التبريزي الخصائص النحوية أيضا في شرحه لبعض أبيات الديوان، مبينًا مدى اقتراب أبي تمام من هذه الخصائص أوابتعاده عنها.
ومن أمثلة المواضع التي ابتعد فيها أبوتمام عن الخصائص النحوية، التالي:
ـ قال عند قول أبي تمام:
لازالَ جودُكَ يَخشى البخلُ صَولَتَهُ وَزالَ عودُكَ تَسقي رَوضَهُ الدِيَمُ [بحر البسيط]
«إذا صحت هذه الرواية؛ فقد حذف «لا» في قوله: «وزَال عودك»؛ لأنه أراد: «ولا زال عودك»؛ وحذفها في هذا الموضع قليل، وإنما كثر في القسم، كما جاء في الآية: چ؟؟؟؟؟چ [يوسف: ٨٥]؛ أي: لا تفتأ، ومثله كثير، فأما في مثل بيت الطائي فحذفها مفقود؛ لأنه يؤدي إلى اللبس» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
نَقولُ إِن قُلتُمُ لا لا مُسَلَّمَةً لِأَمرِكُم وَنَعَم إِن قُلتُم نَعَما [بحر البسيط]
««لا»، «نعم» يُحكيان، وهما ينوبان عن جملتين () والغالب عليها ألا يدركهما إعراب، وقد أعرب الطائي «نعم» في هذا البيت () ونصب الطائيُّ
«نعم» في القافية؛ لأنه أخرجها من بابها، وجعلها مفعولة للقول» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
مَلَكَ الكِلالُ رِقابَها وَأُنوفَها فَنُعوبُها دينٌ لَها وَسُعومُها [بحر الكامل]
«وكون الفاء في قوله: «فنعوبها» واوا أحسن، وعليه يصح المعنى، ولعل الطائي قاله كذلك» (٣).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٤٧ب٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٧٤ب٤٨].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٧٧ب٢٩].
[ ٣٩٤ ]
ـ وقال عند قول أبي تمام:
بِكَ عادَ النِّضالُ دونَ المَساعي وَاهتَدَينَ النِّبالُ لِلأَغراضِ [بحر الخفيف]
« وقوله «واهتدين النبال»: قد مر القول في أنه يردد مثل هذا الفعل الذي يتقدم فيه الضمير قبل الذكر، وهوعربي إلا أنه قليل» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
ما كُنتُ أَحسِبُ أَنَّ الدَهرَ يُمهِلُني حَتّى أَرى أَحَدًا يَهجوهُ لا أَحَدُ [بحر البسيط]
«أصل أحد أن يستعمل في النفي، فيقال: «ما جاءني أحد، ولا رأيت أحدًا، ولا مررت بأحدٍ»، ويقبح أن نقول: «جاءني أحدٌ» ولكن العرب خصت النفي بأشياء لم تستعملها في غيره، كقولهم: «ما بالدار دَيَّار» إلا أن الشعراء ربما أخرجت «أحدًا» إلى غير هذا النوع، وذلك من الضرورات» (٢).
· ومن المواضع التي اقترب فيها الطائي من الخصائص النحوية:
ـ قال عند قول أبي تمام:
ما خالِدٌ لي دونَ أَيّوبٍ وَلا عَبدُ العَزيزِ وَلَستُ دونَ وَليدِ [بحر الكامل]
«و«وليد»: يعنى به الوليد بن عبد الملك؛ فحذف الألف واللام، وهوجائز، وقد استعمل ذلك الطائي كثيرًا في مواضع، وهوجائز إلا أن تركه أحسن» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
أُمنِيَّةٌ ما صادَفوا شَيطانَها فيها بِعِفريتٍ وَلا بِمَريدِ [بحر الكامل]
«.. يقال: ما صادفته حاضرًا، وما صادفته بحاضر؛ فيدخلون الباء إذا كان في أول الكلام نفي أوشيء يشابه النفي» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣١٣ب١٧].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٤٠ب٢].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٩٥ب٣٩].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٩٦ب٤٤].وتُنْظَرُ أيضا المواضع الآتية: [١/ ٩١ب٣١]، [١/ ٤٤٠ب٥٢]، [٢/ ١٦١ب٦].
[ ٣٩٥ ]
· ومن المواضع التي استغل فيها الخصائص النحوية لتوضيح المعنى التالي:
ـ قال عند قول أبي تمام:
طَبَلَت رَبيعَ رَبيعَةَ المُهمى لَها فَوَرَدنَ ظِلَّ رَبيعَةَ المَمدودا [بحر الكامل]
« والأحسن أن تكون الإضافة هاهنا على معنى «من»؛ لأنها إذا كانت بمعنى
«اللام» جاز أن يتوهم السامع أنه ربيع لربيعة، دون غيرها من القبائل» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
يَغشَونَ أَسفَحَهُم مَذانِبَ طَعنَةٍ سَيحٍ وَأَشنَعَ ضَربَةٍ أُخدودا [بحر الكامل]
« وتخفض «سيح» بجعله صفة للطعنة، وإن شئت نصبته على تقدير «يسيح سيحا»، والأحسن خفض «ضربة»؛ لأنه عطفه على قوله «أسفحهم»؛ فوجب أن يكون على تقدير قولك: «وأشنعهم ضربة»، ولا يكون ذلك إلا في المعنى، والنصب جائز، ولكن هذا الوجه أبين وأحسن، وإنما قبح النصب لأجل حذف المضاف، كما قبح في قولك: «مررت بأشرف القوم وأحسن وجها»، وأنت تريد: «وأحسنهم وجها»» (٢).
******
٤ - العنصر الرابع من عناصر المنهج: الاعتماد على الاستعمال اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ.
توظيف الاستعمال اللغوي للغة الراقية:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤١١ - ٤١٢ب١٦].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤١٧ب٣٢].
[ ٣٩٦ ]
من الأمور المهمة التي كان يعتمد عليها التبريزي في شرح الديوان توظيفه لما يمكن أن نسميه بـ «المسموع اللغوي» أو «الاستعمال اللغوي» الذي كان يقبله ويسلم به دون مناقشة (١).
ومن خلال هذا التوظيف لـ «المسموع اللغوي» استطاع التبريزي أن يتمكن من عدة أمور، منها:
[١] بيان الانحرافات الاستعمالية التي خرج بها أبوتمام على الاستعمال المتعارف عليه
[٢] رد بعض الروايات للديوان.
[٣] بيان معنى البيت قيد الشرح، وإبراز كثير من الجوانب بلاغية فيه.
وقبل توضيح ما سطرناه آنفا نحب أن نثبت الأمور التالية:
[أ] أن مصطلح «الاستعمال اللغوي» تردد ذكره عند التبريزي صراحة في مواضع عدة من شرحه، بأشكال وألفاظ متعددة:
[١] فتارة يستخدم لفظ «استعمل» بأشكال متعددة: «يُسْتَعمل»، «اسْتُعمل»،
«المستعمل»، «استعملوا»، «يستعملون»، «الاستعمال» (٢).
[٢] وتارة يستخدم للتعبير عن نفس المصطلح قوله: «وقد حكيت» (٣)، «وأهل اللغة يحكون» (٤).
_________________
(١) وما إكثار التبريزي لكلمة «يقال» إلا دليل على ما نقول.
(٢) وهذا اللفظ هوالأكثر استخداما، وعدد المواضع التي ورد فيها هذا اللفظ في ديوان أبي تمام ٥٩ موضعا، وهي: [١/ ١٨٤، ب١٨]، [١/ ٢٠٥، ب١٩]، [١/ ٣٣٧، ب٣٢]، [١/ ٣٦٦، ب٣٥]، [١/ ٣٧٤،ب١٨]، [١/ ٣٨٠ ب٤٥]، [١/ ٤١١،ب١٥]، [١/ ٤٢٧، ب٨]، [١/ ٤٣٠ ٤٣١،ب١٤]، [١/ ٤٣٢، ب٣٠]، [١/ ٤٤٢، ب٥٩]، [١/ ٦٢]، [٢/ ١٠، ١١، ب٣]، [٢/ ١٤٤،ب١٣]، [٢/ ١٦٩، ب١٢]، [٢/ ٢٣١، ب٢٧]، [٢/ ٢٤٣، ب٥]، [٢/ ٢٥٥، ب٤]، [٢/ ٢٦،ب٢٤]، [٢/ ٣٥، ب١٠]، [٢/ ٥٩، ب١]، [٢/ ٦، ب٨]، [٢/ ٩٦، ب٢]، [٢/ ٩٩،ب٣]، [٣/ ١٩١، ب٤٤]، [٣/ ١٩٥، ب١]، [٣/ ٢١٢، ب٣]، [٣/ ٢٣٦، ب١٩]، [٣/ ٢٣٧،ب٢٣]، [٣/ ٢٣٩، ب٢٧]، [٣/ ٢٦٦،ب٣٤]، [٣/ ٢٦٦،ب٣٩]، [٣/ ٢٧٦، ب٢٥]، [٣/ ٢٨٠ ب٦]، [٣/ ٢٨٧، ب٢]، [٣/ ٣١٣، ب١٢]، [٣/ ٣٤٨، ب١٧]، [٣/ ٧٦، ب٣]، [٤/ ١٣٧، ب١]، [٤/ ١٥٥،ب٢]، [٤/ ١٧٠،ب٢]، [٤/ ٢١٢،ب٤]، [٤/ ٢٢٥،ب١]، [٤/ ٢٦]، [٤/ ٣٠٦،٦]، [٤/ ٣٤٦، ب٩] [٤/ ٣٥٧،ب٥]، [٤/ ٣٥٨،ب٣]، [٤/ ٣٧٤،ب١]، [٤/ ٣٩،ب٦]، [٤/ ٤٥٦،ب٢٦]، [٤/ ٥٢٧،ب٨] [٤/ ٥٤٥،ب٢]، [٤/ ٥٥٦،ب١٣]، [٤/ ٥٧٥، ب٣٣]، [٤/ ٥٨١، ب٧]، [٤/ ٦٩، ب٢٤]، [٤/ ٨، ب٢]
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٦٦ب٣٤]، [٤/ ٢٧ب٤٢].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٦ب٢٥].
[ ٣٩٧ ]
[٣] وتارة يستخدم كلمة: «والعادة»،أو «لأن العادة» (١)،أو «جرت العادة» (٢).
[٤] وتارة يستخدم عبارة: «وهذا كما نقول في الكلام» (٣).
[٥] وتارة يستخدم كلمة: «تردد ذكر» (٤)، «تردد الكلام» (٥).
[٦] وتارة يستخدم عبارة: «والأكثر في كلامهم» (٦)، «وكثر ذلك حتى قالوا» (٧).
[٧] وتارة يستخدم عبارة: «ولم يزل القائل يستعير» (٨).
[٨] وتارة يستخدم لفظتا: «معروف» (٩) «وغير معروف» (١٠).
[٩] وتارة يستخدم عبارة: «ولم يذكروا» (١١). [١٠] وتارة يستخدم لفظة: «الغالب» (١٢)
[١١] وتارة يستخدم عبارة: «ومن كلام العرب» (١٣).
[١٢] وتارة يستخدم عبارة: «قليل في كلامهم» (١٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢١٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣١٧ب٤].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩ب٨].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٢٦ب٩].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٩٠ب١٣س].
(٦) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٧٦].
(٧) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٢٧ب٨]، [٤/ ٤٢٧ب١٢]. .
(٨) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٢١ب٣].
(٩) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٦١ب٨]، [٤/ ٥٧٨ب٤٧].
(١٠) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٦٩ب٨].
(١١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٤٥ب١].
(١٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٢٥ب٧].
(١٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٥٤ب٢].
(١٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٤٧ب٢].
[ ٣٩٨ ]
[ب] أن التبريزي كان على وعي بالتطور الدلالي للألفاظ المستعملة، فهوعلى وعي بأن اللفظة كانت تستخدم في معنى معين في وقت من الأوقات ثم حدث لها تطور دلالي بعد ذلك، وفيما يلي أمثلة:
ـ قال: «.. أصل «الوادي» من قولهم: «وَدَى» إذا سال، ثم أهملوا هذه الكلمة؛ فلم يستعملوها إلا في ودى البائل» (١).
ـ وقال: «.. أصل: «الترشيح» تربية الوحشية ولدها، وتعليمها إياه المشي؛ ثم يستعمل ذلك في كل شيء» (٢).
ـ وقال: «.. «الخُوط»: الغصن، وجمعه: خيطان، وكثُر ذلك حتى قالوا: رجل خُوط؛ إذا كان شابا قويا» (٣).
[ج] أن من المسموع عند التبريزي ما هورديء، والسبب قلة الاستعمال:
ـ قال عند قول أبي تمام:
قَد كِدتُ أَن أَنسى ظَماءَ جَوانِحي مِن بُعدِ شُقَّةِ مَورِدي عَن مَصدَري [بحر الكامل]
«والأشبه أن يكون مد «الظماء»؛ لأنه تكرر في شعره ممدودا، وذلك رديء؛ لأنه قليل في المستعمل» (٤).
ـ وقال: «الإصاخة: إمالة الأذن للسمع، وقد حكيت بالسين، وهي رديئة».
وظيفة الاستعمال اللغوي عند التبريزي:
(أ) الوظيفة الأولى: بيان الانحرافات الاستعمالية عند أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٨٤ب١٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٧٤ب١٨].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٢٧ب٨]، وتُنْظَرُ أيضًا المواضع الآتية: [٣/ ٢٨٧ب٢]، [٣/ ٢٧٦ب٢٥]
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٥٥ب٢٦].
[ ٣٩٩ ]
توافق علماء اللغة في عصرنا الحديث على أن النظام اللغوي ينقسم إلى مستويين: مستوى اللغة Language، ويقصد به بنية اللغة الأساسية، أو «هي النظام المرتَّب للكلام المستخدم من قِبَل البشر كوسيلة اتصال فيما بينهم» (١). ومستوى الكلام Speech، ويعني اللغة في حالة التفاعل الفعلي بها أو «فعل أو حدث الكلام» (٢).
وينقسم المستوى الثاني إلى قسمين آخرين «أولهما: الاستخدام العادي للغة، وثانيهما: الاستخدام الأدبي لها، وهذا المستوى الثاني هو مجال البحث الأسلوبي باعتبار أن الفرق بين الاستخدام العادي للغة والاستخدام الأدبي لها يكمن في أن هناك انحرافا في المستوى الثاني عن النمط العادي» (٣). والانحراف - هنا - يعني «الخروج على ما هو مألوف في الاستعمال اللغوي مما يشكل في النهاية ما يسمى الخاصية الأسلوبية» (٤).
والمألوف من الاستعمال اللغوي هو المستوى المثالي أو العادي الذي أقامه النحاة واللغويون، وهو «يعتمد النحوَ التقعيديَّ في تشكيل عناصره، كما يعتمد اللغة في تنسيق هذه العناصر. وثمرة الترابط بين ما يقول به النحاة وما يقول به اللغويون ظهورُ مثالية اللغة في استخدامها المألوف، وهي مثالية افتراضية أكثر منها تطبيقية واقعية» (٥).
_________________
(١) ٥٥٤ P. Language: THE NEW LEXICON WEBSTER S DICTIONARY
(٢) ٩٥٤ P. Speech: THE NEW LEXICON WEBSTER S DICTIONARY
(٣) د. فتح الله أحمد سليمان: الأسلوبية، مدخل نظري ودراسة تطبيقية، ص ١٠، الدار الفنية، رى.
(٤) السابق: ص١٠
(٥) د. محمد عبد المطلب: البلاغة والأسلوبية، ص ٢٦٨، سلسلة أدبيات، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط١، ١٩٩٤م
[ ٤٠٠ ]
وقد جعل البلاغيون هذا المستوى «الخلفية الوهمية وراء الصياغة الفنية، التي يمكن أن يقيسوا إليها عملية العدول في هذه الصياغة» (١).
والانحراف الأدبي الذي يتميز به النص الشعري بشكل عام على ضربين:
«الأول: انحراف بلاغي، يأتي من خارج النص (استعاري أو كنائي)، الثاني: انحراف دلالي، يأتي من داخل النص، إعادة شحن الدال بدلالة جديدة» (٢).
وقد استخدم التبريزي الاستعمال اللغوي الثابت عنده وفي عصره كمعيار ينطلق منه لتوضيح الانحرافات التي كان يخرج أبوتمام بها بعيدا عن هذا الاستعمال، وأهم هذه المواضع التي استخدم فيها «الاستعمال» لبيان تلك الانحرافات التالي: قال عند قول أبي تمام:
كُلُّ شَيءٍ غَثٌّ إِذا عادَ وَالمَعروفُ غَثٌّ ما كانَ غَيرَ مُعادِ [بحر الخفيف]
«.. أصل الغث من قولهم: «لحم غث»؛ إذا لم يكن سمينًا، و«حديث غث»؛ إذا لم يكن عليه طلاوة، فاستعار «الغثاثة» هاهنا في الأشياء كلها، وإنما المعروف أن يستعمل في الحديث» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
فَطَحطَحتُ سَدًّا سَدُّ ياجوجَ دونَهُ مِنَ الهَمِّ لَم يُفرَغ عَلى زُبرِهِ قِطرُ [بحر الطويل]
«وجمع «زُبْرةً» على «زُبْر»، وذلك جمع غير معروف، وإنما يقال: «زُبْرة وزُبَر»، وكذلك جاء القرآن» (٤).
ـ وقال: «الأَرْية واحدة الأرْي، وهوالعسل، وقلما تستعمل هذه الكلمة موحدة» (٥).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
_________________
(١) السابق: ص ٢٦٩
(٢) عبد العزيز موافي: الرؤية والعبارة، مدخل إلى فهم الشعر، ص٢٦٢
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٦٦ب٣٥].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٦٩ب٨].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٣٥ب١٢].
[ ٤٠١ ]
فَكَّت أَكُفُّ المَوتِ غُلَّ قَصائِدي عَنهُ وَضَيغَمُها عَلَيهِ يَزيرُ [بحر الكامل]
«قوله «يَزِير» يقال: زأر الأسد، يزئر، ويزأَر، فقوله: «يَزِيرُ» على لغة من قال: يزئر، والمستعمل في كلام العرب أنهم إذا ألقوا حركة الهمزة على ما قبلها طرحوها من الكلمة، والقياس أن يقولوا إذا خففوا الهمزة يزئر: «يَزِرُ»، وإذا خففوا من يزأر قالوا: «يزَرُ»» (١).
ـ وقال:
في صَدرِهِ مِن هُمومٍ يَعتَلِجنَ بِهِ وَساوِسٌ فُرَّكٌ لِلخُرَّدِ العُرُبِ [بحر البسيط]
« «الفُرَّك»: جمع «فَرُوك»، من قولهم: «فركت المرأة زوجها»؛ إذا أبغضته، وكأنه هاهنا مستعار موضوع في غير موضعه» (٢).
ـ وقال:
جَثَمَت طُيورُ المَوتِ في أَوكارِها فَتَرَكنَ طَيرَ العَقلِ غَيرَ جُثومِ [بحر الكامل]
« طيور جمع طير، وطير جمع طائر، وقلما يقولون طيور، إلا أنه قد جاء، وربما استعملوا الطير في معنى الواحد» (٣).
ـ وقال:
وَلوعٍ بِسوءِ الظَّنِّ لا يَعرِفُ الوَفا يَبيتُ عَلى سَلمٍ وَيَغدوعَلى حَربِ [بحر الطويل]
««ولوع»: بناه على وَلِعَ يَوْلَعُ، والمستعمل في الأكثر: «أُولِع بالشيء» و«الرجل مولع»،ولكن «ولع» جائزة، ولا يقولون: «الرجل وَلِع بكذا»؛ لأنهم استغنوا بالمولع، ولكن ولع جائزة» (٤).
ـ وقال:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٥٨ب٣].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٤٦ب٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٦٦ب٣٩].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٥٥ب٢].
[ ٤٠٢ ]
استَنبَتَ القَلبُ مِن لَوعاتِهِ شَجَرًا مِنَ الهُمومِ فَأَجنَتهُ الوَساويسا [بحر البسيط]
«وأكثر ما تستعمل العرب «الوساويس» بغير الياء، ويجوز أن يكون الطائي سمعه في الشعر القديم، أواجترأ على المجيء به لعلمه أن مثله كثير» (١).
ـ وقال:
لَئِن كانَ أَمسى في عَقَرقُسَ أَجدَعا لَمِن قَبلُ ما أَمسى بِمَيمَذَ أَخرَما [بحر الطويل]
««مَيمَذَ» اسم أعجمي، وليس يوافق شيئا من أسماء العربية؛ لأن الممذ ليس بمستعمل؛ فيكون من باب كوكب، ولا «اليَمَذُ» بمعروف؛ فيجعل من باب «مَفْعَل»» (٢).
(ب) الوظيفة الثانية: رد بعض روايات الديوان أوترجيح عدم قولها:
ـ قال عند قول أبي تمام:
صَلَتانُ يَبسُطُ إِن رَدى أَوإِن عَدا في الأَرضِ باعًا مِنهُ لَيسَ بِضَيِّقِ [بحر الكامل]
« وإن رواه راو «صَلْتان» - بسكون اللام - فهو «فَعْلان» من «الصَّلْت»، والاشتقاق واحد، إلا أن «فَعْلان» من هذا غير معروف» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
يَنبوعُها خَضِلٌ وَحَليُ قَريضِها حَليُ الهَدِيِّ وَنَسجُها مَوضونُ [بحر الكامل]
«.. الينبوع: النهر الكثير الماء، وهو «يَفْعُول» من النبع، و«الخضل»: الذي قد ابتل، ويجوز أن يكون الطائي لم يقله على هذا النظم؛ لأن الينبوع لا يحسن أن يوصف بـ «خَضِل»، ولكن لوقال: «غَدِق» لكان أشبه؛ إذ كانوا يقولون:
«خضلَ ثوبُه»؛ إذا أصابه قطر فبله ..» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٥٥ب٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٣٦ - ٢٣٧ب١٩]، ولمزيد من المواضع في هذه الجزئية تُنْظَرُ المواضع الآتية: [١/ ٤٤٣ب٥٩]، [٤/ ٤٥٥ب٢٦]، [٢/ ١٦ب٢٥].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤١٢ب١٣].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٣٣٠ب٤٢].
[ ٤٠٣ ]
(ج) الوظيفة الثالثة: استغلال الاستعمال اللغوي لبيان معنى البيت قيد الشرح، وما يحيط به من ظلال بلاغية:
استغل التبريزي في بعض الأحيان «الاستعمال اللغوي» ليوضح بعض الجوانب الدلالية والبلاغية للبيت قيد الشرح، ومثال ذلك ما يلي:
ـ قال أبوتمام يمدح خالد بن يزيد بن مَزْيَد الشيباني:
جَعَلَ الدَّجى جَمَلًا وَوَدَّعَ راضِيًا بِالهونِ يَتَّخِذُ القُعودَ قَعودا [بحر الكامل]
« والقعود: ما يقتعد من الإبل؛ أي: ما يركب، ولا يستعمل ذلك إلا فيما كان فتيَّ السن، قريب العهد بالركوب» (١).
والمتأمل في معنى البيت السابق يجد أن توضيح التبريزي لكيفية استعمال «قَعُود» أضاف معنى بلاغيا لطيفا إلى البيت، وهوشدة هوان من تركه الممدوح.
ـ وقال عند قول أبي تمام:
أَصغى إِلى البَينِ مُغتَرًّا فَلا جَرَما أَنَّ النَّوى أَسأَرَت في قَلبِهِ لَمَما [بحر البسيط]
«.. والناس يضعون «لا جرم» في موضع الشماتة واستحقاق المصاب للمصيبة؛ فيقولون: كان فلان رجل سوءٍ، لا جرم أن الله أهلكه» (٢).
ـ وقال:
نِعمَ الفَتى اِبنُ الأَعمَشِ الغَثُّ الذَّفِر لَولا الحِلاقُ وَالجُنونُ وَالبَخَر [بحر الرجز]
«.. «الذفر» بالذال المعجمة أوجه؛ لأنهم يستعملون «الذفر» في حدة الرائحة من طيبٍ أونتن، ويقولون: «ذَفِرٌ»، ولا يستعملون «دفر» بالدال المعجمة إلا بسكون الفاء» (٣).
ـ قال أبوتمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤١١ب١٥].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٦٦ب١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٧٤ب١].
[ ٤٠٤ ]
إِلَيكَ وَيلُكَ عَمَّن كانَ مُمتَلِئًا وَيلًا عَلَيكَ وَوَيحًا غَيرَ مُنقَضِبِ [بحر البسيط]
«.. «ويح» كلمة تقال عند الترحم، وقيل: بل «ويح» قريبة من الويل، إلا أنها أقل جفاء منها، وقال بعضهم: «ويح» كلمة فيها استعتاب، يقال للرجل: ويحك، أما تفيق، ويحك، أما تصنع كذا؟!» (١).
ومن أمثلة ظلال المعاني، قال التبريزي عند قول أبي تمام:
يا طالِبًا مَسعاتَهُم لِيَنالَها هَيهاتَ مِنكَ غُبارُ ذاكَ المَوكِبِ [بحر الكامل]
«أصل السعي المشيُ في الحاجة، ثم اخْتصت هذه الكلمة فجعلت المسعاة المكرمة التي يسعى لها، وأصل الكلمة أن تقع على الصغير والكبير ولكن الكلمة غلب عليها إرادة المدح، كما غلب على قولهم الساعي أن المراد به الذي يأخذ الصدقة من العرب» (٢).
وقد يدخل التبريزي - من خلال الاستعمال اللغوي - في بعض الاستطرادات اللغوية البعيدة عن البيت وشرحه، ولكنها لا تخلومن فائدة للقارئ (٣).
*****
٥) العنصر الخامس من عناصر المنهج: الاهتمام الدلالي بالكلمة:
من الأمور اللافتة للنظر أن التبريزي كان يهتم بدلالة الكلمة اهتماما شديدا ويتمثل هذا الاهتمام في:
ـ الاهتمام بالأصل الدلالي للكلمة وتتبع التطور الدلالي لها:
كان يهتم بالإبانة عن أصل الدلالي للكلمة، وكان هذا من مقتضيات شرح الديوان، وتوضيح معاني أبي تمام الذي كان كثير الاستعارات.
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٤٥ - ٥٤٦ب٢]، واستغل التبريزي الاستعمال في ضبط بنية الكلمة، يُنْظَرُ: [٢/ ١٠٣ب١١ رتك النعام]، [٤/ ٥٤٥ب١ نكب].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي: [١/ ٩٨ـ ٩٩].
(٣) تُنْظَرُ أيضًا المواضع الآتية: [٢/ ٣١٧، ب٤]، [٢/ ٦٣، ب٩]، [٢/ ٩٦، ب٢]، [٣/ ١٥٧، ب٤٨]، [٣/ ٢٦، ب٣٤]، [٣/ ٢٦٦، ب٣٩]، [٤/ ٣٦١، ب٤].
[ ٤٠٥ ]
كان التبريزي يوضح الأصل الدلالي للفظة، ثم يوضح «الانتقالة الدلالية» التي حدثت لها على يد أبي تمام أوعلى يد البيئة اللغوية. وكان تارة يعبر عن هذا الانتقال الدلالي باستخدامه للكلمات: «وأصل ذلك في »، وكان تارة أخرى يعبر عن هذا الانتقال بمصطلح «الاستعارة»، على أساس أن الاستعارة «في الجملة أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروفٌ تدل الشواهد على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أوغير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلا غير لازمٍ؛ فيكون هناك كالعارية» (١).
وفيما يلي أمثلة توضح تعبيره عن الانتقال الدلالي بمصطلح «وأصل ذلك ..»:
ـ قال أبوتمام:
أَغَرُّ يَداهُ فُرصَتا كُلِّ طالِبٍ وَجَدواهُ وَقفٌ في سَبيلِ المَحامِدِ [بحر الطويل]
«.. «الفرصة»: الشيء الذي يغتنمه الإنسان، وهولا يتفق له في كل وقت، وأصل ذلك في قسمة الماء، يقال: أخذوا فرصتهم من السقي؛ إذا أخذوا حظهم منه» (٢).
ـ قال أبوتمام:
مُتَهَلِّلا في الرَّوعِ مُنهَلًّا إِذا ما زَنَّدَ اللَّحِزُ الشَّحيحُ وَصَرَّدا [بحر الكامل]
« و«زند الرجل»؛ إذا ضيق على نفسه وبَخِل، وأصل «التزنيد» في حياء الناقة، يقال: زندها؛ إذا جمع حياءها بِزَنْد» (٣).
ـ قال أبوتمام:
مَذِلَت وَلَم تَكتُم جَفاءَكَ تَكْتُمُ إِنَّ الَّذي يَمِقُ المَذولَ لَمُغرَمُ [بحر الكامل]
_________________
(١) عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، ص ٣٠، قرأه وعلق عليه: أبوفهر محمود محمد شاكر، مطبعة مدني.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٧٢ب١٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٠٤ب١٣].
[ ٤٠٦ ]
«يقال: «مَذِل بسره»؛ إذا أفشاه، ولم يحفظه وأصل «المذل» السخاء؛ أي: أنه يسخو بسره» (١).
ـ قال أبوتمام:
هَدَمَت مَساعيهِ المَساعي وَابتَنَت خِطَطَ المَكارِمِ في عِراضِ الفَرقَدِ [بحر الكامل]
«أصل «الخط»: ما كان كل واحد منهم يَخُط عليه؛ إذا أرادوا أن يعمروا موضعًا، وهوما يكفيه لداره، ثم صارت عبارة عن البناء» (٢).
ـ قال أبوتمام:
فَالرَّبعُ قَد عَزَّني عَلى جَلَدي ما مَحَّ مِن سَهلِهِ وَمِن جَلَدِه [بحر المنسرح]
«مح الربع: إذا خَلُقَ، وأصل ذلك في الثوب» (٣).
ـ قال أبوتمام:
سَأوطِئُ أَهلَ العَسكَرِ الآنَ عَسكَرًا مِنَ الذُلِّ مَحّاءً لِتِلكَ المَعالِمِ [بحر الطويل]
«.. «العسكر» موضوع اللغة فيه أنه الجماعة الذين يجتمعون للحرب، قصر على هذا الوجه، إلا أن يخرج منه على معنى الاستعارة وإنما أجاز الطائي أن يقول: «أهل العسكر» على سبيل الاتساع» (٤).
ـ قال أبوتمام:
مَضى ما كانَ قَبلُ مِنَ الدَّعارَه فَبانَ وَأُطفِئَت تِلكَ الحَرارَه [بحر الوافر]
«أصل «الدعارة»: الفساد في العود والنخر، يقال: عودٌ دَعِرٌ كثيرُ الدخان، ومنه قالوا: رجلٌ داعِرٌ ودُعَر» (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢١٤ب١٠].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٥٠ب٢٣].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٢٨ب١٠].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٢٠ب٣].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٦٧ب١].
[ ٤٠٧ ]
ـ قال أبوتمام:
ثُمَّ انصَرَفتُ إِلى نَفسي لِأَظأَرَها عَلى سِواكُم فَلَم تَهشَش إِلى أَحَدِ [بحر البسيط]
«.. يقال: «ظأرتُ» الرجل على الشيء؛ إذا عطفته عليه، وأصل ذلك: عطف الناقة على ولد غيرها، ثم استعير في جميع الأشياء» (١).
ـ قال أبوتمام:
أَقبَلتَهُ فَخمَةً جَأواءَ لَستَ تَرى في نَظمِ فُرسانِها أَمتًا وَلا عِوَجا [بحر البسيط]
««فخمة»: كتيبة كبيرة، وأصل الفخامة في بني آدم عظم الجسم، وكثرة اللحم» (٢).
ـ قال أبوتمام:
أَبَلِّهِمُ ريقًا وَكَفًّا لِسائِلٍ وَأَنضَرِهِم وَعدًا إِذا صَوَّحَ الوَعدُ [بحر الطويل]
««صوح»؛ أي: يَبِسَ، ولم يكن له منفعة، أُخذ من «تصويح الروض»، وهو يُبْسه والتواؤه» (٣).
ـ قال أبوتمام:
وَلَوتَراهُم وَإِيّانا وَمَوقِفَنا في مَأتَمِ البَينِ لِاِستِهلالِنا زَجَلُ [بحر البسيط]
«أصل «المأتم»: النساء يجتمعن في فرح أوحزن، والمراد هنا معنى الحزن» (٤).
ـ قال أبوتمام:
لَمّا استَحَرَّ الوَداعُ المَحضُ وَانصَرَمَت أَواخِرُ الصَّبرِ إِلّا كاظِمًا وَجِما [بحر البسيط]
««الكاظم» الذى يكظم غيظه؛ أي يستُر عليه، وأصل الكظم: التضييق والخنق» (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٣٧ب٩].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٣٣ب١٩].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٩١ب٢٨].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٦ب٦].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٦٧ب٦].
[ ٤٠٨ ]
ـ قال أبوتمام:
ذوناظِرٍ حَدِبٍ وَسَمعٍ عائِرٍ نَحوالطَّريدِ الصارِخِ المَجهودِ [بحر الكامل]
««عائر» منتشر في كل جهة، وأصله من قولهم: «فرسٌ عائر» وهوالذي يذهب في الأرض كيف يشاء، يمينًا وشمالا، وخلفا وقداما» (١).
ـ قال أبوتمام:
عَودٌ تُساجِلُهُ أَيّامُهُ فَبِها مِن مَسِّهِ وَبِهِ مِن مَسِّها جُلَبُ [بحر البسيط]
«.. «الجُلَبُ»: جمع جُلْبَة، وهوالأثر في ظهر البعير وغيره من أثر حمل أونحوه، وأصل ذلك من قولهم: «أجلبَ الجُرح وجلب» إذا علته قشرة للبرء» (٢).
ومن أمثلة التعبير عن الانتقال الدلالي بمصطلح «الاستعارة» ما يأتي، قال أبوتمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١٤٥ب٢٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٤٨ب٢٨]، ولمزيد من الألفاظ التي ردها التبريزي لأصلها الدلالي تُنْظَرُ المواضع الآتية: [تخدد١/ ١١١، ب]، [اسحنكك١/ ١٢٠، ب٣٢]، [السدك١/ ١٢٢]، [اللحي١/ ١٢٤]، [يفتق١/ ١٢٨]، [الورق١/ ١٨١، ب١٠]، [اللقح١/ ١٩١، ب٣٨]، [البري١/ ٢٢٢، ب١٣]، [جزع١/ ٢٢٣ - ٢٢٤، ب١٥]، [المرثعن١/ ٢٧٩، ب١٠]، [المرتاد١/ ٣٠٩، ب١]، [الممتاح١/ ٣٠٩، ب٢]، [السبائب١/ ٣١٧، ب١٩]، [نزع١/ ٣٩٦، ب٤٥]، [التثقيف١/ ٣٩٧، ب٤٩]، [علل السرى١/ ٤١١، ب١٣]، [القود١/ ٤٣٣، ب٢٢]، [الأفد١/ ٤٣٤، ب٢٦]، [السلسال١/ ٦٣، ب]، [الصيد١/ ٨٩]، [السعي١/ ٩٨]، [اللهام٢/ ١٠، ب٣]، [أنجم٢/ ١٠٣ - ١٠٤، ب١٢]، [الدلح٢/ ١١٤، ب١٩]، [التجعد٢/ ١٢١، ب١٦]، [الكنود٢/ ١٣٤، ب٤]، [العشار٢/ ١٦٤، ب٥٧]، [الوغ٢/ ١٧ ـ١٨، ب٣١]، [فصوص٢/ ٢٣٤، ب١]، [السواد٢/ ٢٥٠، ب٧]، [الكفل٢/ ٢٥١، ب٢٨]، [الارتكاض٢/ ٢٨٨، ب٣]، [المحرم٢/ ٣٠٠، ب٢٦]، [العرامة٢/ ٣٥٥]، [الروادف٢/ ٣٧٩،ب١٢]، [الغريف٢/ ٣٩، ب٢٨]، [العلوق٢/ ٤٤٦]، [العاتق٢/ ٤٥٣، ب٩]، [التدرأ٢/ ٤٦٢، ب١٨]، [دحل٣/ ١٣٩، ب٣٨]، [جف القلم٣/ ١٥٨، ب٥٣]، [النئيم٣/ ٢٧٦، ب٢٥]، [القرم٣/ ٢٨٠، ب٨]، [الثعبان٣/ ٣١٢، ب١]، [الفري٣/ ٣٥٩،ب٤٠]، [ساور٤/ ١٠٧، ب١]، [شذب٤/ ١١٦، ب١٩]، [الشقيق٤/ ١٣٧، ب٦]، [الدمى٤/ ١٤٢، ب٦]، [المنطق٤/ ٢١٢، ب٤]، [الدجال٤/ ٣٠٧، ب٨]، [هياج٤/ ٣٢٨،ب١]، [العطف٤/ ٣٥٩، ب٣]، [الرمة٤/ ٤٦٠، ب٤]، [الفولف٤/ ٤٧٣، ب٧]، [الركوب٤/ ٤٨،ب١١]، [فضى٤/ ٥٥٤، ب١٠]، [تصدت٤/ ٥٦٧، ب١]، [أرأم٤/ ٥٧١، ب١٧]، [شرع٤/ ٥٨٣].
[ ٤٠٩ ]
قَرُبَ الحَيا وَانهَلَّ ذاكَ البارِقُ وَالحاجَةُ العُشَراءُ بَعدَكَ فارِقُ [بحر الكامل]
«.. استعار العشراء من النوق للحاجة التي قد دنا قضاؤها» (١).
ـ قال أبوتمام:
فَتَصَلّى مُحَمَّدُ بنُ مُعاذٍ جَمرَةَ الحَربِ وَامتَرى الشُّؤبوبا [بحر الخفيف]
««الشؤبوب» سحابة دقيقة العرض، شديدة الوقع، ثم استعير ذلك في الحروب» (٢).
ـ قال أبوتمام:
لَهُ وَقعَةٌ كانَت سَدًى فَأَنَرتَها بِأُخرى وَخَيرُ النَّصرِ ما كانَ مُلحَما [بحر الطويل]
««السدى» ضد اللُّحمة، وهذا مستعار من: سدى الثوب ونيره ولحمته» (٣).
ـ قال أبوتمام:
أُقاتِلُ الهَمَّ بِإيجافِهِ فَإِنَّ حَربَ الهَمِّ حَربٌ ضَروس [بحر السريع]
«.. يقال: «حرب ضروس»؛ استعير لها ذلك من الناقة السيئة الخلق، يقال: «ضرست الناقة حالبها»؛ إذا عضته، وهي ضروس» (٤).
ـ قال أبوتمام:
وَتَحتَ ذاكَ قَضاءٌ حَزُّ شَفرَتِهِ كَما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ [بحر البسيط]
«استعار حز الشفرة للقضاء، وقد استعملوا نحوا من ذلك في الشفرة، فقالوا في المثل: لم أجد لشفرتي مَحَزًّا» (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٤٥٢ب١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٦٩ب٤٢].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٤٠ب٢٦].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٢٧٧ب٨].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٤٩ب٣٢]، وقد أحصى البحث تسعة وثلاثين موضعا - غير ما سبق ذكر فيها التبريزي لفظ الاستعارة، وهي: [يطم ١/ ١٠٤]، [التلاع ١/ ١٦٤، ب٢٧]، [اللفح ١/ ١٩١، ب٣٨]، [الكلكل١/ ٢٢٤،ب١٧]، [استحقب١/ ٢٣٩، ب١]، [لع١/ ٢٩٦، ب٢]، [العرين١/ ٣٣١، ب٩]، [الخلف١/ ٣٣٢، ب١٣]، [الإسناد١/ ٣٦٣، ب٢٣]، [عور الكلام١/ ٣٦٣، ب٢٥]، [الغث١/ ٣٦٦، ب٣٥]، [أرث١/ ٣٧٨، ب٣٩]، [١/ ٤٢٠، ب٤٠]، [العقد١/ ٤٤٢ ـ٤٤٣، ب٦٠]، [المعروف١/ ٤٤٢، ب٥٧]، [الولوغ٢/ ١٧ - ١٨، ب٣١]، [الوخد٢/ ١٧، ب٢٩]، [الكفر٢/ ١٨٠، ب٥٣]، [عتاق٢/ ٢٣٢، ب٣٣]، [غازل٢/ ٢٨٠، ب١٨]، [جناح السمو٢/ ٢٨٨، ب٦]، [النحيض٢/ ٢٨٩، ب٩]، [اللجلجة٢/ ٢٩١،ب١٦]، [الرعب٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩، ب٣١]، [الأخلاف٢/ ٤٥٧، ب٣]، [أطرق٢/ ٦٨، ب٢]، [الفيء٣/ ١٤٠، ب٥٠]، [مثعنجر٣/ ١٥٥، ب٣٠]، [الهدف٣/ ١٩٧، ب١٩]، [الأديم٣/ ١٩٨، ب٢١]، [العلوق٣/ ٢٧٤، ب١٦]، [مطر ضرب٣/ ٢٩٢، ب٢٧]، [الخمس٣/ ٣٥، ب١٥]، [يجم الجد٣/ ٣٧، ب٢١]، [النار٤/ ١٢١، ب٣]، [فرق٤/ ٣٩٣، ب٢]، [الخلف٤/ ٣٩٦، ب١٨]، [البله٤/ ٣٩٨، ب٢٥]، [اليد٤/ ٥٢٠، ب٩]، [بعاع٤/ ٥٧٥، ب٣٣]
[ ٤١٠ ]
ومن المواضع التي كان يتبع فيها التطور الدلالي للكلمة المواضع التالية:
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَهَل يُبالي إِقضاضَ مَضجَعِهِ مَن راحَةُ المَكرُماتِ في تَعَبِه [بحر المنسرح]
«.. «إقضاض مضجعه» من قولهم: «أقض مضجعه»، وأصل ذلك أن يكون فيه
«القضة»، وهي: الحصى، فيمنع المضطجع من النوم، ثم قيل لكل ساهر: قد أقض مضجعه عليه، ولوكان على فرش وطيء» (١).
ـ وقال:
أَقَرمَ بَكرٍ تُباهي أَيُّها الحَفَضُ وَنَجمَها أَيُّهَذا الهالِكُ الحَرَضُ [بحر البسيط]
« ويقال للجمل الذي يُحمل عليه متاع «حَفَضُ» ثم سموا المتاع حفضا» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
فَانهَض وَإِن خِلتَ الشِّتاءَ مُصَمِّمًا حَزنَ الخَليفَةِ جامِحًا في المِسحَلِ [بحر الكامل]
«.. أصل «التصميم» أن يُصِيب السيف غير مفصل؛ فيقطع، وإنما أخذ من صميم الشيء وهوخالصه وأشده، ومن ذلك قالوا للشدة صمة، ثم قيل لكل جاد في أمر مصمم» (٣).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٧٣ب٢٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٨٣ب١].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٤٥ب٤٧].
[ ٤١١ ]
ومن الأمور التي أشار إليها اللغويون - وتعد سببا في التطور الدلالي للفظة - «كثرة الاستعمال»، وكثرة دوران اللفظة في الحديث؛ فإننا «نلاحظ أن معنى الكلمة يزيد تعرضا للتغير كلما زاد استعمالها، وكثر ورودها في نصوص مختلفة؛ لأن الذهن في الواقع يُوجَّه في كل مرة في اتجاهات جديدة، وذلك يوحي إليها بخلق معان جديدة؛ ومن هنا ينتج ما يسمى بـ «التأقلم»، ويجب أن يفهم من هذا الاسم قدرة الكلمات على اتخاذ دلالات متنوعة؛ تبعا للاستعمالات المختلفة التي تستعمل فيها، وعلى البقاء في اللغة مع هذه الدلالات» (١).
وقد كان التبريزي - في أحيان كثيرة - يشير إلى التطور الدلالي للكلمة قيد الشرح، وينص صراحة على أن السبب هو «كثرة الاستعمال» مستخدما نفس المصطلح، وإليك الأمثلة:
ـ قال أبوتمام:
لَحظَ الأَسيرِ حَلَقاتِ كَبلِهِ حَتّى كَأَنّي جِئتُهُ بِعَزلِهِ [بحر الرجز]
« أصل «الأسر» أن يشد الرجل بالقد، ثم كثر ذلك حتى سمي «الأخيذ» أسيرا، وإن لم يشدد بالقد» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
مَقاماتُنا وَقفٌ عَلى الحِلمِ وَالحِجى فَأَمرَدُنا كَهلٌ وَأَشيَبُنا حَبرُ [بحر الطويل]
«.. «المقامات» جمع مقامة، ولا يمتنع أن يكون جمع مقام، وأصل ذلك: الموضع الذي يقومُ فيه القائم لخطبة أوفصل أمر، ثم كثر ذلك حتى سموا العشيرة مقامة؛ لأنهم يُقامُ فيهم» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
_________________
(١) د. رمضان عبد التواب: التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه، ص ١١٣.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٣٢ب١٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٧٣ب٢٢].
[ ٤١٢ ]
لي مِن أَبي جَعفَرٍ آخِيَّةٌ سَبَبٌ إِن تَبقَ يُطلَب إِلى مَعروفِيَ السَّبَبُ [بحر البسيط]
«أصل «الآخية» أن يدفن حبل في التراب، ثم تخرج منه عروة؛ فيشد فيها الفرس ثم كثر ذلك حتى قالوا: «لي عنده آخية»؛أي شيء أعتمد عليه من ود أوخدمة» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
شِدادَ الأَسرِ سالِمَةَ النَواحي مِنَ الإِقواءِ فيها وَالسِنادِ [بحر الوافر]
«أصل «الأسر» في شد الشيء بالقد؛ ولذلك سُمِّي الأسير أسيرا؛ لأنهم يربطونه بالقد، ثم كثر ذلك حتى قالوا: هو شديد الأسر؛ أي: الخلق» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
لَهُم سَلَفٌ سُمرُ العَوالي وَسامِرٌ وَفيهِم جَمالٌ لا يَغيضُ وَجامِلُ [بحر الطويل]
«.. «السامر»: القوم الذين يتحدثون بالليل في القمر، وقيل: إن السمر ظل القمر، ثم كثر ذلك حتى سُمي الحديث في الليل سَمَرًا» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
سَلِسَ اللُّبانَةِ وَالرَّجاءِ بِبابِهِ كَثَبَ المُنى مُمتَدَّ ظِلِّ المَطلَبِ [بحر الكامل]
« وكأن أصل «اللبانة» أن يطلب الرجلُ من الآخر لبنا، ثم كثر ذلك حتى سميت كل حاجة لبانة» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٤٣ب١٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٨٠ـ ٣٨١ب٤٦].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١١٤ب٦].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٠٢]، وقد جاء في معجم أساس البلاغة مادة لبن ٨٤٤: «لَبَنْت القومَ: سقيتهم اللبن»، والانتقال الدلالي للفظة لبانة من معنى «طلب الرجل من الآخر لبنا» إلى «كل حاجة لبانة» قد يبدو بعيدا، ولكن هذا قد يدخل ضمن «تغير مجال الاستعمال الدلالي»، فمن الأمور التي شغل بها اللغويون أنفسهم تحديد مفهوم التغير الدلالي، وثمة تقسيمات عديدة في هذا الأمر منها «التقسيم المنطقي القائم على وجود خمسة مظاهر: تعميم الدلالة وتخصيصها، ورقيها وانحطاطها، وتغير مجال الاستعمال»، ينظر: د. محمد حسن عبد العزيز: المعجم التاريخي للغة العربية، ص ٣٨٧
[ ٤١٣ ]
ـ وقال عند قول أبي تمام:
لَورَأَينا التَّوكيدَ خُطَّةَ عَجزٍ ما شَفَعنا الأذانَ بِالتَّثويبِ [بحر الخفيف]
«.. «التثويب»: الدعاء الثاني، من قولهم: «ثَوَّبَ الرجلُ بأصحابه؛ إذا دعاهم مرة بعد مرة، وأصله من «يثوب»؛ إذا رجع، وقال قوم: أصل التثويب من الثوب ثم كثر ذلك حتى سُمي كل دعاء تثويبا» (١).
وكان التبريزي ينبه على استخدام المحدثين، وتطور اللغة عندهم:
قال أبوتمام:
فَأُقسِمُ لَوسَأَلتِ دُجاهُ عَنّي لَقَد أَنباكِ عَن وَجدٍ عَظيمِ [بحر الوافر]
«هكذا يروى على توحيد «الدجى»، والمعروف أنها جمع «دُجْية»، ولكن المحدثين يستعملونها في المعنى الواحد، وذلك جائز على معنى الجنس» (٢).
وقد سبق أن ذكرنا أن «مظاهر التطور الدلالي ثلاثة: تخصيص الدلالة، وتعميم الدلالة، وتغيير مجال استعمال الكلمة؛ أي: أن معنى الكلمة يحدث فيه تضييق أواتساع أوانتقال، فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى معنى خاص، وهناك اتساع في الحالة العكسية، أي عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان، أوإذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص، كما في حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال، أومن السبب إلى المسبب، أومن العلامة الدالة إلى الشيء المدلول عليه ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاتساع والتضييق ينشآن من الانتقال في الأغلب الأحيان، وأن انتقال المعنى
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٢٦ب٣٨]. وتوجد خمسة مواضع أخرى - غير المواضع السابقة - ذكر فيها التبريزي مصطلح «الكثرة»، وهي: [الفند١/ ٤٤٠، ب٥٢]، [الغانية١/ ٤٠٨، ب٨]، [الشأو١/ ١٨٣]، [اليمن٤/ ١٤٠، ب٥]، [الإشواء٤/ ٤٠، ب١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٦١ب٨].
[ ٤١٤ ]
يتضمن طرائق شتى، يطلق عليها النحاة أسماء اصطلاحية، ومن هذه الأسماء الاصطلاحية: المجاز المرسل والاستعارة وغير ذلك» (١).
وكان التبريزي على وعي بمظاهر التطور الدلالي هذه؛ فنجد عنده «النقل الدلالي» باستخدام لفظ «نقل»:
ـ قال عند قول أبي تمام:
بِكَ عادَ النِّضالُ دونَ المَساعي وَاهتَدَينَ النِّبالُ لِلأَغراضِ [بحر الخفيف]
« أصل «النضال» في الرمي ثم نقل ذلك إلى الحرب والتفاخر» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
نَأَت بِهِ الدارُ عَن أَقارِبِهِ فَأُلقِيَ الحَبلُ فَوقَ غارِبِهِ [بحر المنسرح]
«يقال في المثل: «ألقى حَبْلَه على غاربه»؛ إذا ترك يفعل ما يشاء ويذهب حيث أراد، وأصل ذلك في البعير، يجعل الحبلُ على غاربه، ويُخَلَّى في الرعي، ثم نقل ذلك إلى الآدميين» (٣).
_ وقال عند قول أبي تمام:
فَلَمّا تَراءَت عَفاريتُهُ سَنا كَوكَبٍ جاهِلِيِّ السَّناءِ [بحر المتقارب]
«.. «عفاريت»: جمع «عفريت»، وهوالخبيث المنكر، وأصله أن يستعمل في الجن، ثم نقل إلى الإنس» (٤).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
تَجِد صِلًّا تَخالُ بِكُلِّ عُضو لَهُ مِن شِدَّةِ الحَرَكاتِ قَلبا [بحر الوافر]
«أصل «الصل» في الحية الذكر، ثم نقل إلى وصف الرجل على معنى المدح» (٥).
_________________
(١) التطور اللغوي: ص ١١٤ - ١١٥.
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ٣١٣ب١٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٥١ب١].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ١٧ب١٩].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٠٣ب٤].
[ ٤١٥ ]
ـ وقال عند قول أبي تمام:
مِنَ القِلاصِ اللَّواتي في حَقائِبِها بِضاعَةٌ غَيرُ مُزجاةٍ مِنَ الكَلِمِ [بحر البسيط]
« أصل «الإزجاء»: السوق، يقال: «أزجيت الناقة»؛ إذا سقتها، و«فلان يزجي مطيته ويزجيها»؛ وكأن ذلك يكون بعد كلالها وإعيائها، ثم نقل ذلك إلى البضائع؛ فقيل: «بضاعة مزجاة» » (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
وَوَفَيتُ إِنَّ مِنَ الوَفاءِ تِجارَةً وَشَكَرتُ إِنَّ الشُكرَ حَرثٌ مُطعِمُ [بحر الكامل]
« أصل «الحرث»: العمل في الأرض للزراعة، ثم سمي «الكسب» حرثا، وكذلك الزرع» (٢).
ونلمح عند التبريزي ما يفيد بأن الدلالة يمكن أن «تُخَصَّصَ»؛ أي يتم معها
«تضييق المعنى»، وأنه كان على وعي بذلك:
ـ وقال عند قول أبي تمام:
لَهُم نَسَبٌ كَالفَجرِ ما فيهِ مَسلَكٌ خَفِيٌّ وَلا وادٍ عَنودٌ وَلا شِعبُ [بحر الطويل]
« أصل «الوادي» من قولهم: «وَدَى»؛ إذا سال؛ ثم أهملوا هذه الكلمة؛ فلم يستعملوها إلا في «ودى البائل» ..» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ١٨٦ب١٢].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٠٢ب٦٠]، ولمزيد من المواضع في هذه الجزئية تُنْظَرُ المواضع الآتية: [السدى١/ ٢٣٤ـ ٢٣٥]، [الوغى١/ ٥٩]، [ينع٢/ ٣٤٧ب١٩]، [عين١/ ٣٢٣ب٣]. وقد يكون من قبيل النقل الدلالي قول التبريزي: « وهومن قولهم »، و« وهومأخوذ من ». يُنْظَرُ [١/ ٣٧٥ب٢٣،ب٣٠].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٨٤ب١٨].
[ ٤١٦ ]
لِيَهنِئ تَنوخًا أَنَّهُم خَيرُ أُسرَةٍ إِذا أُحصِيَت أولى البُيوتِ وَعُدَّتِ [بحر الطويل]
«أصل «البيت»: ما بني من مدر أوشعر أوأدم، وهذا اسم عام، ثم قالوا: «فلان من أهل بيت»؛ يريدون به الشرف؛ فهذا تخصيص وقع بلفظ العموم، كما يقال: فلان إنسان؛ يريدون به المدح، وقد علم أن بني آدم كلهم يقع عليهم هذا الاسم» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
نُبُوالمَقيلِ بِهِ وَالمَبيتِ أَقعَصَهُ وَاختِلافُ الهَواءِ [بحر المتقارب]
« «المقيل»: الموضع الذي يقيل فيه الإنسان؛ أي: ينام في وقت الهاجرة، وسمي ما شرب في ذلك «قَيْلا»، وكان أصل «القيل»: الإقامة في الموضع ثم خُصَّ به شيء دون شيء » (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
وَلَوعَضَلتَ عَنِ الأَكفاءِ أَيِّمَها وَلَم يَكُن لَكَ في أَطهارِها أَرَبُ
كانَت بَناتِ نُصَيبٍ حينَ ضَنَّ بِها عَنِ المَوالي وَلَم تَحفِل بِها العَرَبُ [بحر البسيط]
« «الأيم» التي لا زوج لها، ويقال: «تأيم الرجل»؛ إذا لم يتزوج، وقد كثر استعمال هذه الكلمة في الرجل إذا ماتت امرأته، وفي المرأة إذا مات زوجها، والشعر القديم يدل على أن ذلك بالموت، وبترك التزويج من غير موت» (٣).
ونلمح عنده من النصوص ما يفيد فهمه ووعيه بـ «تعميم الدلالة»:
ـ وقال عند قول أبي تمام:
بيضٌ وَسُمرٌ إِذا ما غَمرَةٌ زَخَرَت لِلمَوتِ خُضتَ بِها الأَرواحَ وَالمُهَجا [بحر البسيط]
«.. أصل «الغمرة» في الماء الكثير، ثم استعملت لكل أمر شديد» (٤).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٠٧ب٣٨].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٢٠ب٢٧].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٥٣ب٤٢].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٣٤ب٢١].
[ ٤١٧ ]
ـ «.. «الدجية» الظلمة، وقال قوم: لا يقال «دجية» إلا لليل مع غيم، فأما المحدثون فيعبرون بالدجى عن الليل، ولا يفرقون بين المقمر وغيره» (١).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
مَنَعتَ إِلّا مِنَ الأَكفاءِ ناكِحَها وَكانَ مِنكَ عَلَيها العَطفُ وَالحَدَبُ [بحر البسيط]
«يقال: «حَدِبَ الرجلُ على ولده أوجاره، يحدب حَدَبًا»؛ إذا أشفق عليه وعطف، وأصل ذلك أن المرأة إذا أشفقت على ولدها حَنَتْ ظهرها مكبة عليها؛ فكأنها أصابها الحدب» (٢).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
فَإِن تَكُ أَحيانًا شَديدَ شَكيمَةٍ فَإِنَّكَ تَمحوها بِما فيكَ مِن شَكمِ [بحر الطويل]
« أصل «الشكيمة»: حديدة اللجام التي تُجْعل في فم الفرس؛ فيقال: «يلوك الشكيمة»، ثم اتسع في ذلك؛ فقيل: فلان شديد الشكيمة؛ إذا كان شديد النفس» (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
بِغُربَةٍ كَاغتِرابِ الجودِ إِن بَرَقَت بِأَوبَةٍ وَدَقَت بِالخُلفِ وَالكَذِبِ [بحر البسيط]
««الودق»:دنوالسحاب من الأرض، ثم سُمِّي الغيث «ودقًا»،على معنى الاتساع» (٤).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
كَيوسُفَ لَمّا أَن رَأى أَمرَ رَبِّهِ وَقَد هَمَّ أَن يَعرَورِيَ الذَّنبَ أَحجَما [بحر الطويل]
« «يعرورى» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من «عروت الأمر»؛ إذا أتيته، والآخر: أن يكون من قولهم: «اعروريتُ الدابة»؛ إذا ركبتها عُريا، إلا أن هذه الكلمة وقع فيها اتساع، فقالوا: «اعرورى المفازة»؛ إذا ركبها» (٥).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٥٤].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٥٣ب٤٠].
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٩٦ب١٧].
(٤) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٥٠ب٢٣].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٣/ ٢٤٠ب٣١]، ولمزيد من المواضع ة تُنْظَرُ المواضع الآتية: [٢/ ٤٣٠]، [١/ ٤٠٦]، [١/ ٩٤]، [١/ ٣٧٤ب١٨]، [٣/ ٣١٩،٣٢٠ب٢٢]، [١/ ٤٢٦].
[ ٤١٨ ]
ويدخل في جزئية تتبع التطور الدلالي عند التبريزي اهتمامه بتوضيح أصل الكلمة غير العربي:
قال أبوتمام:
أَرى أَلِفاتٍ قَد كُتِبنَ عَلى راسي بِأَقلامِ شَيبٍ في مَهارِقِ أَنقاسِ [بحر الطويل]
««المهارق»: جمع «مُهْرق»، وهوالقرطاس، وأصله فارسي معرب، وقد تكلموا به قديما» (١).
وقد سبق في موضع متقدم من هذا البحث تعليل اهتمام أبي العلاء بتتبع التطور الدلالي للألفاظ، وهو نفس التعليل الذي يمكن أن يقال عن اهتمام التبريزي لهذا التطور الدلالي.
ولعل في تتبع كل من أبي العلاء والتبريزي للتطور الدلالي للكلمة تنبيه يجب أن يهتم به كل من يتصدى لشرح النصوص القديمة.
وقبل أن نترك هذا المقام نحب أن نقول: إن عدد الألفاظ التي ذكر التبريزي لها أصلا دلاليا في شرحه لديوان أبي تمام وشروحاته الأخرى يصلح أن يكون لبنة متواضعة من لبنات المعجم التاريخي الذي يسعى مجمع اللغة لإنجازه، هذا المعجم الذي «سيحدث ثورة في الدراسات التاريخية واللغوية، وسيكشف للباحثين عن كنوز مدفونة وعن معارف لم تكن متاحة من قبل» (٢) (٣).
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٩٧ب١].
(٢) د. محمد حسن عبد العزيز: المعجم التاريخي للغة العربية وثائق ونماذج، ص ٤٢، دار السلام للطباعة والنشر، ط١، ٢٠٠٨م، القاهرة
(٣) وقبل أن نترك هذا المقان أيضا نحب أن نعرض بعض القضايا الدلالية التي أثارها التبريزي في شرحه وهي كالتالي:
[ ٤١٩ ]
_________________
(١) التعميم الدلالي: أشار التبريزي في مواضع عديدة من شرحه إلى بعض «التعميمات الدلالية»، فهو لا يفتأ يذكر ذلك، إذا سنحت الفرصة لهذا، وفيما يلي أمثلة على هذه التعميمات: ـ قال: «أصل «الفُرَّاط»: القوم الذين يتقدمون «الوُرَّاد»، وكل متقدم فارط» [١/ ٢٧٥ب٣٨]. وقال: «العُرضة: كل شيء جعلته وقاية للشيء» [٣/ ٢٥٣ب٢٣]. وقال: «والعرب تسمي كل عود لين خيزرانًا» [٣/ ٣٩٦ب١١]. وقال: ««الخبل»: فساد الأعضاء، ثم يستعار ذلك في كل فساد» [٣/ ٢٢٧ب٢٩].وقال: «.. كيماء كل شيء: جوهره» [٣/ ٢٥٤ب٢٨]. وقال: «سرعان كل شيء: أوله» [٣/ ٢٣٥ب١٤].وقال: «كل شيء بلغت مشقته، وأخذ بصعوبة، فهومجهود» [٢/ ٥٣ب٣٧]. وقال: «ريعان كل شيء أوله» [٤/ ٥٣٠ب٣]. وقال: «ويقال للذي ينقش الدينار واشٍ، وكذلك لكل ناقش شيئا» [١/ ٢٥ـ ٢٦]. وقال: «كل صوت منخفض فهو وسوسة ووسوس» [٤/ ٥٤٦ب٣]، [٢/ ٢٤٥ب٨].وقال: «أصل «الفرس» دق العنق، ثم جعل كل قتلٍ فَرْسًا» [٢/ ٢٤١ب١٨].وقال: ««السكن» يقع على المذكر والمؤنث؛ لأنه يجري مجرى المصادر، وإن وقع على جمعٍ فجائز، وفي الكتاب العزيز: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل:٨٠]، وكل ما سُكِنَ إليه يجوز أن يقال له ذلك» [٤/ ٢١١ب١]. وقال: «وقد يجوز أن يسمي كل ما يلبس لَبُوسًا» [٤/ ٢٣ب٣١].وقال: «قيل لكل من نهض بشيء قد استقل به» [٣/ ٢٨٧ب٢]. وقال: «بيضة كل شيء معظمه» [١/ ٢٤٦ب٢٣]. وقال: «كل كثير عندهم خضرم» [١/ ٣٩٢ب٢٧]. ولقد أشار البحث في موضع سابق إلى أن هذه التعميمات الدلالية قد تحمل في باطنها ما يعرف عند علماء الدلالة بـ «نظرية التحليل التكويني». وقد تكون هذه التعميمات طريقا يمكن أن نسلكها لمواجهة طوفان الألفاظ الأجنبية التي تدخل لغتنا كل يوم، وتساعدنا على وضع مسميات عربية لها.
(٢) أمن اللبس: اهتم التبريزي بوضوح المعنى اهتمامًا بالغا، وتجلى هذا الاهتمام في اهتمامه بـ «أمن اللبس». وقد استغل التبريزي هذا المصطلح كقرينة لتوضيح وجود خلل في بيت أبي تمام التالي: لازالَ جودُكَ يَخشى صَولَتَهُ وَزالَ عودُكَ تَسقي رَوضَهُ الدِيَمُ [بحر البسيط] «.. إذا صحت هذه الرواية فقد حذف «لا» في قوله: «وَزالَ عودُكَ»؛ لأنه أراد «ولا زال عودك»، وحذفها في هذا الموضع قليل، وإنما كثر في القسم، كما جاء في الآية: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ
[ ٤٢٠ ]
_________________
(١) تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥]؛ أي: «لا تفتأ»، ومثله كثير، فأما في مثل بيت الطائي فحذفها مفقود؛ لأنه يؤدي إلى اللبس» [٣/ ٢٤٧ب٢]، ويُنْظَرُ أيضًا الموضع الآتي: [٢/ ٥٧ـ٥٨ب٤٦]. وقد أشار التبريزي إلى أن اللغة قد توظف بعض الوسائل لتفادي هذا «اللبس»، منها «المبادلة بين الواو والياء» قال أبوتمام: راحٌ إِذا ما الراحُ كُنَّ مَطِيَّها كانَت مَطايا الشَوقِ في الأَحشاءِ [بحر الكامل] « الراح الأولى الخمر، وهي من ذوات الياء، لقولهم: «رِياح» في معنى «راح»، ومنها اشتقاق «الأريحيّ والأريحية» وكأنهم إذا استعملوا الشيء بالواووالياء؛ فرقوا بإبدال إحداهما من الأخرى؛ ليكون ذلك أقل للبس؛ لأنهم لو قالوا: «رجل أروحي»؛ لالتبس بالنسب إلى أروح، إذا قلت: «هذا أروح من هذا، وهذا ظليم أروح»؛ فيؤثرون الفرق في كثير من الكلام؛ إذا وجدوا سبيلا إليه».يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٢٧ـ ٢٨ب٩] وتُنْظَرُ أيضا المواضع الآتية: [٤/ ١٥٥ب٢]، [١/ ١٦٦ب٣٤]، [٢/ ١٩ب٤٠].
(٢) طرائق متنوعة في تسمية الأشياء: ذكر التبريزي - في معرض شرحه للديوان - بعض طرق لتسمية الأشياء، لعل من المفيد إثباتها هنا: (أ) تسمية الشيء باسم ما جاوره: « «الثغب» - بتحريك الغين وتسكينها - مثل الغدير، وقد ذكر في الأضداد؛ لأن الماء نفسه يسمى «ثَغَبًا»، والموضع الذي هوفيه يقال له: «ثغب»؛ وليس هذا من التضاد، وإنما من تسمية الشيء باسم ما جاوره» [٢/ ٧١ب١٠]. « «الهواء» المكان الخالي، والناس يعبرون به عن النسيم والريح والحر والبرد، وإنما يُعنى به الأشياء التي تحدث في الهواء، أي ما بين السماء والأرض، وذلك شائع في كثير من الكلام، يسمى الشيء باسم ما ضُمِّنَه وقَرُبَ منه» [٤/ ٢٠ب٢٧]. (ب) وصف الشيء بحالته الأولى: « «العَصِيم» بقية عَرق الإبل إذا جف، ويجوز أن يعني به هاهنا «العرق» وإن لم يجف؛ لأن الشيء قد يوصف بحالته الأولى بعد انتقاله إلى الحالة الثانية، فإذا رأيت رجلا كهلا أوشيخًا تعرفه وليدًا؛ فجائز أن تقول: «هذا الطفل الذي رأيته يوم كذا»،وهوفي تلك الحال مُسِن كبير».يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٥٣٤ب٧]، ويُنْظَرُ أيضًا - في نفس هذه الجزئية - الموضعان الآتيان: [ابن الغزال١/ ٤٢٧ب٨]، [الطائر٢/ ٣٥٧ب٢٨]، [٣/ ٣٥٨] (ج) تسمية الشيء باسم بعضه، وتسمية البعض باسم الشيء:
[ ٤٢١ ]
_________________
(١) « ولا يمتنع أن يسمى الشجر باسم الثمر، والثمر باسم الشجر، كما يقال زيتون وتين؛ فيقع ذلك على الثمر والشجر» [٤/ ٤٧٢ب٦]. (د) أخذ الشيء اسم الشيء للتشابه في الشكل: « وأصل «السلسال» الماء الصافي السهل الدخول في الحلق، ويجب أن يكون أصله من الماء الذي يجري مستطيلا على وجه الأرض، كأنه مأخوذ من سلسة البرق، وسلسلة الحديد» [١/ ٦٣ب٤٧]، ويُنْظَرُ أيضًا: [٣/ ٤٧ب١]. (هـ) استعارة اسم لآخر إذا كانا متقاربين: « «البشرة» باطن الجلد في القول الغالب، والأدمة ظاهره، وقال قوم: «البشرة» لما ظهر، وهذان القولان متقاربان؛ لأنه يجوز أن يستعار أحد الاسمين للآخر من أجل المقاربة» [٣/ ١٩٨ب٢١]. (و) التسمية بالمصدر: ـ قال: « «الضفر»: فتلٌ ليس يبلغ في القوة «المغار»، ويسمى الحبل المضفور «ضَفْرًا»، سموه بالمصدر» [١/ ٣٣٢ب١٤]. ـ وقال: «. «صِيان الشيء وصوانه»: ما صين به، وهومن ذوات الواو، وإنما قلبت ياء في «صيان»؛ لانكسار ما قبلها، وكأن الصيان في الحقيقة مصدر سُمِّي به الشيء» [٣/ ٢٩٤ب١]. ـ وقال: « سموا الدية «عقلا»؛ لأنهم كانوا يؤدونها من الإبل؛ فيعلقونها عند بيت القتيل، أوبفناء القوم الذين يقبلون الدية، ثم سمي الشيء باسم المصدر» [٣/ ٢٩٢ب٢٥].
(٢) التنبيه على الألفاظ الحادثة في الإسلام والمولدة والمهملة والمفقودة في السماع: يقر التبريزي في ثنايا شرحه بوجود ألفاظ حادثة في الإسلام، وأخرى مولدة، وأخرى مهملة وأخرى مفقودة من المسموع اللغوي: ـ قال عند قول أبي تمام: «يقال للمدينة التي حولها قرى وضياع «كورة»، وهي كلمة مستعملة في الإسلام، ويجب ألا يكون اسمها عربيا» [٤/ ٣٤٦ب٩]. ـ وقال عند قول أبي تمام: حَمراءُ في صُفرَةٍ عُلَّت بِغالِيَةٍ كَأَنَّما قُطِفَت مِن خَدِّ مُهديها [بحر البسيط] «قوله «عُلَّت بِغالِيَةٍ»:الغالية ضرب من الطيب، ويقال: إن هذا الاسم حَدَث في الإسلام» [٤/ ٢٨٨ب٢].
[ ٤٢٢ ]
_________________
(١) ـ وقال عند قول أبي تمام: « «مُنْجَمِش» [منفعل]، من «التجميش»، وبعضُ أهل اللغة يزعم أن التجميش كلمة مولدة، وقال بعضهم: «الجمش» قرص خفيف، والمستعمل «جَمَّشْتُه» بالتشديد» [٤/ ٢٢٥ب١]. ـ وقال عند قول أبي تمام: رَضوى وَقُدسَ وَيَذبُلًا وَعَمايَةً وَيَرمرَمًا وَمُتالِعًا وَمُواسِلا [بحر الكامل] «قد تردد ذكر هذه الجبال في شعر الطائي، إلا «يرمرمًا»، فلم يذكره قبل ذكره في هذا البيت، وإذا حُمِل هذا الاسم على موجب الاشتقاق؛ فهومن اليرم؛ بني على «فَعَلْعَل»، و«اليرم» كلمة «مهملة»، ويجوز أن تكون فيما فقد من المسموع» [٤/ ١١٧ب٢١].
(٢) قبول استخدام المحدثين للغة: قال أبوتمام: فَأُقسِمُ لَوسَأَلتِ دُجاهُ عَنّي لَقَد أَنباكِ عَن وَجدٍ عَظيمِ [بحر الوافر] «هكذا يروى على توحيد «الدجى»، والمعروف أنها جمع دجية، ولكن المحدثين يستعملونها في معنى الواحد، وذلك جائز على معنى الجنس، كما قال: «مثل الفراخ نُتِفت حواصله»، فأما القياس فهوالجمع» [٣/ ١٦١ب٨].
(٣) التدرج الدلالي: أشار التبريزي إلى بعض الألفاظ التي تشير إلى تدرج دلالي بتغير حروف فيها: « «شوازب»: ضوامر، «الشواسب» - بالسين - أشد ضمرًا من الشوازب، ثم «الشواسف» أشد منها» [٤/ ١٦ب١٧].
(٤) الترادف: يقف التبريزي من الترادف موقفًا كالذي يقفه بعض المحدثين من علماء اللغة، فنحن لا نجد التبريزي يتخذ موقفا صارما منه، سواء بالإنكار أوالتأييد، بل نجد عنده ما يسمى بـ «الترادف الكامل Perfect Synonymy» [وهوتطابق اللفظين تمام المطابقة، يُنْظَرُ: د. أحمد مختار عمر: علم الدلالة، ص ٢٢٠ عالم الكتب ط ٥، ١٩٩٨]،أو «التماثل Sameness»، ونجد أيضا عنده ما يسمى بـ «شبه الترادف Quasi Synonymy» أو «التقارب Contiguity» [وذلك حين يتقارب اللفظان تقاربا شديدا؛ لدرجة يصعب معها - بالنسبة لغير المتخصص - التفريق بينهما. . يُنْظَرُ: د. أحمد مختار عمر: علم الدلالة، ص ٢٢٠ـ ٢٢١] وأمثلة الترادف الكامل، قال عند قول أبي تمام:
[ ٤٢٣ ]
٦) العنصر السادس من عناصر المنهج: الحرص على ذكر غرض القصيدة وسبب قولها قبل الشروع في شرحها:
كان التبريزي حريصًا على ذكر غرض القصيدة قبل البدء في شرحها، فكانت عادته أن يذكر غرض القصيدة من مدح، أورثاء، أوهجاء.
وهذا النص - أوالذكر - لغرض القصيدة من الأهمية بمكان، فهو من الأدوات الرئيسية لفهم القصيدة، وقد أشار إلى هذا بعض النقاد المعاصرين فقالوا: « [إن] غياب الموضوع عن القصيدة هوـ فيما يبدوـ أبرز الأسباب التي تتسبب في غياب الدلالة عنها؛ إذ إن وضوح الموضوع (أوالغرض) الذي تتحدث عنه القصيدة هوالشفرة الرئيسية لتتبع المسارات الدلالية، وإن زرعت ببعض المتاريس التعبيرية التي تعوق مهمة القراءة والفهم. وعلى امتداد مسيرة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي وحتى زمن الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، كان الموضوع أوالغرض الشعري حاضرا في القصيدة جنبا إلى جنب مع شكلها، وكان حضورا واضحًا متحددًا في ذاته من ناحية،
_________________
(١) صَرِّد وَنَكِّد وَزَنِّد أَنتَ مَعذورُ أُسدُ الشَرى لَيسَ تُنميها الخَنازيرُ [بحر البسيط] « التزنيد، والتنكيد، والتصريد: قطع الشرب» [٤/ ٣٧٢ب١]. ـ وقال عند قول أبي تمام: يا مَوتُ حَسبُكَ إِذ أَقصَدتَ مُهجَتَهُ أَولا فَدونَكَ لا حَسَبٌ وَلابَجَلُ [بحر البسيط] «.. الكلمتان (حسب - بجل) في معنى واحد، وكررهما لاختلاف اللفظين» [٤/ ١٢٤ب١٢]. وقال: «الشك والريب واحد» [١/ ٤١]. ومن أمثلة شبه الترادف: قال: «العزاء والصبر والتسلي والقناعة متقاربة في المعنى» [٤/ ٣٩٤ب٩]. وقال: «و«السدى» و«الندى» متقاربان، وربما فرق أصحاب النقل بينهما، وقال بعضهم: «الندى ما لم يكن فوق الأرض»، و«السدى: ما وقع على التراب» [١/ ٢٣٤ب٣].
(٢) التعليل الدلالي: كان التبريزي في مواضع كثيرة يعلل لتسمية الأشياء، ولماذا سميت بأسمائها. ـ «يقال: «سنة عارمة»؛ أي: شديدة، وقيل: إنما سميت عارمة من قولهم: «عَرَمْت العظم»؛ إذا عرقت ما عليه من اللحم» [٢/ ٧٤ب٢٧].
[ ٤٢٤ ]
وحضورا يشكل سياقا تُفْهم أفكار القصيدة ومعانيها في ضوئه من ناحية أخرى؛ أي أن الحضور الموضوعي في القصيدة كان ينهض بوظيفتين مزدوجتين: إحداهما ذاتية، هي وضوح الفكرة العامة للقصيدة، والأخرى سياقية هي تحديد مفردات المعنى الشعري. ونستطيع القول - بعبارة أخرى - إن هذا الحضور الموضوعي يعني - في أحد وجوهه - ملمحًا من ملامح تماسك النص، وتماسك عناصره اللغوية والدلالية؛ أي يعني وضوحه، أوإن هذا التماسك أحد مؤشرات وضوحه وأسبابه في الوقت نفسه» (١).
ولقد اعتبر د. تمام حسان ذكر الظروف التي قيلت فيها القصيدة من القرائن الخارجية التي تعين على فهم النص، وعدم الوقوع في «لبس» عند فهمه، فقال عند سرده لأنواع القرائن: « القرائن الخارجية، وهي ما يسمونه context of situation، أوالظروف التي صاحبت إنتاج النص، ومنها أسباب نزول الآيات القرآنية، وذكر الظروف التي قيلت من أجلها الخطبة أوالقصيدة» (٢).
وقد استعان التبريزي بالغرض الشعري في بعض المواضع لتفسير بعض أبيات أبي تمام، واستخدامه كقرينة لتوضيح المعنى، ومنها:
[١] قال أبوتمام يمدح أبا المغيث الرافقي، ويعتذر إليه:
سَأَجهَدُ عَزمي وَالمَطايا فَإِنَّني أَرى العَفولا يُمتاحُ إِلّا مِنَ الجَهدِ [بحر الطويل]
««العفو»: السير السهل، ويجوز أن يكون من «العفو» في معنى الكثير وقد علم أن الطائي يعتذر في هذه القصيدة؛ فيجوز أن يريد بـ «العفو» غفران الذنب س» (٣).
[٢] قال أبوتمام يهجوعَياشَ بن لَهِيعة بعد موته:
فيمَن يَشُنُّ الشِّعرُ غاراتِهِ بَعدَكَ أَوأَمثالَهُ السائِرَه [بحر السريع]
_________________
(١) د. عبد الرحمن محمد القعود: الإبهام في شعر الحداثة، ص ١٧٧ـ ١٧٨ [سلسلة عالم المعرفة ع ٢٧٩، مارس ٢٠٠٢، الكويت].
(٢) مقال: اللغة والنقد الأدبي، د. تمام حسان، مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي، المجلد الرابع، العدد الأول، ١٩٨٣ بعنوان: النقد الأدبي والعلوم الإنسانية، ص ١٢٧
(٣) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٢/ ١١٢ب١١].
[ ٤٢٥ ]
« هذا البيت يشهد للمذموم بأنه كان رئيسًا؛ لأن الطائي جعله أهلا للهجاء، وليس المدح، وليس المدح بأدل على الرياسة من الهجو؛ لأن صاحب ذلك لا يكون إلا ذا شرف وموضع» (١).
*****
٧) العنصر السابع من عناصر المنهج: الحرص على ذكر بحر ووزن القصيدة ولقب القافية:
حرص التبريزي على ذكر بحر القصيدة ولقب قافيتها (٢). وذكر الوزن في بداية القصيدة له أهميته، فقد يكون الوزن مرتبطا بمعنى القصيدة، فـ «الوزن ليس عنصرا مستقلا عن القصيدة، يضاف إلى محتواها من الخارج، لكنه جزء لا ينفصل من سياق المعنى» (٣)، و«التفاعل الحادث بين الوزن والعناصر الشعرية الأخرى هوالذي يكسب هذه القصيدة أوتلك أهمية أوهيبة وجلالا» (٤).
وقد يكون لذكر البحر غرض تعليمي، وقد يكون حاجزا لمن يريد أن يعبث بألفاظ القصيدة، أوهاديا لمن يرويها على وجود خلل ما بها.
٨) العنصر الثامن من عناصر المنهج: دعم الشرح بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبالأبيات الشعرية، والأمثال:
اشترك كلٌّ من أبي العلاء والتبريزي في دعم شرحهما للديوان بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية (٥)، والأبيات الشعرية والأمثال. وكان الدور الأكبر في الشرح
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٣٦٢ب٦].
(٢) وقد اتبع سنة التبريزي هذه في ذكر بحر القصيدة من علمائنا المحققين في عصرنا الحديث الشيخ العلامة أبوفهر، محمود محمد شاكر، ثم اتبعه كبار المحققين من بعده.
(٣) يُنْظَرُ: جون كوين: بناء لغة الشعر ص٤٥، ترجمة د. أحمد درويش [مكتبة الزهراء].ود. حماسة عبد اللطيف: بناء الجملة في الشعر العربي، ص٣٩، [مكتبة الخانجي، القاهرة، ط١، ١٩٩٠]
(٤) د. محمد حماسة عبد اللطيف: الإبداع الموازي، ص ٧١. [دار غريب، ط ١، ٢٠٠١].
(٥) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي: [١/ ٥٠]، [١/ ٤٤١ب٥٤]، [٤/ ٩٩ب٢]، [١/ ٦٦]، [٤/ ٨ب٢]، [٣/ ٣٧ب٢١]، [١/ ٣٣١]، [١/ ١٤٨]، [١/ ٣٠١]، [٤/ ٣٣٦]، [٤/ ٥٦١].
[ ٤٢٦ ]
مسنودًا إلى الشعر، ثم الأمثال (١)، ونادرا ما كان الاستشهاد بآيات القرآن (٢) والأحاديث النبوية.
وكان أبوالعلاء أكثر الرجلين استشهادا بالشعر. وقد تنوعت عصور الشعراء المُسْتَشْهَد بهم عندهما. والثبت التالي يوضح الشعراء الذين جاء ذكرهم في هذه الاستشهادات:
م الاسم وفاته العصر التاريخي الفترة الزمنية لحياته قبل نهاية عصر الاحتجاج (١٥٠هـ) أو بعدها عدد مرات الاستشهاد في الديوان
١ ابن أحمر جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٢ أبو قيس بن الأسلت ١هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٣ ابن الخَرِع عوف بن عطية جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٤ ابن الرومي ٢٨١هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٥ عبيد الله بن قيس الرقيات ٨٥هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٦ تميم بن أُبَيِّ بن مُقْبل ٣٧هـ جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧ أبو حية النميري ١٨٣هـ أموي/عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٨ أبو دهبل وهب بن زمعة ٦٣هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٩ أبو دواد الرؤاسي إسلامي/فارسي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
١٠ أبو ذؤيب الهُذلي ٢٧هـ جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
١١ أبو زبيد الطائي ٦٢هـ جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
١٢ أبو سلمى المزني جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
١٣ أبو شاس عباسي مرة واحدة
١٤ أبو الشيص محمد بن علي ١٩٦هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرتان
١٥ أبو النجم ١٣٠هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٣٨٨ ب١١].
(٢) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [٤/ ٤٥٦ ب٢٧]، [٢/ ٢٤٥]، [٤/ ٤٨]، [٢/ ٦٧ب٢٦]. وقد لاقى الشعر اهتماما كبيرا من اللغويين، واعتبروه الدعامة الأولى لهم، حتى لقد تخصصت كلمة الشاهد فيما بعد وأصبحت مقصورة على الشعر فقط؛ لذلك نجد كتب الشواهد لا تحوي غير الشعر ولاتهتم بما عداه. ينظر: البحث اللغوي عند العرب، د. أحمد مختار عمر، ٣٩
[ ٤٢٧ ]
١٦ أبو نُخَيلة ١٤٥هـ عباسي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
١٧ أبو نواس ١٩٨هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرة
١٨ أبو وجزة ١٣٠هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
١٩ أحيحة بن الجُلاح ٢٩ق هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٢٠ الأخطل ٩٠هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٢١ الأسود بن يعفر ٢٢ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٢٢ ذو الإصبع العدواني ٢٢ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٢٣ أعشى باهلة جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٢٤ الأعشى ميمون بن قيس ٧هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٢٥ الأغلب العِجْلي ٢١هـ جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٢٦ الأفوه الأودي ٥٠ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٢٧ امرؤ القيس ٨٠ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٢٨ أوس بن حُجْر التميمي ٢ ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٢٩ البحترى ٢٨٤هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرة
٣٠ البرج بن مِسْهر ٣٠ق. م جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٣١ بشار بن برد ١٦٧هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرات
٣٢ بشر بن أبي خازم ٢٢ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٣٣ البعيث المُجَاشعي ١٣٤هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٣٤ تأبط شرا ٨٠ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج ٤مرات
٣٥ توبة بن الحمير ٨٥هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
٣٦ جران العود جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٣٧ جرير ١١٠هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٣٨ جميل بثينة ٨٢هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٣٩ الحطيئة ٤٥هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٤٠ حميد بن ثور ٣٠؟ هـ مخضرم قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٤١ خداش بن زهير جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٤٢ دِعْبِل الخُزاعي ٢٤٦هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرات
٤٣ ديك الجن ٢٣٥هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرات
٤٤ ذو الرمة غيلان بن عقبة ١١٧هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٤٥ الراعي النميري ٩٠هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٤٦ رؤبة بن العجاج ١٤٥هـ مخضرم قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٤٧ الرياحي ٦٨هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة واحدة
[ ٤٢٨ ]
٤٨ زهير بن أبي سلمى ١٣ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٤٩ زيد الخيل ٩هـ جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٥٠ الشَّمَّاخ ٢٢هـ إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٥١ الشنفرى ٧٠ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٥٢ طرفة بن العبد ٦٠ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٥٣ الطِّرِمَّاح ١٢٥هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٥٤ طفيل الغنوي ١٣ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٥٥ عامر بن الطفيل ١١هـ إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٥٦ عَبِيد بن الأبرص ٢٥ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٥٧ العجاج ٩٠هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٥٨ علقمة بن عَبْدة ٢٠هـ إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٥٩ عمر بن أبي ربيعة ٩٣هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٦٠ عمرو بن كلثوم ٤٠ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٦١ عنترة بن شداد ٢٢ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٦٢ الفرزدق ١١٠هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٦٣ الفِنْد الزماني ٧٠ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٦٤ القطامي ١٣٠ هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٦٥ قيس بن الخطيم ٢ ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٦٦ كثير عزة ١٠٥هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٦٧ كعب بن زهير ٢٦ هـ إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرتان
٦٨ كعب بن مامة جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٦٩ الكميت ١٢٦ هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٠ لبيد بن ربيعة ٤١هـ جاهلي/إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٧١ المتنبي ٣٥٤هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٢ متمم بن نويرة ٣٠هـ إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٣ المُرَقِّش الأَكْبَر ٧٥ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٤ مسلم بن الوليد الأنصاري ٢٠٨هـ عباسي بعد نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٥ مهلهل بن ربيعة جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٦ النَّابغَة الذُّبْيَاني ١٨ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
٧٧ النَّابِغَة الجَعْدي ٥٠ هـ أموي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٨ النمر بن تَوْلَب ١٤ هـ إسلامي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرات
٧٩ الحارث بن حلزة ٥٤ق. هـ جاهلي قبل نهاية عصر الاحتجاج مرة
[ ٤٢٩ ]
ونلحظ على هذا الجدول التالي:
١ـ عدد الأبيات المستشهد بها لشعراء معروفين في الشرح ٥٢١ بيتا تقريبا، وهي نسبة كبيرة تقرب من خُمْس الأبيات التي شرحها أبو العلاء والتبريزي، وتشير إلى أهمية الشعر في تفسير النصوص العربية، وأنه من الأهمية بمكان الرجوع إليه في تحديد معاني الألفاظ والقواعد النحوية، يقول أبو حاتم الرازي:
«ثم إن للغة العرب ديوانًا ليس لسائر لغات الأمم، وهو الشعر الذي قد قيدوا به المعاني الغربية والألفاظ الشاردة؛ فإذا أحْوِجوا إلى معرفة معنى حرف مستصعب ولفظ نادر التمسوه في الشعر الذي هو ديوان لهم، مُتفق عليه، مَرْضي بحُكمه، مجتمع على صحة معانيه وإحكام أصوله، محتج به على ما اخْتُلِفَ فيه من معاني الألفاظ وأصول اللغة» (١).
٢ـ أن عدد الشعراء المستشهد بهم قبل عام ١٥٠هـ؛ أي قبل عصر الاحتجاج ثمانية وستون شاعرا، وعدد الشعراء بعد هذا التاريخ عشرة شعراء فقط، وهذا يدل على قبول أبي العلاء والتبريزي لمبدأ نقاء اللغة الذي حدده اللغويون، قال الأصمعي: ختم الشعر بابن هرمة، وقال أبو عبيدة: افتتح الشعر بامرئ القيس، وختم بابن هرمة (٢). ولكن هذا القيد ليس لازما إن وجد من الشعراء المتميزون، من أمثال: ابن الرومي، أبو حية النميري، أبو الشيص محمد بن علي، أبو نواس، البحترى، بشار بن برد، دِعْبِل الخُزاعي، ديك الجن، المتنبي، مسلم بن الوليد الأنصاري. وقد اتبع الزمخشري هذه السنة، فقد كان يستدل «بنصوص الشعر والنثر الشائع منها وغير الشائع، القديم منها والمعاصر له» (٣).
_________________
(١) كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، ٩٤ تحقيق حسين بن فيض الله الهمداني، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء.
(٢) د. أحمد مختار عمر: البحث اللغوي عند العرب، ٤٣
(٣) الكشاف: ١/ ٥، مقدمة المحقق يوسف الحمادي، وينظر أيضا د. إبراهيم أنيس: من أسرار اللغة، ص ١٣
[ ٤٣٠ ]
٣ـ وقد وظفت هذه الاستشهادات: لبيان معنى لفظة، أولبيان بعض الجوانب النحوية أوالصرفية أوعروضية، أوالتنبيه على تناص أوسرقة شعرية (١)، أوتوضيح مسألة بلاغية، أوبيان استعمال لغوي، أولتوضيح جوانب تاريخية أوجغرافية.
ومن أمثلة هذه الاستشهادات الشعرية:
قال أبو العلاء عند قول أبي تمام:
عَجائِبًا زَعَموا الأَيّامَ مُجفِلَةً عَنهُنَّ في صَفَرِ الأَصفارِ أَو رَجَبِ [بحر البسيط]
«أكثر ما يستعمل زعم مع أنَّ، كما قال الحارث اليشكري:
زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَن ضَرَبَ العَيرَ مَوالٍ لَنا وَأَنّا الوَلاءُ [بحر الخفيف]» (٢).
قال أبو العلاء عند قول أبي تمام:
مُتَدَسِّمُ الثَوبَينِ يَنظُرُ زادَهُ نَظَرٌ يُحَدِّقُهُ وَخَدٌّ صُلَّبُ [بحر الكامل]
«وأكثر ما استعملت نظرت مع إلى، وقد تستعمل متعدية بغير حرف خفض، يقال: نظرت الرجل في معنى نظرت إليه، قال ابن قيس الرقيات:
ظاهِراتُ الجَمالِ وَالسَّروِ يَنظُرنَ كَما يَنظُرُ الأَراكَ الظِّباءُ [بحر الخفيف]» (٣).
وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَالجَعفَرِيّونَ استَقَلَّت ظُعنُهُم عَن قَومِهِم وَهُمُ نُجومُ كِلابِ [بحر الكامل]
«الظعن: الإبل بما تحمل من النساء () ويقال للنَّعْش ظَعَن؛ لأن الميت يظعن فيه، قال طُفيل الغنوي:
حَتّى يُقالَ وَقَد عوليتُ في حَرَجٍ أَينَ ابنُ عَوفٍ أَبو قُرّانَ مَجعولُ [بحر البسيط]» (٤).
_________________
(١) ينظر على سبيل المثال يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٧]، [١/ ٢٨]، [١/ ٣٥]، [١/ ٦٥]، [١/ ٤١٦ ب٣٠]، [٤/ ٣٧٨ ب٢]، [٤/ ٤٥٥ ب٢٤].
(٢) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٤٣ب٦].
(٣) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ١٣٢ب١٠].
(٤) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [١/ ٨٦ب٢٦].
[ ٤٣١ ]
ومن أمثلة استشهاد التبريزي بالمثل في الشرح:
إِذا ما اِمتَطَينا العيسَ نَحوَكَ لَم نَخَف عِثارًا وَلَم نَخشَ اللُتَيّا وَلا الَّتي [بحر الطويل]
«أصل «التي» و«الذي» في كلامهم أن يكونا اسمين ناقصين لا يتمان إلا بصلة؛ وشذ قولهم في المثل: «فعله بعد اللتيا والتي»؛ أي بعد المشقة والجهد» (١).
******
_________________
(١) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي بقية مواضع استشهاد التبريزي للأمثال العربية: [١/ ٣٠٨ب٤٤]، [٢/ ١٥ب٢١]، [١/ ٣١٩ب٢٦]، [١/ ٨١]، [١/ ٣٨٨ب١١]، [٤/ ٥٣٠ب٢]، [١/ ٣٨٤ب١]، [٢/ ١٤٦ب٣٤]، [٤/ ٥٧٧ب٤٤]، [٢/ ٣٣٢ب٤٢]، [٣/ ١٨٨ب٣٢]، [١/ ١١٣ - ١١٤]، [٤/ ١٧٠ب٢]، [٢/ ٤٠ـ ٤١ب٣٩]، [١/ ٢٤٩]، [٤/ ٤٥٥ب٢٤]، [٤/ ٥٦١ب٣٤]، [٤/ ١٤٥ب١٣]، [٢/ ٩٤ب٣٠]، [٤/ ١٥١ب١]، [٢/ ٣٣٢ب٤٢]، [٤/ ٥٨٥ب٢٣]، [٤/ ٢٤ب٣٤]، [٤/ ٥٣]، [٢/ ٣٣٢ب٤٢]، [٣/ ٣٩ب٢٣]
[ ٤٣٢ ]
الفصل الثالث:
منهجا أبي العلاء والتبريزي: العلاقات الداخلية والخارجية
ويشمل المباحث الآتية:
ـ المبحث الأول: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي.
ـ المبحث الثاني: أوجه التشابه بين منهجي أبي العلاء والتبريزي ومنهج مفسري القرآن الكريم.
ـ المبحث الثالث: بين منهج أبي العلاء والتبريزي والمناهج الأدبية المعاصرة.
[ ٤٣٣ ]
ـ المبحث الأول: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي.
اتفق التبريزي مع أبي العلاء في عناصر المنهج التالية:
[١] توثيق الرواية.
[٢] توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره في شرح الديوان:
[٣] الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة والاستعمال اللغوي أوالكلامي.
[٤] توظيف خصائص الصنعة الشعرية.
[٥] توظيف قرينة السياق اللغوي وغير اللغوي.
[٦] الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة.
[٧] دعم الشرح بالآيات القرآنية، والقراءات والأحاديث النبوية، والأمثال العربية.
وتفرد أبوالعلاء عن التبريزي بالعنصرين التاليين:
[١] تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين.
[٢] الشرح بالإعراب.
وتفرد التبريزي بالعناصر التالية:
[١] ذكر غرض القصيدة، وسبب قولها قبل الشروع في شرحها.
[٢] ذكر بحر القصيدة ولقب القافية.
[٣] ذكر مفرد الجموع، وجموع المفرد، والمذكر والمؤنث، وكون اللفظة من الأضداد أم لا.
[ ٤٣٤ ]
ونلاحظ على هذا المنهج عدة ملحوظات:
الملحوظة الأولى: يمكن تقسيم عناصر المنهج عندهما إلى مجموعتين
عناصر متعلقة بالنحو عناصر بعيدة عن النحو والتصريف
والتصريف والعروض
ـ توثيق الرواية.
ـ الشرح بالإعراب. - غرض القصيدة.
ـ القرائن النحوية والصرفية - توظيف خصائص الصنعة الشعرية
ـ ذكر البحر
ويمكن أن نقرأ هذا التقسيم بأنه لايكفي للوقوف على معنى النص الاقتصار على الجوانب النحوية والصرفية والعروضية فقط، بل لابد مع تلك العناصر عناصر أخرى. وهذا يتفق مع ما توصل إليه أحد الباحثين د. عبد الحكيم راضي من «عدم كفاية كل من النحو والغريب والتصريف للحكم على لغة الشعر» (١).
ويصدق على ما سبق قول علمين من أعلام ثقافتنا، أما الأول فقدامة بن جعفر إذ يقول: «العلم بالشعر ينقسم أقسامًا، فقسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه. وقد عني الناس بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع () ولم أجد أحدًا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابًا، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة، لأن علم الغريب والنحو وأغراض المعاني محتاج إليه في أصل الكلام العام للشعر والنثر» (٢). ومعنى ما ذهب إليه قدامة أن المعرفة
_________________
(١) النقد اللغوي في التراث العربي: ص ٨٦، مجلة فصول، تراثنا النقدي ج٢
(٢) أبو الفرج قدامة بن جعفر: نقد الشعر، ص٦١، تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان
[ ٤٣٥ ]
«بالغريب والنحو والمعاني لازمة لكل من الشعر والكلام العادي وأنها كافية في هذا الأخير، لكنها غير كافية بالنسبة للشعر؛ إذ يبقى هناك معرفة الجودة والرداءة» (١).
أما القول الثاني فقول ابن خلدون حيث يرى «أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة، والقوانين اللسانية في ذلك هي علوم النحو والتصريف والبيان» (٢).
فهو لم يفرد النحو ولا التصريف بمسئولية الإبانة عن المعنى بل أشرك معهما البيان.
الملحوظة الثانية: أن المنهجين يكمل بعضهما بعضا، والهدف في النهاية الوصول إلى المعنى الصحيح للبيت، فإن كان أبوالعلاء أغفل ذكر غرض القصيدة وبحرها، فإن التبريزي كان حريصا أشد الحرص على هذين الأمرين، لأهميتها في فهم النص (٣).
الملحوظة الثالثة: العدد الإجمالي لأبيات أبي تمام: ٧٤٩٦ بيتًا، شرح منها أبوالعلاء ٨٣٠ بيتًا؛ أي: بنسبة ١١% من أبيات الديوان، أما التبريزي فقد شرح
_________________
(١) د. عبد الحكيم راضي: النقد اللغوي في التراث العربي: ص ٨٧، مجلة فصول، تراثنا النقدي ج٢
(٢) المقدمة: ٣/ ٩٦١، تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(٣) وقد سبق أن أوضح البحث في موضع سابق (ص ١٧٥) أنه على امتداد مسيرة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي حتى زمن الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، كان الموضوع أوالغرض الشعري حاضرا في القصيدة جنبا إلى جنب مع شكلها، وكان حضورا واضحًا متحددًا في ذاته من ناحية، وحضورا يشكل سياقا تُفْهم أفكار القصيدة ومعانيها في ضوئه من ناحية أخرى؛ أي إن الحضور الموضوعي في القصيدة كان ينهض بوظيفتين مزدوجتين: إحداهما ذاتية، هي وضوح الفكرة العامة للقصيدة، والأخرى سياقية هي تحديد مفردات المعنى الشعري. ينظر: د. عبد الرحمن محمد القعود: الإبهام في شعر الحداثة، ص ١٧٧ـ ١٧٨
[ ٤٣٦ ]
٢٢٨٨ بيتًا، تتضمن ٨٣٠ بيتا التي شرحها أبوالعلاء؛ أي أن الأبيات التي انفرد بها التبريزي شارحا ١٤٥٨ بيتا؛ أي بنسبة ١٩.٥%.
ونلاحظ أن أبا العلاء لم يطبق منهجه إلا على هذا العدد القليل من أبيات أبي تمام ٨٣٠ بيتًا، ويبدو أنه لم يقصد بشرحه لديوان أبي تمام إلا الأبيات المشكلة التي تحتمل أكثر من تأويل؛ لذلك لا نجد هذا العنصرـ عنصر تأويل البيت كل التأويلات الممكنة - عند التبريزي؛ وكأن التبريزي ترك هذه الأبيات لأبي العلاء، الأغزر علما، والأكثر إحاطة باللغة لتوضيح هذه الأبيات والوقوف على معانيها، وتقديم التأويلات الممكنة لها. أما الأبيات التي شرحها التبريزي فلم يصادف فيها هذا الغموض، أوما هومعقد؛ لذلك غاب هذا العنصر عنه.
الملحوظة الرابعة: لقد سار التبريزي على منهج أستاذه في شرح الديوان، فقد وضع أبوالعلاء الأساس، وقام التبريزي بالبناء على هذا الأساس وتطويره، ومد أركانه وجنباته.
لقد ارتكز أبوالعلاء على «المسموع اللغوي» أوعلى «الاستعمال اللغوي» كأداة لشرح الأبيات التي شرحها؛ ثم توسع التبريزي كثيرا في الاستناد إلى «المسموع اللغوي» أو «الاستعمال اللغوي»؛ فقد كان هوالأساس في الشرح (١).
_________________
(١) يراجع العنصر الثالث من عناصر المنهج عند التبريزي (ص ١٣٠)، وتراجع عبارات التبريزي في الاستعمال اللغوي: فهويستخدم لفظ «استعمل» بأشكال متعددة: «يُسْتَعمل»، «اُسْتُعمل»، «المستعمل»، «استعملوا»، «يستعملون»، «الاستعمال»، وتارة يستخدم للتعبير عن نفس المصطلح قوله: «وقد حكيت»، «وأهل اللغة يحكون»، «والعادة»،أو «لأن العادة»،أو «جرت العادة».، «وهذا كما نقول في الكلام»، وتارة يستخدم كلمة: «تردد ذكر»، «تردد الكلام»، «والأكثر في كلامهم»، «وكثر ذلك حتى قالوا»، «ولم يزل القائل يستعير»، «معروف»، «وغير معروف»، «ولم يذكروا»، «الغالب»، وتارة يستخدم عبارة: «ومن كلام العرب»، وتارة يستخدم عبارة: «قليل في كلامهم».
[ ٤٣٧ ]
وقد استغل التبريزي هذا العنصر ووظفه بحيث يظهر الانحرافات الاستعمالية عند أبي تمام، ورد بعض روايات الديوان؛ لأنها لا تناسبه، أوترجيح عدم قولها، كما استخدمه لإبراز ما وراء الكلمة من ظلال بلاغية.
ولا شك أن اتفاق أبي العلاء والتبريزي على «المسموع اللغوي» - كأداة للشرح - أمر له دلالته «المهمة»، وهي: «أن التفسير للنصوص العربية يجب أن يكون في حدود المستعمل عند أهل العربية»، بمعنى أن المفسر للنص العربي لا يجوز أن يأتي بتفسير للنص العربي ليس معروفا عند العرب (١).
أما العنصر المهم الثاني الذي اهتم به التبريزي اهتماما بالغا مقتديا بأستاذه أبي العلاء فهوعنصر «الاهتمام الدلالي بالكلمة»، هذا الاهتمام الذي يظهر في بيان الأصل الدلالي المأخوذ منه الكلمة، وتتبع التطور الدلالي للكلمة، والاهتمام بالمعنى السياقي. وهذه كلها أمور مهمة جدا في تفسير النص، والوقوف على المعنى الصحيح، أوالتأويل المناسب له، وقد أشار البحث في موضعين آخرين أسباب اهتمام أبي العلاء والتبريزي بتتبع التطور الدلالي للكلمة.
********
_________________
(١) وهذا هوالمنهج الذي اعتمد عليه مفسروالقرآن بالمأثور، ومنهم مثلا الإمام «الطبري»، حيث إن منهجه في التفسير يستند إلى «الرجوع إلى اللغة ولسان العرب، وإلى الشعر العربي». [ينظر: مدخل إلى علم التفسير، د. محمد بلتاجي، ص ١١١، مكتبة الشباب، ٢٠٠٠].
[ ٤٣٨ ]
ـ المبحث الثاني:
أوجه التشابه بين منهجي أبي العلاء والتبريزي وبين منهج مفسري القرآن الكريم.
تعددت مناهج تفسير القرآن الكريم واتجاهاتُه، ما بين تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي وتفسير إشاري.
ومن هذه التفاسير ما هو مقبول، ومنها ما هو غير مقبول، وقد وضع علماءُ أهل السنة والجماعة شروطا وقواعد ومنهجا يكون بها التفسير «مقبولا».
ويبدوتأثُّرُ أبي العلاء (ت٤٤٩ هـ)، والتبريزي (ت ٥١٢هـ) بمنهج مفسري القرآن «المقبولين» في كثير من عناصر المنهج عندهما.
وقبل الشروع في إظهار هذا التشابه يجب النص على أن علماء التفسير بدورهم متأثرون بعلماء أصول الفقه أصحاب قصب السبق في وضع آليات لفهم النصوص العربية وفقهها، فقد، «دخلت مناهج تفسير النصوص، طور التدوين والتسجيل، منذ القرن الثاني الهجري على يد الإمام الشافعي، والذي يرجع إليه الفضل في تأصيل هذه القواعد، وضبطها في نسق فكري خاص، كان أساسًا ونبراسًا لكل الجهود التي عنيت فيما بعد بمناهج التفسير، وقوانين الاستنباط من النصوص» (١).
والقواعد التي أصلها علماء الأصول «لا تقتصر أهميتها على فهم النصوص الشرعية فحسب، بل تتعداها إلى فهم جميع النصوص العربية» (٢).
ولم يؤثر علماء الأصول فقط على المفسرين بل على النحاة واللغويين ونقاد الشعر أيضا، فها هو ابن جني العظيم نجد في كتاباته «ما يدل في وضوح على أنه تأثر في وضع أصول التصريف والنحو بأصول الفقهاء والمتكلمين جميعا» (٣).
وعند نقاد الشعر القدماء نجد النقد الذي يفرق بين «اللغة العادية ولغة الأدب» وهو بهذا «يجاري منطلقات علم الأصول» (٤).
_________________
(١) د. محمد قاسم المنسي: في التفسير الفقهي، ص ٤٣، مكتبة الشباب، ١٩٩٧م
(٢) د. عبد العزيز رمضان سمك: أصول الفقه الإسلامي، ص ١٩٣، دار النهضة العربية
(٣) د. شوقي ضيف: المدارس النحوية، ص ٢٦٨
(٤) د. عبد الحكيم راضي: النقد اللغوي في التراث العربي، ص ٨٥، مجلة فصول ع تراثنا النقدي ج٢، ١٩٨٦م، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
[ ٤٣٩ ]
ونلخص أوجه التشابه بين منهجي أبي العلاء والتبريزي والمفسرين في العناصر التالية:
١) وجه التشابه الأول: الاهتمام بأسباب نزول الآيات القرآنية، وهو يقابل اهتمام التبريزي بذكر غرض القصيدة (١):
اهتم مفسرو القرآن من أهل السنة والجماعة بمعرفة أسباب نزول الآيات القرآنية؛ وذلك لأهمية هذا الأمر في الوقوف على معنى الآية، قال السيوطي:
« قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (٢).وقال الواحدي عن أسباب النزول إنها «أولى ما تصرف العناية إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها وبيان شئونها» (٣).
ومن نفيس ما قيل في أسباب النزول قول الشاطبي: «معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران: أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب، أوالمخاطِب، أوالمخاطَب، أوالجميع الوجه الثاني: وهوأن الجهل بأسباب التنزيل
_________________
(١) أما وجه التشابه بين المنهجين في «توثيق الرواية» فهوفي حق القرآن الكريم وقراءاته الصحيحة أمر مفروغ منه؛ إذ إنه «قطعي الثبوت»؛ تكفل الله بحفظه.
(٢) الإتقان في علوم القرآن، ص ٤٠، [دار مصر للطباعة، مكتبة مصر]، وقد اعتبر د. تمام حسان أسباب النزول من «القرائن الخارجية» التي تحمي من اللبس، [ينظر مقال: اللغة والنقد الأدبي، د. تمام حسان [مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي، المجلد الرابع، العدد الأول، ١٩٨٣ بعنوان: النقد الأدبي والعلوم الإنسانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب] ص ١٢٧).
(٣) أسباب النزول: ص ١٦، [دار الريان للتراث، تحقيق د. السيد الجميلي].
[ ٤٤٠ ]
موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع» (١).
ولأهمية هذه المعرفة فقد عُنِي «سلف الأمة وخلفها عناية خاصة مما أفرد له بالتأليف جماعة سخرهم الله لحفظ أسباب نزول آياته كما حفظ كتابه، ومن هؤلاء: على بن المديني، شيخ البخاري والواحدي، والجعبري وابن حجر، والسيوطي وغيرهم» (٢).
وقد كان التبريزي حريصًا على ذكر غرض القصيدة قبل البدء في شرحها، فهويَنُصُّ على - أويذكر - غرض القصيدة من مدح، أورثاء، أوهجاء. وهذا النص - أوالذكر - لغرض القصيدة من الأهمية بمكان، فهومن الأدوات الرئيسية لفهم القصيدة، فـ «عندما يتقدم بنا العصر تتطور الحاجة إلى فهم النص لأسباب أخرى لا علاقة لها بفهم المفرادت أو التراكيب، لكنها متعلقة بغياب أمر آخر له أهميته ونعني به الوسط الذي قيلت فيه القصيدة، حين تتجه مسمياتها إلى بيئة معينة أو مقصد آخر خفي على السامع أو القارئ. () فإدراك المناسبة أمر مهم لفهم إشارات النص وتلمس مقاصده، وإلا لأصبح الفهم عقيما وأحيانا بعيدا كل البعد من مراد الشاعر أو هدف القصيدة، وهذا هو أحد مبررات قيام الشرح بجانب القصيدة حينما يتقادم العهد فيخفى أصل المناسبة أو دلالتها، وهي من ضرورات كل عصر لفهم شعره، لذلك كان الاهتمام بها ممتدا عبر العصور» (٣).
****
٢) وجه التشابه الثاني: الاعتماد على «لغة العرب»، وهو يقابل عند أبي العلاء والتبريزي العنصرين: «توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصرهما في شرح الديوان»، و«الاعتماد على الخصائص الأسلوبية العامة للغة والاستعمال
_________________
(١) الموافقات: ٣/ ٢٩٤ـ ٢٩٤، [مكتبة الأسرة ٢٠٠٦، الهيئة المصرية العامة للكتاب].
(٢) القرآن: د. عبد الفتاح أبوسنة، ص ٧٨، [دار الشروق، ط١، ١٩٩٥م].
(٣) د. سليمان الشطي: المعلقات وعيون العصور، ص ٤٣
[ ٤٤١ ]
اللغوي (أوالكلامي) للألفاظ والألفاظ المصاحبة والألفاظ الأكثر شيوعا»، و«دعم الشرح بالأبيات الشعرية»:
وضع علماء أهل السنة والجماعة قواعد ومناهج لتفسير القرآن، بها يكون التفسير «مقبولا»، منها: أن يكون «موافقا للغة العرب»؛ وذلك لأن القرآن «نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف:٢] إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي، وبلسان العرب» (١).
فلابد لقبول التفسير أن يكون مستندا إلى «دليل شرعي أو لغوي» (٢). وحتى التفسير بالرأي يُقبل إذا كان معتمدا على «ما نقل عن النبي ﷺ وأصحابه، وأن يكون عارفا بقوانين اللغة، خبيرا بأساليبها» (٣). أما التفسير الذي يجب الابتعاد عنه فهو التفسير القائم على «التهجم والجرأة على تعيين مراد الله تعالى مع الجهل بقوانين اللغة والشريعة» (٤).
والرفض للتفسير المذهبي؛ لأنه رأي طائفي، «ينتمي إلى مذهب خاص، ويتبنى وجهة نظر معينة لطائفة معينة، وهو بهذا ينحرف باللفظ عن معناه الأصلي في اللغة والشرع إلى معانٍ أخري بعضها بعيد، وبعضها غير ظاهر أصلا» (٥).
_________________
(١) الموافقات: الشاطبي، ص ٢/ ٥٤، وقال الشاطبي أيضا في كتابه «الاعتصام» تحت عنوان «في مأخذ أهل البدع بالاستدلال»: « ومنها - أي من المآخذ على أهل البدع - تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين، مع الغرو [كذا] عن علم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا». الاعتصام، [١/ ٢٠٦]، مكتبة الأسرة ٢٠٠٩، تعليق: محمد رشيد رضا.
(٢) دراسات في التفسير: د. محمد نبيل غنايم، ص ٣٨، [دار الهداية، ط٢، ١٩٩٢م].
(٣) دراسات في التفسير: د. محمد نبيل غنايم، ص ٣٩
(٤) دراسات في التفسير: د. محمد نبيل غنايم، ص ٣٩
(٥) دراسات في التفسير: د. محمد نبيل غنايم، ص ٤٠.
[ ٤٤٢ ]
ومن الشروط التي وضعت لآداب مفسر القرآن: «أن يكون ملما بالعلوم التي تعينه على أداء مهمته والقيام بالتفسير بالصورة الصحيحة، وقد أحصى العلماء هذه العلوم في خمسة عشر علما، أحدهما: اللغة ، الثاني: النحو ..، الثالث: التصريف ..، الرابع: الاشتقاق » (١). وبناء على ما سبق «ينبغي على العاقل ألا يقف موقف القائل في كتاب الله إلا إذا زود نفسه بزاد عظيم مما نص العلماء الفاقهون على أنه يجب أن يتزود به من يعرض لهذا الأمر الخطير من علم كاف باللغة، وأساليب البيان» (٢).
وبسبب اهتمام المفسرين بالشعر الجاهلي وسيلة مهمة لشرح كتاب الله عدت كتب التفسير مصدرا من مصادر هذا الشعر. فمع اتساع الدولة الإسلامية «استحدثت علوم كثيرة كالتفسير والحديث والفقه واللغة والنحووالبلاغة، وهذه كلها تحتاج إلى الأدب،؛ لهذا لا يخلو كتاب ألف في أحد هذه العلوم من آثار أدبية جاهلية؛ إذ أن جميع هذه العلوم تعتمد في تقرير أسسها ومبادئها على كلام العرب القدامى الفصيح، وبسبب ذلك دون كثير من الأدب الجاهلي في ثنايا هذه العلوم» (٣)
وهكذا تبدوأهمية الأساس اللغوي كمنطلق للتفسير، وهذا هو نفس المنطلق الذي انطلق منه أبوالعلاء، وتبعه تلميذه التبريزي، وقد عرضنا عند الحديث عن منهجيهما مدى احتفائهما بالاستعمال اللغوي أوالمسموع اللغوي، وخاصة عند التبريزي، الذي كان يردد في كل بيت يشرحه لفظة «يقال»،وكلمة «المستعمل».
وهذا التأكيد على الأساس اللغوي كمنطلق للتفسير أمر له اعتباره في تفسير النص، وأنه لا بد أن يكون الركيزة الأولى لتفسير أية نص، وأنه لا مجال بحق لـ «شطحات الذهن» في هذا الأمر، والمنهج الأدبي الذي يتعامل مع النص الأدبي ولا يكون من إجراءاته الاعتماد على «اللغة» هومنهج - لا شك - ناقص.
_________________
(١) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ص ٥٥٢ - ٥٥٣.
(٢) مدخل إلى علم التفسير: د. محمد بلتاجي، ص ١٦٠، [مكتبة الشباب، ٢٠٠٠].
(٣) في تاريخ الأدب الجاهلي: د. علي الجندي، ص ١٤٤ [دار المعارف، ط٢]
[ ٤٤٣ ]
بقي أن نثبت في ختام هذه الجزئية أن المعتزلة - وهم أصحاب المنهج العقلي في الإسلام - اعتمدوا في فهمهم للنصوص على اللغة أيضا كأداة للتأويل فقد حظيت عندهم «بجانب عظيم من الاهتمام» (١).
****
٣) وجه التشابه الثالث: تأويل الآية كل التأويلات الممكنة باستغلال
«المعاني المعجمية، أوالصرفية»، والجمع بين «القراءات»، وهذا يتفق مع منهج أبي العلاء في تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين، والجمع بين الروايات المختلفة للبيت المشروح:
نص العلماء على أنه إذا وجدت لفظة في كتاب الله - ولها أكثر من معنى - فإن تفسير اللفظة بأحد هذه المعاني يعد «مقبولا»، قال السيوطي: «والخلاف بين السلف في التفسير قليلٌ، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد؛ وذلك صنفان؛ أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنًى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] بعض بالقرآن، وبعض بالإسلام () الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه () وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير - تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى - هوالغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين، إما لكونه «مشتركا في اللغة»، كلفظ «القسورة»، الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد، ولفظ: «عسعس»، الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وإما لكونه متواطئا في الأصل؛ لكن المراد به أحد النوعين أوأحد الشخصين، كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى
_________________
(١) موقف المعتزلة من تفسير القرآن والأحاديث المروية، د. مصطفى الصاوي الجويني، مقال بمجلة العربي ع ١٢٢، ص١٣٨
[ ٤٤٤ ]
(٨)﴾ [النجم: ٨]، وكلفظ الفجر والشفع والوتر وأشباه ذلك؛ فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك» (١).
والاعتداد بـ «القراءات القرآنية» أمر مقبول، وإهمالها أمر مرفوض. فقد أجمع المسلمون على «الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة (أئمة القراءات السبعة)، مما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات؛ فاستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الأئمة المتقدمون، والفضلاء المحققون، كالقاصي أبي بكر بن الطيب والطبري وغيرهما. قال ابن عطية: ومضت الأعصار والأمصار على قراءة السبعة، وبها يصلى؛ لأنها ثبتت بالإجماع» (٢). وذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن الأمة يحرم عليها إهمال شيء من السبعة (٣).
وقد صنع المحدثون نفس الشيء في الحديث النبوي؛ فقد أوضح العلماء أنه لا ينبغي للمسلم «أن يأخذ السنة من حديث واحد، دون أن يضم إليه ما ورد في موضوعه مما يؤيده أويعارضه، أويوضح إجماله، أويخصص عمومه أويقيد إطلاقه» (٤)، فهذا هوالمنهج الصحيح مع الأحاديث النبوية الصيحة «أن يجمع بين هذه الروايات، وذلك بحسن توجيهها في الموضوع الذي وردت فيه - بلا تعسف - ودون أن يهمل رواية منها؛ فالجمع مقدم؛ لأن إعمال النص الصحيح خير من إهماله» (٥).
وعلى هذا النهج سار أبوالعلاء، فلم يكن يهمل شيئا من روايات أبي تمام التي استوثق من صحتها، والتي وردت إليه من «العلماء الثقات» و«النسخ المختلفة»
_________________
(١) الإتقان في علوم القرآن، ص ٥٤٨.
(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ١/ ٤٠، [دار الريان للتراث].
(٣) القرآن: د. عبد الفتاح أبوسنة، ص ٦١.
(٤) كيف نتعامل مع السنة؟: د. يوسف القرضاوي، ص ١٣٢، [دار الشروق ط٣، ٢٠٠٥].
(٥) أسباب ورود الحديث، تحليل وتأسيس: د. محمد رأفت سعيد، ص ٣٧.
[ ٤٤٥ ]
التي اطلع عليها للديوان. وكان التبريزي في بعض الأحيان يكتفي في شرح البيت بذكر الرواية المختلفة فقط للبيت.
ويتفق أبو العلاء والتبريزي بجوار اتفاقهما مع مفسري أهل السنة في تفسير اللفظ كل التفسيرات الممكنة مع المعتزلة، فقد كانوا يرون - كما يمثل رأيهم المرتضي: «حملَ الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له شاهد من اللغة وكلام العرب؛ لأن الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني» (١). وهذا عين ما كان يفعله أبو العلاء.
****
٤) وجه التشابه الرابع: لجوء المفسرين - في أحيان كثيرة - للقرائن السياقية لفهم النص، وسبق أن أوضحنا أن أبا العلاء والتبريزي سارا على هذا النهج:
لجأ المفسرون في أحيان كثيرة إلى «السياق» لتفسير النص القرآني، وما اهتمامهم الشديد بأسباب النزول إلا دليل على هذا، وقد مر بنا قول ابن دقيق العيد أن: «بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن»، وقول ابن تيمية: «معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (٢).
ولايعدو بنا الصواب إن قلنا إن القرآن الكريم نفسه، يوظف القرائن في فهم آياته، فـ «القرآن - وهوأسمى نص عربي - يرصد من القرائن الحالية التي تتمثل في أسباب النزول، ومن القرائن المقالية التي تتمثل في تراكيب النص، وفي الآيات التي تفسر آيات أخرى، ما يحول بين اللبس وسياق الكريم» (٣).
_________________
(١) أمالي المرتضي، غرر الفوائد ودرر القلائد، ص ١٨/ ١٩
(٢) الإتقان في علوم القرآن: ص ٤٠.
(٣) ينظر مقال: اللغة والنقد الأدبي، د. تمام حسان [مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي، المجلد الرابع، العدد الأول، ١٩٨٣ بعنوان: النقد الأدبي والعلوم الإنسانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب] ص ١٢٢). وأضاف د. تمام - في نفس المصدر - «وفي دراسة هذه الظاهرة (ظاهرة وجود قرائن) في القرآن وجدت عشرات الأمثلة لتراكيب من قبيل ما قدمنا منذ قليل، وقد رصد القرآن لها من القرائن ما أزال عنها اللبس».
[ ٤٤٦ ]
ولا نحتاج إلى مزيد كلام لإثبات تأثر أبي العلاء والتبريزي بهذا النهج في «استخدام القرائن» فقد وَظَّف أبوالعلاء عددا كبيرا من قرائن «السياق
اللغوي»، مثل: القرائن النحوية والصرفية والعروضية والصوتية، والصنعة الشعرية، وقرينة الاستعمال اللغوي والتناص والبلاغية.
كما وظف عددا من «قرائن سياق الحال»، مثل: القرائن الشرعية، والثقافية، والطبيعية. ولم يتخلف التبريزي عن نهج أستاذه في هذه الجزئية؛ فسار على نهجه؛ واستعان بها في شرح الأبيات.
وفي الوقت الذي كانت القرائن تعين كلا من أبي العلاء والتبريزي في تحديد معاني الأبيات المشروحة عند أبي تمام - كان غيابها بمثابة «الضوء الأخضر» - إن صح التعبير - لتقديم أكثر من «تأويل للنص المشروح»، إذ إن «تعدد المعنى يكشف عن عدم كفاية القرائن» (١).
ولم تكن وظيفة القرائن عند أبي العلاء مقصورة فقط على كشف المعنى، بل استخدمت أيضا: لرد رواية، أو ترجيح رواية على رواية، أو لرد الروايات المصحفة.
*****
٥) وجه التشابه الخامس: اهتمام المفسرين بالجوانب الدلالية للآية أوالكلمة وخاصة في تطورها الدلالي، وكذلك اهتم أبوالعلاء والتبريزي:
اهتم مفسرو القرآن بالجوانب الدلالية للآية أوالكلمة قيد التفسير؛ ولا غرو في هذا الاهتمام، فما كان التفسير أصلا إلا لبيان معاني الكلام (٢).
وقد نبه كثير من الجهابذة والمحققين من علماء الأمة على أهمية التطور الدلالي للألفاظ، ومدى الخطورة التي يمكن أن تقع إذا نزلت «الألفاظ الشرعية على
_________________
(١) البيان في روائع القرآن: د. تمام حسان، ١/ ١٦٤
(٢) وقد سبقهم في هذا أيضا علماء الأصول، فكتبهم مترعة بالمباحث الدلالية التي تتحدث عن العام وأقسامه، والمطلق والمشترك، ودلالة العام بين القطعية والظنية، وصيغ العموم
[ ٤٤٧ ]
المصطلحات المستحدثة على مر العصور» (١)؛ إذ «إن هناك ألفاظا كثيرة بدلت في مجالات شتى يصعب حصرها. ثم لا يزال هذا التبدل يتسع، مع تغير الزمن وتبدل المكان، وتطور الإنسان، إلى أن تصبح الشقة بعيدة بين المدلول الشرعي الأصلي للفظ، والمدلول العرفي أوالاصطلاحي الحادث المتأخر، وهنا ينشأ الغلط وسوء الفهم غير المقصود، كما ينشأ الانحراف والتحريف المتعمد» (٢) (٣).
وقد ذكر السيوطي مجموعة من العلوم الواجبة لإتقان القرآن، منها:
[١] في معرفة الوقف والابتداء. قال السيوطي: «قال ابن الأنباري: من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء فيه، وقال النِّكْزاوي: باب الوقف عظيم القدر، جليل الخطر؛ لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل» (٤).
[٢] في معرفة إعرابه. يقول السيوطي «ومن فوائد هذا النوع معرفة المعنى؛ لأن الإعراب يميز المعاني، ويوقف على أغراض المتكلمين () وعلى الناظر في كتاب الله تعالى الكاشف عن أسراره النظر في الكلمة وصيغتها ومحلها» (٥).
[٣] معرفة الحقيقة والمجاز. [٤] في فواصل الآي. [٥] في مفردات القرآن.
وهذه العلوم لا تخدم إلا الإبانة عن النواحي الدلالية للكلمة منفردة، أو في سياقها. وقد مر بنا كيف كان اهتمام أبي العلاء والتبريزي بالكلمة دلاليا، وما يتعلق
_________________
(١) كيف نتعامل مع السنة النبوية؟:د. يوسف القرضاوي، ص١٩٨، [دار الشروق ط٣، ٢٠٠٥]
(٢) كيف نتعامل مع السنة النبوية؟: د. يوسف القرضاوي، ص١٩٨.
(٣) ومن العلماء الذي تناولوا هذا الأمر بالحديث الإمام الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» يُنْظَرُ: إحياء علوم الدين: ١/ ٣٢، باب «بيان ما بدل من ألفاظ العلوم»، [دار المعرفة - بيروت]
(٤) الإتقان في علوم القرآن: ص ١١٣.
(٥) الإتقان في علوم القرآن: ص ٢٦٩
[ ٤٤٨ ]
بها من تخصيص للدلالة أوتعميم أوتغيير للدلالة، وكيف كان الإعراب نفسه وسيلة للشرح.
*****
[ ٤٤٩ ]
ـ المبحث الثالث:
بين منهج أبي العلاء والتبريزي والمناهج الأدبية المعاصرة.
بعد الانتهاء من عرض أوجه التشابه بين منهج أبي العلاء والتبريزي ومنهج مفسري القرآن، يمكن للباحث أن يقرر في اطمئنان أن منهج أبي العلاء والتبريزي هوـ في معظمه - منهجٌ لمفسري القرآن من أهل السنة والجماعة المستند بدوره على منهج علماء الأصول.
ولاجدال أن عقلية فذة مثل عقلية أبي العلاء في سعة ثقافتها واطلاعها على العربية حين تعتمد هذا «المنهج» طريقا لتفسير النص؛ فإن هذا تصريح ضمني بمدى سلامة هذا المنهج وأصالته. ويزداد الوثوق بهذا المنهج حينما يأتي التبريزي - وهوأيضا علم من أعلام اللغة - ويسير على نفس الطريق.
ومنهجا أبي العلاء والتبريزي يقدمان ما يمكن أن نسميه «فهما مبدئيا للنص»، وليس من المعقول أن تنطلق دلالات النص الأدبي أو قراءاته من لا شيء، بل لا بد من أساس تنطلق منه، وفهم مبدئي سليم تصدر عنه، حتى تكون الدلالات والقراءات المقدمة والمقترحة مقبولة، فالذي يبني بناء لا يمكن أن يصعد للأدوار العليا قبل أن يصنع الأدوار السفلى، والمقدمات الصحيحة تأتي بنتائج صحيحة، وما فشل المناهج الأدبية الحديثة من بنيوية وتفكيكية في تفسير النص الأدبي إلا دليل على صحة ما نرمي إليه.
لقد وضع مفسرو القرآن «منهجا» لتفسير النص القرآني، ثم أتي أبوالعلاء والتبريزي وأعطى كل منهما إمكانية تطبيق هذا المنهج على «نص أدبي». وهما بهذا الصنيع يكونان قد سلكا طريقا - لهما ولغيرهما - يلتمسون فيه «تفسيرا منهجيا» للنص الأدبي.
إن الارتباط أوالتشابه الوثيق بين منهجهما ومنهج مفسري القرآن يجعل الباحث مطمئنا لهذا «المنهج»؛ فالنفس تطمئن لكل ما هو مرتبط بـ «النص القرآني»، ويطمئن إلى أن المفسرين والأصوليين - من أهل السنة والجماعة - لابد أن ينهجوا من الطرق أقومها، ومن السبل أوضحها لتفسير النص القرآني.
[ ٤٥٠ ]
والباحث يدعوالأدباء والنقاد إلى وضع نظرية عربية نقدية لتفسير النصوص الأدبية، يكون منهج أبي العلاء والتبريزي لبنة فيها، تلك اللبنة التي تستند بدورها على منهج محكم لتفسير النص القرآني (١).
إن الدرسات اللغوية المتعلقة بالنص القرآني «تشكل - إلى جانب المؤلفات البلاغية المعروفة - أساسا صالحا لدراسات عربية متجددة في الأسلوب؛ وبذلك تلعب دورا لعله يفوق بكثير ذلك الدور الذي لعبته البلاغة اليونانية القديمة بالنسبة للدرس الأسلوبي الحديث عند الأوربيية» (٢).
والباحث إذ يدعو إلى هذا المنهج يدعو من جهة أخرى إلى طرح المناهج الأدبية الدخيلة علينا (٣)، المنبتة الصلة بالبيئة العربية، والقادمة إلينا من الغرب.
إن الكثير من تلك المناهج والنظريات الأدبية منبت الصلة بتراثنا الثقافي العربي، ذا خلفية أيديولوجية وفلسفية غريبة عنا، وهذا ما يؤكده الباحثون الذين يؤكدون على
_________________
(١) بين يدي الباحث كتاب بعنوان «موسوعة النظريات الأدبية»، يحتوي على سبعين نظرية أدبية، للدكتور: نبيل راغب، ليس من بينها للأسف الشديد حديث واحد عن نظرية أدبية نقدية عربية.
(٢) مقال بعنوان: «النقد اللغوي في التراث العربي»: د. عبد الحكيم راضي، ص ٨٨ [مجلة فصول مجلة النقد الأدبي، تراثنا النقدي ج٢، ١٩٨٦م].
(٣) ونضيف إلى المناهج الأدبية أيضا «الأعمال الأدبية» التي لا تتفق مع عاداتنا وثقافتنا. فقد كانت تلك الأعمال إحدى الطرق لإبعاد المسلمين عن دينهم، وبهذه الأعمال صيغت عقول وأفكار كثير من الأدباء والمفكرين، «منسلخة تماما عن الدين، إن لم تكن ساخرة مستخفة مستهزئة». [ينظر: واقعنا المعاصر: محمد قطب، ص ٢٨٨، دار الشروق ط٢، ٢٠٠٦]. وفي مقال بجريدة الأهرام ٧مايو٢٠٠٢، ص ١١، بعنوان «حرب باردة جديدة» للأستاذ فهمي هويدي، قال فيه: «ليست مصادفة أن تلجأ وزارة الدفاع الأمريكية إلى إنشاء مكتب «للتأثير الاستراتيجي» () ومن يطالع كتاب «الحرب الباردة الثقافية» لمؤلفه الأمريكي فرانسيس سوندر يكشف أن ذلك المكتب كان النواة التي بدأت بها المخابرات المركزية، ويدهش للكيفية التي مورست بها تلك الحرب في مجالات الإعلام والفنون والآداب، واستخدمت لأجلها أسماء كبيرة، وإصدارات محترمة ومؤسسات قامت بأدوار مهمة في حياتنا العقلية والثقافية».
[ ٤٥١ ]
ارتباط النقد الأدبي في القرون الثلاثة الأخيرة - على الأقل - بالفكر الفلسفي الذي يتذبذب «بين الوهم والحقيقة، واليقين والشك، وجاءت التفسيرات المختلفة لمعنى النص انعكاسا لتناقضات الفلسفة حول الحقيقة والوجود والذات» (١)، إننا دائمًا نجد تلك الوشائج القوية «بين تطورات الفكر العلمي - الفلسفي وتطورات الدراسات الأدبية واللغوية» (٢) في الغرب.
وخير مثال على تلك المناهج الأدبية التي جثمت على صدورنا ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان، وكان لها من الآثار السلبية ما لا يعلمه إلا الله ما يعرف بـ «البنيوية» (٣)، و«التفكيكية» (٤).
_________________
(١) المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك: د. عبد العزيز حمودة، ص ٩٦، [سلسلة عالم المعرفة، ع ٢٣٢، يناير١٩٩٨م، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت].
(٢) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص ٩٩، وينظر أيضا الصفحات التالية: ٦١، ١١٣، ١٦٤
(٣) البنيوية - كواحدة من أكثر التيارات العقلية أهمية وانتشارا - تقوم على دراسة البني أوالنماذج الكامنة في السلوك الاجتماعي، والثقافة، وتركيب المادة الفيزيائية. إنها تقدم «منهجية» معقولة ومنطقية لدراسة كثير من العلوم والمجالات المختلفة، مثل: البيولوجيا والجيولوجيا والأنثربولوجيا، وعلم اللغة، والنقد الأدبي. إن البنيوية التي تقوم على أساس نظرية الاتصال وتدرس العلاقات بين الأشكال بدلا من دراسة طبيعة هذه الأشكال نفسها: عاملة على إيجاد «لغة» في العلامات والرموز داخل تلك الأشياء. وبتحليل الشيء قيد البحث - سواء أكانت رواية أم أنظمة اتصال أم نظم سياسية - فإن البنيوية تحاول الكشف عن «أطر» الاتصال الموحَّدة من خلال تركيب ثنائي للعلاقات، تلك العلاقات التي تكتسب معانيها من داخلها - وليس من طبيعتها الخارجية - من خلال موضع كل علامة من الأخري. ينظر: LEXICON UNIVERSAL ENCYCLOPEDIA، vol١٨، p٣٠٣،(structuralism)
(٤) شاع هذا المصطلح في النظرية الأدبية، وفي النقد الأدبي والفني منذ أواخر الستينيات في القرن العشرين، وبالتحديد بعد أن نشر الفيلسوف المعاصر جاك دريدا كتابه المشهور الأول: «في علم نظم الكتابة». وهومنهج يستخدم «الشك» بهدف هدم أنواع «اليقين» الفلسفية والعلمية والدينية، وهدم - أوتفكيك - كل أنواع «الوحدة» الاجتماعية أوالسياسية، أوالثقافية. [مصطلحات الفكر الحديث: سامي خشبة، ١/ ٢٢٦ـ ٢٢٧، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠٦].
[ ٤٥٢ ]
إن المعتنق لهاتين النظريتين النقديتين يجد نفسه في نهاية الأمر أمام مأزقين خطيرين:
أما المأزق الأول: فهومأزق «عَقَدي»، يتمثل في «أَنْسَنَة الدين»؛ أي «إرجاع الدين إلى الإنسان وإحلال الأساطير محل الدين» (١). وقد قام البعض بالفعل بهذه «الأنسنة»؛ أي «أنسنة الدين، وتطبيق المبادئ النقدية الوافدة على النصوص المقدسة» (٢). بل تعدى الأمر لما أخطر من ذلك؛ فالقول بما يسمى عند التفكيكيين بـ «موت المؤلف» قاد إلى «رفض وجود الله ذاته وثالوثه: العقل والعلم والقانون» (٣).
أما المأزق الثاني: هومأزق «فهم النص». لقد اكتشف البنيويون أنفسهم في نهاية المطاف «بعد كل الرفض لكل المدارس السابقة، وبعد دعاوى علمية النقد، أن البديل البنيوي، وهوالنموذج اللغوي، فشل في تحقيق الدلالة أوالمعنى. لقد انشغلوا - في حقيقة الأمر - بآلية الدلالة، ونسوا ماهية الدلالة. انهمكوا في تحديد الأنساق والأنظمة وكيف تعمل، وتجاهلوا الـ «ماذا يعني النص؟»» (٤). لقد تحولت البنيوية إلى «تدريب لغوي يتوقف عند تحديد العلاقات بين العلامات، والبنى المكون للنص، وكيف تعمل، دون كثير اهتمام بالمعنى» (٥). ومما يقره أيضا د. عبد العزيز حمودة:
_________________
(١) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص ٣٥
(٢) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص ٦٤
(٣) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص ١٠٥، وينظر أيضا: التأويل العبثي للوحي والنبوة والدين: د. محمد عمارة، ص ٢٣هدية مجلة الأزهر، جمادى الآخرة ١٤٣٢هـ
(٤) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص٩
(٥) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص٢٠٧
[ ٤٥٣ ]
«قد تمثل فشل البنيوية الجوهري في نهاية المطاف في قدرتها المكتسبة الجديدة على تحقيق تحليل لغوي بنائي للنص مع فشل كامل في تحقيق معنى النص» (١).
أما التفكيكية فهي تقوم على «غياب المركز الثابت للنص، إذ لا توجد نقطة ارتكاز ثابتة يمكن الانطلاق منها لتقديم تفسير معتمد، أوقراءة موثوق بها، أوحتى عدد من التفسيرات والقراءات للنص، بل إن ما هو مركزي، أوجوهري في قراءة ما يصبح هامشيا في قراءة أوقراءات أخرى، وبالتالي فإن ما هو هامشي في قراءة ما يصبح مركزيا أومركزا في قراءة أوقراءات أخرى، ويستتبع ذلك بالطبع ما أسماه التفكيكيون «اللعب الحر Free play» للغة. وحيث إنه لا يوجد مركز ثابت ولا قراءة معتمدة أوموثوق بها أو قراءة مفضلة، وإن الوحدات اللغوية المكونة للنص في حالة لعب حر، إذن لا توجد قراءة نقدية واحدة بل إن كل قراءة نقدية هي في حقيقة الأمر فشل الناقد في قراءة النص، وحتى تفسح المجال لمحاولة من جديد، بصورة لا نهائية. وهكذا يستبدل بالمفهوم التقليدي لتعدد قراءات النص الواحد حسب قدرته على الإيحاء عن طريق الرمز، مفهوم لا نهائية القراءات» (٢).
إن الأخذ بالمنهج التفكيكي أدي إلى فتح «أبواب الجحيم: أبواب الشك وفوضى النقد» (٣).
هذه الفوضى هي ما يؤكدها أحد كبار نقاد الأدب المعاصرين، إذ يقول على استحياء، وفي عبارة رقيقة: « ومع كثرة من غمرتهم دوامة التفكيك لدينا، واستخدموا بعض تقنياته، فإن البحث العميق قد انتهى إلى ضيق هامشه في الثقافة العربية إلى حد كبير» (٤).
_________________
(١) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص١٨١
(٢) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص٥٦
(٣) المرايا المحدبة: د. عبد العزيز حمودة، ص٣٧، وينظر أيضا: ص١٦٤
(٤) مقال بعنوان: «المشهد النقدي اليوم»،للدكتور صلاح فضل، جريدة الأهرام، ١ يوليو٢٠٠٢
[ ٤٥٤ ]
بعد هذه الكلمات السريعة أعود فأقول: لابد من الرجوع لتراثنا، نتمسك به، ونذب عنه، ونأخذ منه ما ينير الطريق.
***
[ ٤٥٥ ]