لتوكيد الفعل نونان: ثقيلة (^١) وخفيفة؛ نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ (^٢) ويؤكد بهما الأمر مطلقًا (^٣)، ولا يؤكد بهما الماضي مطلقًا (^٤)، وأما المضارع فله حالات:
إحداها: أن يكون توكيده بهما واجبًا؛ وذلك إذا كان مثبتًا مستقلًا، جوابًا لقسم، غير مفصول من لامه بفاصل (^٥)؛ نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾، ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيًا (^٦)؛ نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (^٧)؛ إذ التقدير: لا تفتأ، أو
باب: نوني التوكيد
(^١) أي مشددة، والتوكيد بها أشد وأبلغ وأقوى في تأدية الغرض من المخففة الساكنة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا.
(^٢) اجتمعت الثقيلة والخفيفة في هذه الآية، وجيء بها مشددة في ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾؛ لأن امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه من كونه صاغرًا؛ لأنها كانت تتوع حبسه في بيتها؛ فيكون قريبًا منها، وتراه كلما شاءت. من الآية ٣٢ من سورة يوسف.
(^٣) أي من غير شرط؛ سواء كان بالصيغة، أم بلام الأمر، نحو: ليقومن؛ لانه مستقبل يدل على الطلب دائمًا، وسواء كان باقيًا على معنى الأمر الخالص، أو خرج إلى غرض آخر؛ كالدعاء مثلًا، مع بقاء صيغته على حالها.
(^٤) أي: ولو كان بمعنى الاستقبال؛ ذلك لأنهما يخلصان مدخولهما للاستقبال، وذلك ينافي المضي، فيكون هناك تناقض، وأما قول الشاعر:
دامن سعدك إن رحمت متيمًا … لولاك لم يك للصبابة جانحا
فضرورة سهلها أن الفعل مستقبل معنى؛ لأن الدعاء إنما يتحقق في الاستقبال.
(^٥) قيل: إنما وجب التوكيد في هذه الحالة للفرق بين لام القسم ولام الابتداء، ولا بد من توكيده باللام والنون عند البصريين، وأجاز الكوفيون الاكتفاء بأحدهما.
(^٦) إما لفظا؛ نحو: والله لا أكتم الشهادة إن دعيت لها، أو تقديرا؛ كمثال المصنف؛ وإنما امتنع في هذه الحالة لأن من أدوات النفي ما يخلص الفعل للحال؛ مثل "لا" و"ما" النافيتين؛ وذلك ينافي التوكيبد بالنون، وعمم في الباقي.
(^٧) الآية ٨ من سورة يوسف.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
كان حالًا؛ كقراءة ابن كثير: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (^١)، وقول الشاعر:
يمينًا لأبغض كل امرئٍ (^٢)
أو كان مفصولًا من اللام (^٣)؛ مثل: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (^٤)؛ ونحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (^٥).
(^١) أي يجعل اللام للقسم؛ لأن لام جواب القسم الداخلة على المضارع تخلص زمنه للحال عند فريق من النحاة؛ فالإقسام موجود عند المتكلم، ونون التوكيد تخلصه للمستقبل، فيتعارضا. أول سورة القيامة.
(^٢) صدر بيت من المتقارب، لم ينسب لقائل، وعجز:
يزخرف قولًا ولا يفعل
اللغة والإعراب: أبغض: أكره، مضارع ماضيه أبغض؛ كأكرم، وقولهم: ما أبغضه لي، شاذ. يزخرف: يزين ويحسن. "يمينا" مفعول مطلق لفعل محذوف من معناه؛ أي أقسم. "لأبغض" اللام واقعة في جواب القسم. وأبغض فعل مضارع. "كل امرئ" كل مفعول أبغض، وامرئ مضاف إليه. "يزخرف" الجملة صفة لامرئ.
المعنى: أقسم أني أبغض وأمقت، ولا أحب كل إنسان يقول قولًا مزخرفًا مملوءًا بالمواعيد والأفعال الكريمة، ولكنه لا ينفذ شيئًا مما يقول.
الشاهد: في "لأبغض"؛ حيث لم يؤكد بالنون مع أنه مضارع مثبت مقترن بلام الجواب متصل بها؛ ذلك لأنه ليس مستقبلًا؛ فإن البغض حاصل عند المتكلم.
(^٣) ذلك لأن الفصل يدل على عدم الاهتمام بالفعل، وهذا ينافي التوكيد؛ سواء كان الفصل بمعمول الجواب أو بغيره، وقد مثل لهما المصنف.
(^٤) "لئن" اللام موطئة لقسم محذوف، و"إن" شرطية. "لإلى" اللام موطئة للجواب؛ وهو "تحشرون"؛ أي لتحشرون إلى الله، فقد فصل بين اللام والفعل بمعموله.
(^٥) "يعيطك" معطوف على جواب القسم؛ وهو "ما ودعك"، والمعطوف على الجواب جواب، وقد فصل بين اللام والفعل بسوف. الآية ٥ من سورة الضحى، ومثل الفصل بسوف الفصل بالسين أو "قد".
[ ٣ / ٣٤٤ ]
والثانية: أن يكون قريبًا من الواجب؛ وذلك: إذا كان شرطًا لإن المؤكدة بـ"ما" (^١)؛ نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَن﴾، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَن﴾، ﴿فَإِمَّا تَرَيْن﴾ (^٢).
ومن ترك توكيده قوله:
يا صاح إما تجدني غير ذي جدة (^٣)
وهو قليل، وقيل يختص بالضرورة.
(^١) أي: إذا كان المضارع فعل شرط لأن الشرطية المدغمة فيها "ما" الزائدة للتوكيد.
ويرى المبرد والزجاج: أن التوكيد في هذه الحالة واجب إلا في ضرورة الشعر.
(^٢) "إن" شرطية مدغمة في "ما" الزائدة. "ترين" فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بإن، وعلامة جزمه حذف نون الرفع، والياء المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، ونون التوكيد حرف لا محل له، وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، وأصله "ترأيين"، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم حذفت فقلبت الياء ألفا على القاعدة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين؛ فصار "ترين"، فحذفت النون للجازم، وأكد فالتقى ساكنان، فحركت الياء بالكسر للتخلص من الساكنين. من الآية ٢٦ من سورة مريم ﴿وَإِمَّا تَخَافَن﴾: من الآية ٥٨ من الأنفال ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ من الآية ٤١ من الزخرف.
(^٣) صدر بيت من البسيط، لم يعلم قائله، وعجزه:
فما التخلي عن الخلان من شيمي
اللغة والإعراب: جدة: غنى وسعة في المال. الخلان: جمع خليل: شيمي: طبيعتي وخلقي. "يا" للنداء. "صاح" منادى مرخم صاحب. "إما" إن شرطية، و"ما" زائدة "تجدني" مضارع، فعل الشرط، مجزوم بإن، والنون للوقاية، والياء مفعول أول. "غير" مفعول ثان. "ذي جدة" ذي مضاف إليه، وهو مضاف إلى جده، "فما" الفاء واقعة في جواب الشرط. "ما" نافية. "التخلي" اسم "ما" أو مبتدأ. "عن الخلان" متعلق بالتخلي. "من شيمي" خبر على الحالين. وجملة المبتدأ والخبر جواب الشرط.
المعنى: يقول لصاحبه وصديقه: إن كنت لست في سعة من المال، ولا أستطيع مساعدة إخواني بمالي، فلا أستطيع التخلي عنهم ونصرتهم بنفسي؛ لأن ذلك ليس من خلقي ولا من شيمي.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
الثالثة: أن يكون كثيرًا؛ وذلك إذا وقع بعد أداة طلب (^١)؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾، وقول الشاعر:
هلا تمنن بوعد غير مخلقة (^٢)
الشاهد: عدم تأكيد الفعل المضارع "تجدني"، مع أنه شرط لإن المؤكدة بما الزائدة، وذلك عند بعض النحاة، أو هو من ضرورات الشعر.
الخلاصة:
أن النحاة اختلفوا في جواز ترك توكيد المضارع بعد "إما"؛ فذهب بعضهم إلى وجوب توكيد المضارع بعد إما، إلا لضرورة الشعر، ومنهم المبرد والزجاج. وذهب سيبويه وتبعه كثيرون إلى أن توكيد المضارع بعد "إما" أحسن من تركه، ولهذا لم يقع في القرآن إلا مؤكدا، والمتأخرون ويؤيدون هذا المذهب.
(^١) أي حقيقي، وهو: الأمر والنهي، والدعاء، والعرض، والتحضيض، والتمني، والاستفهام، أما الخبر المارد به الطلب مجازا؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن﴾؛ لأن معناه الأمر، وكقولك للعاطس: يرحمه الله - فلا يؤكد. وإنما كان التوكيد بعد الطلب كثيرا؛ لأن عناية الطالب بالمطلوب واهتمامه به يستدعي تأكيده.
(^٢) صدر بيت من البسيط، لم يذكر قائله، وعجزه:
كما عهدتك في أيام ذي سلم
اللغة والإعراب: مخلفة: اسم فاعل مؤنث؛ من الإخلاف؛ وهو: عدم الوفاء بالوعد. ذي سلم: اسم موضع بالحجاز، وقيل: بالشام. "هلا" حرف تحضيض يقصد به الحث على الفعل بعنف وشدة، "تمنن" فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، وياء المخاطبة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون للتوكيد، وحذفت نون الرفع مع الخفيفة حملا على الثقيلة، واصله: تمنين. "بوعد" متعلق بتمنن "غير مخلفة " غير حال من ياء المخاطبة المحذوفة، ومخلفة مضاف إليه. "كما" الكاف جارة،، "ما" المصدرية، وهي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بتمنن.
المعنى: يطلب منها بشدة وحث أن تشفق عليه، وتفي بوعدها ولا تخلفه؛ كما عهدها موفية بالوعد أيام كانوا مربعين بذي سلم.
الشاهد: تأكيد "تمنن" بالنون؛ لوقوعه بعد حرف التحضيض، وهو "هلا".
[ ٣ / ٣٤٦ ]
وقول الآخر:
فليتك يوم الملتقى ترينني (^١)
وقوله:
أفبعد كندة تمدحن قبيلا (^٢)
(^١) صدر بيت من الطويل، لم يعين قائله، وعجزه:
لكي تعلمي أني امرؤ بك هائم
اللغة والإعراب: يوم الملتقى: يريد يوم الحرب التي يلتقي فيها الأقران. هائم: غارق في الحب. "فليتك" ليت حرف تمن ونصب، والكاف اسمها. "يوم الملتقى" يوم ظرف الأمثال، وقد سبق قريبا بيان ذلك، والجملة خبر ليت. "لكي" اللام حرف جر وتعليل، و"كي" مصدرية. "تعلمي" فعل مضارع منصوب بكي بحذف النون. والياء فاعل. "أني امرؤ" الجملة من أن ومعموليها سدت مسد مفعولي تعلمي. "بك" متعلق بـ"هائم" الواقع صفة لامرؤ.
المعنى: يتمنى أن تراه في هذا اليوم؛ حيث ينشط الأبطال فيه نشاطًا تامًا، ويذكر كل منهم أحب الناس إليه؛ ليكون ذلك أبعث على نشاطه، وأشد إثارة لشجاعتة وإقدامه؛ حتى تعلم أنه بها مغرم متيم؛ بالنون، لوقوعه بعد أداة التمن؛ وهي "ليت".
(^٢) وعجز بيت من الكامل، وهو من أبيات سيبويه، وينسب إلى امرئ القيس، وصدره:
قالت فطيمة حل شعرك مدحه
اللغة والإعراب: فطيمة: تصغير فاطمة تصغير ترخيم. حل: فعل أمر من حلأه عن الماء؛ أي منعه وطرده، وأصله: حلئ، فقلبت الهمزة ياء لسكونها إثر كسرة ثم حذفت تخفيفًا. كندة: اسم قبيلة امرئ القيس. قبيلا: أي قبيلة، ورخم للضرورة. "حل" فعل أمر. الخافض، والهاء مضاف إليه. "أفبعد" الهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة على محذوف؛ أي: أنعتد بقبيل فبعد كندة تمدحن. "بعد" ظرف متعلق بتمدحن المذكور. "كندة" مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. "قبيلا" مفعول تمدحن.
المعنى: أن محبوبته فاطمة قالت له: تجنب المدح في شعرك؛ لأنه ليس هنالك من يستحق المدح والثناء بعد قبيلتك.
الشهد: في "تمدحن"؛ حيث أكد بعد همزة الاستفهام. ولم يمثل المصنف لباقي أنواع الطلب، ومثل المضارع بعد أداة الأمر: لتحذرن الحاقدين فإنهم كثر، وبعد العرض: ألا تنسين إساءة من اعتذر إليك، وبعد الدعاء: لا يبعدن أصدقائي المخلصون؛ فإنهم عون لي عند الشدائد.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
الرابعة: أن يكون قليلًا؛ وذلك بعد "لا" النافية، أو "ما" الزائدة التي لم تسبق بإن (^١)؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^٢)، وكقولهم:
ومن عضة ما ينبتن شكيرها (^٣)
(^١) أي لم تدغم في "إن" الشرطية؛ سواء سبقت بأداة شرط أخرى، نحو: متى ما تجلس أجلس، أم لا؛ كما مثل المصنف. ويدخل في ذلك: "ما" الزائدة بعد "رب" على رأي سيبويه؛ نحو: ربما يأتين الخير من العدو، ومنعه بعضهم، والقلة في هذه الحالة بالنسبة لما تقدم، وإلا فهو كثير في نفسه.
(^٢) أكد "تصيبن" بعد "لا" النافية تشبيهًا لها بالناهية صورة، والجملة صفة لفتنة، فتكون الإصابة عامة للظالمين وغيرهم، لا خاصة بالظالمين. الآية ٢٤ من الأنفال.
(^٣) مثل عربي يضرب للفرع الذي ينشأ كأصله. وقد جاء عجز بيت من الطويل لشاعر، لم يذكر اسمه، وصدره:
إذا مات منهم سيد سرق ابنه
اللغة والإعراب: عضة: شجر ذات شوك من أشجار البادية، والجمع عضاء. شكيرها: الشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها. "إذا" ظرف للمستقبل. "منهم" متعلق بمحذوف حال من "سيد" الواقع فاعلا لمات، والجملة في محل جر بإضافة إذا. "ابنه" فاعل سرق. "من عضة" جار ومجرور متعلق بينبتن. "ما" زائدة. "شكيرها" شكير فاعل ينبتن، والهاء العائدة إلى عضة مضاف إليه.
المعنى: إذا مات من هؤلاء القوم شخص، سرق ابنه صفاته وخلاله وأصبح مثله؛ وإنما يجيء الفرع وفق أصله.
الشاهد: في "ينبتن"؛ فقد أكد الفعل المضارع بالنون الثقيلة؛ لوقوعه بعد "ما" الزائدة غير المسبوقة بإن الشرطية.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
وقوله:
قليلًا به ما يحمدنك وارث (^١)
الخامسة: أن يكون أقل؛ وذلك بعد "لم (^٢) "، وبعدها أداة جزاء غير "إما"؛ كقوله:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما (^٣)
(^١) صدر بيت من الطويل، لحاتم الطائي الجواد المشهور، وعجزه:
إذا نال مما كنت تجمع مغنما
اللغة والإعراب: مغنما: غنيمة؛ وهي الحصول على الشيء بلا مشقة. "قليلا" صفة لمصدر محذوف منصوب بمحذوف يدل عليه قوله "يحمدنك"؛ أي يحمدنك حمدًا زائدة. "به" متعلق بيحمدنك، والضمير فيه للمال في قوله قبل:
أهن للذي تهوى التلاد فإنه … إذا مت كان المال نهبًا مقسمًا
"وارث" فاعل يحمد. "إذا" ظرف متعلق بيحمد. "مغنما" مفعول نال.
والمعنى: قلما يحمد الوارث من ورثه، مع أنه يستولي على ما جمعه من المال، وأفنى عمره في الحصول عليه، فلينظر الإنسان في خير ما ينفق فيه ماله.
الشاهد: توكيد "يحمدنك" بعد "ما" الزائدة، وهي بمعنى النفي كما قيل.
وقال الدماميني: لا أدري الوجه الذي عين ذلك. وليس المراد بكون توكيد المضارع المسبوق بما الزائدة غير المصاحبة لإن قليلا - أنه قليل في ذاته؛ فإنه كثير، بل قيل إنه مطرد. ويجوز توكيد المضارع الواقع بعد "ربما" كما يشعر به كلام سيبويه؛ فقد ورد عن العرب قولهم: "ربما يقولن ذلك"، ومنه قول الشاعر:
ربما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات
ومعنى أوفيت: نزلت، والعلم: الجبل، وفي: بمعنى على، وشمالات: رياح من الشمال.
(^٢) لأن "لم" حرف يقلب زمن المضارع للمضي، وهذا يتعارض مع ما تفيده نون التوكيد.
(^٣) صدر بيت من الرجز، لأبي الصمعاء، مساور بن هند العبسي، شاعر مخضرم، يصف وطب لبن، أي سقاء لبن، ونسبه الشيخ خالد لابن حيان الفقعسي، وعجزه:
شيخًا على كرسيه معمما
اللغة والإعراب: يحبسه: يخاله ويظنه. معمما: لابسا عمامة. "الجاهل" فاعل يحسب، والهاء مفعوله الأول. "ما" مصدرية ظرفية. "يعلما" فعل مضارع مؤكد بالنون
[ ٣ / ٣٤٩ ]
وقوله:
من يثقفن منهم فليس بآئب (^١)
فصل: في حكم آخر المؤكد:
اعلم أن هنا أصلين يستثنى من كل منهما مسألة:
الخفيفة المنقلبة ألفا، مجزوم بلم. "شيخا" مفعول ثان ليحسب. "على كرسيه" الجار والمجرور متعلق بمحذوفه صفة لشيخا. "معمما" صفة ثانية له.
المعنى: يصف الشاعر قعب لبن علته رغوة حتى امتلأ، يظنه الجاهل الذي لا يعلم الحقيقة شيخا لابسًا عمامته البيضاء، وقد جلس وتربع فوقه كرسيه.
وقيل إنه يصف جبلا عمه الخصب، وحفه النبات، والأجود ما قلنا كما عليه الأكثرون.
الشاهد: في "لم يعلما"؛ حيث أكد بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا بعد "لم"، وهو قليل نادر.
(^١) صدر بيت من الكامل، لابنه مرة الحارثي، من ثلاثة أبيات، ترثي بها أباها، وكانت باهلة قد قتلته، وتمامه:
أبدًا وقتل بني قتيبة شافي
اللغة والإعراب: يثقفن: يوجدن، من ثقفته: وجدته، ويروى بتاء الخطاب، وبنون المتكلم مبنيًا للفاعل؛ أي تجدن، أو نجدن، آئب: اسم فاعل من آب يئوب؛ أي رجع: بني قتيبة: فرع من باهلة، "من" شرطية جازمة مبتدأ. "يثقفن" فعل مضارع مجزوم وهو فعل الشطر مؤكد بالنون الخفيفة. "فليس" الفاء واقعة في جواب الشرط. "بآئب" خبر ليس على زيادة الباء، والجملة خبر المبتدأ. "وقتل بني قتيبة "قتل مبتدأ، وبني مضاف إليه، وهو مضاف إلى قتيبة. "شافي" خبر "قتل".
المعنى: من يوجد بني قتيبة فسيقتل حتما، ولن يرجع أبدًا إلى قومه؛ فإن قتلهم يشفي الغلة، ويطفئ جذوة الغضب، بسبب ما سفكوا من دماء.
الشاهد: تأكيد "يثقفن" بالنون الخفيفة بعد "من" الشرطية، وقد أشار الناظم إلى الأقسام المتقدمة بقوله:
للفعل توكيد بنونين هما … كنوني اذهبن واقصدنهما
يؤكدان "افعل" و"يفعل" آتيا … ذا طلب أو شرطا "امَّا" تاليا
أو مثبتا في قسم مستقبلا … وقل بعد "ما" و"لم" وبعد "لا
[ ٣ / ٣٥٠ ]
الأصل الأول: أن آخر المؤكد يفتح (^١)؛ تقول: لتضربن، واضربن، ويستثنى من ذلك: أن يكون مسندًا إلى ضمير ذي لين (^٢)؛ فإنه يحرك آخره حينئذ بحركة تجانس ذلك اللين (^٣)؛ كما نشرحه.
والأصل الثاني: أن ذلك اللين يجب حذفه إن كان ياء، أو واوًا؛ تقول: اضربن يا
وغير "إما" من طوالب الجزا … وآخر المؤكد افتح كابرزا
أي يلحق الفعل للتوكيد نونان؛ إحداهما ثقيلة كنون "اذهبن"، والثانية خفيفة كنون "اقصدنهما" وهما يؤكدان "افعل"؛ أي فعل الأمر، و"يفعل"؛ أي المضارع الآتي؛ أي المستقبل، إذا كان دالا على الطلب، أو شرطا تاليًا إما، أو واقعا جواب قسم مثبتا مستقبلا ويقل دخل النون على المضارع الواقع بعد "ما" التي لا تصحب إن، والواقع بعد "لم" وبعد "لا" النافيتين، والواقع بعد غير "إما" من أدوات الشرط التي تطلب جزاء. ثم ذكر الناظم أن آخر المؤكد يبنى على الفتح؛ كابرزا؛ أصله "ابرزن" بالنون الخفيفة المنقلبة ألفًا للوقف.
(^١) سواء أكان صحيحا أم معتلا، أمرًا أو مضارعا، كما مثل المصنف.
(^٢) أي: ألف، أو واو، أو ياء.
(^٣) فيضم قبل الواو، ويكسر قبل الياء، ويفتح قبل الألف، وفي ذلك يقول الناظم:
واشكله قبل مضمر لين بما … جانس من تحرك قد علما
أي أشكل المضارع الصحيح الآخر؛ إذا وقع قبل ضمير لين؛ أي إذا اتصل به ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة، بحركة تجانس وتساير ذلك اللين.
_________________
(١) "للفعل" خبر مقدم، "توكيد" مبتدأ مؤخر. "بنونين" متعلق بتوكيد. "هما كنوني" مبتدأ وخبر، والجملة في محل جر صفة لنونين. "اذهبن" مقصود لفظه مضاف إليه. "واقصدنهما" معطوف عليه كذلك. "افعل" مقصود لفظه مفعول به ليؤكدان. "ويفعل" معطوف عليه. "آتيا" حال من "يفعل"، وفيه ضمير هو فاعله. "ذا طلب" ذا حال من الفاعل، وطلب مضاف إليه. "أو شرطا" معطوف على ذا طلب. "اما" مفعول مقدم لتاليا الواقع صفة لشرطا. "أو مثبتا" معطوف على شرطا. "في قسم" متعلق به. أو بيا. "مستقبلا" حال من ضمير مثبتة أو آتيا. "وقل" فعل ماض، والفاعل يعود إلى التوكيد بنونيه. "بعد" ظرف متعلق به. "ما" مضاف إليه مقصود لفظه. "ولم" عطف على ما. "وبعد لا" كذلك. "وغير إما" وغير عطف على "لا"؛ وإما مضاف إليه. "من طوالب" متعلق بمحذوف. حال من غير إما. "الجزا" -بالقصر- مضاف إليه. "وآخر المؤكد" آخر مفعول مقدم لافتح، والمؤكد مضاف إليه. "كابرزا" الكاف جارة لقول محذوف، و"ابرزا" فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة الثقيلة ألفا للوقف، والفاعل أنت.
[ ٣ / ٣٥١ ]
قوم؛ بضم الباء، واضربن يا هند؛ بكسرها؛ والأصل: اضربون، واضربين، ثم حذفت الواو والياء لالتقاء الساكنين.
ويستثنى من ذلك: أن يكون آخر الفعل ألفًا؛ كيخشى؛ فإنك تحذف آخر الفعل، وتثبت الواو مضمومة، والياء مكسورة، فتقول: يا قوم أخشون، ويا هند اخشين (^١).
فإن أسند هذا الفعل إلى غير الواو والياء (^٢)، لم تحذف آخره؛ بل تقلبه ياء؛ فتقول: ليخشين زيد؛ ولتخشين يا زيد، ولتخشيان يا زيدان، ولتخشينان يا هندات (^٣).
(^١) أصلهما: اخشيون، واخشيين، حذفت الضمة والكسرة للثقل على حرف العلة، ثم حذفت الياء للساكنين، وحركت الواو والياء بما يناسبهما.
(^٢) وذلك هو: الاسم الظاهر، والضمير المستتر، والألف، ونون النسوة.
(^٣) وإلى هذا، وما تقدم، يشير الناظم بقوله:
والمضمر احذفنه إلا الألف … وإن يكن في آخر الفعل ألف
فاجعله منه رافعا غير اليا … والواو ياء كاسعين سعيا
واحذفه من رافع هاتين وفي … واو ويا شكل مجانس قفى
نحو اخشين يا هند بالكسر ويا … قوم اخشون واضمم وقس مسويا
_________________
(١) * "واشكله" فعل أمر والهاء مفعوله، وهي عائدة على آخر المؤكد في البيت قبله. "قبل مضمر" قبل ظرف متعلق به، ومضمر مضاف إليه. "لين" نعت لمضمر. "بما" متعلق باشكله، وما اسم موصول، واقعة على الحركات المجانسة. "جانس" الجملة صلة ما، ومفعول جانس محذوف؛ أي بما جانس المضمر. "قد علما" الجملة نعت لتحرك، وعلما ماض للمجهول، والألف للإطلاق. "والمضمر" مفعول لمحذوف يفسره ما بعده. "الألف" منصوب على الاستثناء من المضمر. "وإن يكن" شرط وفعله، ويكن تامة. "ألف" فاعله. "فاجعله" الفاء واقعة في جواب الشرط، والهاء مفعول أجعل الأول. "منه" متعلق باجعل، والهاء عائدة على الفعل. "رافعا" حال من الهاء في منه، وفيه ضمير هو فاعله. "غير الياء"
[ ٣ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي أن الضمير اللين المتصل بالمضارع الصحيح الآخر، يحذف إن كان واوا أو ياء، ويبقى إن كان ألفا. وإن كان الفعل معتلا، فإن كان آخره ألفا، فاجعل الألف ياء إذا رفع الفعل ضميرا غير الواو والياء؛ أي واو الجماعة، وياء المخاطبة؛ كالظاهر، وألف الاثنين، والضمير المستتر، ونون النسوة، واحذف الألف مع فتح ما قبلها، إن رفع واوا أو ياء، مع تحريكهما بشكل مناسب، فتضم الواو وتكسر الياء، وهذا عند تأكيد الفعل، فإن لم يؤكد الفعل بإحدى النونين، لم تضم الواو، ولم تكسر الياء؛ بل يجب تسكينهما؛ تقول: يا قوم، هل ترضون بالمذلة؟ يا بنت مصر، هل ترضين بغير النصر. يا مجدون، اخشوا، ويا هند اخشي.
وإيضاح ما ذكره المصنف: أن الفعل الذي يراد توكيده يتبع فيه ما يأتي:
أ- إن كان مسندا إلى اسم ظاهر، أو إلى ضمير الواحد المذكر، بني آخره على الفتح لمباشرة النون، خفيفة كانت أو ثقيلة، ولم يحذف منه شيء؛ سواء أكان صحيحا أم معتلا. وترد لأم المعتل إلى أصلها إن كانت قد حذفت، وإن كانت ألفا قلبت ياء لتقبل الفتحة؛ تقول: لتجتهدن، لتدعون، لترضين.
ب- وإن كان مسندا إلى ألف اثنين؛ فكذلك الحلم، غير أنه يجب حذف نون الرفع -إن كانت موجودة-للجازم، أو لتوالي الأمثال، وتكسر نون التوكيد تشبيها لها بالنون الرفع، ولا تكون النون بعد الألف إلامشددة؛ تقول: لتنصران، لتدعوان، لترضيان، والفعل معرب مرفوع بالنون، والألف فاعل، والنون المذكرة المشددة حرف للتوكيد.
_________________
(١) مفعوله والياء مضاف إليه. "والواو" معطوف على الياء. "ياء" مفعول ثاني لاجعل. "كاسعين" الكاف جارة لقول محذوف، و"اسعين" فعل امر مؤكد بالنون الثقيلة. "سعيا" مفعول مطلق. "واحذفه" فعل أمر والهاء مفعول عائدة إلى الألف. "هاتين" مضاف إليه لرافع، والإشارة إلى الواو والياء. "وفي واو"متعلق بقفي. "ويا" عطف عليه مقصور. "شكل" مبتدأ. "مجانس" نعت له. "قفي" فعل ماض للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى شكل مجانس، والجملة خبر المبتدأ. "نحو" خبر لمبتدأ محذوف. "اخشين" فعل أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعل، وحرك للتخلص من الساكنين، والنون حرف توكيد. "بالكسر" حال من اخشين. "ويا قوم" مطوف على يا هند. و"قوم" منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للاستغناء عنها بالكسرة. "اخشون" فعل أمر، وواو الجماعة فاعل، والنون للتوكيد. "واضمم" فعل أمر، ومفعوله محذوف؛ أي الواو. "مسويا" حال من فاعل قس المستتر؛ تقديره أنت.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جـ- وإذا أسند لنون النسوة؛ فكما تقدم أيضًا. وتزاد ألف فارقة بين نون النسوة ونون التوكيد التي يجب أن تكون مشددة مسكورة بعد الألف الزائدة، ولا تحذف نون النسوة لأنها اسم؛ تقول: لتنصرنان، لترمينان، لتدعونان، والفعل مبني على السكون، ونون النسوة فاعل، والألف زائدة للفصل، ونون التوكيد المشددة حرف لا محل له.
د- وإذا أسند لواو الجماعة أو ياء المخاطبة؛ فإن كان صحيحًا حذفت نون الرفع لما تقدم، وحذفت واو الجماعة أو ياء المخاطبة لالتقاء الساكنين، مع بقاء الضمة قبل واو الجماعة لتدل عليها، والكسرة قبل ياء المخاطبة لذلك؛ تقول: لتجتهدن، يا أبنائي، ولتجلسن يا هند، وإن كان معتلا حذف أخر الفعل مطلقا، ثم إن كان معتلا بالألف، حذفت نون الرفع أيضًا، فيلتقي ساكنان، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما؛ فتحرك واو الجماعة بالضم، وياء المخاطبة بالكسر، مع فتح ما قبلهما؛ تقول: لترضون يا قوم، ولترضين، وتقول في إعرابه: فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، وواو الجماعة أو ياء المخاطبة فاعل، ونون التوكيد حرف. وإن كان معتلا بالواو أو الياء، حذفت مع الآخر واو الجماعة أو ياء المخاطبة. مع بقاء الضمة قبل الواو المحذوفة، والكسرة قبل الياء؛ لتدل على المحذوف؛ تقول: لتدعن، لتجرن، لتدعن، لترجن، ويكون الفعل مرفوعا بالنون المحذوفة، وواو الجماعة أو ياء المخاطبة المحذوفة فاعل، والنون المذكورة للتوكيد.
الخلاصة: أن المضارع المعتل الآخر عند توكيده، إن كان معتلا بالألف قلبت ألفه ياء عند إسناده لألف الاثنين أو نون النسوة، وجيء بنون التوكيد مشددة مع زيادة ألف فاصلة بين نون النسوة ونون التوكيد، وحذفت ألفه عند الإسناد لواو الجماعة وياء المخاطبة، مع تحريك الواو بالضمة والياء بالكسرة.
وإن كان معتلا بالواو أو الياء، وأسند لألف الاثنين، تركت الواو والياء مع فتحهما، ويسكنان عند الإسناد لنون النسوة. ويجب حذف حرفي العلة عند الإسناد لواو الجماعة أو ياء المخاطبة، مع حذف الواو والياء، وضم ما قبل الواو، وكسر ما قبل الياء. ويجب حذف نون الرفع في جميع الحالات، وهي لا توجد مع نون النسوة.
هذا: والأمر الصحيح الآخر ومعتلة كالمضارع في جميع ما تقدم؛ غير أن الأمر مبني دائمًا، ولا تتصل بآخره نون رفع مطلقًا، أما المضارع فمعرب في جميع الحالات؛ لوجود
[ ٣ / ٣٥٤ ]
فصل: تنفرد النون الخفيفة بأربعة أحكام:
أحدها: أنها لا تقع بعد الألف (^١)؛ نحو: قومًا، واقعدا، لئلا يلتقي ساكنان (^٢)، وعن يونس والكوفيين إجازته، ثم صرح الفارسي في الحجة (^٣) بأن يونس يبقي النون ساكنة، ونظر ذلك بقراءة نافع: ﴿وَمَحْيَاي﴾ (^٤). وذكر الناظم: أنه يكسر النون، وحمل على ذلك قراءة بعضهم: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (^٥)، وجوز في قراءة ابن ذكوان (^٦): "وَلا تَتَّبِعَانِ" بتخفيف النون (^٧).
الضمير فاصلا بينه وبين التوكيد؛ فهي غير مباشرة، إلا عند إسناده لنون النسوة؛ فليكون مبنيًا معها على السكون، والخفيفة كالثقيلة.
(^١) سواء أكانت الألف اسما؛ أي ضمير الاثنين؛ بأن أسند إليها بالفعل، أو حرفا؛ بأن كان النسوة، للفصل بينها وبين نون التوكيد؛ نحو: اضربنان، وهذا مذهب عامة البصريين.
(^٢) هما: الألف التي قبل النون، ونون التوكيد الخفيفة؛ بالنظر إلى أصلها؛ وهو السكون، أما نون الرفع هنا فمحذوفة؛ لأن الأمر يبنى على حذف النون، والتقاء الساكنين يغتفر في العربية، إذا كان أول الساكنين حرف لين، وثانيهما مدغما في مثله، وهما في كلمة واحدة؛ ولهذا جاز وقوع المشددة بعد الألف، وامتنعت الخفيفة بعدها.
(^٣) الحجة: كتاب جليل الشأن في التعليل لقراءات الأئمة القراء، وقد تناول فيه الفارسي كثيرًا من المسائل النحوية والصرفية والبلاغية، والتفسير والحديث، وبعض العلوم الأخرى، وقدمه إلى عضد الدولة.
(^٤) أي بسكون الياء بعد الألف وصلا.
(^٥) من الآية ٣٦ من سورة الفرقان؛ وذلك على أنه فعل أمر لاثنين، والألف ضمير الاثنين، والنون المكسورة نون توكيد خفيفة.
(^٦) هو عبد الرحمن بن أحمد بن بشر بن ذكوان، من أصحاب ابن عامر، كان شيخ الإقراء بالشام، وإمام الجامع الأموي، قال الحافظ الدمشقي: لم يكن بالعراق، ولا بالحجاز، ولا بالشام، ولا بمصر، ولا بخراسان في زمان ابن ذكوان، أقرأ منه عندي، توفي سنة ٢٠٢ هـ.
(^٧) أي على أن الواو للعطف، و"لا" ناهية؛ فتكون الألف ضمير الاثنين، ونون الرفع محذوفة
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وأما الشديدة فتعق بعدها اتفاقًا، ويجب كسرها؛ كقراءة باقي السبعة: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ (^١).
الثاني: أنها لا تؤكد الفعل المسند إلى نون الإناث؛ وذلك لأن الفعل المذكور يجب أن يؤتى بعد فاعله بألف فاصله بين النوني؛ قصدًا للتخفيف، فيقال: اضربنان، وقد مضى أن الخفيفة لا تقع بعد الألف، ومن أجاز ذلك فيما تقدم، أجازه هنا بشرط كسر النون (^٢).
الثالث: أنها تحذف قبل الساكن؛ كقوله:
(^١) الآية ٨٩ من سورة يونس. وهنا يغتفر التقاء الساكنين؛ لأن أول الساكنين حرف لين، وثانيهما مدغم في مثله كما تقدم، وقد أشار الناظم إلى هذا الفرق بين الخفيفة والثقيلة بقوله:
ولم تقع خفيفة بعد الألف … لكن شديدة وكسرها ألف
أي لا تقع نون التوكيد الخفيفة بعد الألف؛ بل يجب أن تكون شديدة، وتكسر تشبيها لها بنون المثنى.
(^٢) وذلك فرارًا من التقاء الساكنين على غير حدة؛ إذ ليس هنا ثلاث نونات، وإلى هذا الفرق الثاني يشير الناظم بقوله:
وألفًا زد قبلهما مؤكدًا … فعلًا إلى نون الإناث أسندا
أي زد قبل نون التوكيد مباشرة ألفا، حين يكون الفعل المؤكد مسندا إلى نون النسوة؛ وذلك كراهة توالي الأمثال، وبعدا عن اللبس أحيانا.
_________________
(١) "خفيفة" بالرفع فاعل تقع، وبالنصب حال من فاعل تقع العائد إلى النون المعلومة من السياق. "بعد الألف" بعد ظرف متعلق بتقع والألف مضاف إليه. "شديدة" عطف على خفيفة بلكن. * "وألفا" مفعول زد مقدم. "قبلها" قبل ظرف متعلق بزد، والهاء مضاف إليه. "مؤكدا" حال من فاعل زد، وفيه ضمير هو فاعله. "فعلا" مفعوله. "إلى نون الإناث" متعلق بأسندا، ومضاف إليه، وجملة "أسند" نعت لقوله "فعلا"، ونائب الفاعل ضمير مستتر، والألف للإطلاق.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
لا تهين الفقير علك أن تر … كع يومًا والدهر قد رفعه (^١)
أصله: لا تهينن.
الرابع: أنها تعطى في الوقف حكم التنوين؛ فإن وقعت بعد فتحة قلبت ألفا؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا﴾، ﴿وَلَيَكُونًا﴾، وقول الشاعر:
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا (^٢)
(^١) بيت من المنسرح، للأضبط بن قريع السعدي، جاهلي قديم، من أبيا مطلعها:
لكل هم من الهموم سعة … والمسى والصبح لا فلاح معه
قال ثعلب: بلغني أنها قيلت قبل الإسلام بدهر طويل.
اللغة والإعراب: تهين: فعل مضارع؛ من الإهانة؛ وهي الاحتقار والازدراء. علك: والمراد هنا: انحطاط الحال، وتبدل الحال الحسنة بأخرى مغايرة لها. "لا" ناهية. "تهين" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين في محل جزم، والفتحة دليل عليها. "علك" عل حرف ترج ونصب، والكاف اسمها. "أن تركع" أن مصدرية، وهي وما بعدها في تأويل مصدرن خبر لعل؛ على تأويله باسم الفاعل، أو على حذف مضاف. "يوما" ظرف زمان. "والدهر قد رفعه" الدهر مبتدأ، وقد للتحقيق، وجملة رفعه خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال.
المعنى: لا تحتقر الفقير، ولا تهنه وتستخف به؛ فربما يتبدل الحال ويتغير، والدهر قلب؛ فيخفضك الزمان ويرفعه عليك.
الشاهد: في "لا تهين الفقير"؛ حيث حذفت نون التوكيد الخفيفة للتخلص من الساكنين؛ وهما: النون واللام في "الفقير" وبقيت الفتحة على آخر الفعل دليلا على النون المحذوفة، وثبوت الياء مع وجود الجازم دليل على أن الفعل مؤكد.
(^٢) عجز بيت من الطويل، للأعشى، ميمون بن قيس، من قصيدة له في مدح الرسول ﵇، وكان قدم إليه لينشدها بين يديه، فمنعته قريش، وصدره:
وإياك والميتات لا تقربنها
اللغة والإعراب: الميتات: جمع ميتة؛ وهي الحيوان المأكول الذي فارق الحيا، حتف
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وإن وقعت بعد ضمة أو كسرة حذفت، ويجب حينئذ أن يرد ما حذف في الوصل لأجلها (^١). تقول في الوصل: اضربن يا قوم، واضربن يا هند، والأصل: اضربون،
أنفه، من غير تذكية، لا تقربنها: المراد لا تطعمها، الشيطان: يطلق على كل متمرد من الجن والإنس. "وإياك" منصوب على التحذير بمحذوف وجوبا. "والميتات" معطوف عليه "لا" ناهية. "تقربنها" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم. "تعبد" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وحرك بالكسر للتخلص من الساكنين، "الشيطان" مفعوله. "والله" الواو عاطفة، ولفظ الجلالة مفعول مقدم لاعبدا. "فاعبدا" الفاء زائدة أو عاطفة. و"اعبدا" فعل أمر مبني على سكون مقدر، منع منه الفتح العارض لأجل نون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا في الوقف.
المعنى: ابتعد عن أكل الميتة، ولا تخضع للشيطان ونزعاته، بل أخضع لله -تعالى، وأعبده فيما أمرك به ونهاك عنه؛ فإنه -سبحانه- المستحق وحده للعبادة.
الشاهد: في "فاعبدا"؛ حيث أبدل نون التوكيد الخفيفة ألفا في الوقف؛ كما أن التنوين في الاسم المنصوب كذلك.
(^١) وذلك لزوال علة الحذف؛ وهي التقاء الساكنين.
وإلى الفرقين الثالث والرابع يشير الناظم بقوله:
واحذف خفيفة لسكان ردف … وبعد غير فتحة إذا تقف
واردد إذا حذفتها في الوقف ما … من أجلها في الوصل كان عدما
وأبدلنها بعد الفتح ألفا … وقفا كما تقول فيض قفن قفا
_________________
(١) * "ردف" فعل ماض، والجملة صفلة لساكن، "وبعد" متعلق باحذف. "غير فتحة" مضاف إليه. "إذا" ظرف متعلق باحذف. "نقف" الجملة في محل جر بإضافة إذا إليها. "إذا" ظرف متعلق باردد "حذفتها" الجملة في محل جر بإضافة إذا، والهاء عائدة إلى النون. "ما" اسم موصول مفعول "اردد" من أجلها في الوصل "متعلقان بعدما. "كان" اسمها يعود إلى ما الموصولة الواقعة على الواو والياء المحذوفتين. "عدما" فعل ماض للمجهول، والجملة خبر كمان، وجملة كان ومعموليها صلة ما. "وأبدلنها" فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، و"ها" مفعول أول. "ألفا" مفعول ثان. "وقفا" منصوب بنزع الخافض، أو حال من فاعل أبدلنها، أو مفعول به. "كما" الكاف جارة، و"ما" مصدرية، وهي ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف. "في" قفن" متعلق بتقول. "قفا" مقول القول، مقصود لفظه. أو الجملة محكية بالقول.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
واضربين، كما مر، فإذا وقفت حذف النون لشبهها بالتنوين في نحو: جاء زيد، ومررت بزيد، ثم ترجع بالواو والياء لزوال الساكنين؛ فتقول، اضربوا، واضربي.
أي: احذف نون التوكيد الخفيفة إذا ردفها -أي تبعها- ساكن، وكذلك إذا وقعت عند الوقف عليها بعد غير فتحة؛ أي ضمة أو كسرة. ويجب عند الوقف أن ترد إلى الفعل ما حذف منه بسببها عند وصل الكلام؛ كما يجب إبدالها ألفًا في الوقف، إذا وقعت بعد حرف مفتوح؛ تقول في "قفن" عند الوقف: قفا. ومن هذا يتبين: أنها تحذف وجوبا في النطق، إذا وقع بعدها ساكن ولم يوقف عليها، وكذلك إذا وقف عليها بعد ضم أو كسر.
هذا: ويروى فريق من النحاة تحريك بالنون بالكسر إذا وليها ساكن بدلا من حذفها؛ لأن الأصل في التخلص من الساكنين تحريك الأول منهما بالكسرة، كما نبه على ذلك شارح المفصل، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا لعلة.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ ما الذي يؤكد من الأفعال؟ وما الذي لا يؤكد؟ ولماذا؟ مثل.
٢ متى يجب توكيد الفعل المضارع؟ وبماذا؟ ومتى يمتنع؟ وضح ما تقول.
٣ ما حكم توكيد المضارع الصحيح والمعتل، إذا أسند كل إلى واو الجماعة، أو ياء المخاطبة؟ هات أمثلة موضحة.
٤ ما الذي تختص به نون التوكيد الخفيفة؟ وضح ذلك بأمثلة من عندك.
٥ ما حكم توكيد المضارع الواقع بعد "ما" الزائدة؟ مثل لما تقول.
٦ فيما يأتي شواهد بعض مسائل هذا الباب، وضح الشاهد، وبين حكم توكيد الأفعال فيها:
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْر﴾.
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك﴾.
وقال ﵇: "فأنزلنْ سكينة علينا، وثبت الأقدام إنه لا قينا".
يقال في المثال، لمن يخفي عنك أمرا أنت تعلم به. "بعين ما أرينك".
لا تحفلن ببؤسها ونعيمها … نعمى الحياة وبؤسها تضليل
لئن تك قد ضاقت علي بيوتكم … ليعلم ربي أن بيتي أوسع
أتهرجن خليلًا صان عهدكمو … وأخلص الود في سر وإعلان
من جحد الفضل ولم يذكرن … بالحمد صاحبه فقد أجرما
ومستبدل من بعد غضبى صريمة … فأحر به من طول فقر وأحريا
تالله لا يحمد المرء مجتنبا … فعل الكرام ولو فاق الورى حسبا
٧ خاطب بالعبارة الآتية: المفردة، ومثناها، والجمع بنوعيه، مع تأكيد الأفعال في كل صورة واضبط تلك الأفعال بالشكل:
[ ٣ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا تن في أداء الواجب، ولا تخش في الحق لومة لائم، واسم بنفسك عن الدنايا، وكن قدرة لغيرك في حسن معاملة الناس.
٨ أسند الأفعال الآتية إلى: ضمير الواحد، والف الاثنين، ونون النسوة، وواو الجماعة، وياء المخاطبة، مؤكدا بالنون مع الضبط.
ادع، يدعي، أنه، يسعد، يقضي، فه، يسمو، يرقى.
الفعل ضمير الواحد ألف الاثنين نون النسوة واو الجماعة ياء المخاطبة ادع ادعوَنْ ادعوَانِّ ادعونَانِّ ادعُنَّ ادعِنَّ يدِّعِي يَدَّعِيَنَّ يَدَّعِيَانِّ يدَّعينَانِّ يدَّعُنَّ تدَّعِنَّ انْهَ انهيَنَّ انْهَيَانِّ انهيْنَانِّ انْهَوُنَّ انْهَيِنَّ رَهْ رَيَنَّ رَيَانِّ رَيْنَانِّ رَوُنَّ رَيِنَّ يسعَد يسعَدَنَّ يَسْعَدَانِّ تسعدْنَانِّ يَسْعَدُنَّ تَسْعَدِنَّ يقضي يقضيَنَّ يَقْضِيَانِّ بقضينَانِّ يَقْضُنَّ تَقْضِنَّ فِهْ فِيَنَّ فِيانِّ فِينَانِّ فُنَّ فِنَّ يسمو يسموَنَّ يسمُوانِّ يسمونَانِّ يسمُنَّ تسمِنَّ يرقى يرقَيَنَّ يرقَيَانِّ يرقَيْنَانِّ يرقَوَنَّ تَرْقَيِنَّ
٩ أسند الأفعال الآتية إلى المفردة، والمثنى المذكر، وواو الجماعة، ونون النسوة، ثم أكدها مع الضبط بالشكل، وضعها في جمل من إنشائك.
اسع، ينأى، ينجو، تول، يبغي، اسم قه، يئن، بقي.
١٠ اشرح البيت الآتي شرحًا أدبيًا، وأعرب الشطر الأول منه:
لا تيئسن إذا اكتويتم مرة … إن النجاح حليف كل مثابر
١١ كون ثلاث جمل من إنشائك، بكل منها مضارع واجب التوكيد، وثلاثا أخرى بها
[ ٣ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مضارع ممتنع التوكيد، ثم ثلاثا فيها مضارع جائز التوكيد، وبين سبب ما تقول.
١٢ ما حكم المضارع المعتل الآخر بالواو أو بالياء؛ إذا أريد إسناده إلى ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، مع التوكيد، اشرح ما يحدث فيه من تغيير، ووضح ذلك بالمثال.
[ ٣ / ٣٦٢ ]