وهو: تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه (^١)، فإن ذكر المحذر بلفظ "إيا"؛ فالعامل محذوف لزومًا (^٢)؛ سواء عطفت عليه، أم كررته، أم لم تعطف، ولم تكرر (^٣)؛ تقول: إياك والأسد، والأصل:
باب التحذير:
(^١) هذا التعريف شبه لغوي؛ لأن التحذير مصدر معناه التخويف. والمناسب للنحوي الذي يبحث عن أحوال الكلم إعرابًا وبناء، أن يقال في التعريف: اسم منصوب معمول لفعل مضمر تقديره: أحذر ونحوه. والأصل في أسلوب التحذير: أن يشتمل على ثلاثة أشياء: المحذر؛ وهو المتكلم الذي يوجه التحذير لغيره، والمحذر، وهو الذي يتوجه إليه التنبيه والتحذير، والمحذر منه؛ وهو الشيء الذي يطلبه تجنبه والبعد عنه، وقد يقتصر على بعض هذه الأمور كما سنبينه بعد. ويكون التحذير بأمور كثيرة؛ كصورة الأمر، أو النهي؛ تقول: افعل كذا، ولا تفعله، ولكن المقصود في هذا الباب أساليب خاصة، تخضع لضوابط وقواعد، وضعها النحاة، ويكون بثلاث طرق:
أ- ذكر المحذر؛ وهو إاياك، وفروعه: إياكما، إياكم، إياكن، إما بعطف المحذور منه على إياك؛ نحو: إياك والأسد، أو بخفضه بمن؛ نحو: إياك من الإهمال.
ب- ذكر المحل المخوف عليه، ويكون بذكره نائبا عن "إيا" مضافا إلى كاف خطاب للمحذر من غير عطف ولا تكرار، أو مع العطف أو التكرار؛ مثل: يدك نفسك؛ أي: نفسك والأسد، أو نفسك نفسك.
جـ- ذكر المحذر منه مكررا، أو معطوفا عليه، أو بدونهما؛ نحو: البرد البرد، البرد والمطر، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك كله.
(^٢) لأنه لما كثر التحذير بلفظ "إيا"، جعلوه عوضا عن اللفظ بالفعل، والتزموا معه إضمار العامل، ولا يجمع بين العوض والمعوض. وهو منصوب باعتباره مفعولا به للمحذوف، ولا بد من أن يذكر بعده المحذر منه.
(^٣) الأحسن أنه إذا سبقت الاسم المذكور بعد إياك واو العطف أن يختار فعل يناسب المعطوف، غير الفعل الناسب لإياك؛ فيكون في الأسلوب فعلان محذوفان وجوبا مع مرفوعيهما.
[ ٣ / ٣١٦ ]
احذر تلاقي نفسك والأسد (^١)، ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف الاول، وأنيب عنه الثاني فانتصب (^٢)، ثم الثاني، وأنيب عنه الثالث فانتصب وانفصل (^٣). وتقول: إياك من الأسد (^٤)، والأصل: باعد نفسك من الأسد، ثم حذف "باعد" وفاعله والمضاف (^٥). وقيل: التقدير: أحذرك من الاسد؛ فنحو: إياك الأسد، ممتنع على التقدير الأول، وهو قول الجمهور (^٦). وجائز على الثاني، وهو رأي ابن الناظم (^٧).
ولا خلاف في جواز: إياك أن تفعل (^٨)؛ لصلاحيته لتقدير "من". ولا تكون "إيًّا" في
(^١) بجر "نفس" و"الأسد".
(^٢) فصار: نفسك والأسد، بنصبهما.
(^٣) أي بعد أن كان مجرورا متصلا؛ وذلك لتعذر اتصاله؛ فصار: "إياك" ويقال في إعرابه: "إياك" في محل نصب مفعول به بفعل محذوف وجوبا تقديره: احذر ونحوه، والكاف حرف خطاب، و"الأسد" معطوف على إياك، والأحسن أن يكون منصوبًا بفعل آخر مضمر وجوبًا يناسب الكلام كما أسلفنا، ويكون من عطف الجمل.
(^٤) أي: بجر المحذر منه "بمن"، بدلا من العطف بالواو.
(^٥) أي: وهو "نفس"، فانفصل الضمير وانتصب، "فإياك" منصوب بباعد المحذوف، و"من الأسد" متعلق به.
(^٦) لأن "باعد" لا يتعدى بنفسه إلى مفعولين، ولا يجوز نصب "الأسد" بنزع الخافض؛ وهو "من"؛ لأن ذلك سماعي في غير أن، وإن، وكي، كما تقدم في موضعه. انظر صفحة ٩٨، جزء ثان.
(^٧) لأن "احذر" يتعدى إلى مفعولين بنفسه؛ قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وينبني على التقديرين: أن الكلام على تقدير الجمهور إنشائي، وعلى تقدير ابن الناظم خبري، والحق -كما رأى بعض المحققين- أنه لا يتعين تقدير "باعد"، ولا "أحذر" ولا غيرهما، بل الواجب تقدير ما يؤدي الغرض ويناسب الحال؛ مثل: دع، اتق، نح … إلخ؛ لأن المقدر ليس أمرًا متعبدا به لا يعدل عنه. وينبغي الأخذ بهذا الرأي عند تقدير المحذوف في كل ما يحتاج إلى تقدير.
(^٨) أي مما فيه المحذر منه "أن" المصدرية وصلتها؛ لأن حذف الجار قبل "أن" جائز في سعة الكلام.
[ ٣ / ٣١٧ ]
هذا الباب لمتكلم (^١). وشذ قول عمر ﵁ "لتذك لكم الأسل والرماح والسهام، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب" (^٢)، وأصله: إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم أن يحذف أحدكم الأرنب (^٣)، ثم حذف من الأول المحذور (^٤)، ومن الثاني المحذرد (^٥).
ولا يكون لغائب (^٦)، وشذ قول بعضهم: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب (^٧)، والتقدير: فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب (^٨).
وفيه شذوذان؛ أحدهما: اجتماع حذف الفعل وحذف حرف الأمر (^٩).
والثاني: إقامة الضمير -وهو "إيًّا"- مقام الظاهر؛ وهو الأنفس؛ لأن المستحق
(^١) لأن المتكلم لا يحذر نفسه، ولما يلزم عليه من اتحاد المحذور والمحذر.
(^٢) "لتذك" اللام لام الأمر، وتذك فعل مضارع مجزوم بها، من التذكية؛ وهي الذبح. "الأسل" أصله: الشوك الطويل من شوك الشجر، والمراد به هنا: ما رق وأرهف من الحديد؛ كالسيف والسكين ونحوهما.
المعنى: - يأمر ﵁ أن يكون الذبح بالأسل، أو الرماح، أو السهام عند الرمي بها، وينهي عن حذف الأرنب وغيره بنحو حجر؛ فإن ذلك لا يحله.
(^٣) الصواب: أنهما تحذيران حذف من كل منهما نظير ما أثبته في الآخر، وهو قول الجمهور والزجاج.
(^٤) أي: وهو حذف الأرنب.
(^٥) وهو: أنفسكم.
(^٦) وذلك لاختصاص التحذير بالمخاطب، والغائب لا يحذر.
(^٧) قول سمع عن العرب كما قال سيبويه، والشواب: جمع شابة، ويروى: السوءات، جمع سوأة، ومعناه: إذا بلغ الرجل ستين سنة، فلا ينبغي له أن يولع بشابة، أو أن يفعل سوأة.
(^٨) فقد حذف الفعل مع فاعله، ثم المضاف الأول؛ وهو "تلاقي"، وأنيب عنه الثاني؛ وهو "نفس"، ثم الثاني فانفصل الضمير وانتصب، وأبد أنفس بإيا.
(^٩) ولام الأمر لا تحذف إلا في الضرورة؛ فحذفها مع مجزومها أشد.
[ ٣ / ٣١٨ ]
للإضافة إلى الأسماء الظاهرة إنما هو المظهر لا المضمر (^١). وإن ذكر المحذر بغير لفظ "إياه"، أو اقتصر على ذكر المحذر منه؛ فإنما يجب الحذف، إن كررت أو عطفت (^٢)؛ فالأول نحو: نفسك نفسك، والثاني نحو: الأسد الأسد. و﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (^٣).
وفي غير ذلك يجوز الإظهار؛ كقوله:
خل الطريق لمن يبني المنار به (^٤)
(^١) ذلك لأن الإضافة للتعريف أو التخصيص، والضمير في غنى عن ذلك؛ لأنه أعرف المعارف؛ قال صاحب اللمع: ويجوز أن يكون المحذر منه ضميرا غائبا معطوفا على المحذر، كقول الشاعر:
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياه
وعلى ذلك لا يكون التحذير بضميري الغائب والمتكلم شاذا، إلا إذا كان محذرا لا محذرا منه، وهذا وما قبله هما الأسلوبان الثاني والثالث من أساليب التحذير اللذان أشرنا إليهما أول الباب.
(^٢) ذلك لأنهم جعلوا العطف والتكرار كالبدل من الفعل، ولا يكون العطف إلا بالواو خاصة.
(^٣) ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ ناقة منصوب بفعل مضمر وجوبا على التحذير، ولفظ الجلالة مضاف إليه. و﴿سُقْيَاهَا﴾ معطوف على الناقة؛ أي: ذروا ناقة الله وسقياها فلا تمنعوها عنها؛ فقد عطفت الواو محذرا منه على مثله. ويجوز في هذا أن تكون الواو للمعية؛ فينصب ما بعدها على أنه مفعول معه، وحينئذ يجوز إظهار العامل لعدم العطف. الآية ١٣ من سورة الشمس.
(^٤) صدر بيت من البسيط، لجرير، من قصيدة يهجو فيها عمر بن لجإ التيمي، وهو من شواهد سيبويه، وعجزه:
وابرز ببرزة حيث اضطر القدر
اللغة والإعراب: خل: فعل أمر؛ من التخلية؛ أي اترك ودع. الطريق: المراد هنا سبيل المجد والشرف. المنار: علامات توضع في الطريق ليهتدي بها السالكون. أبرز:
[ ٣ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اظهر. برزة: اسم أم عمر بن لجإ. "الطريق" مفعول لفعل الأمر "خل". "لمن" متعلق به، ومن اسم موصول. "يبني المنار" الجملة صلة. "حيث" ظرف مكان معمول لابرز. "اضطرك القدر" الجملة في محل جر بإضافة حيث إليها.
المعنى: اترك طريق المجد وسبيل العظمة والشرف لمن يعمل له، ويأخذ في أسبابه؛ فلست له أهلا، واسلك مع أمك طريق الغي والضلال. حيث ألجأك القدر الذي لا يغالب.
وقيل: إن المراد ببرزة: الأرض الواسعة، والباء فيه للظرفية بمعنى "في".
الشاهد: في "خل الطريق"؛ حيث أظهر العامل -وهو "خل"- في التحذير؛ لأن المحذر منه -وهو الطريق- غير مكرر ولا معطوف عليه.
وفي الأمثلة التي يجوز فيها ذكر العامل أو حذفه يصح رفع المحذور منه على أنه مبتدأ خبره محذوف، ولا يكون مما نحن فيه.
الخلاصة: أنه إذا كان التحذير بـ"إيا" وفروعها، وجب نصب هذا الضمير بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا؛ سواء كان هذا الضمير مكررا أولا، معطوفا عليه أو لا، ولك أن تخفض المحذور بـ"من"؛ فتقول: إياك من الإهمال، أو تنصبه بغير عطف؛ فتقول: إياك الأسد. وإن كان التحذير بغير ذلك وجب نصب الاسم بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبًا، بشرط العطف أو التكرار، فإن لم يوجد عطف ولا تكرار، كان النصب بعامل محذوف جوازا. ويجوز ضبط الاسم بغير النصب، ولا يتعين الأسلوب للتحذير، وفي هذا الباب يقول الناظم في إجمال:
"إياك والشر" ونحوه نصب … محذرا بما استتاره وجب
ودون عطف ذا "لإيا" انسب وما … سواه ستر فعله لن يلزما
إلا مع العطف أو التكرار … كـ"الضيغم الضيغم يا ذا الساري"
وشذ "إياي" و"إياه" أشذ … وعن سبيل القصد من قاس انتبذ
_________________
(١) * "إياك والشر" مفعول مقدم لنصب قصد لفظه. "ونحوه" معطوف عليه. "محذر" فاعل نصب. "بما" متعلق بنصب وما اسم موصول. "استناره وجب" مبتدأ وخبر، والجملة صلة. "ودون عطف" دون ظرف متعلق بانسب، وعطف مضاف إليه. "ذا" مفعول مقدم له. "لإيا" متعلق بانسب أيضا. "ما" اسم موصول، مبتدأ.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي نصب المحذر أسلوب "إياك والشر" ونحوه، بعامل محذوف وجوبًا إن اشتمل على عاطف؛ كما مثل، وانسب هذا الحكم لـ"إيا" عند عدم العطف عليها. أمَّا ما سواها فحذف الفعل الناصب ليس لازما، إلا مع العطف أو التكرار. ثم ذكر أن التحذير بـ"إيا" وفروعها، يكون للمخاطب، وشذ مجيئها لضمير المتكلم، وأشذ منه مجيئها لضمير الغائب، ومن قاس على ذلك فقد انتبذ؛ أي بعد عن الصواب.
_________________
(١) "سواه" ظرف متعلق بمحذوف صلة ما. "ستر فعله" مبتدأ ثان، ومضاف إليه. "لن يلزما" الجملة خبر، والألف للإطلاق، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر الأول. "إلا" أداة استثناء ملغاة. "مع العطف" مع ظرف متعلق بيلزم، والعطف مضاف إليه. "أو التكرار" معطوف عليه. "كالضيغم" الكاف جارة لقول محذوف، و"الضيغم" منصوب بفعل واجب الحذف والثاني توكيد له. "يا" حرف نداء. "ذا" اسم إشارة منادى مبني على ضم مقدر في محل نصب. "الساري" بدل او نعت لاسم الإشارة. "وشذ إياي" فعل، وفاعل مقصود لفظه. "وإياه أشذ" مبتدأ وخبر. "وعن سبيل "جار ومجرور متعلق بانتبذ. "القصد" مضاف إليه. "من" اسم موصول مبتدأ، وجملة "قاس" صلة من. "انتبذ" -أي بعد- الجملة خبر المبتدأ.
[ ٣ / ٣٢١ ]