التمييز: اسم (^٢) نكرة، بمعنى "من" (^٣)، مبين (^٤) لإبهام اسم أو نسبة.
فخرج بالفصل الأول (^٥)؛ نحو: زيد حسن وجهه (^٦).
وقد مضى أن قوله:
صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو (^٧)
محمول على زيادة "أل".
وبالثاني: الحال؛ فإنه بمعنى في حال كذا، لا بمعنى "من".
وبالثالث (^٨)؛ نحو: لا رجل، ونحو:
هذا باب التمييز
(^١) هو في الأصل: مصدر ميز الشيء؛ إذا خلصه من شيء آخر؛ فمعناه، لغة: تخليص شيء من شيء. ثم أطلق على الاسم المميز مجازا، ويسمى أحيانا: التفسير أو التبيين، أو المفسر، أو المميز. ومعناه اصطلاحا ما ذكره المصنف.
(^٢) أي صريح؛ لأن التمييز لا يكون جملة ولا ظرفا، ولا جارا ومجرورا، بخلاف الحال في هذه الثلاثة.
(^٣) المراد: أن يفيد معنى "من" البيانية، أي التي تبين جنس ما قبلها أو نوعه؛ ذلك؛ لأن الاسم المميز جيء به لبيان الجتس؛ كما يجاء بمن مميزة له، وليس المراد أنه يمكن تقدير "من" قبله؛ فقد لا يصلح الكلام أحيانا لتقدير "من".
(^٤) هو نعت لاسم؛ أي أنه يبين ويوضح إبهام ما قبله، ويزيل غموضه.
(^٥) أي قوله: نكرة.
(^٦) أي: من كل ما هو مشبه بالمفعول به؛ فإن "وجهه" وإن بين إبهام ما قبله، لكنه ليس بتمييز؛ لأنه معرفة، بل "وجهه" منصوب على التشبيه بالمفعول به.
(^٧) تقدم هذا البيت في "باب المعرف" بالأداة. وقد ذكر هنالك أن اللام في النفس زائدة للضورة؛ فهو نكرة. وقد أجاز الكوفيون تعريف التمييز متمسكين بمثل هذا.
(^٨) وهو قوله: "مبين لإبهام اسم أو نسبة" يخرج اسم "لا" التي للتبرئة.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه (^١)
فإنهما وإن كان على معنى "من" لكنها ليست للبيان؛ بل هي في الأول للاستغراق، وفي الثاني للابتداء (^٢).
وحكم التمييز النصب. والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم (^٣)؛ كعشرين درهما. والناصب لمبين النسبة المسند من فعل أو شبهه (^٤)؛ كطاب نفسًا، وهو طيب
(^١) صدر بيت من البسيط، لم نقف على قائله، وعجزه:
رب العباد إليه الوجه والعمل
اللغة والإعراب: أستغفر: أطلب المغفرة. محصيه: ضابطا عدده، الوجه: القصد والتوجه، "ذنبا" مفعول ثان لأستغفر، أو منصوب على نزع الخافض؛ على تضمين أستغفر معنى استنيب. "لست محصيه" الجملة من ليس واسمها وخبرها صفة لـ"ذنبا"، "رب العباد" بدل من لفظ الجلالة، ومضاف إليه. "إليه" خبر مقدم. "الوجه" مبتدأ مؤخر. "والعمل" معطوف على الوجه.
المعنى: أطلب المغفرة والعفو من الله، على ذنوبي الكثيرة التي لا أحصيها؛ فهو رب الخلق جميعا، وإليه الالتجاء في كل شيء، وله يكون العمل والسعي.
الشاهد: في "ذنبا" فإنه ليس بتمييز؛ لأنه وإن كان على معنى "من"، إلا أنها ليست للبيان؛ فهو ليس مبينا لإبهام اسم قبله، أو لنسبة في جملة.
(^٢) كأنه أراد استغفار يبتدئ من أول الذنوب إلى ما لا نهاية، وقيل: "من" هنا للتعليل، وهو أظهر.
(^٣) أي الذي جاء التمييز لإيضاحة وإزالة الغموض عنه، وإنما عمل مع جموده؛ لشبهه باسم الفاعل؛ في الاسمية، وطلب المعمول في المعنى، ووجود ما به تمام الاسم؛ وهو النون والتنوين؛ فإن "عشرين درهما" -مثلًا- شبيه بضاربين محمدًا، ورطل زيتا شبيها بضارب عليا.
(^٤) وهو الوصف كما مثل المصنف. وقيل: الناصب له الجملة التي يوضح النسبة فيها؛ لأنه قد لا يكون في الجملة فعل أو وصف؛ نحو: هذا أخوك إخلاصا، أو أبوك عطفا. فالقول بأن ناصبه الجملة مطرد.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أبوة. وعلم بذلك بطلان عموم قوله:
ينصب تمييزا بما قد فسره (^١)
(^١) هذا عجز بيت من النظم، عرف الناظم بصدره التمييز، وهو بتمامه:
اسم بمعنى "من" مبين نكره … بنصب تمييزًا بما قد فسره
أي أن التمييز هو: الاسم النكرة المتضمن معنى "من"، الذي يبين إبهام ما قبله ويوضحه، وأن ناصبه هو ذلك الشيء المبهم، الذي جاء التمييز لإيضاحه. ووجه البطلان الذي أشار إليه المصنف: أن كلام الناظم يقتضي أن التمييز بنصب بما قد فسره؛ سواء كان مفسرا لإبهام اسم مفرد أو نسبة، مع أن تمييز النسبة ينصب بالجملة، أو بما فيها من فعل أو شبهه على الخلاف الذي ذكرناه، لا بالنسبة المفسرة، وأجاب الأشموني: بأن كلا من الجملة والفعل يوصف بالإبهام من حيث نسبته؛ فيصح كون التمييز مفسرا لهما باعتبار نسبتهما، فيصدق أنه نصب بمفسره. وعلى هذا يكون قول الناظم على عمومه، وقيل: إن ذلك خاص بتمييز المفرد، وخصه بالذكر؛ لأنه جامد غالبا، فربما ينوهم أنه لا يعمل.
_________________
(١) * "اسم" خبر لمبتدأ محذوف؛ أي هو اسم. "بمعنى" متعلق بمحذوف صفة لاسم. "من" مضاف إليه مقصود لفظه "مبين" نعت ثان لاسم "نكرة" نعت ثالث له، "تمييزا" حال من نائب فاعل ينصب المستتر "بما" جار ومجرور متعلق بينصب. و"ما" اسم موصول، وهي واقعة على العامل، "قد فسره" الجملة صلة ما، وفاعل. "فسره" يعود إلى التمييز، والهاء مفعوله عائدة إلى ما.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فصل: أنواع الاسم المبهم أربعة
فصل: الاسم المبهم أربعة أنواع
أحداها: العدد (^١) كـ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾.
والثاني: المقدار (^٢)، وهو: إما مساحة (^٣)؛ كشبر أرضا. أو كيل كقفيز برا (^٤). أو
(^١) سواء كان صريحا؛ كمثال المصنف ونحوه، أو كناية؛ ككم الاستفهامية نحو: كم رطلا اشتريت.
(^٢) هو ما يعرف به قدر الشيء وكميته.
(^٣) هي الأشياء التي يجري تقديرها بالقياس، ويدخلها العرف في كشبر، وباع … إلخ.
(^٤) القفيز من المكاييل يختلف باختلاف الأقطار؛ ففي بعضها ١٨٢/ ٣؛ نحو ثمانية عشر وثلثين قدحا وفي آخر؛ نحو: ٤٨ قدحا، ومن الأرض ١٤٤ ذراعا، وليس مرادا هنا. والبر: القمح.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
كمنوين عسلًا؛ وهو تثنية منا (^١)؛ كعصا، ويقال فيه من بالتشديد وتثنية منان.
والثالث: ما يشبه المقدار (^٢)؛ نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾، ونحي سمنا (^٣)، ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (^٤). وحمل على هذا: "إن لنا غيرها إبلًا" (^٥).
والرابع: ما كان فرعًا للتمييز (^٦)؛ نحو: خاتم حديدًا؛ فإن الخاتم فرع الحديد، ومثله: باب ساجا (^٧)، وجبة خزًا، وقيل: إنه حال (^٨).
(^١) المنا: رطلان: وهذه الأمثلة ذكرها الناظم بقوله:
كشبر أرضا، وقفيز برا … ومنوين عسلًا وتمرا
(^٢) أي في مطلق التقدير، وإن لم يكن معينا ومحدودا، أو لم يوضع للتقدير به، وهذا النوع يكون في الوزن والكيل والمساحة، وقد مثل له المصنف على هذا الترتيب.
(^٣) النحي: الزق مطلقا، أو هو خاص بوعاء السمن، وجمعه أنحاء، وهو يشبه الكيل، وليس بكيل حقيقة.
(^٤) "مثل" اسم يدل على المماثلة من غير ضبط بحد معلوم، فهو شبيه بالمساحة، وليس مساحة حقيقة.
(^٥) "إبلا" منصوب على التمييز من غير؛ لأنها اسم مبهم يدل على المغايرة، وهم يحملون المغايرة عى المماثلة.
(^٦) ضابطه: كل فرع أصبح له بسبب التفريع اسم خاص يليه أصله؛ بحيث يصح إطلاق الأصل عليه.
(^٧) الساج: نوع من الخشب.
(^٨) أي؛ لأنه يس مقدارًا ولا شبيها بالمقدار، وأيضًا: فقد يقع نعتا تابعًا للأول، وكل ما يتبع النكرة نعتا لها، ينصب بعد المعرفة حالا، وإذا أعرب حالا، كان التابع نعتا. أما من يقول بأنه تمييز فحجته: جموده، ولزومه، وتنكيره صاحبه، والغالب في الحال غير ذلك. وإذا أعرب تمييز؛ فالتابع عطف بيان، وتسمى هذه الأنواع الأربعة: تمييز المفرد أو الذات؛ لأنها تزيل الإبهام عن كلمة واحدة، أو ما هو بمنزلتها، والغالب في تلك الكلمة أن تكون شيئا محسوسا مجسما.
_________________
(١) * "كثير" متعلق بمحذوف، حال من ما الموصولة في البيت قبله "أرضا" تمييز لشبر، "وقفيز" معطوف على شبر. "برا" تمييز لفقير. "ومنوين علا" كذلك. "وتمرا" معطوف على عسلا.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
والنسبة المبهمة نوعان (^١): نسبة الفعل للفاعل؛ نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (^٢). ونسبته لمفعول؛ نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ (^٣).
ولك في مميز الاسم أن تجره بإضافة الاسم (^٤)؛ كشبر أرض، وقفيز بر، ومنوي
(^١) تمييز النسبة ويسمى تمييز الجملة -هو: الذي يزيل الإبهام والغموض عن المعنى المنسوب فيها؛ لشيء من الأشياء.
(^٢) نسبة "اشتعل" إلى الرأس مبهمة؛ فبين هذا الإبهام بالتمييز؛ وهو "شيبا" وهو محول عن الفاعل؛ لأن الأصل اشتعل شيب الرأس؛ فحول الإسناد من المضاف إلى المضاف إليه فارتفع، وحصل إبهام في الإسناد إليه، فجيء بالمضاف الذي كان فاعلا، وحول عنه الإسناد فجعل تمييزا.
(^٣) نسبة "فجرنا" إلى الأرض مبهمة، و"عيونا" تمييز مبين لذلك الإبهام، والأصل: وفجرنا عيون الأرض، فعمل به ما عمل بسابقه، ويرى أكثر النحاة: أن تمييز الجملة لا يخرج عن واحد من هذين، ولو تأويلا؛ مثل: زادت البلاد سكانا، واختلف الناس طباعا، ووفيت العمال أجورا.
(^٤) ويحذف من الاسم ما به تنوين، أو نون تشبهه. وقد يكون جره بحرف الجر "من"؛ كما سيأتي، ومع جره يسمى تمييز، فالجر لا يمنع من هذه التسمية.
وفي ذلك يقول الناظم:
وبعد ذي وشبهها اجرره إذا … أضفتها؛ كـ"مد حنطة غذا
أي بعغد هذه الأشياء التي عرض أمثلتها في البيت السابق، وهي ما دل على مساحة أو كيل أو وزن، أو ما يشبهها؛ من كل لفظ جرى العرف على استعماله في واحد منها، اجرر التمييز بالإضافة؛ بشرط أن يكون المميز مضافا للتمييز مباشرة، والمد: رطل وثلث رطل. والحنطة: القمح.
_________________
(١) * "وبعد" ظرف متعلق باجرر، "ذي" مضاف إليه، "وشبهها" معطوف على ذي "إذا" ظرف فيه معنى الشرط "أضفتها" الجملة فعل الشرط، والجواب محذوف، "كمد" الكاف جارة لقول محذوف، و"مد" مبتدأ مضاف إلى حنطة "غذا" خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٥١ ]
عسل إلا إذا كان الاسم عددًا (^١) كعشرين درهما، أو مضافًا (^٢)؛ نحو: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ و﴿مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا﴾.
فصل: من مميز النسبة: الواقع بعد ما يفيد التعجب (^٣)؛ نحو: أكرم به أبا، وما أشجعه رجلًا، ولله دره فارسا (^٤). والواقع بعد اسم التفضيل، وشرط نصب هذا كونه
(^١) إذا كان العدد من ثلاثة إلى عشرة وجب جر تمييزه بإضافة العدد إليه، والغاب في هذا التمييز المجرور: أن يكون جمعا. والعدد من أحد عشر إلى تسع وتسعين، يجب نصب تمييزه؛ وأن يكون مفردًا، والمائة والمائتان والمئات والألف والألوف، يجب أن يكون التمييز فيها مفردًا مجرورا.
(^٢) أي: إذا أضيف العدد إلى غير التمييز -ولو تقديرا- وجب نصب تمييزه أيضًا لامتناع إضافته مرة أخرى. قال الناظم مشيرا إلى ذلك:
والنصب بعد ما أضيف وجبا … إن كان مثل "ملء الأرض ذهبا
أي يجب نصب التمييز؛ إذا أضيف العدد إلى غير التمييز كما مثل؛ فذهبا تمييز لملء واجب النصب، ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "ملء" أضيف مرة لغير التمييز، فلا مرة أخرى.
(^٣) سواء كان التعجب بصيغتيه القياسيتين، أو بغيرهما من الصيغ السماعية، ويجب نصب التمييز الواقع بعده.
(^٤) فأبا، ورجلا، وفارسا: تمييز لبيان جنس المتعجب منه، المبهمم في النسبة، والدر في الأصل: مصدر در اللبن يدر در؛ إذ أكثر، وسمي اللبن نفسه درًا. والمراد هنا: اللبن الذي
_________________
(١) * "والنصب" مبتدأ. "بعد" ظرف متعلق به. "ما" اسم موصول مضاف إليه. "أضيف" ماض للمجهول والجملة صلة. "وجبا" الجملة خبر المبتدأ، وفاعل وجب يعود إلى النصب، والألف للإطلاق. "إن" شرطية. "كان ناقصة" وهي اسم الشرط، واسمها يعود إلى ما أضيف. "مثل" خبرها. "ملء الأرض" مبتدأ ومضاف إليه "ذهبا" تمييز والخبر محذوف؛ أي لي، وجواب الشرط محذوف، يدل عليه ما قبله، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر بمثل.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
فاعلًا معنى (^١)؛ نحو: زيد أكثر مالًا بخلاف مال زيد اكثر مال (^٢).
وإنما جاز هو أكرم الناس رجلًا؛ (^٣) لتعذر إضافة "أفعل" مرتين (^٤).
ارتضعه من ثدي أمه، وأضيف إلى الله تشريفا، ومعناه: ما أعجب هذا اللبن الذي ارتضعه، وأضيف إلى الله تشريفا، ومعناه: ما أعجب هذا اللبن الذي ارتضعه هذا الرجل، وتغذى به؛ لأنه أنشأ شخصا لا مثيل له في صفات الكمال، فهو لبن من عند منشئ الخلائق ومبدعها، وهو الله ﷾، وإلى هذه الصورة يشير الناظم بقوله:
وبعد كل ما اقتضى تعجبا … ميز كـ"أكرم بأبي بكر أبا
أي يقع التمييز بعد كل ما يدل على التعجب؛ قياسا أو سماعا، ويجب نصبه كما مثل.
(^١) علامة ما هو فاعل في المعنى: ألا يكون من جنس ما قبله، وأن يستقيم المعنى بعد جعله فاعلا، وجعل أفعل التفلضيل فعلا؛ فتقول في مثال المصنف: زيد كثر ماله.
(^٢) فيجب جره بالإضافة؛ لأنه ليس بفاعل بالمعنى، وضابط هذا النوع: أن يكون أفعل التفضيل بعضا من جنس التمييز، ويصح أن يوضع لفظ "بعض" موضع اسم التفضيل، ولا يفسد المعنى؛ ففي المثال المذكور يصح أن يقال: "مال زيد بعض مال". وإنما يجب الجر بالإضافة إذا كان أفعل التفضيل غير مضاف لشيء آخر غير التمييز، فإن كان مضافا وجب نصب التمييز؛ نحو: علي أفضل الناس إخوة، وهند أفضل النساء أخوات، وكذلك إذا كان غير مضاف؛ نحو: أنت أذكى من محمد عقلا.
(^٣) أي بنصب "رجلا" مع تخلف شرط النصب؛ لأن "رجلا" لا يصح أن يكون فاعلا في المعنى؛ فلا يقال: هو كرم رجل.
(^٤) فقد أضيف إلى الناس. فلو أضيف إلى رجل أيضًا لزم ذلك، ونصب التمييز في هذا واجب كما تقدم، وإلى صورة أفعل التفضيل أشار الناظم بقوله:
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا … مفضلا كـ"أنت أعلى منزلا
أي أن التمييز الواقع بعد أفعل التفضيل يجب نصبه؛ إذا كان فاعلا في المعنى؛ كم مثل الناظم، فـ"منزلا" في المثال يجب نصبه؛ لأنه لا يصح جعله فاعلا بعد جعل أفعل التفضيل فعلا؛ تقول: أنت علا منزلك.
_________________
(١) * "وبعد كل" ظرف متعلق بميز ومضاف إليه. "ما" اسم موصول أو نكرة موصوفة مضاف إليه. "اقتضى تعجبا" فاعل اقتضى يعود إلى ما، والجملة صلة ما، أو صفة لها "كأكرم" الكاف جارة لقول لمحذوف. و"أكرم" فعل ماض للتعجب جاء على صورة الأمر. "بأبي" فاعل أكرم على زيادة الباء. "بكر" مضاف إليه. "أبا" تمييز.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
فصل: ويجوز جر التميز بـ"من" (^١)؛ كرطل من زيته إلا في ثلاث مسائل:
إحداها: تمييز العدد (^٢) كعشرين درهما.
الثانية: التميز المحول عن المفعول (^٣) كغرست الأرض شجرًا، ومنه: ما أحسن زيدًا أدبًا (^٤) بخلاف ما أحسنه رجلًا (^٥).
الثالثة: ما كان فاعلًا في المعنى: إن كان محولًا عن الفاعل صناعة؛ كطاب زيد نفسًا. أو عن مضاف عن غيره؛ نحو: زيد أكثر مالًا (^٦)؛ إذ أصله: مال زيد أكثر، بخلاف
(^١) أي ظاهرة، واختلف في معناها حينئذ؛ فقيل زائدة، وقيل للتبعيض، والأظهر أنها لبيان الجنس.
(^٢) بينا قريبا حكم تمييز العدد. وسبب عدم جره بمن: أن وضع "من" البيانية أن يفسر بها، وبما بعدها اسم جنس قبلها صالح لحمل ما بعدها عليه. وتمييز العدد لا يصلح للجمل؛ لأنه مفرد وما قبله متعدد.
(^٣) لأنه التمييز فيه مفسر للنسبة، لا للفظ المذكور، فما بعد "من" من مطلق التمييز مبين لما قبلها، فلا يصح حمله عليه، وكذلك الشأن في المحول عن الفاعل.
(^٤) فهو محول عن المفعول، والأصل: ما أحسن أدب زيد.
(^٥) أي فإنه وإن كان مفعولا في المعنى إلا أنه ليس محولا عن المفعول؛ لأنه عين ما قبله؛ فلا يصح أن يقال: ما أحسن رجل زيد.
(^٦) فإن "مالا" محول عن المبتدأ، كما بين المصنف.
_________________
(١) * "والفاعل" مفعول مقدمم لانصبن. "المعنى" منصوب على نزع الخافض، أو مفعول به للفاعل، أو مجرورًا تقديرًا؛ بإضافة الفاعل إليه، من إضافة الوصف لمعموله. "بأفعلا" متعلق بانصبن مقصود لفظه. "مفضلا" حال من فاعل انصبن. "كأنت" الكاف جارة محذوف، وأنت مبتدأ، "أعلى" خبر. "منزلا" تمييز، وهو فاعل في المعنى.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
نحو: لله دره فارسًا
وأبراحت جارا (^١)
فإنهما وإن كانا فاعلين معنى؛ إذ المعنى: عظمت فارسًا، وعظمت جارا (^٢). إلا أنهما غير محولين، فيجوز دخول "من" عليهما؛ من ذلك (^٣) نعم رجلًا زيد يجوز نعم من رجل قال:
فنعم المرء من رجل تهامي (^٤)
(^١) أبرحت -بكسر التاء- خطاب للمؤنث؛ أي أعجبت وهذه العبارة مأخوذة، من بيت للأعشى، من قصيدة يمدح فيها قيس بن معدي كرب الكندي، وهو:
أقول لها حين جد الرحيل … أبرحت ريا وأبرحت جارا
والضمير في "لها" يعود إلى الناقة التي ارتحل عليها لممدوحه. جد الرحيل: اشتد.
أبرحت: عظمت، أو عجبت. ربا: المراد به الممدوح الذي يقصده الشاعر بشعره؛ إذا فسر "أبرحت" بعظمت؛ أي عظمت ملكا؛ بمعنى: ما أعظم الملك الذي نقصدينه، ويكون ربا تمييزا، وإذا فسر أبرحت بأعجب، فالمراد بالرب صاحب الناقة، ويكون "أبرحت" على هذا فعلا متعديا، و"ربا" مفعولا به؛ كأنه قال: أعجبت صاحبك. مثله جارا.
المعنى: يتخيل أن ناقته شكت إليه طول سفرها، وما احتملته من مشاق ومتاعب؛ فيقول لها: لا تستعظمي ما تلاقينه من الجهد والتعب؛ فإنك تذهبين إلى ملك عظيم يجزل العطاء الذي ينسى معه كل جهد وعناء.
(^٢) فيكون "فارسا وجارا": واقعين على مدلول التاء التي هي الفاعل؛ فيلزم أن يكونا فاعلين في المعنى.
(^٣) أي من الفاعل، في المعنى غير المحول عن الفاعل صناعة.
(^٤) عجز بيت من الوافر؛ ينسب لأبي بكر بن الأسود الليثي، يرثي هشام بن المغيرة، أحد أشراف مكة، وصدره.
تخيره ولم يعدل سواه
وقبل هذا البيت:
فذرني أصطبح يا بكر إني … رأيت الموت نقب عن هشام
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فصل: لا يتقدم التمييز على عامله
فصل: لا يتقدم التمييز على عامله؛ إذا كان اسمًا كرطل زيتا، أو فعلًا جامدًا (^١)؛ نحو: ما أحسنه رجلًا. وندر تقدمه على المتصرف؛ كقوله:
أنفسا تطيب بنيل المنى (^٢)
ومعنى اصطبح: اشرب الصبوح؛ وهو شرب الخمر صباحا، ويقابه الغبوق؛ وهو شربها في العشي. ونقب: بحث.
اللغة والإعراب: تخيره: اختاره واصطفاه، لم يعدل: لم يمل. تهامي: منسوب إلى تهامة، وتطلق على مكة، وعلى أرض معروفة ببلاد العرب. "تخيره" فعل ماض، والفاعل يعود على الموت، والهاء مفعوله، تعود على هشام. "فلم" الفاء عاطفة، ولم جازمة نافية. "سواه" مفعول يعدل، منصوب بفتحة مقدرة على الألف، والهاء مضاف إليه. "فنعم" الفاء عاطفة، ونعم فعل ماض. "المراء" فاعل. و"من" زائدة، "رجل" تمييز للمرء منصوب بفتحة مقدرة؛ منع منها حرف الجر الزائد. "تهامي" صفة لرجل.
المعنى: أن الموت اختار هشاما، ولم يعدل به سواه، ولم يمل إلى غيره من الناس، فهو نعم الرجل من تهامة.
الشاهد: جر التمييز وهو "رجل" بمن؛ لأنه -وإن كان فاعلا في المعنى- لكنه غير محول عن الفاعل الصناعي. وقد اقتصر الناظم على مسألتين مما ذكره المصنف، فقال:
واجرر بـ"من" إن شئت غير ذي العدد … والفاعل المعنى؛ كـ"طب نفسا تفد
أي يجوز جر التمييز بالحرف "من"؛ بشرط ألا يكون التمييز للعدد الصريح، وألا يكون فاعلا في المعنى؛ مثل: طب نفسا تفد؛ أي تستفد؛ فإن الأصل: لتطب نفسك، ثم حول الكلام؛ فصار الفاعل تمييزا. فلا يصح جر "نفسا" بمن.
(^١) وكذلك إذا كان فعلا متصرفا يؤدي معنى الفعل الجامد؛ نحو: كفى بالله شهيدا، فإن "كفى" فعل متصرف، ولكنه بمعنى فعل التعجب وهو غير متصرف؛ لأن معناه ما أكفاه.
(^٢) صدر بيت من المتقارب، ينسب لرجل من طيئ، لم يعين اسمه، وعجزه.
_________________
(١) * "إن" شرطية. "شئت" فعل الشرط، وجوابه محذوف "غير" مفعول اجرر. "ذي" -بمعنى صاحب- مضاف إليه، "العدد" مضاف إليه. "والفاعل" معطوف على ذي. "المعنى" منصوب على نزع الخافض، أو مضاف إليه، أو مفعول به للفاعل. "نفسا" تمييز. "نفذ" مضارع مبني للمجهول مجزوم في جواب الأمر، وهو "طب" ونائب الفاعل أنت.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وقاس على ذلك المازني والمبرد والكسائي (^١).
وداعي المنون ينادي جهارا
اللغة والإعراب: تطيب: تطمئن. نيل المنى: إدراك المأمول، والمنى: جمع منية؛ وهي ما يتمناه الإنسان ويأمله، المنون: الموت. "أنفسا" الهمزة للاستفهام، و"نفسا" تمييز معمول لتطيب. "وداعي المنون" الواو للحال، "داعي" مبتدأ. و"المنون" مضاف إليه. "ينادي" الجملة خبر المبتدأ. "جهارا" مفعول مطلق.
المعنى: كيف تستلذ نفس الإنسان وتطمئن بما تظفر به من الأماني والآمال؛ ورسول الموت يطلبها طلبا شديدا، لا شك فيه.
الشاهد: تقديم "نفسا" وهو تمييز على عامله، وهو تطيب؛ لأنه فعل متصرف، وهذا نادر عند سيبويه والجمهور.
(^١) وحجتهم ما ذكر، وأيضا: القياس على غيره من الفضلات المنصوبة بفعل متصرف.
والأجواد عدم جواز التقديم، إلا لضرورة كما يقول سيبويه؛ لأن التمييز كالنعت في الإيضاح، والنعت لا يتقدم على عامله، فكذلك ما أشبهه، وأيضا فالغالب في التمييز المنصوب بفعل متصرف، أن يكون فاعلا في الأصل، فلا يغير عما كان يستحقه من وجوب التأخير، أما البيت ونحوه فضرورة، وفي حكم تقديم التمييز، وعدم تقديمه، يقول الناظم:
وعامل التمييز قدم مطلقا … والفعل ذو التصريف نزرا سبقا
أي أن عامل التمييز يجب تقديمه؛ سواء كان التمييز تمييز مفرد أو نسبة، وإذا كان عامل التمييز فعلا متصرفا، فقد يتأخر هذا العامل، ويتقدم التمييز عليه نادرا.
أما توسط التمييز بين العامل ومعموله، فجائز؛ بشرط أن يكون العاملا فعلا أو وصفا يشبه؛ نحو: صفا نفسا الورع.
_________________
(١) * "وعامل التمييز" مفعول به مقدم لقدم ومضاف إليه. "مطلقا" حال من "عامل التمييز". "والفعل" مبتدأ" "ذو التصريف" نعت للفعل، ومضاف إليه. "نزرا" صفة لمصدر محذوف؛ أي سبق سبقا نزرا، أو حال من ضمير "سبقا" ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود على الفعل، والألف للإطلاق، والجملة خبر المتبدأ.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد:
أ العدد غير الصريح مثل: "كم" يجوز جر تمييزه بمن؛ تقول: كم من كتاب عندك.
ب ملخص ما قيل في إعراب "يا جارتا ما أنت جارة": أن "يا" حرف نداء، و"جارتا" منادى منصوب؛ لإضافته لياء المتكلم المنقلبة ألفا؛ وأصله "يا جارتي"، و"ما": إما أن تكون نافية تفيد التعجب. و"أنت جارة" جملة اسمية من مبتدأ وخبر.
المعنى: لست جارة. وإنما أنت شيء أكبر من ذلك؛ فأنت بمنزلة الأم أو الأخت أو القريبة؛ إعلانا للتعجب من إخلاصها، الذي لا يصدر إلا عن واحدة من هؤلاء، لا عن جارة، وإما أن تكون "ما" استفهامية خبرا مقدما، و"أنت" مبتدأ مؤخر، و"جارة" تمييز.
ومعنى الجملة: التعجب؛ بسبب أداة الاستفهام الدالة على التعظيم، ويجوز في هذه الصورة: أن تكون "جارة" حالا مؤوله بمعنى ملاصفة، كما يجوز أن تكون "ما" نافية. والجملة بعدها منفية؛ أي أنت ليست أهلا أن تكوني جارة … إلخ.
جـ يتفق الحال والتمييز في أن كلا منهما: اسم، نكرة، منصوب، فضلة، راف للإبهام. ويختلفان في الأمور الآتية.
١ التمييز لا يكون إلا اسما مفردا، أما الال فيجيء جملة، وشبه جملة "ظرفا وجارا ومجرورا".
٢ التمييز يكون مبينا للذوات أو النسبة، أما الحال فلا يكون إلا مبنيا للهيئات.
٣ التميز لا يتعدد إلا بالعطف، أما الحال فتتعدد بعطف، وغير عطف.
٤ التمييز في الغالب يكون جامدا، أما الحال فيكون مشتقة وجامدة، وقد يأتي التمييز مشتقا.
٥ الراجح عدم تقديم التمييز على عامله، إذا كان فعلا مشتقا أو وصفا يشبهه، أما الحال فيجوز فيه ذلك.
٦ التمييز لا يكون إلا مؤكدا لعامله على الصحيح أما الحال فقد تكون مؤكدة، وأما قول الشاعر:
تزود مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزاد زاد أبيك زادا
فالصحيح أن "زاد" معمول لتزود؛ إما مفعولا مطلقا إن أريد به التزود، أو مفعولا به إن
[ ٢ / ٢٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أريد الشيء الذي يتزود به من أفعال البر، وعليهما فـ"مثل " نعت له تقدم فصار حالا.
وأما قول الآخر:
نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت … رد التحية نطقا أو بإيماء
ففتاة حال مؤكدة.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف التمييز ووضح نوعية، وبين فيما يكون كل منهما؟ مع التمثل.
٢ ما حكم التميز الواقع بعد ما يفيد التعجب أو التفضيل؟ وضح ما تقول بالمثال.
٣ متى يجب نصب التمييز؟ ومتى يجب جره؟ ومتى يمتنع ذلك؟ مثل لما تذكر.
٤ ما حكم التمييز بالنسبة لعامله؛ من حيث تقدمه عليه، أو تأخره عنه؟ وضح.
٥ اشرح قول ابن مالك:
واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد … والفاعل المعنى كـ"طب نفسا تفد
٦ بين موضع الشاهد فيما يأتي في هذا الباب، وأعرب ما تحته خط:
قال تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.
﴿اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾.
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا﴾.
﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة﴾.
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها … وما كان نفسا بالفراق تطيب
إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا … ولم يعن بالإحسان كان مذمما
طافت أمامة بالسر كبان آونة … يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
إنا لقوم أبت أخلاقنا كرما … أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
٧ اشرح اليت الآتي شرحا أديبا، وأعربه، وبين ما فيه من شاهد:
كفى بالمرء عيبا أن تراه … له وجه وليس له لسان
٨ بين في العبارات الآتية: التمييز، نوعه، عامله، حكمه؛ من حيث النصب والجر:
كان سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ من أطيب الناس عنصرا وأكثرهم عدلا؛ حتى لقب بالفاروق، ومع هذا كان أرقهم قلبا، ولقد عظم عند رسول الله ﷺ رجلا، فلله دره بطلا، وأنعم به جريئا في الحق، لا يخاف فيه لومة لائم. اشترك.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع الرسول في جميع الغزوات؛ فيا له من شجاع، وما أحسنه مقدامًا، يجود بروحه فداء لغيره، ودفاعا عن دينه، أحسن بالفدائيين رجالا مدافعين عن وطنهم المغتصب.
٩ أكمل الجمل الآتية بوضع تمييز مناسب، واضبطه بالأوجه الجائزة:
- أعطيت الفقراء من الزكاة كلية …
- اشتريت رطلين …
- في كيس نقودي عشرة … وثلاث …
- قابلني ثلاثون من المجاهدين فأعطيتهم …
- جنينا محصول فدان …
- ما في الأرض قدر راحة …
١٠ هات مثالين من إنشائك لما يأتي، ووضح السبب:
أ- تمييز جملة واجب المطابقة للاسم السابق.
ب- تمييز جملة تمتنع مطابقته للاسم السابق.
جـ- تمييز جملة تجوز فيه المطابقة وعدمها للاسم السابق.
[ ٢ / ٢٦١ ]