أ- (الباء) تفيد القسم في أظهر معانيها كما تقدم ولكنها في بعض أحوالها قد تأتي في الأسلوب مفيدة معنى (المجاوزة) مقترضة هذا المعنى من (عن) نحو قوله تعالى: ﴿سَأَلَ
_________________
(١) ١راجع معاني الحروف للرماني: ٣٦. والمقرب: ا:٢٠٤. وشرح التصريح: ٢: ١٤. ٢المغني: ١٤١-٢٢٤.
[ ٥٩ / ٢٦٩ ]
سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ (المعارج: ا) أي عن عذاب واقع، ونحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٦) أي فاسأل عنه خبيرًا، ونحو: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (الحديد: ١٢) أي بين أيديهم وعن أيمانهم، ونحو: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (الفرقان: ٢٥) أي يوم تشقق السماء عن الغمام. غير أن الزمخشري جعل (الباء) في هذه الآية بمنزلتها في شققت السنام بالشفرة. على أن الغمام جعل كالآلة التي يشق بها، قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (المزمل: ١٨) .
ومن مجيء (الباء) بمعنى - (عن) نظمًا قول علقمة بن عبده:
فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب
أي فإن تسألوني عن النساء.
وقول عنتره:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
أراد: عما لم تعلمي.
وقول النابغة الجعدي:
سألتني بأناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
أي سألتني عن أناس.
وقول النابغة الذبياني:
كأن رحلي وقد زال النَّهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحَد
أي وقد زال النهار عنا.
فالباء في كل ما تقدم تفيد معنى المجاوزة على سبيل الاقتراض من (عن) ١.
[ ٥٩ / ٢٧٠ ]
يذهبون إلى أنها تفيد معاني أخر منها قد تجئ بمعنى الباء أي تقترض معناه يدل على ذلك الأمثلة الآتية:
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ٣) . أي وما ينطق بالهوى. غير أن بعضهم ذهب إلى أن الباء في هذه الآية على حقيقتها أي ما يصدر قوله عن الهوى ١.
وتقول العرب: رميت عن القوس أي رميت بالقوس، وقال امرؤ القيس:
تَصدُّ وتبدى عن أسيل وتتقى بناظرة من وحشي وحرة مطفل
أي تصد وتبدى بأسيل، فعن في البيت بمعنى الباء ٢.
[ ٥٩ / ٢٧١ ]