وهو: اسم معمول لأخص واجب الحذف؛ فن كان "أيها" أو "أيتها" استعملا كما يستعملان في النداء؛ فيضمان (^٢) ويوصفان لزومًا باسم لازم الرفع محلى بأل؛ نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل (^٣)، و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة". وإن كان غيرهما نصب (^٤).
باب المنصوب على الاختصاص:
(^١) الاختصاص: مصدر اختصصته بكذا، أي خصصته به وقصرته عليه؛ فهو لغة: قصر الكم على بعض أفراد المذكور أولًا، واصطلاحًا: إصدار حكم على ضمير مبهم لغير الغائب، بعده اسم ظاهر معرفة، يفسره ويوضحه، ويختص بهذا الحكم. وهو معمول لأخص محذوفًا وجوبًا، ومثل أخص: أعني، أقصد، أريد، أو ما شاكل هذا؛ غير أن لفظ "أخص" هو المشهور؛ ومنه سمي الاختصاص. والباعث عليه: إرادة القصر والتخصيص، وقد يكون الفخر؛ نحو: أنا -العربي- لا أستكين للمذلة، أو التواضع؛ نحو: إني -أيها الضعيف- قوي بالإيمان، وقد يكون الغرض منه تفصيل وبيان ما يراد من الضمير؛ من جنس، أو نوع أوعدد؛ نحو: نحن -بني الإنسان- نخطئ ونصيب، نحن -الجنود- قدوة في الكفاح، نحن -العشرة- أعضاء الاتحاد.
(^٢) أي: يبنيان على الضم في محل نصب على المفعولية بالفعل المحذوف، ولا بد أن يتصل بآخرهما لفظ "ها" للتنبيه، وأن يلتزما هذه الصيغة، إفرادا، وتثنية، وجمعا؛ "أي"
للمذكر، و"أية" للمؤنث.
(^٣) "أنا" ضمير مبتدأ. "أفعل" الجملة خبر. "أي" منادى في محل نصب مفعول به لفعل محذوف مع فاعله. "ها" حرف للتنبيه مبني على. "الرجل" نعت لأي بإعتبار اللفظ، وضمته ضمة إتباع، وجملة الاختصاص في محل نصب على الحال، ومعناه: أنا أفعل كذا مخصوصًا من بين الرجال. ويصح تأخير جملة الخبر؛ وهي: أفعل كذا، في نهاية الجملة؛ فتقول: أنا أيها الرجل أفعل كذا.
(^٤) أي وجوبا؛ سوا كان معرفا بالإضافة؛ كما مثل المصنف، أو بأل؛ نحو:
نحن العرب أسخى من بذل
أو كان علما غير مضاف، وذلك قليل؛ نحو: أنا الطبيب لا أتوانى عن إجابة الداعي،
[ ٣ / ٣١٣ ]
نحو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث (^١). ويفارق المنادى في أحكام.
أحدها: أنه ليس معه حرف نداء، لا لفظًا ولا تقديرًا.
الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام، بل في أثنائه، كالواقع بعد "نحن" في الحديث المتقدم، أو بعد تمامه، كالواقع بعد "أنا" و"نا" في المثالين قبله.
الثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم عليه اسمًا بمعناه (^٢).
والغالب كونه ضمير تكلم، وقد يكون ضمير خطاب؛ كقول بعضهم: "بك الله نرجو الفضل" (^٣).
ومنه قول رؤبة:
بنا تميمًا يكشف الضباب
(^١) هذا جزء من حديث، وتمامه: "ما تركناه صدقة". "ما" اسم موصول مبتدأ. "تركناه" الجملة صلة. "صدقة" خبر المبتدأ.
هذا: وبين الاختصاص والنداء تشابه في أمور؛ هي:
أ- إن كلا منهما يفيد الاختصاص وهو في هذا الباب خاص بالمتكلم أو المخاطب، وفي باب النداء مقصور على المخاطب.
ب- أن كلا منهما للحاضر؛ أي المتكلم أو المخاطب، وإن كان النداء لا يكون للمتكلم.
جـ- أن كلان منهما يرى معه الاسم أحيانًا مبنيًا على الضم في محل نصب في "اي" و"أية"، مع وجود "ها" التنبيه، والنعت بعدهما، وتارة يكون منصوبًا.
د- أن الاختصاص يقصد به تقوية المعنى وتوكيده، وكذلك يكون النداء أحيانًا، أما الأمور التي يختلفان فيها فقد أوضحها المصنف.
(^٢) - أي: أن يكون المراد منهما شيئًا واحدًا.
(^٣) "بك" جار مجرور متعلق بنرجو. "الله" منصوب على الاختصاص بفعل محذوف وجوبًا؛ وهو علم. "الفضل" مفعول نرجو. وفي هذا المثال ولي المختص ضمير المخاطب، وهو قليل، والأكثر أن يلي ضمير المتكلم؛ واحدا، أو مثنى، أو مجموعا، وكذلك جاء علما وهو نادر، ولا يقع المختص بعد ضمير غيبة، ولا بعد اسم ظاهر.
[ ٣ / ٣١٤ ]
والرابع والخامس: أنه يقل كونه علما، وأنه ينتصب (^١) مع كونه مفردًا، كما في هذا المثال.
والسادس: أنه يكون بأل قياسًا؛ كقولهم: "نحن العرب أقرى الناس للضيف".
(^١) أي لفظًا لا محلا فقط، وهذا في غير "أي"، و"أية"؛ فإن نصبهما محلي لا غير، وهما مبنيان على الضم في محل نصب، ومن الفروق غير ذلك: أن "اي"، و"اية" توصفان في النداء باسم الإشارة، وهنا لا توصفان به، وصفتهما واجبة الرفع اتفاقا، بخلافهما في النداء. والمختص لا يكون موصولا، ولا ضميرا، ولا مستغاثا ولا مندوبا، ولا يرخم، بخلاف النداء في ذلك كله. والعامل هنا محذوف وجوبا مع فاعله بدون تعويض، أما في النداء فحرف النداء عوض عنهما. وهذه الفروق كلها راجعة إلى اللفظ.
ويفترقان معنى في أن الكلام مع الاختصاص خبر، ومع النداء إنشاء، وأنه قد يفيد الفخر والتواضع، بخلاف النداء؛ فإن الغرض الأصلي منه طلب الإقبال، وأن الغرض منه تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه، وليس الأمر كذلك في النداء. وقد اقتصر الناظم على بعض ما سبق بيانه؛ فأجمل موضوع الاختصاص في بيتين؛ هما:
الاختصاص كنداء دون يا … كـ"أيها الفتى" بإثر "أرجوانيا"
وقد يرى ذو دون "أي" "أل" … كمثل "نحن العرب أسخى من بذل"
أي: أن الاختصاص يشبه النداء لفظًا، بدون حرف نداء. ولا بد أن يسبقه شيء، وأن تصاحبه الألف واللام غالبًا؛ كالمثال الذي ذكره؛ وهو: "أيها الفتى" بإثر -أي بعد- "ارجوني". وقد يرى الاختصاص مستعملا من غير لفظ "أي"، أو "أية" ويكون اسما مشتملا على "أل"؛ كقولك: "نحن العرب أسخى من بذل"؛ أي: أكرم من أعطى ماله.
_________________
(١) * "الاختصاص" مبتدأ. "كندا" خبر. "دون" ظرف نعت لنداء، و"يا" مضاف إليه. "كأيها" الكاف جارة لقول محذوف، و"أي" منادى في محل نصب بأخص وجوبا، و"ها" حرف تنبيه. "الفتى" نعت لأي. "بأثر" حال من أيها. "ارجونيا" قصد لفظه، مضاف إليه. "ذا" نائب فاعل يرى. "دون أي" دون ظرف متعلق بمحذوف، حال من ذا، وأي مضاف إليه. "تلو أل" تلو مفعول ثان ليرى، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل مضاف إلى أل. "كمثل" خبر لمبتدأ محذوف. "نحن" مبتدأ "العرب" مفعول لفعل محذوف وجوبا، والجملة معترضة بين المبتدأ وخبره؛ وهو "أسخى". "من" اسم موصول مضاف إليه. "بذل" الجملة من الفعل والفاعل صلة "من".
[ ٣ / ٣١٥ ]