أ- وأيضًا فالباء المتقدمة قد تأتي في بعض الأحيان مفيدة معنى الإستعلاء مقترضة هذا المعنى من (على) نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾ (آل عمران: ٧٥) أي تأمنه على قنطار، بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْل﴾ (يوسف: ٦٤) ونحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ (المطففين: ٣٠) أي إذا مروا عليهم يتغامزون بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ (الصافات: ١٣٧) .
ومن مجيء الباء بمعنى الإستعلاء أيضًا قول الشاعر:
أربُّ يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب
أي يبول الثعلبان على رأسه، ويؤكد ذلك الشطر الثاني من البيت ٣.
ب- ومعلوم أن (على) تفيد معنى الإستعلاء كما سيأتي الكلام على ذلك لكنها قد تأتي مفيدة معنى الباء نحو قوله تعال: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ﴾ (الأعراف: ١٠٥) أي حقيق بأن لا أقول، وقد قرأ أبي بن كعب المتوفى سنة ٢١ هـ الآية المتقدمة بالباء، وقد سمع: اركب على اسم الله أي اركب باسم الله ٤.
_________________
(١) ١مغني اللبيب ١٩٨. ٢راجع معاني الحروف للرماني: ٩٥. والأزهية ٠ ٢٩٥. والخزانة: ٤: ٢٤٤. والهمع: ٢: ٢٩،٣٠. ومعنى الأسيل في البيت: الخد الناعم. ٣مغني اللبيب: ١٤٢. ٤مغني اللبيب: ١٩٢.
[ ٥٩ / ٢٧١ ]
وقال امرؤ القيس:
بأي علاقتنا ترغبون عن دم عمرو على مرتد ١
أراد: ترغبون عن دم عمرو بدم مرتد وليس بدونه.
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فكأنهنَّ ربابة وكأنه يَسَرٌ يفيض على القداح ويَصْدَع ٢
أي يفيض بالقداح أي يضرب بها.
فيلاحظ أن (على) قد تأتى بمعنى (الباء) كما يشهد لذلك الأمثلة المتقدمة ٣.
الباء- من:
قد ترد (الباء) المتقدمة في الأساليب مفيدة معنى التبعيض مقترضة هذا المعنى من (من) قال بهذا الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك والكوفيون ٤، وجعلوا من ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (الإنسان: ٦) أي يشرب منها عباد الله، ومن ذلك قول أبي ذؤيب ٥ الهذلي:
شربن بما البحر ثم ترفعت متى لحج خضر لهن نئيج
أي شربن من ماء البحر.
وقول جميل ٦:
فلثمت فاها آخذًا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
أي شرب النزيف من برد ماء الحشرج، فقد جاءت (الباء) بمعنى (من) فيما تقدم.
_________________
(١) ١الديوان: ٣٩. والأزهية: ٢٨٧. ٢المفضليات: ٢٠٢. ولسان العرب: ربب. وديوان الهذليين: ا: ٦. ٣راجع المطالع السعيدة: ٢: ٥٦. وشرح التصريح: ٢: ١٣. والأشموني: ٢: ٢٢٢.
[ ٥٩ / ٢٧٢ ]