وهي نوعان: أحدهما ما خوطب به ما لا يعقل (^٢) مما يشبه اسم الفعل (^٣)؛ كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: "جئ جئ" (^٤) مهموزين، وفي دعاء الضأن: "حاحا"، والمعز: "عا عا" غير مهموزين، والفعل منهما: حاحيت، وعاعيت، والمصدر: حيحاء، وعيعاء؛ قال:
يا عنز هذا شجر وماء … عاعيت لو ينفعني العيعاء (^٥)
باب: أسماء الأصوات
(^١) هي ألفاظ يفهم المقصود منها، بمجرد النطق بها وسماعها، وقد وضعت لخطاب ما لا يعقل من الحيوان الأعجم، أو ما هو في حكمه من صغار الآدميين، وقد يراد بها حكاية صوت من الأصوات.
(^٢) أو مافي حكمه كما بينا.
(^٣) أي في أنه يكتفي به وحده، ولا يحتاج في بيان المراد منه إلى شيء آخر بحسب الظاهر. وإن كان اسم الفعل في الحقيقة مركبا مع مرفوعه الظاهر أو الضمير، أما اسم الصوت فلفظ مفرد ليس معه ضمير ولا غيره.
وإلى مجرد الشبه، فيما ذكرنا، يشير الناظم بقوله:
وما به خوطب ما لا يعقل … من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل
أي أن ما يخاطب به غير العاقل، أو ما هو في حكمه؛ مما يشبه اسم الفاعل في عدم حاجته في إفادته المراد إلى لفظ آخر، يسمى: اسم صوت.
وقد قيل: إن تشبيه اسم الصوت باسم الفعل في هذا قاصر؛ لأن اسم الفعل لا بد له من فاعل، ولا يمكن أن ينفرد بنفسه، وقد يحتاج إلى معمولات أخرى، بخلاف اسم الصوت.
(^٤) لعل ذلك أخذ من قولهم: جأجأ بالإبل: دعاها للشرب. والجئ: الدعاء إلى الطعام والشراب.
(^٥) بيت من الرجز، أو بيتان من مشطوره، ولم يعين النحاة القائل.
_________________
(١) * "وما" اسم موصول مبتدأ. "به" متعلق بخوطب. "ما" الثانية نائب فاعل خوطب. "لا يعقل" الجملة صلتها. "من مشبه" بيان لما الأولى. "اسم الفعل" مضاف إليه. "صوتا" مفعول ثان ليجعل الواقع خبرا للمبتدأ، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه، وهو مفعوله الأول.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وفي زجر البغل: "عدس"؛ قال:
عدس ما لعباد عليك إمارة (^١)
وقولنا مما يشبه اسم الفعل احتراز من نحو قوله:
يا دار مية بالعلياء فالسند (^٢)
اللغة والإعراب: عاعيت: صحت وقلت: عا عا. "يا" حرف نداء. "عنز" منادى نزل منزلة العاقل. "هذا شجر" مبتدأ وخبر. "وما" معطوف على شجر. "عاعيت" فعل وفاعل، ومفعوله محذوف؛ أي عاعيته. "لو" حرف تمن، أو شرطية، وجملة "ينفعني العيعاء" فعل شرط، والجواب محذوف دل عليه عاعيت، أي لو ينفعني العيعاء لعاعيت وأكثرت منه.
الشاهد: استعمال "فعل" من اسم الصوت "عا عا"؛ وهو عاعيت، وكذلك استعمل المصدر.
(^١) تقدم شرح هذا البيت في "باب الموصول"؛ جزء أول، صفحة ١٦٥.
الشاهد: هنا في "عدس"؛ حيث استعمل اسم صوت لزجر الفرس، وقيل: إنه هنا اسم للفرس نفسه؛ بدليل قول آخر:
إذا حملت بزتي على عدس
فإنه اسم؛ لدخول حرف الجر عليه، واسم الصوت لا يعمل فيه شيء.
(^٢) صدر بيت من البسيط، هو مطلع قصيدة مشهورة للنابغة الذبياني، معدودة في المعلقات، يمدح فيها النعمان بن المنذر، وعجزه:
أقوت وطال عليها سالف الأمد
اللغة والإعراب: العلياء: ما ارتفع من الأرض. السند: المرتفع من الجبل الذي يسند ويصعد فيه، وقيل: هما اسما موضعين. أقوت: خلت واصبحت قواء؛ أي خالية من الأنيس. سالف الأمد: الزمان الماضي. "يا" حرف نداء. "دار مية" دار منادى، ومية مضاف إليه ممنوع من الصرف، وهونداء لما لا يعقل. "بالعلياء" متعلق بمحذوف حال من دار؛ "فالسند" معطوف على العلياء، والفاء بمعنى الواو. "أقوت" الجملة حال بتقدير "قد" والباقي واضح الإعراب.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وقوله:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي (^١)
الثاني: ما حكي به صوت كـ"غاق"؛ لحكاية صوت الغراب (^٢)
و"طاق" لصوت الضرب، و"طق" لصوت وقع الحجارة، و"قب" لصوت وقع السيف.
المعنى: ينادي ويخاطب دار محبوبته بهذا المكان، ويتوجع لأنها أصبحت خالية خاوية ليس بها أنيس، وقد طال عليه الزمن، وقد كانت تجمعه هو ومحبوبته في هناءة وصفاء.
الشاهد: في "يا دار مية"؛ فهو خطاب ونداء لما لا يقعل؛ وهو الدار، وهو ليس اسم صوت؛ لأنه لا يشبه اسم الفعل كما ذكرنا.
(^١) صدر بيت من الطويل، لامرئ القيس، من معلقته المشهورة، وعجزه:
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
اللغة والإعراب: انجلي: انكشف؛ من الانجلاء؛ وهو الانكشاف. بأمثل: بأحسن وأفضل حالًا؛ من المثالة، وهي الفضل. "ألا" للتنبيه. "أيها" أي منادى، والهاء للتنبيه. "الليل" صفة لأي. "الطويل" صفة الليل. "ألا" توكيد للأولى. "انجلى" فعل أمر مبني على حذف الياء، والياء الموجودة مزيدة للإشباع. "بصبح" متعلق به. "وما" الواو للحال، وما نافية. "الإصباح" مبتدأ، أو اسم ما. "منك" متعلق بأمثل الواقع خبرا للمبتدأ، أو خبر "ما"، على زيادة الباء.
المعنى: ينادي الليل، ويشكو طوله، ويطلب زواله بالصبح؛ لما يلاقيه فيه من آلام، ثم رجع وقال: ليس الصبح بأفضل منك يا ليل؛ لأني أقاسي فيه أيضًا آلامًا وأشجانًا.
الشاهد: في "أيها الليل"؛ فهو نداء وخطاب لغير العاقل؛ وهو الليل، وليس اسم صوت؛ لأنه لا يشبه اسم الفعل.
ومن أمثلة النوع المتقدم: "أو" لدعاء الفرس، و"دوه" للفصيل، و"بس" للغنم، و"عوه" للجحش، و"نخ" للبعير المراد إناخته، و"دج" للدجاج، وللزجر "هيج" لزجر الناقة، و"هس" لزجر الغنم، و"هج" لزجر الكلب، و"هلا" للخيل عن البطء، و"وح" للبقر، و"حر" للحمار.
(^٢) ومثله لحكاية صوت الحيوان: "ما" بالإمالة، لحكاية صوت الظبية إذا دعت ولدها، و"شيب" لشرب الإبل، و"عيط" لصوت اللاعبين، و"طيخ" للضحك.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
على الضريبة (^١).
والنوعان مبنيان لشبههما بالحروف المهملة في أنها لا عاملة ولا معمولة (^٢) كما أن أسماء الأفعال بنيت لشبهها بالحروف العاملة؛ في أنها عاملة غير معمولة، وقد مضى ذلك في أوائل الكتاب (^٣).
(^١) أي الدرقة؛ وهي ترس من جلد ليس فيه خشب، والجمع، دَرَقٌ.
(^٢) محل البناء إذا بقيت على دلالتها على مجرد الصوت، ويجب إبقاؤها على صيغتها وحالتها الواردة عليها؛ فإن خرجت عن معانيها الاصلية أعربت؛ نحو قولك: أزعجنا غاق، وفزعنا من غاق؛ ونحو: ما أمضى قبِّا، وأنعم بقبٍّ في الهيجاء. ويجوز الإعراب والبناء إذا قصد لفظها نصًّا، نحو: فلان كالطفل لا يرعوي إلا إذا سمع "كخ" أو "كخا" بالبناء على السكون أو بالإعراب؛ لأن المعنى: إلا إذا سمع هذه الكلمة. وإلى هذا النوع الثاني يشير الناظم بقوله:
كذا الذي أجدى حكاية ك"قب" … والزم بنا النوعين فهو قد وجب
أي كذلك يسمى اسم صوت: ما دل على حكاية صوت جماد أو غيره. ويجب بناء النوعين إذا بقيا على دلالتهما على مجرد الصوت.
(^٣) أي في باب المعرب والمبني جزء أول، عند بيان أنواع شبه الحرف في سبب البناء، ويستخلص مما سبق: أن اسم الصوت المخاطب به ما لا يعقل، أو ما هو في حكمه، قسمان: ما يكون لدعاء ما لا يعقل، وما يكون لزجره. وكذلك المحكي به صوت؛ إما لحيوان أو غيره، وقد تقدمت الأمثلة على ذلك، فتنبه يا فتى.
فائدة:
تجري على الألسنة عبارة "هلم جرا"، وقد توقف العلامة ابن هشام في عربية هذا التعبير، ثم قال في توجيهه ما ملخصه: "هلم" اسم فعل بمعنى أقبل، وائت، وليس المراد الإقبال والمجيء الحسيين؛ وإنما المقصود الاستمرار على الشيء، وملازمته، كما أنه ليس
_________________
(١) * "كذا" خبر مقدم. "الذي" مبتدأ مؤخر. "أجدى حكاية" الجملة صلة. "كقب" خبر المبتدأ محذوف. "بنا" -بالقصر- مفعول الزم. "النوعين" مضاف إليه. "فهو قد وجب" جملة من مبتدأ وخبر جملة، والفاء في "فهو" للتعليل، و"قد" حرف تحقيق.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المراد الطلب؛ وإنما هو خبر في صورة الطلب؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، وهلم يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد وغيره، وقد يتصرف مع الضمائر؛ فيقال: هلموا وهلمي، ويستعمل لازمًا بمعنى أقبل، ومتعديا بمعنى أعط؛ تقول: هلم الزكاة؛ أما كلمة "جرا" فهي مصدر جره يجره جرا، إذا سحبه، وليس المراد كذلك الجر الحسي، بل المقصود العميم الذي يشمله وغيره، فإذا قيل -مثلًا: حدث ذلك الأمر يوم كذا وكذا، وهلم جرا؛ فكأنه قيل: واستمر ذلك في بقية الأيام استمرارا، أو استمر مستمرا، على الحال المؤكدة.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف اسم الفعل، واذكر أنواعه، وبين الفرق بينه وبين الفعل، ووضح.
٢ ما الفرق بين المنقول، والمرتجل من أسماء الأفعال؟ وعن أي شيء يكون النقل؟
٣ وضح الفرق بين اسم الفعل واسم الصوت في الدلالة، والحكم، مع التمثيل.
٤ فيما يأتي شواهد لبعض أنواع هذا الباب، وضح الشاهد، وبين موقعه من الإعراب:
قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾.
﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾.
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾.
وقال ﵊: "عليك بذات الدين تربت يداك".
وقال الشاعر:
مكانك تحمدي أو تستريحي
شتان ما يومي على كورها … ويوم حيان أخي جابر
سل عن شجاعته وزره مسالمًا … وحذار ثم حذار منه محاربا
عليك نفسك فارعها … واكسب لها فعلًا جميلًا
آها لها من ليال هل تعود كما … كانت وأي ليال عاد ماضيها
يقلن وقد تلاحقت المطايا … كذاك القول إن علينا عينا
أيا جاهدًا في نيل ما نلت من علا … رويدك إني نلتها غير جاهد
٥ أعرب البيت الآتي، وبين ما فيه من شاهد في هذا الباب، وهو لكعب بن مالك الأنصاري:
تذر الجماجم ضاحيًا هاماتها … بله الأكف كأنها لم تخلق
٦ ضع أسماء الأفعال الآتية في جمل مناسبة من إنشائك:
سرعان، إيه، عليك، رويدا، دونك، آمين، بخ لك.
٧ بين فيما يأتي: اسم الفعل، ومعناه، وإعرابه، ونوعه؛ من حيث الزمن والوضع: بخ لكم
[ ٣ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيها المجاهدون في سبيل الدين والوطن، هلموا إلى أعدائكم من كل صوب؛ فسرعان ما يرجعون القهقرى، وحذار أن يندس بينكم خائن. آمين للداعي إذا دعاكم، وأف للمتخاذلين الذين لا يدركون مغزى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.
فهيهات النجاح إن لم يكن جد وعمل، ومؤازرة من الجميع، وإليكم عن كل ما يبعد عن الطموح والإقدام.
٨ أعرب ما تحته خط فيما يأتي:
اذهب إليك فإني من بني أسد … أهل القباب وأهل الخيل والنادي
يا رب لا تسليني حبها أبدًا … ويرحم الله عبدًا قال آمينا
وعليك من حالاه واحدة … في اليسر إما كنت والعسر
٩ أعرب البيت الآتي واشرحه أدبيًا:
أيها الرافع البناء رويدًا … لن تذود المنون عنك المباني
١٠ اشرح قول ابن مالك:
وما لما تنوب عنه من عمل … لها وأخر ما لذي فيه العمل
[ ٣ / ٣٤٢ ]