هذا باب حرف الجر (^١):
وهي عشرون حرفًا (^٢): ثلاثة مضت في الاستثناء؛ وهي: خلا، وعدا، وحاشا.
هذا باب حروف الجر:
(^١) هكذا: سماها البصريون، وعللوا ذلك بأنها تعمل الجر فيما بعدها؛ ظاهرا أومقدر أو محليا، كما قيل: حروف النصب، والجزم لذلك. أو؛ لأنها تجر معاني الأفعال وشبهها، وتوصلها إلى ما تجره، ومن أجل هذا سماها الكوفيون: "حروف الإضافة"؛ لأنها تضيف معاني الأفعال، وتربطها بما بعدها.
(^٢) أي على المشهور، وفي بعضها خلاف. وقد جمعها الناظم في قوله:
هاك حروف الجر وهي من إلى … حتى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ رب اللام كي واو وتا … والكاف والبا ولعل ومتى
وهذه الحروف تقع كلها أصلية؛ إلا "من" و"الباء" و"اللام" و"الكاف"؛ فتستعمل زائدة أحيانا، أما "رب" و"لعل" فإنهما حرفا جر، شبيهان بالزائد. وحرف الجر الزئاد لا يفيد معنى جديدا؛ وإنما يقوى المعنى القائم الجملة، ويؤكده ولا يحتاج لشيء يتعلق به، والمجرور به يكون مجرورا في اللفظ فقط، ومحله رفع أو نصب، أو جر على حسب ما يقتضيه العامل، أما حرف الجر الشبيه بالزائد فيفيد معنى جديدا في الجملة؛ هو التقليل، ولا يحتاج لمتعلق كالزائد، ويجر ما بعدها لفظا، وله محل من الإعراب كالزائد، ولذلك سمي شبيها بالزائد. وأما حرف الجر الأصلي فيؤدي معنى جديدا في الجملة، ويوصل بين معنى العامل والاسم المجرور به، ويظهر معناه في جملته، وعلى ما بعده، ولا بد له من متعلق -أي عامل- يتعلق به؛ من فعل أو شبهه؛ لأن مهمته توصي المعنى بين العامل والاسم المجرور، والمجرور به مجرور في اللفظ، وقد يكون مع ذلك في محل رفع أو نصب أو جر -على حسب العوامل؛ فله إعراب لفظي، وآخر محلي وكل حرف من حروف الجر المذكورة قد يتعدد معناه، وقد يشاركه غيره في بعض المعاني، وبعض الحروف المشتركة قد يكون أوضح في تأدية المعنى من غيره إلى غير ذلك؛ مما سيمر بك مفصلا -إن شاء الله.
_________________
(١) * "هاك" اسم فعل أمر بمعنى خذ، والكاف حرف خطاب، ينصرف تصرف الكاف الاسمية؛ من تذكير وغيره. "حروف الجر" مفعول هاك ومضاف إليه. "وهي مبتدأ. "من" قصد لفظه، وهي ما عطف بإسقاط العاطف في بعضها خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وثلاثة شاذة:
أحدها: "متى" في لغة هذيل (^١)، وهي بمعنى "من" الابتدائية (^٢). سمع من بعضهم أخرجها متى كمه (^٣)، وقال:
متى لجج خضر لهن نئيج (^٤)
(^١) من القبائل العربية القحطانية التي عنها أخذ اللسان العربي. وكان فيها شعراء كثيرون مشهورون؛ منهم: أبو ذؤيب الهذلي.
(^٢) قال في الهمع: "وتأتي اسما بمعنى "وسط" حكى، و"ضعها متى كمه"؛ أي وسطه وهي حينئذ مبنية؛ لمشابهتها الحرفية.
(^٣) أي من كمه.
(^٤) عجز بيت من الطويل، لأبي ذؤيب الهذلي يصف سحابا، وصدره:
شربن بماء البحر ثم ترفعت
اللغة والإعراب: شربن، المراد: حملن الماء، والضمير للسحاب، ترفعت: ارتفعت وتصعدت، لجج: جمع لجة؛ وهي معظم الماء، نئيج: مر سريع بصوت، "شربن" فعل ماض، ونون النسوة فاعل، وقد ضمن معنى تروين. فعداه بالباء، أو الباء بمعنى. "من".
"متى" حرف جر أصلي بمعنى "من" لجج "مجرور بها على لغة هذيل، والجار والمجرور متعلق بشربن. "خضر" نعت لجج، "لهن نئيج" مبتدأ وخبر، والجملة صفة للجج، أوحال من النون في شربن، على زعم العرب.
المعنى: هذا البيت يعبر عما كان العرب يعتقدون؛ من أن للسحب شبه خراطيم، تدنو من البحر الملح في بعض الأماكن، فتأخذ من مائه ما شاءت ثم تصعد إلى الجو سريعا ولها دوي، فيعذب هذا الماء وينتقل ثم ينزل إلى حيث يشاء الله مطرا. ونستطيع أن نفسر هذا الاعتقاد الساذج بما يتفق مع ما قرره العلم اليوم، وهو أنه كناية عن تصعد ماء البحار بوساطة حرارة الشمس، وتنقله من جهة إلى أخرى بالهواء، حتى يرتفع إلى حيث يشاء الله، ويكون سحبا تنزل بعد مطرا.
الشاهد: استعمال "متى" بمعنى "من" على لغة هذيل، وجرها "لجج".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
والثاني: "لعل" في لغة عقيل (^١) قال:
لعل الله فضلكم علينا (^٢)
ولهم في لامها الأولى: الإثبات، والحذف، وفي الثانية: الفتح، والكسر (^٣).
والثالث: "كي"، وإنما تجر ثلاثة؛
أحدها: "ما" الاستفهامية (^٤)؛ يقولون إذا سألوا عن علة الشيء: "كميه" (^٥)، والأكثر أن يقولوا "لمه".
(^١) قبيلة عربية، أبوها عقيل بن كعب ربيعة، من قيس عيلان بن مضر.
(^٢) صدر بيت من الوافر، لم ينسب لقائل، وعجزه:
بشيء إن أمكم شريم
اللغة والإعراب: لعل: حرف جر شبيه بالزائد، ومعناه الترجي، قيل: وهو هنا بمعنى الإشفاق، ولا يتعلق بشيء. فضلكم: زادكم. شريم: هي المرأة المقضاة التي اختلط مسلكاها؛ ويقال فيها: شرماء وشروم. "لعل" حرف ترج وجر شبيه بالزائد. "الله" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة؛ منع منها حرف الجر الشبيه بالزائد. "فضلكم" الجملة خبر. "إن أمكم شريم" الجملة من إن ومعموليها لا محل لها، وهي بمنزلة التعليل لما قبلها؛ إن قرئت بكسر إن، وبفتحها في تأول مصدر مجرور على أنه بدل من شيء.
المعنى: آمل في يكون الله ﷾ فضلكم علينا وأكرمكم؛ لأن، أو يكون أمكم بهذه الحالة؛ قد اختلط قبلها بدبرها. وهذا -من الشاعر- تهكم واستهزاء.
الشاهد: استعمال "لعل" حرف جر على لغة عقيل، وقد جر بها لفظ الجلالة.
(^٣) هذه اللغات ليست خاصة بـ"لعل" التي يجر الاسم بعدها -كما رآه بعضهم، بل جاءت في لغات العرب عامة.
(^٤) أي التي يسأل بها عن سبب الشيء وعلته.
(^٥) أصلها: كيما؟ أي "لما"، ومعروف أن "ما" الاستفهامية إذا جرت تحذف ألفها، ويحل محلها "هاء السكت" في الوقف؛ حفظا للفتحة الدالة على الألف، ويقال في إعرابها:
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الثاني: "ما" المصدرية وصلتها (^١) كقوله:
يراد الفتى كيما يضر وينفع (^٢)
أي للضر والنفع، قاله الأخفش، وقيل: "ما" كافة (^٣).
الثالث: "أن" المصدرية، وصلتها؛ نحو: جئت كي تكرمني، فإذا قدرت "أن" بعدها (^٤)؛ بدليل ظهورها في الضرورة كقوله:
لسانك كيما أن تغر وتخدعا (^٥)
كي حرف جر أصلي للتعليل، و"ما" استفهامية مجرورة بكي حذفت ألفها وجوبا لما بينا.
(^١) أي المصدر المنسبك من "ما" وصلتها، فإن هذا هو المجرور محلا بالحرف.
(^٢) عجز بيت من الطويل، لقيس بن الخطيم، وقيل للنابغة، وصدره:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
اللغة والإعراب: يراد: يقصد. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط، في محل نصب بضر. "أنت" فاعل لفعل محذوف، هو فعل الشرط، يفسره المذكور. "لم تنفع" الجملة مفسرة. "فضر" الفاء واقعة في جواب "إذا"، و"ضر" فعل أمر، ويجوز في رائه الفتح للخفة، والضم؛ إتباعا لحركة الضاد، والكسر للتخلص "فإنما" للتعليل، وإنما أداة حصر، "يراد الفتى" فعل ونائب فاعل. "كي" جارة تعليلية بمنزلة اللام، و"ما" مصدرية؛ وهي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بكي.
المعنى: إذا لم يكن في مقدورك أن تنفع من يستحق النفع والعون، فضر من يستحق الضرر والإيذاء؛ فإن الإنسان لا يقصد منه في الحياة غير هذين العملين.
الشاهد: دخول "كي" على "ما" المصدرية، وجرها المصدر المؤول.
(^٣) أي "لكي" عن عمل الجر، كما تكف "رب" في "ربما".
(^٤) أي ليكون المصدر المنسبك من "أن" المضمرة وصلتها في محل جر "بكي".
(^٥) عجز بيت من الطويل، لجميل بن معمر العذري، وصدره:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا
اللغة والإعراب: مانحا: اسم فاعل من المنح؛ وهو الإعطاء. تغر: تخدع؛ يقال:
[ ٢ / ٢٦٥ ]
والأولى أن تقدر "كي" مصدرية (^١)، فتقدر اللام قبلها؛ بدليل كثرة ظهورها معها؛ نحو: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾.
والأربعة عشر الباقية قسمان:
سبعة تجر الظاهر والمضمر: وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، والباء، واللام؛ نحو: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، ﴿﵃﴾، ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
غره غرورا، خدعه: ختله، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. "أكل" الهمزة للاستفهام، وكل مفعول أول مقدم لمانحا. "الناس" مضاف إليه. "أصبحت" فعل ماض ناقص، والتاء اسمها. "مانحا" خبرها "لسانك" مفعول ثان لمانحا، ومضاف إليه "كي" حرف تعليل وجر. "ما" زائدة. "تغر" مضارع منصوب بأن والفاعل أنت، و"تخدعا" معطوف على تغر والألف للإطلاق، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بكي.
المعنى: أصبحت مانحا جميع الناس حلاوة لسانك، وحسن كلامك؛ لتغرهم وتوقعهم في المكروه من حيث لا يشعرون. إن هذا عمل لا يليق بالكملة من الرجال.
الشاهد: ظهور "أن" المصدرية بعد "كي"، وهذا يدل على أن "كي" للتعليل وليست حرفا مصدريا، وأنه يقدر بعدها "أن" إن لم تكن موجودة.
(^١) فتكون هي الناصبة للمضارع، وذلك إذا لم تذكر "أن" بعدها. وإذا ذكرت "أن" المصدرية بعدها ولم تسبقها لام الجر، كانت حرف جر؛ كلام التعليل معنى وعملا، وإن ذكرت قبلها اللام، كانت حرفا مصدريا ناصبا بنفسه؛ كأن المصدرية معنى وعملا، وإن توسطت بينهما؛ فالأحسن اعتبارها جارة للمصدر المنسبك بعدها، مؤكدة للام الجر قبلها، ويجوز أن تكون مصدرية مؤكدة بـ"أن" بعدها، والمصدر المنسبك مجرور باللام قبلها، وإن لم توجد "لام الجر" قبلها، ولا "أن" بعدها، جاز اعتبارها مصدرية؛ بتقدير اللام قبلها، أو حرف جر بتقدير "أن" بعدها.
هذا: وتختص "متى"، و"لعل"، و"كي" بالدخول على الاسم الظاهر، وقد علمت أنها لا تستعمل في الجر إلا قليلا. ولم ينبه الناظم على ذلك، وقد ذكر بعض النحاة من حروف الجر "لولا"، إذا دخلت على الضمائر المتصلة؛ نحو: لولاي ولولاك ولولاه، فهي عند سيبويه، وجمهور البصريين في هذه الحالة حرف جر زائد، لا يتعلق بشيء، والضمير بعدها في محل جر بها، وفي محل فع بالابتداء؛ كمدخول "من" الزائدة؛ في مثل قولك: ما في الدار من أحد: أما عند الكوفيين والأخفش من البصريين فموضع الضمير المتصل رفع لا غير، وقد وضع المتصل موضع المنفصل.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ﴾، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾، ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾.
وسبعة تختص بالظاهر: (^١)، وتنقسم أربعة أقسام (^٢):
ما لا يختص بظاهر بعينه، وهو: حتى، والكاف، والواو. وقد تدخل الكاف في الضرورة على الضمير؛ كقول العجاج:
وأم أو عال كها أو أقربا (^٣)
(^١) أشار إليها الناظم بقوله:
بالظهر اخصص منذ مذ وحتى … والكاف والواو ورب والتا
(^٢) هذا التقسيم بالنسبة لعملها في الظاهر الذي تجره؛ كما سترى.
(^٣) عجز بيت من الرجز المشطور، للعجاج بن رؤبة، في حمار وحشي، وصدره:
خلى الذنابات شمالا كثبا
اللغة والإعراب: خلى: ترك. الذنابات: موضع معين. شمالا: أي ناحية الشمال. كثبا: قريبا، والكثب: القرب. أم أوعال: هضبة معروفة. كها: أي مثل الذنابات في البعد.
"خلى" فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الحمار الوحشي. "الذنابات" مفعوله الأول منصوب بالكسرة، نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. "شمالا" ظرف مكان، أو مفعول خلى الثاني. "كتبا" حال من الذنابات، أو هو المفعول الثاني لخلى، و"شمالا" حاال. "وأم" -بالنصب- معطوفا على الذنابات. "أو عال" مضاف إليه. "كها" جار
_________________
(١) * "بالظاهر" جار ومجرور متعلق باخصص. "منذ" مفعول اخصص مقصود لفظه، و"مذ" وما بعده عطف على "منذ" بإسقاط العاطف في مذ.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وقول الآخر:
كه ولا كهن إلا حاظلا (^١)
وما يختص بالزمان؛ وهو: مذ ومنذ، فأما قولهم: ما رأيته مذ أن الله خلقه؛ فتقديره:
ومجرور متعلق بمحذوف حال من "أم أوعال". ويجوز رفع أم على الابتداء، وخبره "كها"، "أو أقربا" معطوف على الهاء من كها.
المعنى: إن هذا الحمار ترك الذنابات عن شماله قريبا منه، وترك أم أوعال؛ مثل الذنابات أقرب منها إليه.
الشاهد: في "كها"؛ حيث جرت الكاف الضمير المتصل، وحقها أن تجر الظاهر، أو الضمير المنفصل عند بعض النحاة. وهذا ضرورة.
(^١) عجز بيت من الرجز لرؤبة بن العجاج، يصف حمارا وحشيا، وأتنا وحشيات، وصدره:
فلا ترى بعلا ولا حلائلا
اللغة والإعراب: بعلا: زوجا، والجمع البعولة؛ ويقال للمرأة أيضا: بعل وبعلة؛ كزوج وزوجة، حلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. حاظلا: مانعا من التزوج. "لا" نافية. "بعلا" مفعول أو لترى. "ولا" الواو حرف عطف، "ولا" زائدة لتوكيد النفي. "كه" جار ومجرور متعلق بمحذوف، صفة لبعلا، "ولا كهن" معطوف على "كه"، و"لا" زائدة لتوكيد النفي. "إلا" أداة حصر. "حاظلا" مفعول ثان لترى، ويجوز جعل "حاظلا" حالا من "بعلا" إن جعلت "ترى" بصرية.
المعنى: لا ترى من الأزواج والزوجات مثل حمار الوحش وأتنه، كل يقصر نفسه على صاحبه، ولا يتطلع إلى غيره، إلا من منع أنثاه قهرا عن التزوج؛ وذلك أن الحمار يمنع أتنه من حمار آخر يريدها. وكانت عادة العرب في الجاهلية إذا طلقوا امرأة منعوها من التزوج إلا بإذنهم، فجعل الأتن كالحلائل، وجعل الحمار بعلهن.
الشاهد: جر الضمير المصتل في "كه"، و"كهن" بالكاف للضرورة، وقد تدخل "حتى" كذلك على الضمير في الضرورة؛ كقوله:
فلا والله لا يلفي أناس … فتى حتاك يا ابن أبي زياد
[ ٢ / ٢٦٨ ]
مذ زمن أن الله خلقه؛ أي مد زمن (^١) خلق الله إياه.
وما يختص بالنكرات، وهو: "رب"، وقد تدخل في الكلام على ضمير غيبة ملازم للإفراد، والتذكير، والتفسير بتمييز بعده مطابق للمعنى (^٢)، قال:
ربه فتية دعوت إلى ما (^٣)
وما يختص بالله، ورب مضافا للكعبة، أو لياء المتكلم، وهو: "التاء؛ نحو: ﴿وَتَاللَّهِ
(^١) وعلى ذلك تكون "مذ" جرت زمانا محذوفا مضافا إلى المصدر، ويشترط في الزمان المجرور بهما؛ أن يكون معينا معدودا لفظا أو معنى، كمنذ يومين، أو شهر لا مبهما، كمنذ زمن؛ لأنهما لا يجران المبهم؛ والمراد بالمبهم: النكرة غير المعدودة. وأن يكون ماضيا أو حالا لا مستقبلا كما سيأتي؛ فلا يقال: منذ غد. وأن يكون متصرفا؛ فلا تقول: ما رأيته منذ سحر، تريد سحر يوم بعينه، فإن لم ترده من يوم بعينه، فهو متصرف، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، ويشترط في عاملهما: أن يكون فعلا ماضيا؛ إما منفيا متكررا؛ نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس -أو مثبتا متطاولا؛ كسرت منذ يوم الخميس، ولا يجوز قتلته، أو ما قتلته منذ يوم الخميس؛ إذا كانت مذ أو منذ بمعنى "من" والمراد بالتطاول: أن يكون في طبيعة الحدث معنى الاستمرار كالسير والنوم والمشي، ولا شك أن القتل المتعلق بمعين لا يستمر ولا يتكرر؛ فلو قلت: ما قتلت -بدون هاء- صح الكلام.
(^٢) أي في الإفراد والتذكير وفروعهما. وهذا المعنى هو المراد من الضمير الذي يسمونه "الضمير المجهول"؛ لعدم عودته على متقدم، وقد استغنى بمطابقة التمييز للمعنى عن مطابقته للضمير؛ تقول: ربه رجلا، وربه رجلين، وربه رجالا، وربه امرأة، وربه امرأتين، وربه نساء، والكوفيون يجيزون مطابقة الضمير للمفسر لفظا؛ تقول: ربها امرأة وربهما رجلين، وربهم رجالا، وربهن نساء … وهكذا.
(^٣) صدر بيت من الخفيف، لم يعرف قائله، وعجزه:
يورث المجد دائبا فأجابوا
اللغة والإعراب: فتية: جمع فتى. دعوت: ناديت. يورث: يكسب. المجد: الكرم والشرف. دائبا مداوما مجتهدا فيه. "ربه" رب حرف جر شبيه بالزائد والهاء في محل جر
[ ٢ / ٢٦٩ ]
لأَكِيدَنَّ﴾، وترب الكعبة، وتربي لأفعلن، ونذر تالرحمن تحياتك (^١).
برب، وفي محل رفع مبتدأ. "فتية" تمييز المجرور برب. "دعوت" الجملة خبر المتبدأ، ومفعول دعوت محذوف؛ أي دعوتهم. "دائبا" حال من التاء في دعوت، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي إيراثا دائبا. "فأجابوا" معطوف على دعوت.
المعنى: كثير من الشباب دعوتهم إلى ما يكسبهم المجد والشرف والكرم، وثابرت على دعائهم، فاستجابوا لما دعوتهم إليه، ولبوا ندائي.
الشاهد: جر "رب" ضميرا مفردا مذكرا؛ مع أنه مفسر بتمييز مجموع؛ وهو "فتية" واختلف في الضمير المجرور برب؛ فقيل معرفة، وقيل نكرة؛ لأنه عائد على واجب التنكير.
(^١) معناه: وحياتك، فالتاء بدل من واو القسم.
وقد أشار الناظم إلى الأقسام المتقدمة بقوله:
واخصص بمذ ومنذ وقتا وبرب … منكرا والتاء لله ورب
وما رووا من نحو "ربه فتى" … نزر كذا "كها" ونحوه أتى
أي أن "مذ" و"منذ" لا يجران من الأسماء الظاهرة إلا أسماء الزمان، ولا تجر "رب" إلا النكرات، والتاء مختصة بالقسم، وتجر لفظ الجلالة، وكلمة "رب" على النحو الذي بينه المصنف، وما رواه النحاة من جر "رب" لضمير الغيبة، نحو: ربه فتى، نادر وشاذ، وكذلك جر الكاف لهذا الضمير.
هذا: ويجوز دخول الكاف على ضمير الرفع؛ تقول: ما أنا كهو، وما أنا كأنت، وما أنت كأنا. وعلى ضمير النصب؛ نحو: ما أنا كإياك، وما أنت كإياي.
_________________
(١) * "بمذ" متعلق باخصص. "ومنذ" عطف عليه. "وقتا" مفعول به لا خصص. "وبرب" معطوف على بمذ؛ لأنه من متعلقات اخصص. "منكرا" معطوف على وقتا؛ من باب العطف على معمولين لعامل واحد وهو جائز. "والتاء" مبتدأ. "لله" خبره. "ورب" معطوف على لفظ الجلالة. "وما" اسم موصول مبتدأ. "رووا" فعل وفاعل، والجملة صلة ما. "من نحو" ومجرور متعلق برووا. "ربه فتى" رب: حرف جر شبيه بالزائد والهاء مجرورة محلا "فتى" تمييز للضمير. "نزر" خبر المبتدأ. "نزر" خبر المبتدأ. "كذا" متعلق بمحذوف خبر مقدم "كها" مبتدأ مؤخر قصد لفظه. "ونحوه" متبدأ ومضاف إليه. "أتى" الجملة خبر.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فصل: في ذكر معاني الحروف (^١).
لـ"من" سبعة معان:
أحدهما: التبعيض (^٢)؛ نحو: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ولهذا قرئ: ﴿بَعْضَ
مَا تُحِبُّونَ﴾.
والثاني: بيان الجنس (^٣)؛ نحو: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾.
(^١) بين البصريين والكوفيين خلاف في جواز نيابة بعض الحروف عن بعض؛ فمذهب البصريين أن لكل حرف من حروف الجر معنى واحدا، يؤديه على سبيل الحقيقة؛ فمعنى "في" الظرفية، و"على" الاستعلاء، و"من" الابتداء، و"إلى" الانتهاء. إلخ؛ فإذا أدى معنى آخر غير الحرف الخاص به، كان تأديته لهذا المعنى بطريق المجاز، أو بتضمين العامل الذي يتعلق به الحرف معنى عامل آخر يتعدى بهذا الحرف، ولا بد لصحة استعمال المجاز من علاقة بين المعنى المنقول منه، والمعنى المنقول إليه، وقرينة تصرف الذهن عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي.
ومذهب الكوفيين: أن قصر الحرف على معنى واحد تعسف لا مبرر له، وأنه إذا اشتهر استعمال الحرف في معنى، وشاعت دلالته عليه؛ بحيث يفهمها السامع بلا لبس ولا غموض؛ كان هذا المعنى حقيقا بالنسبة للحرف، ولا مجاز ولا تضمين، وفي هذا المذهب تيسير، وقد رجححه كثير من المحققين، على أن الباحثين منفقون على أن المجاز إذا اشتهر وشاع أصبح حقيقة عرفية.
(^٢) أي الدلالة على البعضية، وعلامتها: صحة حذف "من" ووضع "بعض" مكانها.
(^٣) أي بيان أن ما بعدها جنس يشمل ما قبلها، وأكثر ما تقع بعد "نا" و"مهما" لشدة إبهامهما، وعلامتهما: صحة الإخبار بما بعدها عما قبلها، وهنالك علامة أخرى وهي: صحة حذف "من" ووضع اسم موصول مكانها؛ مع ضمير يعود على ما قبلها إن كان معرفة. فإن كان نكرة، فالعلامة أن يخلفها الضمير وحده؛ فنحو: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ تقول فيه: هي ذهب. و"من" البيانية مع مجرورها، ظرف في محل نصب على الحال. إن كان ما قبلها معرفة، ونعت تابع لما قبلها إن كان ما قبلها نكرة.
[ ٢ / ٢٧١ ]
والثالث: ابتداء الغاية (^١) المكانية باتفاق؛ نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، والزمانية، خلافا لأكثر البصريين، ولنا قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (^٢)، والحديث: "فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة" (^٣)، وقول الشاعر:
تخيرن من أزمان يوم حليمة (^٤)
(^١) المراد بالغاية هنا: المقدار والمنسافة لا آخر الشيء، وعلامتها: أن يصلح في مكانها "إلى" أو ما يفيد فائدتها؛ نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن معنى أعوذ بالله ألتجئ إليه.
(^٢) من الآية: ١٠٨ من سورة التوبة، ويقول البصريون: إن "من" لابتداء الغاية في الأحداث، والتقدير: من تأسيس أول يوم.
(^٣) هذا حديث رواه أنس بن مالك قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هلكت المواشي وتهدمت البيوت، وتقطعت السبل؛ فادع الله. فدعا ﵇، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة".
(^٤) صدر بيت من الطويل، للنابغة الذبياني، في وصف السيوف، من قصيدة له في مدح عمرو بن الحارث، أحد الملوك الغسانيين، وعجزه.
إلى اليوم قد جربن كل التجارب
اللغة والإعراب: تخيرن: وقع الاختيار عليهن، واصطفين، وضمير الإناث للسيوف المذكورة في قوله قبل:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب
"يوم حليمة": يوم من أيام حروب العرب المشهورة، وكان سنة ٦١ ق هـ. وحليمة هي: بنت الحارث بن أبي شمر ملك غسان، وكان أبوها قد وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء -ملك الحيرة بالعراق- فشجعت الجيش ومنحت أفراده جزءا من طيبها فانتصر وقتل النذر، وقد ضرب بذلك المثل فقيل: "ما يوم حليمة بسر". وهو يضرب لكل أمر مشهور. جرين: اختبرن وامتحن. التجارب: جمع تجربة، وهي اختيار الشيء مرة بعد أخرى. "تخيرن" مضارع للمجهول ونون النسوة نائب الفاعل. "من أزمان" متعلق به. "يوم حليمة" مضاف إليه. "إلى اليوم" متعلق أيضا بتخيرن. "قد" للتحقيق. "جربن" إعرابه مثل تخيرن. "كل" مفعول مطلق مضاف إليه "التجارب".
[ ٢ / ٢٧٢ ]
والرابع: التنصيص على العموم (^١)، أو تأكيد التنصيص عليه (^٢)، وهي الزائدة (^٣).
ولها ثلاثة شروط: أن يسبقها نفي، أو نهي (^٤) … … … … …
المعنى: أن هذه السيوف جريت واختبرت مرات كثيرة من هذا الوقت، وأظهرت التجارب مضاءها وصفاء جوهرها، وجودة صقلها، وشدة فتكها بالأعداء.
الشاهد: في قوله "من أزمان"؛ فإن "من" فيه لابتداء الغاية الزمنية على مذهب الكوفيين، ويجب البصريون على ذلك: بأن الكلام على تقدير مضاف؛ أي من استمرار يوم حليمة، وكذلك يقدرون مضافا في الحديث؛ لتكون "من" لابتداء الغاية في الأحداث؛ أي من صلاة يوم الجمعة، وقد يكون الابتداء في غير الزمان والمكان؛ نحو: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، وقولك: من فلان إلى فلان.
(^١) أي عموم المعنى وشمول كل فرد من أفراد الجنس، وهي الداخلة على نكرة ليست ملازمة للوقوع بعد النفي، ولا تدل على العموم بنفسها؛ نحو: ما جاءني من رجل؛ ذلك أن كلمة "رجل" من النكرات التي قد تقع بعد النفي، أو لا تقع، فوقوعها بعد النفي لا يفيد العموم والشمول لكل فرد، بل يحتمل خروج بعض الأفراد من دائرة النفي، فإذا أريد النص في الشمول على سبيل اليقين؛ جيء بالحرف الزائد "من"، ووضع قبل النكرة مباشرة؛ ومن ثم لا يصح أن يقال: ما غاب من رجل، وإنما غاب رجلان أو أكثر؛ منعا للتناقض.
(^٢) هي الداخلة على نكرة لا تستعمل إلا بعد نفي أو شبهه، فتدل بنفسها على العموم؛ مثل: أحد، عريب ديار؛ تقول: ما جاءني من أحد، فيدل ذلك دلالة قاطعة على العموم والشمول، وإنما كانت الأولى للتنصيص، وهذه للتأكيد؛ لأن النكرة الملازمة للنفي تدل على العموم بنفسها فزيادة "من" تأكيد لذلك العموم. أما الأولى فإن النكرة قبل دخول "من" تحتمل نفي الوحدة، ونفي الجنس على سبيل العموم؛ فدخولها نص على الثاني.
(^٣) المراد بزيادتها: وقوعها في موضع يطلبه العامل بدونها، فتكون مقمحة بين طالب ومطلوب، وإن كان سقوطها مخلا بالمعنى المراد.
(^٤) فلا تزاد في الإثبات إلا في تمييز "كم" الخبرية؛ إذا كان مفصولا منها بفعل متعد، نحو قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
أو استفهام بهل (^١)، وأن يكون مجرورها نكرة (^٢)، وأن يكون؛ إما فاعلا؛ نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾، أو مفعولا (^٣)؛ نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾، أو مبتدأ (^٤)؛ نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (^٥).
(^١) أو بالهمزة كذلك على الراجح؛ نحو: هل جاءك، أو جاءك من بشير؟
(^٢) فلا تجر معرفة وذهب الأخفش إلى عدم اشتراط الشرطين معا؛ فأجاز زيادتها في الإيجاب، وأن تجر معرفة، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم﴾، وأجاب الجمهور: بأن "من" في الآية للتبعيض، لا زائدة.
(^٣) أي حقيقة؛ فخرج ثاني مفعولي "ظن"، وثالث مفاعيل "أعلم"؛ لأنهما خبران في الأصل، لا مفعولان حقيقة.
(^٤) أي ولو في الأصل؛ فيدخل أول مفعولي "ظن" وثاني مفاعيل "أعلم" قيل: أو مفعولا مطلقا؛ نحو قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي من تفريط.
(^٥) "خالق" مبتدأ. "غير الله" نعت على المحل، ومضاف إليه، والخبر محذوف؛ أي لكم. وجملة "يرزقكم" نعت ثان.
هذا: ولم يشترط الكوفيون في مجرور "من" الزائدة إلا شرط واحد؛ وهو أن يكون فاعلا، أو مفعولا أو مبتدأ، وذهب الأخفش والكسائي إلى جواز زيادتها بلا شرط مطلقا، وقد اقتصر الناظم على هذه المعاني الأربعة فقال:
بعض وبين وابتدئ في الأمكنه … بـ"من" وقد تأتي لبدأ الأزمنه
وزيد في نفي وشبهه فجر … نكرة كـ"ما لباغ من مفر"
أي أن "من" تجيء للتبعيض؛ ولبيان الجنس، وابتداء الغاية في الأمكنة كثيرا، وفي الأزمنة قليلا، وزائدة بعد نفي، أو شبهه، مع جر النكرة، وسيذكر الناظم المعنى الخامس "لمن"، وهو البدلية بعد.
_________________
(١) * "بعض" فعل أمر. "وبين وابتدى" معطوفان عليه. "في الأمكنة" متعلق باتبدئ. "بمن" تنازعه الأفعال الثلاثة، فأعمل الأخير لقربه، وحذف من غيره ضميره؛ لأنه فضله. "تأتي" فاعله يعود على من. "وزيد" ماض للمجهول، ونائب الفاعل يعود على من. "في نفي" متعل بزيد. "وشبهه" معطوف على نفي. "نكرة" مفعول جر. "كما" الكاف جارة لقول محذوف، و"ما" نافية. "لباغ" خبر مقدم. "من" زائدة. "مفر" مبتدأ مؤخر.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
والخامس: معنى البدل (^١)، نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ (^٢).
والسادس: الظرفية (^٣)؛ نحو: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾، ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^٤).
والسابع: التعليل (^٥)؛ كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (^٦)، وقال الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته (^٧).
وللام اثنا عشر معنى:
أحدها: الملك (^٨)؛ نحو: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾.
والثاني: شبه الملك ويعبر عنه بالاختصاص (^٩)؛ نحو: السرج للدابة.
(^١) أي: أن تكون بمعنى كلمة "بدل"؛ بحيث أن تحل هذه الكلمة محلها.
(^٢) أي: بدل الآخر.
(^٣) فتكون بمعنى "في" التي للظرفية؛ مكانية أو زمانية.
(^٤) "من" في الآية الأولى للظرفية المكانية، وفي الثانية للزمانية.
(^٥) فتدخل على اسم يكون سببا، وعلة في شيء آخر.
(^٦) أي: أغرقوا لأجل خطيئاتهم، فقدمت العلة على المعلول للاختصاص.
(^٧) تقدم هذا الشاهد، والكلام عليه في باب النائب عن الفاعل صفحة: ٤٥.
الشاهد: فيه هنا يكون "من" دالة على العليل؛ أي يغضي لأجل مهابته.
تنبيه: إذا ولي "من" اسم مبدوء بأل، فالأحسن فتح نونها؛ نحو: من القوم. وإذا وليها ساكن آخر، فالغالب كسر نونها نحو: سررت من اجتهادك.
(^٨) هي التي تقع بين ذاتين؛ الثانية منهما هي التي تملك حقيقة، وهذا المعنى أكثر استعمالاتها.
(^٩) وتقع بين ذاتين؛ ثانيتهما لا تملك حقيقة، وإنما تختص بالأولى دون تملك من إحداهما للأخرى؛ كمثال المصنف، أو أولاهما لا تملك؛ كأنت لي وأنما لك. وقد تقع اللام قبل الذاتين؛ نحو: لأخي ابن ذكي. فإن وقعت بين معنى وذات؛ نحو: الحمد لله، والويل للمنافقين، كانت للاستحقاق، وقد يعبر عن الجميع بلام الاختصاص.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
والثالث: التعدية (^١)؛ نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو (^٢).
والرابع: التعليل؛ كقوله:
وإني لتعروني لذكراك هزة (^٣)
والخامس: التوكيد، وهي الزائدة (^٤)؛ نحو قوله:
ملكا أجار لمسلم ومعاهد (^٥)
(^١) أي إلى المفعول به، فما بعدها يكون في حكم المفعول به معنى، وإن كان مجرورا.
(^٢) الفعل "ضرب" متعد في الأصل، فلما نقل إلى "فعل" للتعجب صار قاصرا، فعدي بالهمزة إلى "زيد"، وباللام إلى "عمرو". هذا مذهب البصريين، ويقول الكوفيون: إن الفعل باق على تعديته بلا نقل، واللام هنا لتقوية العامل؛ لضعفه باستعماله للتعجب.
(^٣) تقدم الكلام عليه من باب "إن وأخواتها".
الشاهد: فيه هنا كون اللام في "لذكراك" للتعليل؛ أي لأجل تذكري إياك.
(^٤) في هذه الحالة يكون التوكيد محضا، فنزداد لتأكيد معنى الجملة؛ بتمامها وتقويتها دون العامل، ويجري عليها ما يجري على حرف الجر الزائد، وأكثر ما تكون بين الفعل، ومعموله المتأخر عنه؛ كمثال المصنف. أو بين المتضايقين؛ نحو: يا بؤس للحرب، ويحسن الاقتصار على المسموع فيها. وهل ما بعدها مجرور بها أو بالمضاف؟ قولان.
(^٥) عجز بيت من الكامل للرماح بن ميادة، يمدح عبد الواد بن سلميان بن عبد الملك بن مروان، أمر المدينة، وصدره.
وملكت ما بين العراق ويثرب
اللغة والإعراب: يثرب: الاسم القديم للمدينة المنورة؛ سميت باسم رجل من العمالقة بناها، وتسمى كذلك "طيبة" سماها بذلك الرسول، أجاز: حفظ وحمى، معاهد: هو من يدخل بلاد الإسلام بعهد من الإمام. "ما" اسم موصول مفعول ملكت، "بين" ظرف متعلق بمحذوف صلة. "العراق" مضاف إليه. "ويثرب" معطوف على العراق، مجرور بالكسرة الظاهرة للوزن. "ملكا" مفعول مطلق. "أجاز" الجملة صفة لملكا. "لمسلم" مفعول أجار على زيادة اللام. "ومعاهد" معطوف عليه باعتبار اللفظ.
المعنى: لقد امد سلطانك وانبسط نفوذك؛ حتى شمل ما بين العراق والمدينة المنورة، وشملت الجميع بعدلك وحمايتك؛ سواء في ذلك المسلم والمعاهد.
الشاهد: زيادة اللام في "لمسلم" لمجرد التوكيد؛ لأن "أجار" يتعدى بنفسه، وقد تقدم على معموله، فليس بحاجة إلى اللام.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وأما ﴿رَدِفَ لَكُم﴾، فالظاهر أنه ضمن معنى اقترب (^١)، فهو مثل: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾. والسادس: تقوية العامل الذي ضعف؛ إما بكونه فرعا في العمل (^٢)؛ نحو: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وأما بتأخره عن المعمول؛ نحو: ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (^٣)، وليست المقوية زائدة محضة (^٤)، ولا معدية محضة (^٥)، بل هي بينهما.
والسابع: انتهاء الغاية (^٦)؛ نحو: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
والثامن: القسم (^٧)؛ نحو: لله لا يؤخر الأجل.
والتاسع: التعجب (^٨)؛ نحو: درك!
(^١) يرى المبرد: أن اللام فيه زائدة.
(^٢) أي مأخوذا من غير كالفروع؛ وذلك كالمصدر، واسمي الفاعل والمفعول، وأمثلة المبالغة.
(^٣) "تعبرون" أصل في العمل؛ لأنه فعل، ولكن تأخره عن معموله أضعفه؛ فقوي باللام. والرؤيا: الحلم المنامي، وتعبيره: تفسيره.
(^٤) أي؛ لأنها تفيد التقوية، وتتعلق بالعامل الذي قوته؛ بخلاف الزائدة المحضة؛ فإنها لا تتعلق بشيء.
(^٥) وذلك لاطراد صحة إسقاطها.
(^٦) أي المسافة في الزمان والمكان.
(^٧) أي والتعجب معا. ويشترط أن تكون جملة القسم محذوفة، وأن يكون المقسم به لفظ الجلالة؛ لأنها خلف عن التاء؛ والتاء أكثر ما تستعمل مع لفظ الجلالة.
(^٨) أي المجرد عن القسم؛ بشرط القرينة، ويغلب أن يكون بعد النداء؛ نحو: يا للغروب وما فيه من روعة!
[ ٢ / ٢٧٧ ]
والعاشر: الصيرورة (^١)؛ نحو:
لدوا للموت وابنوا للخراب (^٢)
والحادي عشر: البعدية (^٣)؛ نحو: ﴿أَقِمُ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: بعده.
والثاني عشر: الاستعلاء (^٤)؛ نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾؛ أي: عليها.
(^١) أي لبيان ما يصير إليه الأمر، وتسمى كذلك "لام العاقبة"؛ لأنها توضح عاقبة الشيء، وما يؤول إليه.
(^٢) صدر بيت من الوافر، لم ينسب لقائل، وعجزه:
فكلكم يصير إلى الذهاب
اللغة والإعراب: "لدوا" فعل أمر من الولادة، مبني على حذف النون، وواو الجماعة فاعل "للموت" متعلق به. "للخراب" متعلق بابنوا. والخراب: ضد العمران. "فكلكم" الفاء للتعليل، و"كلكم" مبتدأ ومضاف إليه. "يصير" مضارع ناقص، واسمها يعود إلى كل. "إلى الذهاب" متعلق بمحذوف خبر يصير، وجملة يصير من اسمها وخبرها خبر المبتدأ.
المعنى: لدوا وتكاثروا وابنوا وشيدوا كما تشاءون؛ ليكون المال والمصير والعاقبة إلى ما ذكر؛ فكل إنسان مصيره الموت والفناء.
الشاهد: إن اللام في "للموت" وفي "للخراب" للصيرورة؛ كما ذكرنا، وليست للتعليل؛ لأن الموت ليست علة للولد، وليس الخراب علة البناء.
(^٣) أن تكون اللام بمعنى "بعد"، ويصح حلولها محلها. والمثال الذي ذكره المصنف سبق ذكره في باب المفعول له: صحفة ١٣٧. وذكر هنالك أن اللام للتعليل، وفسر الدلوك بميل الشمس عن السماء.
(^٤) أي الدلالة على أن شيئا حسيا أو معنويا وقع فوق الاسم الذي بعدها، فتكون بمعنى "على" والمراد في الآية: أنهم يسقطون على وجوهم والأذقان: جمع ذقن، وهي مجمع اللحيين في الإنسان. ومثال الاستعلاء المعنوي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾؛ أي عليها. وقوله ﵊ لعائشة حين اشترت بريرة: "اشترطي لهم الولاء"؛ أي عليهم.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وللباء اثنا عشر معنى أيضًا:
أحدها: الاستعانة (^١)؛ نحو: كتبت بالقلم.
والثاني: التعدية (^٢)؛ نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؛ أي: أذهبه.
والثالث: التعويض (^٣)؛ نحو: بعتك هذا بهذا.
هذا: وتأتي اللام للظرفية؛ نحو قوله تعالى في أمر الساعة: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾، وبمعنى "قبل"؛ نحو: كتبت هذا لليلة بقيته من رمضان؛ أي قبل ليلة.
وبمعنى "من" البيانية؛ كقول الشاعر:
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي نحن أفضل منكم يوم القيامة، ولمعان أخرى كثيرة، مبسوطة في "المغني". وقد اقتصر الناظم على بعض ما تقدم من المعاني، فقال:
واللام للملك وشبهه وفي … تعدية أيضًا وتعليل قفي
وزيد … … … … … …
أي أن اللام تفيد معنى الملك وشبهه، وتأتي للتعدية والتعليل، وتقع زائدة، ومعنى قفي: نسب وعرف.
(^١) هي الدالة على آلة الفعل وأداته التي يحصل بها معناه، فهي الواسطة بين الفاعل ومفعوله المعنوي؛ ولذلك تسمى "باء الآلة"، وهذا المعنى هو و"الإلصاق" أكثر المعاني استعمالا لها.
(^٢) أي يستعان بها غالب في تعدية الفعل إلى مفعوله، كما تعدية همزة النقل؛ ولذلك تسمى "باء النقل"، وأكثر ما تعدى الفعل القاصر كمثال المصنف، ومن ورودها مع الفعل المتعدي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، وقولهم: صككت الحجر بالحجر، والأصل: دفع بعض الناس بعضا، وصك الحجر الحجر.
(^٣) هي الداخلة على الأعواض والأثمان؛ حسا أو معنى؛ والعوض: دفع شيء في مقابلة
_________________
(١) * "واللام للملك" مبتدأ وخبر. "وشبهه" عطف على الملك ومضاف إليه. "وفي تعدية" متعلق بقفي. "أيضا" مفعول مطلق لمحذوف. "وتعليل" معطوف على تعدية. "قفي" ماض للمجهول ونائب الفاعل يعود على اللام. "وزيد" ماض للمجهول نائب الفاعل يعود إلى اللام.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
والرابع: الإلصاق (^١)؛ نحو: أمسكت بزيد (^٢).
والخامس: التبعيض (^٣)؛ نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾؛ أي: منها (^٤).
والسادس: المصاحبة (^٥)؛ نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: معه (^٦).
والسابع: المجاوزة (^٧)؛ نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾؛ أي: عنه.
والثامن: الظرفية (^٨)؛ نحو: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾؛ أي: فيه ونحو: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾.
والتاسع: البدل (^٩)؛ كقول بعضهم: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة؛ أي بدلها.
شي آخر؛ ولذلك تسمى باء المقابلة، وهي غير البدل الذي هو اختيار أحد الشيئين وتفضيله على الآخر من غير مقابلة من الجانبين، وقد مثل المصنف للعوض الحسي، أما المعنوي، فنحو: قابلت إحسانه بالشكر والدعاء.
(^١) الإلصاق هو: مطلق التعلق، وهذا المعنى أصل معانيها لا يفارقها، وهو إما حقيقي كمثال المصنف، أو مجازي؛ نحو: مررت بمحمد؛ أي جعلت مروري بمكان يقرب من مكانه.
(^٢) معناه: قبضت على شيء من جسمه، أو ما يتصل به من ثوب أو نحوه، وهذا أبلغ من أمسكت زيدا؛ لأنه يفيد منعه من الانصراف بأي وجه كان.
(^٣) أي أن يكون الاسم المجور بها بعضا من شيء قبلها.
(^٤) وقيل: ضمن يشرب معنى يروي.
(^٥) المصاحبة: انضمام شيء لآخر انضماما يقتضي تلازمهما فيما يقع عليهما أو منهما، وعلامتها: أن يصلح في موضعها "مع"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال.
(^٦) أو كافرين على الحال؛ ومثل هذه الآية: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾؛ أي معه، أو مسلما.
(^٧) سيأتي قريبا أيضاح معنى المجاوزة، وعلامة المجاوزة هنا: أن يصلح في مكانها "عن". قيل: ويختص هذا المعنى بالسؤال كما مثل المصنف، وبدليل: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، وقيل: لا يختص بذلك بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾؛ أي عنه.
(^٨) هي التي يصلح في مكانها "في" والظرفية مكانية وزمانية، وقد مثل لهما المصنف.
(^٩) أي أن تكون بمعنى كلمة "بدل"، وقد بينا الفرق بين البدل وبين العوض، قريبا، والقول.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
والعاشر: الاستعلاء (^١)؛ نحو: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَار﴾ أي: قنطار.
والحادي عشر: السببية (^٢)؛ نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.
والثاني عشر: التأكيد، وهي الزائدة (^٣)؛ نحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ونحو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ونحو: بحسبك درهم، ونحو: زيد ليس بقائم. ولـ"في" ستة معان:
الظرفية؛ حقيقة (^٤) مكنية أو زمانية؛ نحو: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾، ونحو: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. أو مجازية (^٥)؛ نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾.
الذي ذكره المصنف هو لرافع بن خديج الصحابي، وفي الحديث: "ما يسرني حمر النعم" أي بدلها.
(^١) هي التي يصلح في موضعها "على"، وقد تقدم قريبا معنى الاستعلاء.
(^٢) أي: أو التعليل. وهي التي يكون ما بعدها سببا أو علة فيما قبلها.
(^٣) وتزاد في مواضع منها: زيادتها في فاعل "أفعل" في التعجب للتوكيد، وزيادتها فيه لازمة، وتغلب في فاعل "كفى"، وتزاد في المفعول نحو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وزيادتها في غير ذلك مقيسة. وفي خبر "ليس" و"ما" وزيادتها فيهما لتأكيد النفي وفي المبتدأ مع لفظ حسب، وقد مثل الموضح لذلك، وتأتي الباء للقسم، وهذا من أكثر استعمالاتها وهي الأصلية فيه، وتستعمل في القسم الاستعطافي وهو الذي يكون جوابه جملة طلبية نحو: بالله هل زاركم محمد؟ أي أسألك بالله. وغير الاستعطافي، وهو المؤكد بجملة خبرية نحو: بالله لتسافرن. وللغاية بمعنى "إلى" نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾؛ أي أحسن إلي.
(^٤) وهي: ما كان للظرف احتواء وللمظروف تحيز، وذلك بأن يكون كل من الظرف والمظروف من الذوات، و"أدنى" و"بضع" قد اكتسبتا الظرفية من المضاف إليهما؛ فإن "أدنى" اسم تفضيل من الدنو، و"بضع" اسم لما بين الثلاث إلى التسع.
(^٥) هي ما فقدت ركني الحقيقة؛ نحو: في عملك نفع، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، أو الاحتواء؛ نحو: محمد في سعة من الرزق، أو التحيز كمثال.
[ ٢ / ٢٨١ ]
والسببية؛ نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).
والمصاحبة (^٢)؛ نحو: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾.
والاستعلاء؛ نحو: ﴿لأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
والمقايسة (^٣)؛ نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (^٤).
وبمعى الباء؛ نحو:
بصيرون في طعن الأباهر والكلى (^٥)
المصنف وقد اجتمعت الظرفية الحقيقة والمجازية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
(^١) أي بسبب ما أفضتم؛ أي خضتم فيه من حديث الإفك، وما اتهمتم به السيدة عائشة وتسمى التعليلية، وفي الحديث: "دخلت امراة النار في هرة حبستها"؛ أي بسبب، أو لأجل هرة.
(^٢) هي التي يحسن في موضعها "مع".
(^٣) أي: أو الموازنة؛ وهي ما يكون ما قبلها ملاحظا بالقياس إلى ما بعدها، ويحكم عليه بعد القياس بأمر ما؛ فهي واقعة بين مفضول سابق وفاضل لاحق. ولا مانع من العكس أحيانا.
(^٤) أي: بالقياس إلى الآخرة وموازنته بمتاعها.
(^٥) عجز بيت من الطول، لزيد الخير، الذي كان يعرف في الجاهلية بزيد الخيل، فسماه النبي بعد أن أسلم زيد الخير. وصدره:
ويركب يوم الروع مجنا فوراس
اللغة والإعراب: الروع: الفزع والخوف. فوارس: جمع فارس على غير قياس. بصيرون: عارفون وخبيرون. الأباهر: جمع أبهر، وهو عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه، الكلى: جمع كلوة، أو كلية. "يوم" ظرف منصوب بيركب. "بصيرون" صفة لفوارس. "في طعن" متعلق به "الأباهر" مضاف إليه. "والكلى" معطوف على الأباهر.
المعنى: في اليوم الذي يفزع فيه الناس ويرهبون -وهو يوم الحرب- يركب منا فرسان شجعان مدربون على الحرب، خبيرون بطعن المقاتل التي تقضي على الأعداء.
الشاهد: قوله "في طعن"؛ فإن "في" بمعنى الباء؛ لأن بصيرا يتعدى بها، وتأتي "في" بمعنى "إلى" الغائية، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ كناية عن
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ولـ"على" أربعة معان:
أحدها: الاستعلاء (^١)؛ نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
والثاني: الظرفية؛ نحو: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾؛ أي: في حين غفلة.
عدم الرد عن ترك الكلام. وبمعنى "من"؛ نحو قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. وبمعنى الباء التي للإلصاق؛ نحو: وقف الحارس في الباب؛ أي ملاصقا له.
وقد اقتصر الناظم في معاني "في" على الظرفية والسببية، وعلى بعض معاني الباء، فقال مشيرا إلى ذلك.
والظرفية استبن بـ"با" … و"في" وقد يبينان السببا
بالبا استعن وعد عوض ألصق … ومثل "مع" و"من" و"عن" بها انطق
ترك من أول البيت كلمة "وزيد"؛ لأنها من معاني اللام وقد ذكرت قبل ثم قال الناظم: والظرفية استبن ببا وفي؛ أي اجعل الظرفية واضحة بهما؛ لأنها من معانيهما؛ أي أن الباء وفي قد اشتركا في إفادة الظرفية، وكذلك السببية، وذكر أن الباء تكون للاستعانة وللتعدية، وللتعويض، وللإلصاق، وبمعنى "مع"؛ أي المصاحبة.
وبمعنى "من" -أي للتبعيض، وبمعنى "عن"- أي المجاوزة، وقد أوضحنا ذلك كله.
(^١) أي العلو؛ وهو أكثر معانيها استعمالا، والاستعلاء قد يكون حقيقة إن كان على نفس المجرور وهو الغالب؛ حسا كمثال المصنف، أو معنى؛ نحو: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ومجازًا إن كان العلو على ما يقرب من المجرور؛ نحو: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فقد شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها، بمن علا دابة يصرفها كيف شاء، وليس من الاستعلاء المجازي قولهم: "توكلت على الله، واعتمدت عليه"؛ لأن الله لا يعلو عليه شيء لا حقيقة ولا مجاز، وإنما ذلك من باب الإضافة والإسناد؛ أي أضفت توكلي واعتمادي إلى الله، وأسندتهما إليه -سبحانه-.
_________________
(١) * "والظرفية" مفعول مقدم لاستبين. "ببا" متعلق به. "وفي" عطف على ببا. "يبنيان" مضارع وألف الاثنين فاعل وهي عائدة إلى "الياء" و"في" "السببا" مفعول والألف للإطلاق. "بالبا" متعلق باستعن والألف للضرورة. "وعد، عوض، ألصق" معطوفان على استعن بحذف العاطف. "ومثل مع" حال من "ها" في بها ومضاف إليه. "ومن، وعن" معطوفان على مع. "بها" متعلق بانطق.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
والثالث: المجاوزة؛ كقولك:
إذا رضيت علي بنو قشير (^١) أي: عني.
والرابع: المصاحبة؛ نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: مع ظلمهم.
ولـ"عن" أربعة معان أيضًا.
أحدها المجاوزة (^٢)؛ نحو: سرت عن البلد، ورميت عن القوس.
(^١) صدر بيت من الوافر، لقحيف العامري، يمدح حكيم بن المسيب القشيري، وعجزه:
لعمر الله أعجبني رضاها
اللغة والإعراب: بنو قشير: قبيلة تنبسب إلى كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. لعمر الله: المراد: الحلف بإقراره لله -تعالى- بالبقاء بعد فناء الخلق. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط. "رضيت" فعل الشرط. "بنو قشير" فاعل رضيت ومضاف إليه. "لعمر الله" اللام للابتداء، وعمر الله مبتدأ ومضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والخبر محذوف وجوبا؛ أي قسمي. "أعجبني رضاها" جواب الشرط.
المعنى: واضح.
الشاهد: وقوع "على" بمعنى "عن"؛ لأن الأصل في "رضي" أن يتعدى بعن لا بعلى.
وقيل: إن "رضي" مضمن معنى عطف. وتأتي "على" بمعنى اللام، نحو: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي لهدايته إياكم. وبمعنى "من"؛ نحو: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾؛ أي من الناس. وبمعنى الباء نحو: حقيق على ألا أقول إلا الحق، أي بألا أقول. وبمعنى "عند"؛ نحو: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾؛ أي عندي.
(^٢) المجاوزوة هي: ابتعاد شيء مذكور أو غير مذكور عن حرف الجر بسبب شيء قبله؛ فالأول: نحو: رميت السهم عن القوس، والثاني؛ نحو: -رضي الله عنك؛ أي: جاوزتك المؤاخذة بسبب الرضا والمجاوزة قد تكون حقيقة كهذين المثالين، وقد تكون مجازية، إذا كانت في المعانى؛ نحو: أخذت الفقه عن عالم متمكن؛ أي أن الفقه جاوزه بسبب الأخذ منه، والمجاوزة أظهر معاني "عن" وأكثرها استعمالا.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
والثاني: البعدية (^١)؛ نحو: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ أي حالا بعد حال (^٢).
والثالث: الاستعلاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: على نفسه، وقول الشاعر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني … (^٣)؛ أي: علي
(^١) أي: أن تكون بمعنى "بعد".
(^٢) أي: من البعث والسؤال والموت، أو من النطفة إلى ما بعدها، وقيل: إن "عن" هنا باقية على ظاهرها. والمعنى: طبقا متجاوزا في الشدة عن طبق آخر دونه.
(^٣) جزء بيت من البسيط، لذي الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرث، ولقب بذي الإصبع؛ لأن حية نهشت إبهام رجله فقطعها، في مزين بن جابر تمامه:
ولا أنت دياني فتخزوني
وهذا البيت من قصيدة له مشهورة، مطلعها:
يا من لقلب شديد الهم محزون … أمسى تذكر ريا أم هارون
وبعده:
ولا تفوت عيالي يوم مسغبة … ولا بنفسك في الضراء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي … إن ذلك مما ليس يشجيني
ومنها:
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها … إن كان أغناك عني سوف يغنيني
اللغة والإعراب: لاه: أصله: لله، حذفت لام الجر، واللام الأولى من لفظ الجلالة شذوذا، أفضلت: زدت وصرت صاحب فضل. حسب: هو كل ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ومآثرهم. دياني: مالك أمري، وهو صيغة مبالغة، من دان فلان فلانا، أخضعه وملك أمره. تخزوني: تسوسني وتقهرني. "لا" مجرور بحرف جر محذوف، والجار والمجرور خبر مقدم. "ابن عمك" مبتدأ مؤخر مضاف إليه. "لا" نافية "أفضلت" فعل. ونائب فاعل. "في حسب عني" متعلقان بأفضلت. "لا" نافية "أنت" مبتدأ. "دياني" خبر مضاف إلى ياء المتكلم. "فتخزوني" مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وسكنت الواو تخفيفا وللقافية.
المعنى: لله در ابن عمك، يعني نفسه، فقد حاز من الصفات السامية ما يتعجب منه، وأنت لم تفضلني في المفاخر، ولست القائم على أمري وبيدك مصيري، حتى تسوسني وتقهرني وتذلني.
الشاهد: أن "عن" للاستعلاء بمعنى "على"؛ لأن المعروف أن يقال: أفضلت عليه: وجوز الرضي: أن تكون "عن" باقية على أصلها؛ وضمن الشاعر أفضلت، معنى تجاوزت في الفضل، وفي البيت حذف الجر وإبقاء عمله.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
والرابع: التعلي؛ نحو: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي لأجله (^١).
وللكاف أربعة معان أيضًا:
أحدها: التشبيه (^٢)؛ نحو: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (^٣).
والثاني: التعليل؛ نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي لهدايته إياكم (^٤).
(^١) ويجوز أن يكون حالا من ضمير "تاركي"؛ أي ما نتركها صادرين عن قولك.
هذا: وتأتي "عن" بمعنى "من"؛ نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من عباده، وبمعنى الباء، نحو: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي بالهوى. وللبدل؛ نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي بدل نفس. ولغير ذلك. وفي بعض معاني "على" و"عن" يقول الناظم:
على للاستعلا ومعنى "في" و"عن" … بعن تجاوزا عني من قد فطن
وقد تجي موضع "بعد" و"على" … كما "على" موضع "عن" قد جعلا
أي: أن "على" تستعمل للاستعلاء، وبمعنى "في" للظرفية، ومثل "عن" للمجاوزة وتؤدي هذا المعنى إذا قصده من فطن له، وتأتي "عن" بمعنى "بعد"، وبمعنى "على" المفيدة للاستعلاء، كما أن "على" تكون بمعنى "عن" للمجاوزة.
(^٢) وهو أكثر معاني الكاف تداولًا، والأصل فيها.
(^٣) الدهان: الأديم الأحمر، أو جمع دهن؛ أي صارت السماء محمرة كوردة مذابة كالدهن الذي يدهن به.
(^٤) فالكاف للتعليل، و"ما" مصدرية.
_________________
(١) * "على" قصد لفظه "للاستعلا" خبر وقصر للضرورة. "ومعنى في" معطوف على الاستعلاء ومضاف إليه. "وعن" معطوف على في، "بعن" متعلق بعني. "تجاوزا" مفعول مقدم لعني. "من" اسم موصول فاعل عني. "قد فطن" الجملة صلة من. "تجي" مضارع فاعله يعود على عن. "موضع" ظرف لتجي. "بعد" مضاف إليه. "وعلى" معطوف على بعد، "كما" الكاف جارة وما مصدرية. "على" مبتدأ مقصود لفظه. "موضع عن" ظرف متعلق يجعلا ومضاف إليه. "جعلا" مبني للمجهول ونائب الفاعل يعود إلى. "على" والألف للإطلاق، والجملة خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
والثالث: الاستعلاء، قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: كخير؛ أي عليه (^١). وجعل مه الأخفش قولهم: "كن كما أنت"؛ أي: على ما أنت عليه (^٢).
والرابع: التوكيد؛ وهي الزائدة؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾؛ أي: ليس شيء مثله (^٣).
ومعنى إلى، وحتى: انتهاء الغاية (^٤) مكانية أو زمانية؛ نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾؛ ونحو: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^٥)؛ ونحو: أكلت
(^١) استدل المصنف بهذا؛ لأن القول له، والمجيب هو رؤبة بن العجاج الراجز المشهور، وقيل: الكاف للتشبيه على حذف مضاف، أي كصاحب خير.
(^٢) الكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة في محل جر بالكاف، و"أنت" مبتدأ حذف خبره -أي كن على الحال التي أنت عليها. وقيل: "أنت" خبر حذف مبتدؤه؛ أي كن كالشخص الذي هو أنت. وقيل: "ما" زائدة ملغاة والكاف جارة و"أنت" ضمير مرفوع نائب عن الضمير المجرور، وهو في محل جر بالكاف، والجار والمجرور خبر "كن"؛ أي كن فيما يستقبل مماثلا لنفسك فيما مضي. وقيل غير ذلك من الأعاريب.
(^٣) هكذا قدره الأكثرون؛ فرارا من إثبات المثل وهو محال عليه -سبحانه-، وقد زيدت الكاف لتوكيد نفي المثل؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة، وقيل: إن الكاف ليست بزائدة، و"مثل" بمعنى الذات أو الصفة، وقيل غير ذلك.
وقد ذكر الناظم من معاني الكاف ما جاء في قوله:
شبه بكاف وبها التعليل قد … يعنى وزائدًا لتوكيد ورد
أي أن الكاف تأتي لتشبيه، وقد تأتي للتعليل، وورد مجيئها زائدة للتوكيد. ولم يذكر الناظم الاستعلاء من معانيها.
(^٤) المقصود بالغاية كما تقدم: المسافة والمقدار. والمراد بانتهاء الغاية: أن المعنى قبلهما ينقطع وينتهي بوصوله إلى المجرور بعدهما، وتشاركهما في ذلك "اللام" وقد تقدمت.
(^٥) "إلى" هنا لانتهاء الغاية. الزمانية وفي الآية قبلها للمكانية.
_________________
(١) * "بكاف" متعلق بشبه. "وبها" متعلق يعني. "التعليل" مبتدأ. "قد يعني" قد للتقليل، ونائب فاعل يعني يعود على التعليل وجملة الفاعل ونائبه خبر المبتدأ. "وزائدا" حال من فاعل. "ورد" الآتي "لتوكيد" متعلق بزائد، "ورد" فعل ماض وفاعله يعود إلى الكاف.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
ونحو: أكلت السمكة حتى رأسها، ونحو: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^١).
وإنما يجر بـ"حتى" في الغالب: آخر، أو متصل بآخر كما مثلنا؛ فلا يقال: سهرت البارحة حتى نصفها (^٢).
ومعنى "كي" التعليل (^٣)، ومعنى "الواو، والتاء" (^٤): القسم.
(^١) " حتى" للانتهاء في الزمان، وفي المثال الأول لانتهاء الغاية في المكان.
(^٢) لأن النصف ليس آخرا ولا متصلا به. والغالب أن يكون مجرور. "حتى" اسما ظاهرا، لا مضمرا.
هذا: وتأتي "إلى" للمصاحبة، نحو: من غش في المعاملة أساء قومه إلى نفسه؛ أي مع نفسه وللاختصاص؛ نحو: أمر الأمة إلى رئيسها، وأمر الأسرة إلى راعيها، والظرفية؛ نحو سيجمع الله الناس إلى يوم تشيب فيه الولدان؛ أي في يوم.
وتأتي "حتى" للتعليل والدلالة على أن ما قبلها علة وسبب لما بعدها بعكس اللام؛ فإن ما بعدها هو العلة لما قبلها، وفي هذه الحالة لا تجر إلا المصدر المنسبك من أن الناصبة وصلتها؛ نحو: أحسن عملك حتى تكافأ، وقد اقتصر الناظم على ما في قوله:
للانتها "حتى" و"لام" و"إلى" … و"من" و"باء" يفهمان بدلا
أي أن "حتى" تدل على انتهاء الغاية، وكذلك "اللام" و"إلى" و"من" والباء" يشتركان في معنى واحد؛ هو البدل وقد تقدم ذلك. هذا: وقد ذكر النحاة فروقا بين "حتى" و"إلى" تجر الظاهر والمضمر، و"حتى" لا تجر إلا الظاهر على الراجح، و"إلى" تدل على النهاية إذا وجدت قبلها "من" الدالة على البداية، ولا يصح مجيء "حتى".
(^٣) تقدم الكلام عليها صفحة ٢٦٤.
(^٤) حروف القسم أربعة: اللام والباء، وقد تقدم الكلام عليهما. انظر صفحة ٢٧٥، وصفحة ٢٧٩، أما الواو والتاء فيدلان على القسم غير الاستعطافي، ولا يصح أن يذكر معهما فعل القسم، ولا يجران إلا الاسم الظاهر، والتاء لا تجر من الأسماء الظاهرة إلا: "الله، رب، الرحمن"، ومن الشذوذ أن تجر غير هذه الثلاثة، انظر صفحة: ٢٦٩.
_________________
(١) * "للانتها" متعلق بمحذوف خبر مقدم. "حتى" مبتدأ مؤخر مقصود لفظه. "ولام وإلى" معطوفان على حتى. "ومن" قصد لفظه مبتدأ، والواو للاستئناف. "وباء" معطوف على من. "يفهمان" فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ. "بدلا" مفعول به ليفهمان.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
ومعنى مذ ومنذ (^١): ابتداء الغاية إذا كان الزمان ماضيا؛ كقوله:
أقوين مذ حجج ومذ دهر (^٢)
وقوله:
وربع عفت آثاره منذ أزمان (^٣)
(^١) انظر صفحة: ٢٦٨.
(^٢) عجز بيت من الكامل، لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان. وصدره:
لمن الديار بقنة الحجر
اللغة والإعراب: قنة: هي أعلى الجبل. الحجر: منازل قوم ثمود بالشام عند وادي القرى. أقوين: خلون من السكان. حجج: سنين، جمع حجة وهي السن، وهو اسم زمان كالدهر. "لمن" اللام جارة، ومن اسم استفهام في محل جر باللام، والجار والمجرور خبر مقدم. "الديار" مبتدأ مؤخر، "بفنة" متعلق بمحذوف صفة للديار. "الحجر" مضاف إليه، "أقوين". فعل ماض ونون النسوة فاعل، والجملة حال من الديار بتقدير قد. "مذ" حرف جر بمعنى من. "حجج" مجرور بها.
المعنى: لمن هذه الديار التي بأعلى المكان؟ وقد خلت من ساكنيها من سنوات وأزمان طويلة.
الشاهد: في "مذ" حيث استعملت حرف الجر بمعنى "من" لابتداء الغاية الزمنية والمجرور ماض، وهو قليل.
(^٣) عجز بيت من الطويل، لامرئ القيس الكندي، وصدره:
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان
اللغة والإعراب: "قفا" أمر للواحد بلفظ الاثنين على عادة العرب؛ مثل: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾. ذكرى: تذكر. عرفان: معرفة. ربع: منزل ودار. عفت آثاره: درست وانمحت علاماته. "قفا" فعل أمر، وألف الاثنين فاعل. "نبك" مضارع مجزوم في جواب الأمر بحذف الياء. "من ذكرى" جار ومجرور متعلق بنبك. "حبيب مضاف إليه، "وعرفان" معطوف على حبيب، "وربع" معطوف على ذكرى، أو على حبب. "عفت آثاره" الجملة.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
والظرفية إن كان حاضرا (^١)؛ نحو: منذ يومنا. وبمعنى "من" وإلى "معا إن كان معدودًا؛ نحو: مذ يومين (^٢).
ورب للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا (^٣): فالأول؛ كقوله ﵇: "يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" (^٤)، وقول بعض العرب عند انقضاء رمضان: يا رب صائمه
صفة لربع. "منذ" حرف جر بمعنى من. "أزمان" مجروريها، والجار والمجرور متعلق بعفت.
المعنى: قف يا صاحبي نندب حظنا ونذرف الدمع من تذكر الأحبة والأصدقاء الذين فقدناهم، وتلك المنازل التي درست بعد أن كانت عامرة بأهلها، وذهبت آثارها ومعالها من أزمان طويلة.
الشاهد: جر "منذ" للزمان الماضي وهي للابتداء، وأكثر العرب يرى وجوب جر "منذ ومذ" للحاضر، وترجيح جر "منذ" للماضي، وترجيح رفع "مذ" للماضي على جره.
(^١) فيكونان على معنى "في" وينصبان بالفعل قبلهما.
(^٢) أي ما رأيته من ابتداء هذه المدة إلى انتهائها؛ ويشترط حينئذ: أن يكون الزمان نكرة معدودا لفظا، كمذ يومين، أو بمعنى كمذ شهر؛ لأنهما لا يجران المبهم -أي غير المعدود. ويجوز وقوع المصدر بعدهما، تقول: ما رأيته مذ قدوم الحجاج- أي مذ زمن قدوم الحجاج، كما يجوز وقوع "أن" وصلتها بعدهما. نحو: ما رأيته منذ أن الله خلقني، وهو على تقدير زمان أيضًا، وفي مذ ومنذ الحرفان يقول الناظم:
وإن يجرا في مضي فكـ"من" … هما وفي الحضور معنى "في" استبنع
أي إن وقع ما بعدهم مجرورا، وكان ماضيا فهما حرفا جر بمعنى "من"، وإن كان حاضرا فهما بمعنى "في"، وقوله استبن: أي اطلب بيان معنى "في" الظرفية.
(^٣) يرى فريق من النحاة، أنها للتقليل دائما، وزعم ابن درستويه وجماعة أنها للتكثير دائما.
(^٤) "يا" للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف. "رب" حرف جر شبيه بالزائد. "كاسية"؛ أي مكسية مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة. "في الدنيا" متعلق به. "عارية" خبر. "يوم القيامة"
_________________
(١) * "إن" شرطية "يجرا" فعل الشرط والألف فاعل. "في مضي" متعلق بيجرا. "فكمن" الفاء لرابط الجواب بالشرط، و"كمن" ومجرور خبر مقدم، "هما" مبتدأ مؤخر، "وفي الحضور" متعلق باستبن. "معنى" مفعول استبن مقدم. "في" مضاف إليه مقصود لفظه.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
لن يصومه وقائمه لن يقومه (^١). والثاني؛ كقوله:
ألا رب مولود وليس له أب … وذي ولد لم يلده أبوان (^٢)
ظرف متعلق بعارية، ومضاف إليه، ويجوز أن تكون عارية صفة لكاسية باعتبار اللفظ أو المحل، والخبر محذوف؛ أي ثابتة.
المعنى: كثير من الناس مستور ومكسو في الدنيا، مفضوح وعار اليوم القيامة.
الشاهد: أن "رب" هنا للتكثير؛ لأن الحديث مسوق للتخفيف، والتقليل لا يناسبه.
ومثله وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
(^١) "صائمه" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، والهاء مضاف إليه، وهي في محل نصب مفعول لصائم. "لن يصومه" الجملة خبر. وقد استدل بهذا الكسائي على إعمال اسم الفاعل المجرد بمعنى الماضي.
المعنى: كثير ممن يصومون رمضان ويقومون ليلة لا ثواب لهم في صومهم وقيامه؛ لأنهم يضيعون ثوابهم بما يرتكبون من آثام.
الشاهد: فيه كسابقة.
(^٢) بيت من الطويل، ينسب لرجل من أزد السراة، ولم يعين اسمه. وذكر الفارسي أنه لرجل اسمعه عمرو الجنبي، لقي امرأ القيس في إحدى الفلوات فخاطبه بهذا البيت.
اللغة والإعراب: مولود ليس له أب: هو عيسى ﵇ ولد ليس له أبوان: هو آدم أبو البشر، فقد خلق من تراب. "ألا" للتنبيه. "رب" حرف جر وتقليل شبيه بالزائد.
"مولود" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الشبيه بالزائد، "وليس له أب" الواو للحال، والجملة من ليس ومعموليها، في موضع نصب على الحال، وخبر المبتدأ محذوف؛ أي موجود "وذي" معطوف على مولود مجرور بالياء؛ لأنه من الأسماء الخمسة، "ولد" مضاف إليه "يلده" مضارع مجزوم بلم بسكون مقدر منع من ظهوره حركة التخلص من التقاء الساكنين العارض؛ فقد سكنت اللام تشبيها بكتف وفخذ ونحوهما، من كل كلمة ثانيها مكسور؛ فإنه يجوز إسكانه للتخفيف وسكنت الدال للجازم، فحركت الدال بالفتح إتباعا للياء، ويجوز في ضمها إتباعا للهاء. "أبوان" فاعل يلد، والجملة صفة لذي ولد.
الشاهد: كون "رب" هنا للتقليل؛ لأنه لا يوجد من هذين الصنفين إلا فرد واحد، ولا تجر رب غالبا إلا الاسم الظاهره النكرة، وتحتاج هذه النكرة لصفة من مفرد أو جملة أو شبهها، وقد تجر ضميرا للتنبيه يفسره اسم منصوب بعده يعرب تمييزا … إلخ، انظر صفحة ٢٦٩.
[ ٢ / ٢٩١ ]
فصل: في الحروف المشتركة بين الحرفية والاسمية
يريدان بذلك آدم وعيسى - عليهما الصلاة والسلام -
فصل: من هذه الحروف ما لفظه مشترك بين الحرفية والاسمية، وهو خمسة:
أحدهما: الكاف (^١) والأصح أن اسميتها مخصوصة بالشعر؛ كقوله:
يضحكن عن كالبرد المنهم (^٢)
(^١) يرى الأخفش والفارسي وابن مالك: أن استعمالها اسما قياسي في سعة للكلام، ولا يختص بضرورة الشعر، وقد كثر في كلام الفحول من الشعر، وإذا صارت اسما كانت بمعنى "مثل"، وتقع فاعلا فتكون مبنية على الفتح في محل رفع؛ كقول الشاعر:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه … … … …
ومفعولا؛ كقول آخر:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه … فحلو وأما وجهه فجميل
وفي محل جر، نحو: تبتسم عن كاللؤلؤ، وكمثال المصنف.
(^٢) رجز للعجاج بن رؤبة، يصف نسوة بالحسن والجمال وصدره:
بيض ثلاث كتعاج جم
اللغة والإعراب: بيض: جمع بيضاء. نعاج: جمع نعجة، والمراد بها هنا البقرة الوحشية، شبهت بها المرأة الحسناء، ولا يقال نعاج لغيرها. جم: جمع جماء وهي التي لا قرن لها. البرد: مطر ينعقد كرات صغيرة. المنهم: الذائب منه بعضه حتى يصير كرات صغيرة جدا. "بيض" مبتدأ. "ثلاث" صفة له "كنعاج" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ثانية. "جم" صفة لنعاج. "يضحكن" فعل مضارع ونون النسوة فاعل، والجملة خبر المبتدأ "كالبرد، الكاف اسم بمعنى "مثل" في محل جر بعن، والبرد مضاف إليه. "المتهم" صفة للبرد.
المعنى: أن هؤلاء النسوة البيض اللاتي كبقر الوحش خفة ورشاقة، يضحكن عن أسنان كالبرد الصغير صفاء ولطافة.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
والثاني والثالث: "عن"، و"على"؛، وذلك إذا دخلت عليهما "من"؛ (^١)
كقوله:
من عن يميني مرة وأمامي (^٢)
الشاهد: استعمال الكاف في "كالبرد" اسما بمعنى "مثل"؛ بدليل دخول حرف الجر عليها، وحرف الجر لا يدخل إلا على الاسم.
(^١) ليس ذلك بقيد لاسميتهما، وإنما الغالب وقوعهما مجرورتين بمن، وإذا استعملا اسمين، كانت "عن" بمعنى جانب، و"على" بمعنى فوق. وهذا الاستعمال قياسي فيهما. وإلى استعمال الكاف و"عن" و"على" أسماء يشير الناظم بقوله:
واستعمل اسما وكذا "عن" و"على" … من أجل ذا عليهما "من" دخلا
أي أن الكاف استعملت اسما، وكذلك "عن" و"على"، ومن أجل استعمالهما اسمين دخل عليهما الحرف الجار "من"، وهو لا يدخل إلى على الأسماء.
(^٢) عجز بيت من الكامل، لقطري بن الفجاءة الخارجي، وصدره:
فلقد أرباني للرماح دريئة
اللغة والإعراب: دريئة: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن والرمي. "ولقد" اللام واقعة في جاب قسم مقدر، وقد حرف تحقيق. "أراني" مضارع، والفاعل أنا، والنون للوقاية، والياء مفعول أول. "للرماح" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من دريئة، الواقع مفعولا ثانيا لأرى. "من" جارة. "عن" اسم بمعنى جانب أو جهة، في محل جر بمن، والجار والمجرور متعلق بمحذوف يدل عليه أراني. "يميني" مضاف إليه. "مرة" منصوب على المصدرية "وأمامي" معطوف على يميني.
المعنى: يصف نفسه بالشجاعة والصبر على الجلاد في معمعة الحرب حين يفر الأبطال، فتتقاذف عليه رماح الأعداء ونبالهم، وتأتيه من كل جانب وهو ثابت، أو يريد: أن المحاربين معه يتخذونه وقاية يتقون بها رمايا الأعداء؛ لشجاعته ورباطة جأشه.
_________________
(١) * "واستعمل" ماض للمجهول، ونائب الفاعل، يعود إلى الكاف في البيت السابق. "اسما" حال من نائب الفاعل. "وكذا" متعلق بمحذوف خبر مقدم. "عن" مبتدأ مؤخر مقصود لفظه "وعلى" معطوف على عن. "من أجل" متعلق بدخل. "ذا" مضاف إليه. "عليهما" متعلق بدخل. "من" قصد لفظه مبتدأ. "دخلا" فعل ماض فاعله يعود على. "من" والألف للإطلاق، والجملة خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وقوله:
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها (^١)
والرابع والخامس: "مذ"، ومنذ". وذلك في موضعين (^٢).
الشاهد: أن "عن" اسم بمعنى جانب أو جهة، بدليل دخول حرف الجر عليه وهو "عن".
(^١) صدر بيت من الطويل، لمزاحم بن الحارث العقيلي يصف قطاة، وعجزه:
تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
اللغة والإعراب: غدت: صارت والضمير فيه عائد على القطاة. ثم: كمل. ظمؤها: مدة صبرها عن الماء؛ والظم: ما بين الشرب والشرب، تصل: تصوت أحشاؤها من العطش، قيض: هو القشر الأعلى للبيض. زيزاء: بيداء، وهي الأرض القفر التي لا ماء فيها. مجهل: قفر ليس فيها أعلام يهتدي بها. "غدت" فعل ماض من أخوات كان، واسمها مستتر يعود على القطاة. "من" جارة. "عليه" اسم بمعنى فوق في محل جر بمن، والهاء مضاف إليه. "بعد" ظرف منصو بغدت. "ما" مصدرية. "ثم ظمؤها" فعل وفاعل ومضاف إليه، والمصدر المنسبك من "ما" وما بعدها مضاف إليه لبعد أي بعد تمام، "تصل" الجملة خبر غدت. "وعن قيض" معطوف بالواو على قوله "من عليه" "بزيزاء" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقيض، ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، "مجهل" مضاف إليه، أو صفة لزيزاء، أو بدل كل من كل.
المعنى: أن هذه القطاة صارت من فوق فرخها، وقد مضت المدة التي تصبر فيها عن الماء -تصوت من شدة الظمأ، وهي على قشور البيض والأفراخ في تلك الأرض الغليظة القفر الخالية مما يهتدي به السائرون.
الشاهد: استعمال "على" اسما بمعنى "فوق"؛ بدليل دخول حرف الجر عليها. وقيل: معناه "عند".
(^٢) وإليهما يشير الناظم بقوله:
و"مذ ومنذ" اسمان حيث رفعا … أو أوليا الفعل كـ"جئت مذ دعا"
_________________
(١) * "ومذ" مبتدأ قصد لفظه. "ومنذ" معطوف عليه. "اسمان" خبر المبتدأ "حيث" ظرف صفة لمذ ومنذ. "رفعا" جملة الفعل والفاعل في محل جر بإضافة حيث. "أو" عاطفة. "أولياء" ماض للمجهول، والألف نائب فاعل وهي المفعول الثاني. "الفعل" مفعول أول؛ لأنه الفاعل في المعنى. "مذ" ظرف متعلق بجئت. "دعا" فعل ماض والفاعل هو، والجملة في محل جر بإضافة مذ. أي أن "مذ" و"منذ" يكونان اسمين حين يرفعان اسما بعدهما، أو حين يليهما ويقع بعدهما فعل وفاعله، ومثل الناظم للجملة الفعلية بقوله: جئت مذ دعا، وسيأتي إيضاح ذلك.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
أحدهما: أن يدخلا على اسم مرفوع؛ نحو: ما رأيته مذ يومان، أو مذ يوم الجمعة، وهما حينئذ: مبتدآن، وما بعدهما خبر (^١). وقيل: بالعكس (^٢)، وقيل: ظرفان، وما بعدهما فاعل بكان تامة محذوفة (^٣).
والثاني: أن يدخلا على الجملة؛ فعلية كانت، وهو الغالب؛ كقوله:
ما زال مذ عقدت يده إزاره (^٤)
(^١) ومعناهما: الأمد ونفي المدة؛ إذا كان الزمان حاضرا؛ نحو: ما رأيته مذ يومنا، أو معدودا كمثال المصنف "منذ يومان"، والتقدير: مدة عدم الرؤية يومنا، أو يومان ومن المعدود: منذ يوم، أو شهر، أو سنة، أو عشرة أيام، أو خمسة عشر يوما، أو عشرون يوما، أو مائة يوم، أو ألف يوم … إلخ. وإن كان الزمان ماضيا؛ نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة فمعناه: أول مدة انقطاع الرؤية يوم الجمعة، وهذا مذهب المبرد والفارسي وبعض الكوفيين.
(^٢) ويكونان ظرفين متعلقين بمحذوف هو الخبر وما بعدهما مبتدأ مؤخر، ويكون معنى ما لقيته مذ يومان بيني وبين لقائه يومان، وفي هذا تكلف وتقدير لا مبرر له، وهو مذهب الأخفش والزجاج.
(^٣) والتقدير: مذ كان أو قد مضى يومان أو يوم الجمعة، وهما حينئذ متعلقان بمضون ما قبلهما، مع ملاحظة استمرار الانتفاء إلى زمن التكلم، وهذا مذهب جمهور الكوفيين، واختاره ابن مالك، ولعل الرأي الأول هو الأولى بالاتباع.
(^٤) صدر بيت من الكامل، للفرزدق يرثي يزيد بن المهلب، وعجزه:
فسما فأدرك خمسة الأشبار
اللغة والإعراب: عقدت يده إزاره: كناية عن مجاوزته حد الطفولة وبلوغه سن التمييز والإزار: ما يلبسه الإنسان في نصفه الأسفل. فسما: شب واتفع. أدرك: بلغ ووصل، خمسة الأشبار: المراد: ارتفعت قامته وبلغ مبلغ الرجال. "ما" نافية. "زال" فعل
[ ٢ / ٢٩٥ ]
أو اسمية كقوله:
وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع (^١)
ماض ناقص، واسمها يعود على يزيد: "مذ" ظرف مبني على السكون في محل نصب بزال، وهو مضاف إلى جملة "عقدت يداه إزاره" من الفعل والفاعل والمفعول. "قسما" معطوف على عقدت، "فأدرك" معطوف عليه كذلك، "خمسة الأشبار" مفعول أدرك، ومضاف إليه، وخبر زال جملة "يدني" في البيت بعده، وهو:
يدني كتائب من كتائب تلتقي … في ظل معترك العجاج مثار
المعنى: أن يزيد منذ بلغ سن التمييز، واستطاع أن يقضي حوائجه بنفسه، ظهرت عليه مخايل الرجولة، وأخذ يتدرج في مدارج الرفعة والشجاعة ويظهر منه ما لا يرى إلا في الأبطال والعظماء.
الشاهد: دخول "مذ" على جملة فعلية، وهو الغالب فيها، وينبغي أن يكون الفعل ماضيًا.
(^١) صدر بيت من الطويل للأعشى ميمون بن قيس، وعجزه:
وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
وهذا البيت من قصيدته المشهورة التي مطلعها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبت كما بات السليم مسهدا
اللغة والإعراب: أبغي: أطل. يافع: هو الغلام الذي بلغ الحلم، أو ناهز العشرين؛ يقال أيفع الغلام ويفع؛ فهو يافع، ولا يقال موفع؛ وكأنهم استغنوا باسم الفاعل من الثلاثي. وليدا: صبيا. كهلا: هو من وخطه الشيب، أو من جاوز الثلاثين، أو الأربعين إلى الخمسين والستين. أمردا: هو الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته؛ لأنه لم يبلغ سن الالتحاء؛ فإذا بلغه ولم تنبت لحيته فهو ثط. "ما" نافية "زلت" فعل ماض ناقص، والتاء اسمها. "أبغي المال" الجملة خبر زال. "مذ" ظرف معمول لأبغي. "أنا يافع" مبتدأ وخبر، والجملة مضاف إليه بمذ.
المعنى: إنني أطلب المال، وأسعى للحصول عليه منذ كنت ناشئا، ثم صبيا، إلى أن بلغت سن الكهولة.
الشاهد: دخول "مذ" على الجملة الاسمية.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وهما حينئذ ظرفان باتفاق (^١).
فصل: تزاد كلمة "ما" بعد من، وعن، والباء فلا تكفهن عن عمل الجر (^٢)؛ نحو: ﴿مِمَّا خَطِياتِهِمْ﴾، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾. وبعد "رب" و"الكاف" فيبقى العمل قليلا؛ كقوله:
ربما ضربة بسيف صقيل (^٣)
(^١) قيل: ظرفان مضافان إلى الجملة، أو إلى زمن مضاف إلى الجملة. وقيل: إنهما مبتدأن؛ بتقدير زمن مضاف إلى الجملة، يكون هو الخبر، والتقدير في مثال الناظم: "جئت مذ دعا" وقت المجيء هو زمن دعائه، وفي بيت للأغشى: أول وقت طلبي المال، هو وقت كوني يافعًا؛ وعلى ذلك فدعوى الاتفاق على الظرفية غير مسلمة هذا، وأصل منذ: مذ، ولا تدخل "من" عليهما، ولا يصح العكس أيضا.
(^٢) لأنها لا تزيل اختصاصهن بالأسماء، وتقتضي قواعد الكتابة اتصال الحرفين خطا، قال: الناظم:
وبعد "من" و"عن" و"باء" زيد "ما" … فلم يعق عن عمل قد علما
أي تزاد "ما" بعد "من" و"عن" والباء فلا تكفها وتمنعها عن عمل لها معلوم، وهو جر ما بعدها.
(^٣) صدر بيت من الخفيف، لعدي بن الرعلاء الغساني. وعجزه:
بين بصرى وطعنة نجلاء
اللغة والإعراب: صقيل: مجلو أملس. بصرى: بلد الشام؛ كان بها سوق في الجاهلية، وذهب إليها النبي ﷺ مع عمه للتجارة، ورآه فيها بحيرا
_________________
(١) * "وبعد" ظرف متعلق بزيد. "من" مضاف إليه مقصود لفظه "وعن وباء" معطوفان على من. "زيد" ماض للمجهول. "ما" نائب فاعل زيد. "يعق" مضارع مجزوم بلم، وفاعله يعود على "ما". "عن عمل" متعلق بيعق، "قد علما": "قد" حرف تحقيق، وعلى ماض للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى علما، والألف للإطلاق، والجملة في محل جر صفة لعمل.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وقوله:
كما الناس مجروم عليه وجارم (^١)
والغالب أن تكفهما عن العمل (^٢) فيدخلان حينئذ على الجمل.
الراهب، وعرفه، وحذر عمه عليه، نجلاء: واسعة ظاهرة الاتساع، "رب" حرف جر شبيه بالزائد. "ما" زائدة بعدها "ضربة" مجرور برب لفظا، وهي مبتدأ. "بسيف" متعلق بمحذوف صفة لضربة. "صقيل" صفة لسيف. "بين" ظرف متعلق بمحذوف، وخبر المبتدأ "بصرى" مضاف إليه، أو صفة لضربة، والخبر محذوف. "وطعنة" معطوف على ضربة.
"نجلاء" صفة لها، مجرورة، بالكسرة الظاهرة للضرورة، وقد أضاف الشاعر "بين" إلى "بصرى"، وهو مفرد لم يعطف عليه مثله، مع أن "بين" لا تضاف إلا إلى متعدد؛ إما؛ لأن "بصرى" في قوة المتعدد؛ لأنها ذات أجزاء، ومحلات كثيرة؛ أي بين أجزائها وأماكنها. أو أن هناك مضافا محذوفا؛ أي بين أماكن بصرى.
المعنى: كثيرا ما استعملت سيفي للضرب، ورمحي للطعن، في هذه الجهة استعمالا مشرفا.
الشاهد: زيادة "ما" بعد "رب"، وعدم منعها من العمل. وذلك قليل.
(^١) عجز بيت من الطويل، لعمرو بن براقة الهمداني، وصدره:
وننصر مولانا ونعلم أنه
اللغة والإعراب: ننصر: نعين ونؤازر، مولانا؛ المراد هنا: حليفنا أو سيدنا، مجروم: مظلوم واقع عليه الجرم والتعدي، وجار: ظالم معتد. "مولانا" مفعول ننصر، منصوب بفتحة مقدرة على الألف، وهو مضاف إلى "نا". "أنه" أن واسمها. "كما" الكاف حرف تشبيه وجر، و"ما" زائدة. "الناس" مجرور بالكاف، والجار والمجرور خبر "أن"، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي نعلم. "مجروم" خبر ثان؛ لأن. "عليه" جار ومجرور، ونائب فاعل لمجروم؛ لأنه اسم مفعول. "وجازم معطوف عليه.
المعنى: أن من أخلاقنا وشيمتنا أن نساعد حليفنا، ونعينه على عدوه، ونحن نعلم أنه كغيره من الناس يظلم، ويظلم غيره.
الشاهد: زيادة "ما" بعد الكاف في "كما الناس"، وعدم كفها عن عمل الجر.
(^٢) وحينئذ تسمى "كافة" أما إذا لم تكف؛ فتسمى "زائدة" لا غير.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
كقوله:
كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه (^١)
وفي زيادة "ما" بعد "رب" و"الكاف" يقول الناظم:
وزيد بعد "رب" و"الكاف" فكف … وقد تليهما وجر لم يكف
أي زيد الحرف "ما" بعد "رب"، وبعد "الكاف" فكفهما عن العمل، وقد يلهما ولا يكفيهما، ومعنى "لم يكف: لم يمنع" وكذلك تزاد "ما" قليلا بعد اللام؛ كقول الأعشى:
إلى ملك خير أربابه … فإن لما كل شيء قرارا
أي فإن لكل شيء. وما ورد من دخول "ما" على هذه الحروف وكفها عن العمل، يؤول عند الجمهور على أن "ما" مصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر مجرور بها. وتزاد "ما" أيضًا بعد أدوات الشرط الجازمة، وغير الجازمة؛ فلا تغير وضعها؛ نحو: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾. والغرض من زيادتها في هذه الأحوال كلها التأكيد.
(^١) عجز بيت من الطويل، لنهشل بن جرى، يرثي أخاه مالكا، وكان قد قتل في جيش علي يوم صفين، وصدره:
أخ ماجد لم يحزني يوم مشهد
اللغة والإعراب: ماجد: ذو مجد؛ والمجد: الرفعة والشرف والكرم. يحزني: يوقعني في الخزاية؛ وهي الإهانة والفضيحة؛ والمراد: يخذلني. يوم مشهد: اليوم الذي يشهده الناس ويحضرونه؛ والمراد يوم صفين، وهو الذي قتل فيه أخوه مالك. سيف عمرو؛ المراد: عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وسيفه: الصمصامة. مضاربة: جمع مضرب؛ وهو نحو شبر من طرفه. "أخ" مبتدأ. "ماجد" صفته. "لم يخزني" الجملة خبر. ويجوز أن يعرب. "أخ" خبرا لمبتدأ محذوف، وما بعده صفة. "يوم مشهد" ظرف متعلق بيخزني، ومضاف إليه. "كما" الكاف جارة، و"ما" كافة. "سيفا عمرو" مبتدأ، ومضاف إليه. "لم تخنه مضاربه" الجملة خبر المبتدأ.
_________________
(١) * "وزيد" ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود على "ما" في البيت السابق. "والكاف" معطوف على "رب". "فكف" الفاء عاطفة، وفاعل كف يعود على "ما"، ومفعوله محذوف؛ أي فكف جرهما. "تليهما" فاعل تلى يعود على "ما"، وضمير التثنية مفعول به يعود على رب والكاف، و"جر" الواو للحال، و"جر" مبتدأ، "لم يكف" يكف مضارع مبني للمجهول؛ ومجزوم بلم؛ ونائب الفاعل يعود إلى. "جر" والجملةخبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وقوله:
ربما أوفيت في علم (^١)
والغالب على "رب" المكفوفة أن تدخل على فعل ماض (^٢) كهذا البيت، وقد تدخل على مضارع منزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه؛ نحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٣).
المعنى: يمدح أخاه بالشجاعة والإقدام والكرم، وأنه لم يتخل عنه، ولم يخذله، ولم يحجم عن لقاء الأعداء معه يوم صفين؛ كما أن سيف عمرو بن معد يكرب لم يخذله ولم ينب في يده عن شيء ما.
الشاهد: أن "ما" كفت الكاف في "كما" عن الجر؛ فرفع "سيف" على الابتداء، وهذا هو الكثير فيها. هذا: وتقع "كما" بعد الجمل صفة في المعنى؛ نحو: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، وتعرب نعتا لمصدر أو حالا؛ أي نعيده أول خلق؛ إعادة مثل ما بدنا، أو نعيده مماثلا للذي بدأناه. ومثل: "كما": "كذلك".
(^١) صدر بيت من المديد لجذيمة بن الأبرش بن مالك بن فهم ملك الحيرة، وهو صاحب الزباء، وعجزه:
ترفعن ثوبي شمالات
اللغة والإعراب: أوفيت: نزلت، علم: جبل. شمالات: جمع شمال؛ وهي ريح تهب من ناحية القطب الشمالي. "ربما" رب حرف جر شبيه بالزائد، و"ما" كافة "ترفعن" مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، "ثوبي" مفعول ترفعن. "شمالا" فاعله.
المعنى: كثيرًا ما أنزل على الجبال العالية، في مهب الرياح العاتية، محتملا المصاعب؛ لأرقب الأعداء؛ يفتخر بأنه يرقب الطليعة بنفسه متحملا لمشاق؛ ولا يعتمد على غيره.
الشاهد: أن "ما" كفت "رب" عن عمل الجر؛ لأنها دخلت على الجملة الفعلية.
(^٢) لأن معناها التكثير أو التقليل؛ وهما إنما يكونان فيما عرف حده، والمستقبل مجهور، وإذا كانت "ما" كافة، و"رب" غير عاملة، وجب وصلهما كتابة، فإن كانت "رب" عاملة، وجب فصلهما.
(^٣) فإن "يود"، وإن كان مستقبلا حقيقة؛ لأنه في يوم القيامة؛ لكن لما كان معلوما لله تعالى، نزل منزلة الماضي، بجامع التحقق في كل، وقيل: إن المضارع مقصود به حكاية حال ماضية.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وندر دخولها على الجملة الاسمية كقوله:
ربما الجامل المؤيل فيهم (^١)
حتى قال الفارسي: يجب أن تقدر "ما" اسما مجرورًا برب بمعنى شيء (^٢)، والجامل خبرا لضمير محذوف، والجملة صفة لما (^٣)؛ أي رب شيء هو الجامل المؤبل.
فصل: تحذف "رب"، ويبقى عملها بعد الفاء كثيرًا؛ كقوله:
على طريق المجاز:
(^١) صدر بيت من الخفيف، لأبي دؤاد الإيادي، وعجزه:
وعناجيج بينهن المهار
اللغة والإعراب: الجامل: اسم جمع للإبل لا واحد له، وقيل: القطيع من الإبل مع رعاتها. المؤبل: المعد للقنية. عناجيج: جمع عنجوج؛ كعصفور؛ وهي الخيل الجياد الطويلة الأعناق، المهار: جمع مهر، وهو ولد الفرس، والأنثى مهرة. "ربما": "رب" حرف تقليل وجر شبيه بالزائد، و"ما" كافة زائدة "الجامل" مبتدأ "المؤبل" صفته "فيهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، "وعناجيج" مبتدأ معكوف على الجامل، وخبره محذوف يدل عليه ما قبله. "بينهن المهار" خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر، والجملة صفة لعناجيج.
المعنى: يصف نفسه بالكرم والجود، وأنه لا يبخل على من يتصل به بأحسن ما عنده؛ من الإبل المتخذة للقنية، والخيل الجياد التي معها أولادها.
الشاهد: دخول "رب" المكفوفة بما على الجملة الاسمية، وذلك نادر.
(^٢) وذلك ليكون الاسم المجرور بها نكرة.
(^٣) و"فيهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال؛ أي كائنا فيهم؛ وبذلك يكون مدخول رب مفردا، وإنما قدر الفارسي ضميرا محذوفا، ولم يجعل الجملة على حالها صفة لما ليحصل الربط بين الصفة والموصوف، وفي هذه الحالة تكتب "ما" مفصولة من "رب" بخلاف "ما" الكافة؛ فإنها تكتب موصولة.
[ ٢ / ٣٠١ ]
فمثلك حبلى قد طرفته ومرضعا (^١)
وبعد "الواو" أكثر: كقوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله (^٢)
(^١) صدر بيت من الطويل؛ لامرئ القيس الكندي، من معلقته المشهورة يخاطب به محبوبته، وعجزه:
فألهيتها عن ذي تمائم محول
اللغة والإعراب: طرقت: أتيتها ليلا؛ والطروق: الإتيان في الليل. ألهيتها: شغلتها.
تمائم: جمع تميمة؛ وهي التعاويذ التي تعلق على الصبي لتقيه من العين والسحر ونحوهما، على عقيدة العرب، محول: اسم فاعل؛ من أحول الصبي، إذا مر عمره حول. "فمثلك" الفاء عاطفة و"مثلك" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، وجر لفظا برب المحذوفة بعد الفاء والكاف مضاف إليه. "حبلى" بدل من "مثل"، وجملة "قد طرقت" خبر المبتدأ "ومرضع" معطوف على حبلى. "فألهيتها" الفاء عاطفة، و"ألهيتها" فعل وفاعل ومفعول. "عن ذي" متعلق به، "تمائم" مضاف إليه، ممنوع من الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع. "محول" صفة لذي تمائم مجرورة بالكسرة.
المعنى: رب المرأة مثلك حبلى، ومرضع قد أتيتها ليلا، فشغلتها عن طفلها الصغير الذي تولع به، وخص الحبلى والمرضع؛ لأنهما أزهد النساء في الرجال، ومع ذلك تعلقتا به، ومالتا إليه.
الشاهد: جر "مثل" في اللفظ -برب المحذوفة بعد الفاء، وذلك كثير.
(^٢) صدر بيت من الطويل، لامرئ القيس أيضًا من المعلقة المذكورة، وعجزه:
علي بأنواع الهموم ليبتلي
اللغة والإعراب: كموج البحر: أي مثله؛ في شدة هوله وظلمته. سدوله: ستوره والمفرد سدل. ليبتلي: ليختبر ويمتحن. "وليل" الواو واو رب، "ليل" مبتدأ وهو مجرور لفظا برب المحذوفة. "كموج البحر" متعلق بمحذوف صفة لليل، ومضاف إليه، والخبر محذوف، أي قطعته. "أرخى" سدوله"، الجملة صفة ثانية لليل، أو هي الخبر. "علي" متعلق بأرخى. "ليبتلي" اللام للتعليل، ويبتلي مضارع منصوب بأن المضمرة بعد اللام.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وبعد "بل" قليلا؛ كقوله:
بل مهمه قطعت بعد مهمه (^١)
وبدونهن أقل؛ كقوله:
المعنى: رب ليل عظيم الهول والخوف أسد على ستور ظلامه مع أنواع الهموم والأحزان؛ ليختبر ما عندي من الشجاعة والاحتمال والصبر، أو الجزع والفزع -قطعته ولم أبال بشيء.
الشاهد: جر "ليل" برب المحذوفة بعد الواو؛ وهذا أكثر من حذفها، وجر ما بعدها بعد الفاء.
(^١) بيت من الرجز المشطور، لرؤبة بن العجاج.
اللغة والإعراب: مهمه: مفازة بعيدة الأطراف؛ قيل: سميت بذلك؛ لأن سالكها يقول لصاحبه من الخوف والذعر: مه مه؛ أي كف عن الحديث. "بل"حرف عطف للإضراب. "مهمه" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، وجر لفظا برب المحذوفة بعد "بل"، "قطعت" الجملة خبر. ويجوز أن يعرب "مهمه" مفعولا
مقدما لقطعت. "بعد مهمه" ظرف متعلق بقطعت ومضاف إليه.
الشاهد: في "بل مهمه"؛ حيث جر برب المحذوفة بعد "بل".
وحذف "رب" بعد "بل" وإبقاء عملها، قليل بالنسبة للواو والفاء، وكل حرف من هذه الأحرف الثلاثة يسمى العوض عن "رب"، أو النائب عنها، ويقال في الإعراب: الواو واو "رب"، والفاء فاء "رب"، وبل: بل "رب".
وفي حذف "رب" بعد هذه الأحرف يقول الناظم:
وحذفت "رب" فجرت بعد "بل" … و"ألفا" وبعد "الواو شاعر ذا العمل
أي أن "رب" قد تحذف، ويبقى ما بعدها مجرورا بها لفظ؛ وذلك قليل بعد "بل"، وكثير
_________________
(١) * "رب" نائب فاعل حذفت مقصود لفظها. "فجرت" الفاء عاطفة، وفاعل جرت يعود على رب، والتاء للتأنيث. "بعد" ظرف متعلق بجرت. "بل" مضاف إليه مقصود لفظه. "وألفا" معطوف على بل؛ وقصر للضرورة. "وبعد الواو" ظرف متعلق بشاع، ومضاف إليه. "ذا" اسم إشارة فاع. شاع العمل بدل من ذا، أو نعت، أو عطف بيان.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
رسم دار وقفت في طلله (^١)
وقد يحذف غير "رب" ويبقى عمله؛ وهو ضربان:
سماعي؛ كقول رؤبة: "خير والحمد لله"؛ جوابًا لم قال له: كيف أصبحت؟ (^٢)
وقياسي (^٣)؛ كقولك: بكم درهم اشتريت ثوبك؟؛ أي: بكم من درهم؟ خلافًا للزجاج في تقديره الجر بالإضافة (^٤).
بعد الفاء، وشاع بعد الواو.
(^١) صدر بيت من الخفيف، لجميل بن معمر العذري، وعجزه:
كدت أقضي الحياة من جلله
اللغة والإعراب: رسم دار: هو ما بقي من آثارها لاصقا بالأرض؛ كالرماد ونحوه.
طلله، الطلل: ما شخص؛ أي ارتفع من آثارها؛ كالوتد والأثافي. من جلله: من أجله، أو من عظم شأنه في نفسي. "رسم" بالجر مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، وجر لفظا برب محذوفة. "دار" مضاف إليه، "وقفت" الجملة صفة لرسم. "في طلله" جار ومجرور متعلق بوقفت. "كدت" كاد واسمها أقضي الحياة" الجملة خبر كاد، والجملة من كاد ومعموليها خبر المبتدأ.
المعنى: رب أثر باق من آثار ديار الأحبة، وقفت عنده؛ فكدت أموت أسى وحزنا على تلك الديار؛ التي كانت عامرة ولها أعظم شأن في نفسي، فأصبحت خرابا خاوية من أهلها.
الشاهد: جر "رسم" برب محذوفة؛ من غير أن يسبق هذا المجرور حرف من الأحرف الثلاثة التي مرت، وذلك نادر.
(^٢) الأصل: بخير، أو على خي؛ فحذف الجار، وأبقي عمله. ورؤبة هذا من فصحاء العرب، الذين يستدل بقولهم.
(^٣) ويطرد في مواضع كثيرة؛ منها: أن يكون حرف الجر داخلا على تمييز "كم" الاستفهامية؛ بشرط أن تكون مجرورة بحرف جر مذكور قبلها؛ كمثال المصنف.
(^٤) بأي إضافة "كم" إلى تمييزها.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وكقولهم: إن في الدار زيدا والحجرة عمرا (^١)؛ أي: وفي الحجرة، خلافا للأخفش؛ إذ قدر العطف على معمولي عاملين (^٢).
وقولهم: مررت برجل صالح إلا صالح فطالح (^٣)؛ حكاه يونس، وتقديره: إلا أمر بصالح، فقد مررت بطالح (^٤).
(^١) هذا هو الموضع الثاني؛ وهو: أن يكون حرف الجر مع مجروره بعد عاطف، والمعطوف عليه مشتمل على حرف جر مماثل للمحذوف؛ "فالحجرة" مجرورة بفي محذوفة، وليست معطوفة على الدار؛ لئل يلزم العطف على معمولي عاملين مختلفين، وذلك ممنوع عند سيبويه، ومن تبعه؛ وذلك لضعف العاطف عن القيام مقام عاملين مختلفين.
(^٢) فجعل "الحجرة" معطوفة على الدار، وعمرًا معطوفا على "زيدا"، والدار وزيد، معمولان لعاملين مختلفين؛ لأن العامل في الدار حرف الجر، والعامل في "زيدا" إن.
(^٣) هذا هو الموضع الثالث؛ وهو: أن يكون حرف الجر مسبوقا بفاء الجزاء، الواقعة بعد ما تضمن مثل المحذوف.
(^٤) هذا تقرير ابن مالك. وقدره سيبويه: إلا أكن مررت بصالح فبطالح؛ قيل: هو الصواب؛ لئلا ينتقض إخبارك أولا بالمرور فيما مضي؛ لأن: إلا أمر معناه في المستقبل، ويمكن حمل تقدير ابن مالك عليه؛ بأن يجعل معنى إلا أمر: إن لا أكن مررت. وفيما سبق؛ من حذف الجار وإبقاء عمله؛ تشبيها برب. يقول الناظم:
وقد يجر بسوى "رب" لدى … حذف وبعضه يرى مطردا
أي وقد يجر الاسم بحروف غير "رب" مع حذفها، وبعض حالات الحذف والجر قد يكون قياسيا مطردا، وبعضه سماعي لا يقاس عليه.
ومما يطرد فيه الحذف غير ما ذكره المصنف:
أ- أن يكون حرف الجر "لام التعليل" إذا جرت "كي" المصدرية وصلتها؛ نحو: كافأتك
_________________
(١) * "قد" حرف للتقليل. "بسوى" جار ومجرور؛ واقع موقع نائب فاعل يجر. "رب" مضاف إليه مقصود لفظه. "لدى" ظرف متعلق بيجر. "حذف" مضاف إليه. "وبعضه" مبتدأ، ومضاف إليه "يرى". مطردا نائب فاعل يرى، العائد على بعضه، هو المفعول الأول، و"مطردا" المفعول الثاني، والجملة خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كي تقبل على عملك؛ أي لكي؛ إذا قدرت "كي" تعليلية.
ب- أو يكون الجار أحد حروف القسم، والمجرور لفظ الجلالة، دون عوض من حرف القسم المحذوف؛ نحو: الله لأعاقبن المهمل، أي بالله.
جـ- إذا كان الجار واقعا مع المجرور، في سؤال مقرون بالهمزة، بعد كلام متضمن؛ مثل المحذوف؛ نحو: أعلي بن إبراهيم؛ استفهاما لمن قال: مررت بعلي.
د- أو كانا واقعين بعد "هلا" التي للتحضيض، وقبلهما كلام مشتمل على مثل المحذوف؛ كأن يقال: سأتصدق بدينار؛ فيقال: هلا دينارين؛ أي بدينارين.
هـ- أن يكون المجرور بالحرف معطوفا على خبر "ليس"، أو"ما" الحجازية؛ بشرط أن يكون صالحا لدخول حرف الجر عليه؛ بأن يكون الخبر اسما لم ينتقض نفيه بإلا؛ نحو: لست مدركا القطار، ولا قادر على العودة؛ بجر "قادر" بالعطف على "مدركا"، الذي يجوز جره بالباء، فيقال: لسبت بمدرك، فعلى الجواز الموهوم، عطف عليه بالجر؛ وهذا هو الذي يسميه النحاة "العطف على التوهم".
و- إذا كان الجار مسبوقا بإن الشرطية، وقبلهما كلام مشتمل على مثيل للمحذوف؛ نحو: سلم على من تحب؛ إن محمد، وإن علي.
ز- إذا كان حرف الجر مع المجرور معطوفين على مشتمل على حرف جر، مثل المحذوف، مع الفصل "بلا" بين حرف العطف، وحرف الجر؛ نحو: ما للمعلم إلا الإرشاد والتوجيه، ولا الطالب إلا الجد والتحصيل، أو: ولا للطالب.
حـ- أن يكون حرف الجر كالموضع السابق، مع الفصل "بلو" كقوله: متى استعنتم بنا ولو فئة منا وجدتم منا كل عون؛ أي: ولو بفئة.
هذا: ولا يجوز الفصل بين حرف الجر ومجروره اختيارا، ويجوز الفصل بينهما اضطرارا؛ بظرف، أو جار ومجرور.
تنبيه: ذكرنا فيما سبق: أن الظرف؛ والجار والمجرور لا بد لهم من متعلق يرتبطان به؛ وهذا المتعلق قد يكون فعلا، أو شبهه؛ كاسم الفعل، أو مؤولا بما يشبه ذلك، أو ما يشير إلى معناه؛ نحو: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾؛ أي وهو المسمى بهذا الاسم، ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾؛ أي انتفى الكون مجنونا بنعمة ربك؛ فإن
[ ٢ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يكن شيء من ذلك؛ قدر الكون المطلق متعلقا ويستثنى من ذلك:
أ- الحروف الزائدة؛ لأنه أتي بها للتأكيد لا للربط.
ب- "لعل" في لغة عقيل؛ لأنها شبيهة بالزائد.
جـ- "رب"؛ مثل: رب رجل محسن قابلت؛ لأن مجرورها مفعول.
د- "لولا" عند من جربها؛ لأنها بمنزلة "لعل"؛ في رفع ما بعدها محلا.
هـ- حروف الاستنثاء؛ وهي: خلا، وعدا، وحاشا، إذا خفضن.
[ ٢ / ٣٠٧ ]